الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

العقدة الفرعونية في الميثولوجيا اليهودية ..


اذا كان التلمود يشرح نفسية اليهود، فإن التوراة تشرح تاريخ اليهود. والتاريخ الفعلي والمهم عند اليهود يبدأ من مصر الفرعونية، حيث ذاقوا الخسف والذل، بينما رأوا النموذج الفرعوني كيف يحكم أرواح الناس و أجسامهم على غير ما يفعل الحكام العاديون الذين يحكمون الأجسام فقط. و سر قوة فرعون من وجهة نظرهم كونه نصف إلهة، على اعتبار المشابهة بينه وبين الله، و كونه نائبا للإله "رع" خالق الكون على الأرض، والنائب يشبه من ينوب عنه، فنشأت عندهم عقيدة التجسيم والتشبيه التي تكون همزة وصل للصفة الإلهية للفرعون، كونه يشبه الإله في كل شيء في علمه وتحكمه وسيطرته وجسمه، وهو أقرب من الإله للناس. والتوراة مليئة بصور تجسيم الله على هيئة بشر . وربما هذا هو سر عقيدة التجسيم والتشبيه، حيث كان أباطرة أوروبا يعتبرون أنفسهم ظل الله على الأرض أو صورة مصغرة منه، وهذا باعتقادي هو منشأ فكرة تعدد الالهة، مع وجود كبير الهة. كأن التجسيم مشابهة بين هذا الفرعون الاله والله، معنويا وماديا، في كون الإله قادر على كل شيء ، وحتى الظلم يستطيعه إذا اراد، وأنه يعلم ما لا يعلمون، وأنه يشبه الفرعون في هيئته وجسمه حتى لباسه و تاجه وعرشه ، الخ .. مع مراعاة الفارق.

إذن عقيدة التجسيم ليس القصد منها بشرنة الإله بقدر ما هي تأليه للبشر ، وطبعا لا أحد يؤلَّه لأنه بشر إلا أن يكون له مكانة مثل فرعون يتحكم في الناس كما يتحكم الإله، كما جادل إبراهيم النمرود ، وهو كما قيل حاكم وطاغية، لما قال ابراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، رد عليه وقال انا ايضا احيي وأميت ، فقال ابراهيم : ان ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبُهت الذي كفر ..

 والفراعنة كانوا مجسمة يجسّمون الآلهة على شكل بشر ، إما رجل او امرأة ، فكان الاله رع على صورة رجل عليه تاج، وحورس عبارة عن رجل ايضا ، و ايزيس ربة السِّحر على شكل امرأة تلبس تاجا له قرنان تطلع الشمس بينهما. والسحر معروف من عقائد الكابالا اليهودية، والتي انتقلت ايضا للماسونية من خلال ما يسمى بالسحر الاسود، اذ تأثروا به من الفراعنة، ثم تأتي بقية الالهة في التاسوع المقدس لدى الفراعنة، و هم : جب اله الارض (وربما منه جاءت كلمة : إيجبت Egypt كإسم لأرض مصر) ، و نوت ربة السماء ، و شو إله الفراغ بين السماء والارض (والذي ربما أخذ منه الملاحدة والماسون مصطلح اله الفراغات)، و ست رمز الشر والعنف على هيئة انسان له راس حيوان، ، ونفتيس ربة المنزل وهي اخت ايزيس و اوزيريس و ست ..

و لم يكن الفراعنة يعبدون الشمس الا رمزا لذلك الاله البشر، أو الذي على جسم او هيئة البشر. فلذلك الماسونية اهتموا بحورس لأنه آلهة بشرية، اذ هو اقوى رموزهم، ويمثل الحاكم البشري الجبار الذي لا تغيب عن عينه أي معلومة، وجعلوا عينه على رأس هرم، و من رموزها ايضا الأسدان متقابلا الظهر، رمز الاله اقر الفرعوني . والكبش الذي يرمز للإله آمون والذي تتخذه الماسونية وعبدة الشيطان رمزا. وأول كنيسة شيطانية أسسها انطون لافي في امريكا .و حورس هو الحاكم الفعلي على الأرض . والماسونية ، وهي بنت اليهودية ، تجعل رمزها عين حورس كحاكم فعلي للأرض، مما يكشف عن رغبتها في الحكم الفعلي للأرض مثل حورس. و بناء الأهرامات والتحنيط وتجهيز القبور بكل ما لذ وطاب يشير إلى عقيدة خلود هؤلاء الآلهة و ربما رجعتهم، وهي عقيدة أخذها اليهود منهم، فتكلموا عن رجعة موسى عندما ذهب إلى الجبل، فبعضهم قال انه مات فيه، وبعضهم قال أنه لم يمت ولكنه سيرجع، ونقلوا هذه العقيدة الى المسيحية في الرجعة الصغرى للمسيح و في الرجعة الكبرى، كذلك انتقلت إلى المذهب الشيعي في رجعة المهدي المنتظر بعد اختبائه في السرداب، ربما تأثرا بالمسيحية. الفرعونية أثـّرت في اليهودية أكبر تأثير، بدليل وصفهم لأحد أكبر أحبارهم وهو "عزرا الكاتب" بأنه إبن لله، كما قال تعالى : (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) .. وهذا معتقد فرعوني بالبنوة الالهية انتقل إلى اليهودية، واليهودية أسقطت تأثيراتها على الأديان اللاحقة في صور كثيرة ومذاهب متعددة من رجعة وتشبيه وبداء وغيرها كثير جداً ..

 الله رحِمَ بني إسرائيل، فبعث فيهم موسى مخلّصا ولم تكتف رحمته بتخليصهم فقط، بل ليجعلهم الوارثين والحاكمين بدلا من فرعون، لكن بدون شرك كما فعل الفراعنة، فانسحق فرعون أمامهم وأراد الله أن يجعلهم وارثين للأرض، إذا هم أطاعوا ربهم. لكنهم ظلوا يعاكسون الأنبياء ويخالفونهم واستوجبوا غضب الله و أعادهم للذل والسبي مرة أخرى، ومن ثم الشتات. لكن صورة الفرعون التي أعجبتهم لم تخرج عن مخيلاتهم، وتمنوا أن يكونوا مثل فرعون، واعتبروه سلفا لا مثلا وعبرة ، كما قال تعالى : فجعلناهم سلفا ومثلا، أي سلفا لمن يعجبهم الطغيان، ومثلا وعبرة للطيبين ، لهذا اخذوا أكثر الرموز من الفراعنة في الماسونية وأخواتها ذوات المنشأ اليهودي ، معجبين بطغيانهم وسيطرتهم حتى على المجال الروحي للناس .. هم أردوا تبني هذا النموذج، لا أن يكونوا النموذج الذي جاء به موسى، أي أرادوا ان يكونوا مثل فرعون بظلمه وطغيانه وسيطرته. ولهذا عبدوا العجل بعد أن نجّاهم الله ، والعجل يرمز للاله آبيس صاحب خصوبة الارض ، مما يدل على شدة تأثرهم بالفراعنة رغم ما رأوا من معجزات موسى ، بل ملوا من المن والسلوى وطلبوا الاكل الذي كانوا يأكلونه في مصر من فومها وقثاءها وعدسها وبصلها ، ويدل على تثاقلهم إلى الأرض والواقعية والمصلحة الآنيّة الخاصة دون العامة ..

قال الله لهم اذهبوا إلى الأرض المباركة حتى يعوّض عقدة النقص المتكونة و المترسخة عندهم من قوة الفراعنة وخضوع الناس لهم والظلم والسبي الذي حصل لهم، فما أعظم رحمة الله ولطفه، ولكنهم استغلوا هذه الرحمة والتفضيل، ليقولوا أننا شعب الله المختار، بل و ابناؤه وأحباؤه ، لذاتنا لا لعملنا، ولسنا مُلزمين بالأعمال الصالحة، ألم يفضّلنا الله ؟! بل إن الله يندم إذا عاقبنا كما في التوراة المزورة. فنظروا إلى الرحمة على أنها فضل لازمٌ لهم، وخصوصية لهم كشعب بشكل دائم، مهما فعلوا من سوء. مع أن الله غضب عليهم، فكيف يغضب على أفضل العالمين ويلعنهم ويشتـتهم ويضرب عليهم الذلة والمسكنة من جديد؟ و من هذا المعتقد نشأت القومية اليهودية التي أشعلت حمّى القوميات في أوروبا والعالم، وغذّت الحروب عالميا، وعدم الرغبة في إدخال احد على دينهم، بل و حتى التزاوج من غيرهم، مما جعلهم مختلفين عن كل المجتمعات التي يعيشون بينها، ومقاومين للذوبان في المجتمعات، وهذا من أقوى أسباب حصول الاضطهاد لهم في أوروبا وغيرها، لعدم رغبتهم في الذوبان في المجتمعات بسبب شعور التفوق والعظمة في داخلهم .

ومنه نشأت نظرتهم لبقية البشر على أنهم جوييم مخلوقين من مادة أخرى غير التي خلق منها اليهود لخدمة العنصر اليهودي، قال تعالى (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) و هم الجوييم وليس من لا يقرأ ولا يكتب، أي لا إثم علينا إذا ظلمناهم ولا سبيل، كما يصرّح التلمود. وبالتالي تكون السيطرة حق شرعي لهم. و في التلمود أن الجوييم خلقوا من نطفة حصان على هيئة إنسان لكي يخدم أبناء الله، فلا يستوحشوا منه لو كان على شكل آخر ..

و نشأت عندهم عقيدة الحقد بسبب الاضطهاد الذي عانوه، إضافة لفكرة التفضيل، والكلام هو عن الأشرار ومشرّعي الدين والتلمود وذوي السلطة والمكانة من هذا الشعب ومن ناصرهم، وإلا ففيه قلوب طيبة و رحيمة وتحب العدل والخير، والقرآن استثنى منهم كثيراً ، والواقع يشهد لهؤلاء اليهود الطيبين ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق