الأحد، 29 يناير 2012

حوار حول المادية (14)


ياسين :
أما الممارسة فأنا مثلاً أجيد الرسم فطرياً و لم أتلقى دروساً في الرسم سوى تلك التي كنت أتلقاها في المدرسة, و رغم ذلك فإن النسب في الأشكال التي أرسمها هي نسب صحيحة, و كذلك تجد هذا عند الأشخاص الموهوبين في مجال الموسيقى, و في مجال الشعر, فتخيل مثلاً أن العرب و قبل أن ينشأ علم العروض لم يستخدم العرب سوى خمس عشرة وزناً فقط, أي رغم أن القصيدة كانت تلقى ارتجالاً أحياناً لكنها كانت تأتي وفق قواعد الوزن و لا تخرج عليه.

الرد :

الأمر ليس بهذه الدقة, إنها مليئة بالزحافات والعلل, وهذا يعني عدم الالتزام الكامل بالوزن, وهناك اشعار جرى استبعادها , فقد بني علم العروض على الأكثر والشعراء الأشهر, و بما ان كل شاعر يحاكي شاعرا آخر على طريقة المدرسية ، تبلورت هذه الأوزان المشهورة , ليس لأن ما سوهاه قبيح ، بل لأنها الأكثر تداولا . والشاعر الجديد عادة عند الجاهليين يكون راوية لشاعر قبله , فيتاثر بأوزانه و صوره وخياله وألفاظه و معانيه, اي مدرسية قديمة .

المتذوق الحر يستطيع ان يتذوق الفن عند كل الشعوب, سواء كان أدبيا أو فنيا, إذا استطاع أن يتحرر من مدرسيته . المدرسي دائما يمج ويرفض كل ما خالف ما اعتاد عليه, وهذا ضيق أفق, بل بعضهم يسخر من فنون وآداب الشعوب الأخرى مع أنهم بشر مثله وعبروا عن أحاسيسهم ومشاعرهم ولكن بطريقة لم يعتد عليها . هذا ذنبهم ..

انظر إلى المدرسية في الموسيقى , في الموسيقى العربية مجموعة من المقامات المتكررة, كالسيكاه و الحجاز والعراق والنهاوند ...إلخ, هل يعني هذا أن مقامات الموسيقى عند الشعوب الأخرى غير جيدة وغير صالحة ولا يستطيع ذوقنا ان يقبلها ؟ يستطيع المتلقي أن يتذوق موسيقى شرقية و موسيقى غربية كما هو حال كثير من العرب, بل إن بعضهم لا يستمع إلا للموسيقى الغربية و أصبح مدرسيا فيها , مع أن موسيقاه العربية التي تربى ذوقه عليها لا تعرف مقامات تلك الموسيقى ..

إذا كل هذه الصور من المدرسيات تحد من التواصل البشري و تؤدي إلى انغلاق وحرمان من تذوق فن أوسع و حرمان من مشاركة الشعوب الأخرى بمشاعرها الأليمة أو السعيدة , مما يقلل التواصل والتفاعل بين الشعوب, و هي في النهاية تصب في نطاق التعصب المدرسي .. لهذا انا ضد المدرسية في كل مجال, حتى في مجال الفكر والفلسفة.

الا تلاحظ ان الجيل القديم لا يستطيع أن يتذوق اي شيء من إبداع الجيل الحديث؟ هذه صورة من صور المدرسية وهو أمر سيء منافي للموسوعية والثقافة . ابو عمرو ابن العلاء كان راوية للشعر الجاهلي ولا يرى ان في المحدثين في زمنه ما يستحق الرواية , لكن الجديد فرض نفسه عليه من خلال شعر ابو نواس و ابو تمام و غيرهما, فاضطر إلى أن يقول:" لقد كثر هذا المُحدَث وحَسُن حتى هممت بروايته".. هو همّ ولكنه لم يفعل. هذا ضيق افق بلا شك ومدرسية ضيقة.

باختصار المدرسية ضيق أفق, حتى وإن كان الغرب هو من يقدمها, وفي كل زمان وفي كل حضارة يحاول ضِيـّق الأفق أن يخنق الإبداع و لكنه يكسر الطوق, فليست المدرسية شيئا جديدا, ولا مكتشَفا غربيا.
ياسين :

فلو أن المسألة كما تفترض يا صديقي لكان لدى العرب ربما أكثر من ألف وزن شعري. و ربما كل قصيدة لها وزنها الشعري المستقل بذاته
.

الرد :

هذا ما يجب أن يكون لو تخلصوا من المدرسية والاتباعية. يبقى الاتباع الاعمى هو أكبر مشكلة عند الشعوب, لو كان عندهم ألف وزن أليس أفضل من خمسة أو ستة عشر؟ لا فائدة تُرجى وراء الحصر والتضييق.

ياسين :

مقتبس من الوراق:
لماذا هو مثل الباقين ؟ وهو يحمل فلسفة شمولية مختلفة عن فلسفة الآخرين ؟ منطقيا لن يكون مثلهم إلا إذا هو تخلى عن ماديته في بعض جوانبها ليكون مثلهم .. إنه لا يعترف الا بالمادة فقط ، و تريده ان يكون مثل الباقين ؟ الا يحدث مثل هذا التطرف الفكري اختلافا عن الاخرين ؟ المشكلة ان الفلسفة المادية هي القاصرة و ليس فهمها امرا صعبا و معقدا كما تحاول ان توضح لنا : لا اله والحياة مادة ! و كل شيء يفسر من خلال المادة .. بما في ذلك الفن والادب والاخلاق .. فهل انا مخطئ في هذا الدرس الاول و الوحيد عن المادية ؟ هذه هي المادية ببساطة .. وان كان لها مضمون مختلف عن هذا ، فليتك توضحه و لو مختصرا
..

نعم لماذا نحن مثل الباقين؟؟؟؟ ربما لم نعد بشراً فنحن ماديون!!!!!!!! ربما علينا أن نتناول الحشرات للحصول على البروتينات و ربما علينا أن نلبس ثياباً من لون واحد أو لا يهم إن كنا أنيقين, و ربما علينا أن نعيش في مكعبات هندسية بدل المنازل.

الرد :

نعم ما المشكلة؟ هذا تطبيق دقيق وجيد للفلسفة المادية, تجعل الشخص غير متناقض مع أفكاره وشجاع في تطبيقها .

المادي لا يعترف إلا بالمصلحة المادية الثابتة, وبما ان المشاعر والغايات النبيلة لم تتضح ماديتها ، فعليه ان يتخلى عنها حتى تثبت مختبريا وينصرف إلى ما هو واضح ماديا. و مادمت ماديا نفعيا فاين المشكلة في تناول الحشرات مشوية أو مجففة ومطحونة ! أو عدم التقيد باللباس إذا كان الجو حارا.. إلى غير ذلك ! أليس المجتمع وعاداته هي التي كرهت الحشرات و فرضت الإحتشام ، أو ربما بقايا أديان؟

على المادي الجيد أن يكسر بقايا الماضي وينطلق مع عقليته المادية , والمسألة مسألة اعتيد , ما دامت الفائدة تشير إلى ذلك, على الاقل بينه وبين نفسه إذا كان يخاف من المجتمع كأضعف الإيمان, وهنا يكسب الميزتين : ميزة مصلحة مع المجتمع وميزة النفعية وتوفير المال, بل هي عدة فوائد دفعة واحدة , و بما أن الحشرات فيها بروتين وغير مضرة بالصحة و رخيصة ، فمالمانع تبعا للمنطق المادي؟

الحقيقة لا يوجد مانع عقلاني, فلماذاً إذا الامتناع إذا حُلّت مشكلة رأي المجتمع؟ ستقول الذوق, أنت قلت أن الذوق مرتبط بالمصلحة المادية إذا ً على الذوق أن يقبل رغما عنه ، لأنه لم توجده إلا المصلحة المادية وها قد تبينت الآن , والتعود كفيل بتعويد الذوق, و ربما انقلب اعجابا به تبعا للأصل والعود أحمد , لأن أصل الذوق عندكم هو المصلحة المادية ، وها قد رجع لأصله, فالذوق ابن المجتمع كما تقولون و ليس له جذور اساسية ، شأنه شأن الأخلاق, لكن كلاهما مبني على المصالح المادية في الاساس . اذا التبرير المادي يبرر الذوق ، وعليه ان يرجع الى اصله المادي . هذا بالنسبة للمادي الاصيل ، قولا و مضمونا .

الإنسان باختصار هو صندوق لجمع المصالح المادية . هذه هي الفلسفة المادية : الإنسان صندوق أخذ,  وإن أعطى فليأخذ أكثر, اي صندوق أخذ فقط, وهنا نعود إلى شخصية شايلوك الآخذة فقط مرة اخرى.

إن اتباع الذوق دون المصلحة تقصير وظلم للفلسفة المادية من خلال حجبها عن التطبيق في نواحي كثيرة جدا بدون مبرر من النظرية نفسها, وما الفائدة من اعتناق نظرية إذا كان الشخص سيخضع لعاداته وتقاليده وذوقه المبني عليها ؟ هنا تتبين الحكاية , إنها لأجل رفض الدين والأخلاق ليس إلا, و يبقى الشخص على ما هو عليه, وهكذا تصبح مؤامرة و ليس نظرية للحياة, ولو كانت نظرية للحياة لطُبقت بحذافيرها على كل مناحي الحياة عند معتنقيها ، بحيث يتميزون في الواقع مثلما تميزوا في الفكر , فتطبيقها سريع على الدين والأخلاق ، و لكنه بطيء على الحياة الشخصية.

هذا هو المنطق المادي النفعي , فالعقل المادي هو السيد , و ينبغي على المادي أن يمجد شخصية البخيل والطماع هذه تبعا لمنطقه , فهو الأكثر حرصا على المصلحة المادية و محافظة عليها, لانها هي الاساس والثابت, اما الأخلاق فليست امرا ثابتا و مختلفة بين الشعوب.

معذرة أنا لا أتكلم عنك شخصيا ، أنا أتكلم عن هذه الفلسفة إذا طبقت بدون تملص, بل وأكثر من هذا كثير لكن لا أحب أن أذكره , إذا اعتبرنا انه لا قيمة إلا للمادة ولا قيمة للمادة إلا من خلال النفع المادي, فالأمر أبشع من هذا. تطبيق الفلسفة المادية اصعب من تطبيق كل الاديان مجتمعة .

أما أن تكون المادية فكرا لا يستطيع ان يطبقه ولا أصحابه فمالفائدة منه؟ قيمة كل نظرية اجتماعية في القدرة على تطبيقها دون تناقض ولا استحالة, أما ما سوى ذلك فنظريات فاشلة ، ومن ضمنها النظرية المادية التي لا يستطيع أن يطبقها اصحابها. أما أن تقول عن أناس لهم نظرية متكاملة مختلفة عن نظرة البشر أنهم مثل البشر الباقين ، فلا يكون هذا منطقيا إلا إذا هم لم يطبقوا نظريتهم.


ياسين :
المادية باختصار شديد هي طريقة لفهم الواقع. و ليس طريقة للعيش في هذا الواقع. يعني من يحب المسرح الكوميدي قبل أن يكون مادي لن يغير هذه العادة لأنه أصبح مادي.

الرد :

هذا غير صحيح ، فكل فهم يقتضي تغير ، ولا قيمة لاي فهم لا ينعكس على حياتنا ، ولماذا سمي المثقف مثقفا ؟ لأن معلوماته و قناعاته تثقف حياته ، أي تهذبها وتشذبها وتجعله مختلفا عن غيره .. و الا يبقى الكتاب او الديسك افضل من ثقافة الانسان وادق .

اذا فقيمة ذلك الفهم هي لا شيء ، إلا أن يكون ذلك الفهم له رسالة معينة ولا يراد به ان يكون منهج حياة . حينئذ لا يصح التكلم عن نظرية بل عن رسالة ، إذ يجب ان يكون الكلام مباشرا ، فيقول المادي : انا أقبل الحياة كما هي ولكني ارفض الدين والاخلاق . هكذا تكون الرؤية واضحة والخطاب واضح .

اما ان يقول : انا لدي نظرية شاملة متكاملة ، ثم يتبرأ منها ويقول ان حياته مثل حياة بقية الناس ، مع انني امتلك نظرية كاملة ومختلفة عن رؤية بقية الناس للواقع ! فهذا تناقض وانتقائية غير مبررة منطقيا . يقولون انهم يمتلكون نظرية متكاملة ، ثم يعزلون تاثيرها على السلوك !

بمعنى : اكتشفوا انها غير قابلة للتطبيق وتجعلهم في وضع محرج ، فعزلوها عن السلوك ، و ابقوا منها ما يخدم رغبتهم بهدم الاديان والقيم الاخلاقية .. اذا : ليسوا ماديين حقيقة كما يزعمون بل هم اناس عاديين ولكنهم يكرهون الدين ويريدون هدمه لانه يقف دون رغباتهم . هذا كل ما في الامر . وعلى هذا الكلام لا يوجد مادي حقيقي يمكن ان يفرض وجوده وتميزه ..

الحقيقة انهم يدعون المادية ، ليست لديهم رغبة اساس في تناول الحشرات ، ولكن لديهم رغبة في هدم الدين . سوف احترم المادي الحقيقي لو وجد وسوف اعتبره فيلسوفا حتى لو اختلفت معه . لكن اين هو ؟ كلهم لا يطبقون المادية على حياتهم . انا سوف احترم المادي الحقيقي بينما انتم لن تحترموه و تعتبروه مجنونا او ساذجا ، لانه يطبق ما لا داعي له من النظرية .. انا سوف اراه صادقا .. والصدق يستحق الاحترام حتى لو كان ماديا ، يكفي انه اعتقد شيئا و اجتهد في تطبيقه وتحمل التبعات ولم ينتقي كما تفعلون ..

انتم لا تحترمون الشعور في موضوع الاحساس بالحاجة لوجود اله ، و لكنكم تحترمونه في احساسكم بعدم صلاحية الموظف للعمل وعدم كفاية السيارة للسفر ، مع انك لم تاخذ تقريرا من مهندس السيارات بهذا الخصوص ، وتحترمون احساسكم بوجود امر متغير في البلد او المكتب وتلاحقون هذا الاحساس ، لكنكم لا تلاحقون الاحساس بوجود اله وتسخرون منه ايضا .. وهذا تناقص . المادي لا يمشي الا بأدلة علمية منطقية ولا يستجيب للحدس في اي شيء ، وهذا هو المفروض ، والا أن يحترم الحدس على طول الخط ..

إما أن يحترمه دائما أو لا يحترمه دائما ..

المؤمن الحقيقي يحترمه دائما ، و يتابعه لتأكد . بينما النظرة المادية لا تعتمد الا على المادة و العلم . اذا يفترض على المادي ان لا يحترم الحدس والاحساس ابدا ، ويستمر على طريقة عقلانية وعلمية حتى في شؤونه الخاصة من خلال التثبت والتقارير والصور . فالتثبت العلمي اولا ، و حبذا لو كان من خلال الحواس .

لم تكن الانتقائية يوما من الايام منهجا ، لانها تحمل التناقض ، والشيء يسمى منهجا على مظنة الانسجام ، فلا شيء يبنى على التناقض . و صاحب العقلية التي يحترمها لا يرضى ان يظهر بسلوك الانتقائية ، فمرة يحترم الثوابت العلمية ، و مرة يحترم الحدس ، ويتنقل بينهما حسب مزاجه ، ويقول أنه يملك منهج ونظرية !!     

يجب على النظرية ان تدافع عن نفسها من هجوم المنطق . و تحتاط مسبقا ، كي لا تتهم بالتناقض ، وتناقض اي شيء يعني سقوطه ، ولا يعني اصابة طفيفة . خصوصا عندما يكون التناقض في الاصل .    
ياسين :
المادية ترى الأخلاق و القيم الرفيعة و الجمال و المشاعر و لا تنكر وجودها, لكنها تنكر أن تكون هذه القيم و المشاعر و الفن من منشأ غير مادي. أين الصعوبة في فهم هذا الكلام. و إلى أن يتم إثبات وجود هذا المنشأ الغير مادي للمشاعر و القيم سأبقى مؤمن بمادية الأشياء

الرد :

لا بل هو صعب جدا .. انت قلت انها قيم رفيعة ، اي سامية ، مع ان اصلها مادي ! اذا من اين اتتها "الرفعة والسمو" الخاصة بها دون بقية المادة التي هي اصلها ؟ اليس صعبا هذا السؤال ؟

وعليك ان تخبرنا بعد هذا السؤال عن المادة : ما السامي فيها وما هو الدنيء ؟ و أيها المواد السامية (وليست السامة ولا الساميّة) و ايها غير السامية .. حتى نتتبع اصل هذه القيم "السامية" لنصل إلى العنصر "السامي" في المادي ونربطه بها مباشرة ، قد يكونا عنصري الذهب او الألماس .. ربما .. إذا ثبت ان في الدماغ ذهب ولو بنسب ضئيلة .. 

وطالما تقول انك ستظل على ايمانك بمادية الاشياء حتى قبل ثبوت عكس ذلك ، اذا انت مؤمن و لست ماديا ، والايمان ليس من صفات المادية . اذا لماذا يلام المؤمن على ايمانه بإله لم يراه ؟ ها انت تؤمن باشياء لم تراها و لم توقن علميا بماديتها !! اذا نحن في الهوى سوا .

نحن نؤمن بتأثير الإله حتى قبل ان نراه ، وانت تؤمن بتاثير هذه المشاعر والقيم المادية قبل ان ترى ماديتها ! اي تؤمن بغيب ، مثلي ! هل رايت انك غير مادي و انك لست إلا مؤمنا كغيرك ؟ المادي الحقيقي لا يعرف شيئا اسمه الايمان ، كل ما في لامر : حقائق ، و مادية ، وذات جرم مختبري . و ما لم تثبت ماديته فهو ميتافيزيقي وغير موجود من وجهة نظره ولا يقر بتاثير غير المادة ، اذا انت مادي ومع ذلك تؤمن بالميتافيزيقا ! فلماذا يلام من يؤمن بها ولكن على غير طريقتك ؟  لم لا تقول ان الاله "مادي" وتؤمن به كبقية الاشياء التي تؤمن بها قبل ثبوت ماديتها ؟ فلم يعد هناك حاجز منطقي يمنعك !

وكيف تقر بتاثير اشياء لم تثبت ماديتها ؟ ماديا عليك ان ترفض وجود تاثير لاي شيء لم يثبت ماديا ، إذا لماذا لا تقر بتأثير السحر او الجن ، و لم يكتشف احد ماديتهما !؟ انت مثلهم تماما : تعرف التاثير قبل ان تعرف المادة ، و متأكد من تاثير شيء لم تثبت ولا 1% من ماديته ، فهل هذه طريقة علمية في المعرفة ؟ تقر بتأثير شيء غير موجود ماديا ، وتقطع بمادية الشيء دون الاثبات العلمي لماديته !؟

هذا هو الدماغ افحصه كما تشاء وابحث فيه عن الحب او الفهم او المعلومات او الافكار كما تشاء ، لن تجد في الاخير الا ذرات هي نفسها ذرات حفنة من الرمل . أبعد هذا دليل ؟ الإنسان العلمي لا يسبق العلم بل يسير وراءه وينطق بموجب اثباتاته ، و ما سوى ذلك فلا يعتبره موجودا حتى يثبت العلم وجوده . هكذا فعل المادي في قضية الإلوهية ، فلماذا لا يفعلها في بقية الامور ؟ هنا تنكشف الانتقائية والهوى : (وما ربك بغافل عما يفعل الظالمون) فهذا ظلم في الميزان وليس عدالة . 

الانسان يعرف التاثير قبل ان يعرف المادة ، بل لم يعرف المادة إلا من خلال التاثير ، اذا المعرفة في داخل الانسان و ليست من خارجه كما يتصور الماديون .  
.
ياسين :
ما يحدث هو شيطنة للمادية و تشويه لها لأنها لا تؤمن بوجود الله , فتتهم المادية على أنها معادية للأخلاق و معادية للفن الجميل و معادية للذوق, و هذا كله ليس صحيحاً, و يتم الاستغراب مثلما فعلت عندما يتم الاشارة إلى أن المادي مثله مثل غيره في تعامله مع هذه القيم و هذه الأذواق. و للأسف إن أعداء الفكر المادي فصلوا لأنفسهم مادية خاصة بهم يستطيعون نقدها كيفما شاؤوا و لا يستطيعون التعامل الموضوعي مع المادية نفسها. فمثلاً في الماضي القريب كانت تنتقد المادية على أنها تنكر الطاقة و تأثيرها على المادة, و لكن في المادية كما في العلم الطاقة هي واحدة من أشكال المادة, و أنت في هذا الشريط تنظر أن القوانين التي تحكم المادة هي أمر منفصل عن المادة و هذا غير صحيح لأنه ببساطة القوانين التي تحكم المادة هي جزء من المادة و لا ينفصل عنها, و كما أنك لا تستطيع أن تولد طاقة من العدم لا تستطيع توليد القانون المتحكم بالمادة.

الرد :

أين مكان القوانين في المادة ؟ المادة مادة ، فلماذا لا تثبـِت كل اجزاءها طالما ان القانون جزء من المادة ؟ اثبت مادية القانون . مثلما اثبت مادية المادة ، المادة لها جرم يشغل حيز من الفراغ ، فأين جرم القانون و اين الحيز الذي يشغله ؟ كيف وجوده في المادة ؟ و كونه يؤثر في المادة ، فهذا ليس دليل علمي على عدم وجوده في غير المادة ، هو يعتبر شاهدا وليس دليلا .. فعندما لا ترى شخصا من الناس إلا وهو يركب سيارة سوداء ، هذا لا يعني انه جزء من السيارة السوداء و انها جزء منه و انه ملتصق بها ولا يمكن ان يركب سيارة زرقاء .. ظهور الشيء و معرفته في مكان ، لا يعني انك قدمت الدليل على انه لن يظهر في مكان اخر ؛ فإثبات النفي اصعب من اثبات الوجود .

اذا معلومة ان القانون جزء من المادة ليست معلومة علمية قطعية . هي مجرد افتراض بسبب الظهور المشترك .  و هذا ايمان وليس استدلال . ولو كان القانون جزءا من المادة لعـُرِف كله أو جزء منه على الاقل ، بمثل الطريقة التي عـُرِفت بها المادة كليا او جزئيا .. و الجزء يأخذ حكم الكل ، و هنا القانون لم يأخذ حكم الكل (المادة) ، فلا يمكن ان يرى ولا يشاهد ولا يسمع ولا يذاق إلخ .. إذا ليس جزءا من المادة ، وإلا لأخذ حكمها كما تـُعرف بقية اجزاءها ..

أما عن وضوح تأثيره وعدم معرفة اي شيء عنه ، فهذا عكس المادة ، و لا يكون جزء الشيء عكس الشيء ، فالجزء لا يكون عكس الكل ، سيكون جزء من شيء آخر ربما .. و النظرة المادية بهذه البساطة تشبع نظرة الناس العوام وحكمهم على الظاهر ، فبمجرد ظهور شخص مع شخص آخر لا يقبله المجتمع ، يحكمون على الاول بالرداءة تلقائيا لانهم اعتبروه جزءا و لصيقا بالاخر ، مع انه ربما يكون يحاول اصلاحه ، ومضاد له في سلوكه . لماذا لا يـُعرف عن القانون و ماهيته وماديته اي شيء ؟ اذا هو ميتافيزيقي مثله مثل الوعي .  

نريد أن نرى قانوناً ، نريد أن نرى حياة و وعيا وأفكارا ومشاعرا وتطورا من خلال المختبر والتحليل العلمي . أنتم تقدمون لنا غيبيات وتقولون أن كل شي مادة ! هذا تصور ناقص جدا ومخالف للطرح , وجهات النظر والامنيات لا تسمى علما , بل العلم في المختبر كما كنتم تقولون سابقا .. منذ القرن التاسع عشر والناس تنتظر وعودكم بالاثبات العلمي ، و لكن الاثبات العلمي يصبح اصعب في كل فترة عن الفترة السابقة لها ، و ما تزال النظرية تدعي نفس الادعاءات وتقدم نفس الوعود : انتظروا العلم ، فسيثبت كلامنا ، آمنوا مثلنا اولا ..

و ما دامت المسألة ايمان ، فلماذا لا نبقى على ايماننا الخير والجميل على الاقل ؟ فلا علم ولا يحزنون .. مجرد افتراضات و نظريات تتبدل وتتبدد ليقدموا باقة جديدة تلهي الناس ، كأي أسلوب تجاري تقوم به الراسمالية ، والموت يسحق الجماجم . 

لماذا لا يـُعرف هذا الجزء من المادة (القانون) ؟ مع انه في الحقيقة هو الجزء الذي عرفنا به المادة و ليس العكس . نحن نعرف المادة بالقانون ، والقوانين هي التي اخبرتنا ان ذلك الشيء يدعى مادة ، والقوانين هي التي فهمتنا انواع المادة واحوالها ، و مع ذلك لا نعرف القوانين التي من خلالها عرفنا المادة .. اذا النتيجة هي : القانون هو طريق معرفة المادة ، و القانون ميتافيزيقا ، بينما المادة معروفة وموجودة ، و لكننا عرفناها من خلال ميتافيزيقا ، و بعد هذا تعود وتقول انك مادي !!! مادي يرفض الميتافيزيقا ويتعلم المادة و يعرفها من خلال الميتافيزيقا !! هل بعد هذا التناقض شيء ؟ وهل بقي من الفلسفة المادية شيء اصلا ؟

اذا هي مبنية كلها على الميتافيزيقا . بمعنى : كل شيء ميتافيزيقي بالضرورة ، و نحن والماديون نعيش في الميتافيزيقا . لأن من يخبرنا عن المادة مجهول ، و إحساسنا مجهول ، والوعي مجهول ، والحياة مجهولة .. اذا ما هو المعلوم ؟ اعطني شيئا واحدا معلوما لا يعتمد على الميتافيزيقا . لا يوجد .. حتى المادة نعرفها من خلال الميتافيزيقا ، إذا لا مناص من الميتافيزيقا ..

البشر يعيشون في ظلام ميتافيزيقي دامس لا يمكن ان يخرجوا منه ، أما فكرة المادية فهي فكرة من القرن التاسع عشر المنبهر بالكشوف الجغرافية والعلمية ، والتي اكل عليها الزمان وشرب ، و ليست قادرة ان تدافع عن نفسها و لا حتى عن مادياتها . هي تموت في داخل الناس تدريجيا . لقد كان حماسها اكبر في السابق ، واخذ بالتراجع والتنازل عن مناطق لم يكن الماديون الاوائل يتنازلون عنها . 

كما ترى : نحن لا نتهجم على المادية ونقول فيها ما لم تقله عن نفسها ، اعتبر كل ما اقدمه عن المادية هو اسئلة ، فاجب عنها بموضوعية ، و كن انت الموضوعي وليس أنا .. انت لم تجب ولا عن سؤال واحد حتى الآن . 

المادية تمارس مغالطة الحصر بموجب التشابه و الاقتراب بدون دليل . وعلى أساسها تنبني كل الافكار المادية ، فبما ان الإنسان يشبه القرد جزئيا ، اذا اصله قرد .. وبما ان القانون نعرف به المادة ، اذا هو مادي و جزء من المادة . وبما ان في الاديان كثير من الخرافات والمغالطات ، اذا كلها خرافات ..

وهكذا فهي طريقة تفكير سطحية و بسيطة جدا وتعميمية ، و تمارس امرا صعبا جدا ، وهو الحصر بلا دليل ، والنفي ، وهو امر صعب آخر ، بلا دليل . الحصر صعب والنفي صعب ، وهي واقعة فيهما بلا دليل ، وتدعي العلمية !! فلكي تنفي منطقيا عدم وجود شيء ، يجب عليك ان تعرف كل شيء ! وهذا امر مستحيل . اذا هي مغالطة اختصت بها العقلية المادية دون غيرها ، ومع هذا تدعي العلمية والعقلانية المطلقة .. هي تتهم الاديان بالادعاء مع انها تقدم ادعاءات غير مقبولة منطقيا ، فهي تدعي و تظن انها هي نفسها لا تدعي .. مع أن ادعاءاتها كلها عريضة وغير مثبتة علميا .     

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق