الاثنين، 21 فبراير 2011

راسل و العلم و الدين "الرد على برتراند راسل .. من كتابه (العلم والدين) .."



كتاب Bertrand Russell "العلم والدين" طبع لأول مرة في فرنسا عام 1971،وهو مترجم عن الإنكليزية، وأعيد طبعه مرات عديدة كان آخرها في عام 2000. يحتوي الكتاب على عشر محاور رئيسية، اخترنا منها ما كتبه عن علاقة العلم مع الدين. نذكر هنا أن من كتابات "راسل" الأخرى: (الزواج والحب، تاريخ الأفكار في القرن التاسع عشر، تاريخ الفلسفة الغربية، تاريخ أفكاري الفلسفية، مفهومي للعالم).


يقول "راسل" إن العلم و الدين هما وجهان للحياة الاجتماعية،والدين كان له أهمية كبيرة ولفترة طويلة أكثر من قدرتنا على العودة إليه في تاريخ النفس الإنسانية،بينما العلم،وبعد وجود متقطع ومتدرج عند اليونان والعرب،أخذ أهميته بشكل مفاجئ في القرن السادس عشر،وقد استطاع منذ هذا القرن تشكيل وبشكل دائم أفكارنا و مؤسساتنا التي نعيش بينها اليوم. بين العلم والدين امتد صراع طويل،وقد خرج منه العلم وحتى السنوات الأخيرة منتصرا.
ولكن بعد قدوم،في روسيا و ألمانيا،أديان جديدة مزودة بوسائل جديدة (قدمها تطور العلم) للتبشير،وضعت نتيجة الصراع قيد التدقيق كما كان الوضع في بداية العصر العلمي، وجعل من الممكن إعادة اختبار ميدان الصراع و تاريخية الحرب التي قام بها الدين التقليدي ضد المعرفة العلمية.

الرد:

وهل الطرف المقابل لم يستخدم الوسائل التي ابتكرها العلم للتبشير بالإلحاد أيضاً ؟ فلماذا انتشر الدين إذاً وما زال ينتشر رغم انتشار العلم ؟ ولم تتحقق أمنية الملاحدة بأن يقضي العلم على الدين ؟ وهم يحسبون أن العلم هو الذي قضى على إيمانهم ، ولذلك يتوقعون أن يقضي بالتالي على إيمان الآخرين ، بينما الهوى هو من قضى على ايمانهم وليس العلم ، ناسين أن العلم مثلما يدعم الملحد هو يدعم المؤمن أيضاً كوسيلة محايدة ، لكن الملاحدة مصرّون على نسبتهم للعلم ونسبة العلم إليهم ، والتاريخ والواقع والعلم لا يؤيدون تلك الأمنية مع الاسف .

يستطيع اي ملحد إذا آمن بإله أن يستخدم العلم لإثبات إيمانه ، ويستطيع المؤمن اذا ألحد أن يستخدم العلم كشاهد إثبات . مثلما يستخدمه راسل وساجان وداوكينز وهاريس ، فيزيدون الملحدين إلحاداً بواسطة العلم ، وهذا نراه بوضوح ، فمثلاً عند المسلمين نجد استخدام العلم لدعم الإيمان ، كالإعجاز العلمي ، من أمثال مصطفى محمود وزغلول النجار و محمد متولي الشعراوي . وهؤلاء يزيدون الإيمان بواسطة العلم ايضاً ، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا اختيار الشخص .  فليس العلم حجّة خاصة بالملحدين ، وإن كانوا يحبون ذلك .
 


العلم يهدف للكشف من خلال وسائل الملاحظة والبرهان المرتكزة على أحداث خاصة في العالم، ثم بواسطة القوانين يربط الأحداث الواحد بالآخر،وبعد ذلك (إذا استطاع) يتنبأ بالأحداث المستقبلية.هذا الجانب النظري للعلم مرتبط بالتقنيات العلمية التي تستخدمها المعرفة العلمية من أجل إنتاج ظروف لراحة الإنسان والتي كانت غير قابلة للتحقق من قبل،أو أنها كانت مكلفة جدا في عصور ما قبل ـ علمية. هذا الجانب الأخير يعطي أهمية كبيرة للعلم حتى في عيون الذين لا يؤمنون به.

أما الدين،ومن وجهة نظر اجتماعية،هو ظاهرة أكثر تعقيدا من العلم. فكل واحد من الأديان التاريخية الكبيرة يشكل ثلاثة جوانب : كنيسة (أو مكان للعبادة)،عقيدة، قانون أو (شرعة) للأخلاق الفردية. الأهمية النسبية لهذه العناصر تغيرت كثيرا عبر الزمان والمكان. فالأديان القديمة عند اليونان و روما،قبل أن تصبح أخلاقية بواسطة "الرواقيين"
Stoïciens ،(وهم نسبة إلى الرواق،أو المكان الذي كان يجتمع فيه تلاميذ زينون الرواقي، وتقوم فلسفته على إرجاع حوادث الطبيعة إلى العقل الكلي"الله"،وهذه الحوادث هي بقدرة العقل الكلي،والرواقية مدرسة سورية قديمة)، لم يكن لديها أشياء كبيرة تقولها فيما يتعلق بالأخلاق الفردية. ومع الإسلام مكان العبادة كان دائما له أهمية قليلة بالنسبة للسلطة الزمنية، وفي البروتستانتية الحديثة حدث تغير في عقيدة المتشددين أو أصبح لديهم نزعة للتغير.


الرد:
هذا الكلام كله مبني على افتراضات دون تقديم أدلة وشواهد ، الدين مبني على فكرة أخلاقية ، وليس فقط الدين ، بل كل أيديولوجية أو فكر جامع للناس لا بد أن يكون منطلقه أخلاقي ، وإلا فإنه لن يقوم . راسل يفترض ان الدين معادي بطبيعته للعلم ، فكيف إذاً يفسّر تكوّن الحضارات والعلوم حول الدين وعبر التاريخ كله ؟ اليست علوم الحضارة المصرية القديمة في التحنيط والبناء تدور حول المعتقد الديني ؟ ولأجله وجدت ؟ ألم يكن العرب أميين وجهلة ؟ وبعد الدين صاروا يقرأون ويكتبون وأوصلوا العلم إلى اوروبا ؟ لولم يوجد الاسلام بينهم ، فهل سيكونوا متعلمين ؟ أم سيستمرون على حال البداوة ؟ وكذلك الحضارة اليونانية والرومانية بل حتى عصر النهضة الحديث ،

إذاً الدين في أصله مناصر للعلم وليس عدواً له ، بل هو اساس وجوده . تاريخ العلم يثبت ذلك وليست افتراضات راسل الملحد . فايهما نصدق : افتراضاته ام تاريخ العلم ؟ وهذه هي الحضارات والعلوم وهذه هي الأديان ، ومن شاء فليدرسها حتى يتأكد ، ولا يمكن الفصل بينها ، فهل البناة والمهندسين والأطباء والمحنطين الفراعنة كانوا ملاحدة ؟ وبدافع من الإلحاد أقاموا هذه العلوم ؟ بينما كان رجال الدين الفراعنة يحاربونهم ؟ هذه هي فحوى افتراض راسل ؛ فقد كان الصراع محتدماً في اثينا بين انصار العلم والفلسفة والمنطق وبين أنصار الدين ، وكذلك عند المسلمين ، فقد كان علماء العرب والمسلمين يحملون السلاح ويتقاتلون مع رجال الدين ، طبعاً هذا لم يكن ، ولكن هذا مسايرةً مع إفتراضات راسل ، ومن الممكن أن نسميها : تاريخ راسل في الصراع الأزلي بين العلم والدين !!

إن الدين لا يقدم الحلول والاجابات للمشاكل العلمية والطبية ، وإنما الناس هم من دخلوا فيه واستنتجوا واستنبطوا منه باعتباره مصدرا من مصادر المعرفة . ولذلك لا يُترك الدين كله بسبب هذا الاسلوب الخاطئ في التعامل معه .
    


مع ذلك، هذه العناصر وبالرغم من حجمها المختلف والمتغير،إلا أنها ضرورية للدين كظاهرة اجتماعية،وهذا هو الجانب الرئيسي عند الدين في صراعه مع العلم. والدين (أي دين ) والذي يتجنب دائما التأكيدات التي يبرهنها العلم،يمكن أن يعيش بشكل هادئ في الأزمان والعصور الأكثر علمية. أما العقائد كما يراها Bertrand Russell فهي المصدر الفكري للصراع بين العلم والدين،ولكن مقاومة فظاظة هذه العقائد كانت واجبة عندما ارتبطت بمكان العبادة ومع التشريعات الأخلاقية. هذا الارتباط بمكان العبادة وضع في حالة من الشك هذه العقائد وأضعف من سلطة رجال الدين. من هنا يمكن القول أن رجال الدين كما رجال السياسة لديهم الحق في الخوف من الثورات التي فجرها رجال العلم.
يقول Bertrand Russell ،في كتابنا "العلم والدين " لا نشتغل على العلم بشكل عام ولا على الدين بشكل عام،ولكن نشتغل على نقاط شكلت ميدان الصراع،أو مازالت تشكل ميدان للصراع حتى الوقت الحالي. فيما يتعلق بالمسيحية،هذه الصراعات كانت وفق شكلين.فنحن،على سبيل المثال،نجد في الكتاب المقدس نصا يؤكد عملا ما ( الأرنب يجتر). مثل هذه التأكيدات وعندما دحضها العلم من خلال المراقبة والملاحظة، أصبحت عقبة أمام الذين يؤمنون أو يعتقدون بالكتاب أو (الكتب)المقدسة،وأكثر من ذلك،أصبح هناك شك بأن كل كلمة في الكتب المقدسة هي من عند الله.
ولكن فيما يتعلق بالكتاب المقدس أصبح الصراع أكثر جدية عندما وضع العلم هذا الكتاب في حالة من الشك.بشكل عام،الاختلافات بين العلم والدين كانت شكلا أولا للصراع،ولكنها انتقلت إلى ميادين متعددة تعتبر جوهرا بالنسبة للعقيدة المسيحية. في عصرنا،هناك الكثير من المؤمنين المسيحيين يرون أن العقيدة كما كانت في العصور الوسطى لم تعد نافعة بل تشكل عقبة أمام الحياة الدينية. ويرى Bertrand Russell أنه إذا أردنا فهم المقاومة التي تلقاها العلم،علينا التغلغل بخيالنا داخل نظام الأفكار التي جعلت من هذه المقاومة منطقية.

الرد:
هذا الكلام خاص بالعقيدة المسيحية واليهودية المحرفتان ، وحتى على هذا الإفتراض ، فلماذا تقوم حرب ، خصوصا وأن راسل يعرف من المؤمنين بالدين من هم علماء أكثر منه ، في الطبيعة والفيزياء والطب ، فكيف يفسّر هذا ؟ كيف يفسر وجود أشخاص مؤمنين ومحافظين على دينهم ومتفوقون في العلم ؟ والاسماء كثيرة .. فلماذا لم يحاربوا العلم ؟ بل هم نصروه ، مع أنهم محافظون على عقائدهم ؟ اين هذه المعركة التي لم يرها أحد ؟ هي موجودة في رأس راسل واضرابه ، والذين هم فعلا يحاربون الدين بإسم العلم ، ورجال الدين يحاربونهم بإسم الإلحاد وليس العلم .

والنص الديني قابل للتأويل ، وتتغير تفسيراته على مرور الزمن وزيادة العلم ، فالنص دائماً في مرونة ، والعلم ليس بالشيء الجديد كما يتصور راسل ، فلا وجود حقيقي لعصور ما قبل علمية ، هذه من افتراضات الملاحدة ، حتى يشوهوا الفترة التي كان يزدهر بها الدين ، في الوقت الذي يستمتعون فيه بمعطيات علوم القدماء ، فراسل يشرب قهوته بفنجان من الخزف ، الذي اكتشف العلم طريقة صنعه قبل عصور النهضة ، وفي ظل سيادة حضارات دينية ، ويقرأ الجريدة بالورق المصنوع ايام الحضارة الاسلامية ، ويشرب غليونه كما شربها الهنود الحمر قبل عصر النهضة ، حتى بدلته مصنوعة بنفس الطريقة التي صنع بها الإنسان ملابسه منذ عشرات القرون ، وبنفس طريقة النول القديمة . بل والكتابة التي يقرأها لم يصنعها عصر النهضة مع أنها أعظم ابتكار علمي للبشر، بل صنعت في العصور ماقبل العلمية كما يسميها ، فأين هي العصور ما قبل العلمية ؟ منذ وجد الإنسان وهو يتعلّم ، وهذا ما تقوله نظرية التطور التي يؤمن هو بها ، والعلم تطوَّر ، فلماذا اوقفه وهو لا يقف كما تقول النظرية ؟    




فلنتخيل وكما يقول Bertrand Russell أن إنسانا طلب من الكاهن لماذا يجب عليه ألا يرتكب جرما. الإجابة:"لأنك ستعدم" تظهر أنها كافية ومرضية،في نفس الوقت،لأن الإعدام بحاجة إلى مبرر،ولأن الطرق البوليسية لم تكن أكيدة بشكل كبير أو لها تأثير على المجرمين الهاربين من العدالة.ولكن هناك إجابة والتي،قبل قدوم العلم،كانت كافية بالنسبة للجميع: القتل هو جريمة ممنوعة من خلال "الوصايا العشر" التي أوحى الله بها على موسى في جبل سيناء. فالمجرم الذي يهرب من العدالة الأرضية لن يهرب من الغضب الإلهي. بالمقابل،هذه الحجة ترتكز على سلطة الكتاب المقدس،والذي يجب في هذه الحالة أن نأخذه بكليته. ولكن إذا الكتاب المقدس قال بأن الأرض لا تدور،فإنه علينا أن نصدقه أيضا،لأن إذا كنا لا نريد تصديقه فيجب ألا نصدقه بكليته أيضا،وفي هذه الحال نكون قد شجعنا الجريمة.طبعا هذا البرهان هو عبثي ولم يكن له إلا القليل من المناصرين.


الرد:

هذا الحوار يكشف التزييف الذي طرأ على الكتاب المقدس ، ولا وجود لهذا التعارض في القرآن . كان الأجدى أن يبيّن هذا التعارض بين العلم والقرآن ، ليس فقط الكتاب المقدس ، فالقرآن كتاب مقدس ايضاً . بل إن القرآن يثبت دوران الارض وكرويتها ، ويتفق مع نظرية الإنفجار الكبير والتوسع الكوني وانفجار النجوم .


إن "الوحدة المنطقية" هي في نفس الوقت قوة وضعف. إنها قوة لأنها تضمن أن أي شخص يقبل مرحلة من البرهان عليه أن يقبل كل المراحل التالية؛ وإنها ضعيفة لأن أي شخص يرفض إحدى مراحل البرهان فإن عليه رفض جميع المراحل التالية أو على الأقل جزءا منها. وبالنسبة للكنيسة في صراعها مع العلم،فقد أظهرت في نفس الوقت القوة والضعف الناتجين عن التماسك المنطقي لمعتقداتها.


الرد:
الفكر الملحد يتعارض مع العلم ويسابقه ، ولا ينتظر حتى يثبت العلم ، فإذا وجد راسل على المسيحية أخطاء ، فليس هذا يعني أن الفكر الملحد ليس فيه أخطاء وتعارضات مع العلم ، يكفي أنه يبني الأيديولوجية على نظريات لم تثبت ، بل وُجِدَت لخدمة هذه الايديولوجية المادية ، كنظرية التطور، فكيف يبني عليها قبل أن تثبت علمياً طالما أنه يقدّس العلم إلى هذه الدرجة ؟ وما النظرية سوى افتراضات يستطيع اي انسان ان يفترض ما يشاء ، حتى ولو كان لديه بعض الادلة ، فلا يمكن أن يعتبر الإفتراض علماً .

ولا يصدق بوجود إله مع أنه لا يملك دليل علمي على عدم وجوده ، كل ما عنده من حجج ، هو ما انتقد به رجال الدين ، فإذا انتقدت من ليس على الحقيقة ، فلا يعني هذا أنك على جانب الحقيقة ، فالحقيقة تحتاج إلى من يبحث عنها ، فشخصٌ يدلك على طريق معين ، واكتشفت انه مخطئ ، وانت لا تعرف الطريق ، فهل خطؤه جعلك تعرف الطريق الصحيح ؟   


ولكن الشكل الذي وصل فيه العلم إلى قناعاته يختلف كليا عن علم اللاهوت القروسطي.فالتجربة أظهرت أنه من الخطر الانطلاق من مبادئ عامة أو التصرف بواسطة الإسقاط أو الاستقراء،بداية لأن المبادئ يمكن أن تكون زائفة،ثم لأن البرهان يرتكز على مبادئ يمكن أن تكون خاطئة.


الرد:
الإكتفاء بالعلم عن الدين ، أليس مبدأ عاماً عنده وعند بقية الملاحدة ؟ حتى قبل أن يكتمل العلم ويثبت له ما اراد ؟ بل معتمدين على نظريات . أليس الإلحاد مبدأ عام ؟ ولم يثبت الدليل العلمي على عدم وجود إله ؟ ثم هل من العقل أن تُرْفَض المبادئ العامة والقيم كلية ؟ أو أن تمحّص ؟ احتمالية وجود خطأ أو زيف في منطلق من المنطلقات لا يقتضي رفض المبادئ كلها والعيش بلا مبادئ ، فالعلم أخطأ عدة مرات ، وما زال ، ولم يُرفَض ، رغم تعرضه للخطأ . فيجب إما الرفض المطلق لكل ما وقع فيه خطأ ، سواء في علم أو مبادئ ، أو القبول بفكرة التمحيص ، والمبادئ يمكن تمحيصها لمن اراد ، مثلما العلم بالإمكان تمحيصه .
    


العلم ينطلق،ليس من فرضيات عامة،بل من أفعال خاصة محددة،تكتشف من خلال المراقبة أو التجربة.ومن خلال العديد من هذه الأفعال نصل إلى قاعدة عامة،وحتى الأفعال هنا إذا كانت حقيقية فإن الحالة تبقى خاصة. هذه القاعدة لم تثبت كليا،ولكن تم قبولها كبداية لفرضية العمل. وإذا تكررت الأفعال لمرت عديدة فإن هذا يساهم بتأكيد الفرضية،وإلا ترفض ويتم البحث عن غيرها



الرد:
هذا هو منهج البشرية من الاساس ، ولا جديد في الأمر ، فهم يبحثون عمّا يتكرر ويثبت نفسه ، وكلما زاد التكرر زاد اليقين فيه ، سواء في أمور مادية أو معنوية ، فيما يتعلق بالمجتمع و بالزراعة او الحيوان او الفلك ، هذا هو منهج المعرفة اساسا للبشرية كلها ومنذ القدم . الجديد والخاطئ في الوقت ذاته ، هو ما يقدمه الفكر الالحادي كعادته في الخطأ ، بالاكتفاء فقط بالحقائق المختبرية ورفض كل وسائل وطرق المعرفة الاخرى ، التي استفاد منها الانسان ولا يزال ، بما فيهم الملاحدة انفسهم . فهم يستفيدون من معرفة يرفضونها ولا يعترفون بوجودها . وهي المعرفة الحدسية والمعرفة العقلية والمعرفة العاطفية . فهم ينفون أي شيء ليس له وجود مادي . ولا يقرون إلا بما له جرم مادي يدخل المختبر . وهذا تناقض في العقل المادي الملحد الذي لا يقبل بما ليس له جرم ، في الوقت الذي يقبل فيه نظريات التطور وعلم الاجتماع مع انها ليست علما خالصا وليست ذات جرم يدخل للمختبر .

والبرجماتية هي أم التناقض ، فتجعل صاحبها متناقضاً في طبيعة الاشياء ، لأنه يقول ويفعل حسب مقتضيات المصلحة التي يراها الآن ، فتأتي مصلحة مناقضة في آن آخر تجعله يناقض قوله وفعله السابق ، فالبرجماتية هي حتمية التناقض ، وبالتالي فكل برجماتي متناقض بالحتمية . لدرجة أن التناقض والبرجماتية يصلحان أن يكونا مترادفان لفظيا . 

لماذا يقتصرها راسل على العلم التجريبي فقط ؟ بالتالي فلمنهج العلمي ليس باكتشاف جديد ، بل هو حتمية تاريخية . وموجودة منذ وجد الإنسان . فقد تم استئناس الحيوانات بناء على تجريبها وتكرار التجارب المفيدة معها ، وعلى هذا الاساس بنيت الحضارة .

الفكر المادي يحاول ان يرسخ في أذهان الناس ما يراه مفيدا لنظريته ، فيقدم المنهج العلمي على أنه ابتكار جديد ، مثلما يقدم الصراع الأزلي بين العلم والدين على أنه حقيقة دائمة حتمية . مثلما يحاول أن يربط بين الإلحاد والعلم على أن كل ملحد علمي . اعتماداً على فكرة : كرر ما تريده حتى يصدّقه الناس .

كل ليبرالي براجماتي ، وكل براجماتي ليبرالي ، بالحتمية أيضاً . 

. ومهما كان عدد الأفعال التي تثبت الفرضية فإن هذا لا يجعلها أكيدة،علما أننا يمكن أن ندعوها "احتمال كبير"،وفي هذه الحالة ندعوها "نظرية"وليست "فرضية".


الرد:
إذا كان ما ذكر يسمّى نظرية ، فاين هي الحقيقة العلمية إذاً ؟ كأنه يريد أن يعظّم كلمة "نظرية" ويرتقي بها إلى مستوى "حقيقة" ، حتى يسهل إبتلاع نظرية التطور وتوابعها من نظريات غير ثابتة علمياً .
    

     

المعتقد الديني وكما يشير Bertrand Russell في كتابه،يختلف عن نظرية علمية،لأن المعتقد الديني يدعي امتلاك الحقيقة الأبدية وهي ثابتة بالمطلق، بينما العلم يحتفظ دائما بطابع مؤقت: إنه يتوقع بتغييرات لنظرياته الحالية ويرى هذه التغييرات أنها ضرورية وهي قادمة عاجلا أم آجلا، كما أن العلم يأخذ بالحسبان أن منهجه هو بشكل منطقي غير قادر للوصول إلى توضيح كامل ونهائي.


الرد:
الدين يعتمد على الظن المؤكد ، المبني على أدلة كثيرة وليس على دليل واحد ، هذا بالنسبة للمؤمن نفسه ، أما ما يقدمه الدين نفسه ، فهو مثل ما يقدمه العلم ،فهو يقدم كلامه على أنه حقائق وليس على شكل شكوك ، مما يسقط كلام راسل حول العلم . فافتح اي كتاب علمي للتلاميذ ، ستجده يتكلم عن الحقيقة والطبيعة بثقة ، ولا يقول ان هذه الحقائق سوف تتغير جذريا كما يقول راسل ، إذاً راسل يقول كلاما غير واقعي عن طريقة عرض العلم .  

 العلم إذا يطلب منا الابتعاد عن البحث عن الحقائق المطلقة.


لكن البشرية تحتاجها ، فما العمل والعلم لا يريدها كما يقول راسل ؟ إذاً فعليه أن يخرج من هذا الميدان ، بل إنه أخرج نفسه ، إذاً فلماذا يُذكَر العلم في مجال عن الحقائق المطلقة ويقدَّم كبديل عن الإله على أيدي الملاحدة ، في الوقت الذي ينهى فيه عن التطرق للحقائق المطلقة ؟ وكيف يكون بديلاً للإله من لا يريد ويعجز عن التطرق للحقائق المطلقة التي هي شاغلة للناس فعلاً ، أكثر من معرفة خواص الطبيعة المادية او الحيوانية ، التي هي من مجالات العلم ؟  

مع ذلك، يوجد جانب في الحياة الدينية يقول عنه Bertrand Russell بأنه الأكثر قيمة،وهو الجانب المستقل عن الاكتشافات العلمية،ويستطيع أن يبقى حيّا مهما كانت قناعاتنا المستقبلية حول موضوع الطبيعة والكون. فالدين ارتبط في الماضي،ليس فقط بالمعتقدات و أماكن العبادة، بل بالحياة الشخصية لأولئك الذين يشعرون بأهميته. حيث نجد عند كبار القديسين و الصوفيين وفي نفس الوقت،إيمانا بالعديد من المعتقدات والروحانيات أيضا فيما يتعلق بغاية الحياة الإنسانية.وبما أن الدين ليس فقط مجموعة من المعتقدات بل يضمن "حالة روحية" مختلفة عن الإيمان بمعتقد ثابت،فإن العلم لا يستطيع أن يفسره بالكامل. ربما انحطاط وتراجع المعتقدات يجعل من الصعوبة "وبشكل مؤقت" وجود هذه الحالة الروحية لأن هذه الأخيرة ارتبطت بشكل كبير بالمعتقدات اللاهوتية. لكن لا يوجد أي سبب يجعل من هذه الصعوبة أبدية،حيث هناك العديد من المفكرين الأحرار قدموا ومن خلال حياتهم تجربة تؤكد أنه ليس بالضرورة أن تكون الحياة الروحية مرتبطة بمعتقد أو دين.

الرد:
كيف تكون هذه الحياة الروحية الخالية من المعتقد والدين ؟ كيف تكون روحانية بدون إله ؟ لا بد من تصديق ، أي معتقد ، حتى تنشأ الروحانية ، ولو كان هذا صحيحا لاستطاع الانسان ان يصنع لنفسه دين ويعيش الروحانية من خلاله ، لكن هذا لا يكون ، لأنه يعلم أنه هو من صنع هذ الدين وليس حقيقياً . من الواضح أنه يأخذ موضوع الروحانية تهاون شديد ، وأنه يستطيع أن يصنع الروحانية بإرادته ، وتوجيهها لاي مجال يريده ، الحالة الروحانية ليست بهذه السهولة ، لدرجة أن مجموعة كبيرة من المؤمنين لا يعيشون روحانية مع وجود المعتقد عندهم ، فكيف بمن لا معتقد له ولا يصدق بشيء ؟

على قدر قيمة المعتقد عند الشخص ، يكون إضفاء القداسة والروحانية ، فمن يعتقد بخرافة تتعلق بمرض معين أو طعام معين ، لن تضفي عليه روحانية مثل ما يضفي عليه الإعقاد بوجود اله مدبر لها الكون ، فهذا اعتقاد وذاك اعتقاد ، فليست كل الإعتقادات تعطي قدسيات وروحانيات . بدليل ماديّة راسل لم تضفي عليه قدسية للمادة برغم ماديته ، ولا توجد روحانية عند الماديين الملاحدة رغم تأليههم للعلم تقريباً ، والسبب هو أن القدسية لا تكون إلا بحيّ عاقل ، والعلم والمادة ليس حياً عاقلاً ، أو أشياء جامدة مرتبطة بعاقل ، كما هو حال الوثنية . والتقديس يختلف عن الروحانية ، فالملحد يقدس العلماء ولكنه لا يعيش حالة روحانية ، لأن الحالة الروحانية تحتاج إلى واحد فقط (قانون) ، واحد هو مصدر كل الجمال والقوة والعلم والوجود ، وإليه يصير كل شيء ، حتى الوثنيين ومتعددي الآلهة ، فالروحانية منصبّة على الإله الأكبر ، وهذا موجود في الوثنيات التعددية ، لا بد من واحد ، إذاً فالروحانية والعبادة هي لإله واحد ، وإن تعددت الآلهة أو تعددت المقدسات ،

تجد عند المسلمين والمسيحيين مقدسات كثيرة وأحياناً مادية ، من اماكن واشياء وأحجار وأعمال أدبية وفنية أو اشخاص أو قبور ، إلخ ، لكن المعبود هو واحد فقط ، لكن الحالة الروحانية مرتبطة بواحد ، لأن الأكثر من واحد لا يستطيع أن يأخذ الروحانية مع وجود شركاء غيره ، فالروحانية هي حالة الإنعتاق المطلق للروح الإنسانية ، ولا تكون إلا لمطلق القوة والخير والجمال والحب والقدرة والحكمة .. أي من واحد إلى واحد . المقدسات تكتسب قيمتها من ذلك الواحد ، فالحجر الأسود والكعبة عند المسلمين أو المسجد الاقصى هي مقدسات وليست معبودات ، مرتبطة بالمعبود الواحد الذي له حالة الروحانية ، والحالة الروحانية لا تفرغ على المقدسات ، بل المقدسات تثير حالة الروحانية .

حالة الروحانية هي من أجل ان يفرغ الانسان حبه وطاقته كلها وثقته كلها وآماله ، تحتاج إلى طرف آخر يكون قادر على كل شيء ، وفي حالة التعدد للإلهيات ، لا يكون الواحد منهم قادراً على كل شيء ، إذاً فلا يستحق الواحد منهم الروحانية كلها ، الروحانية تحتاج إلى واحد . فرغم تعدد الآلهة في اليونان ، تجدهم ينصبون على زيوس الأكبر ، والملحدون كذلك يتوجهون إلى شيء واحد وهو العلم ، إذاً فأصل العبادة هو التوحيد ، الملحدون يبحثون عن بديل واحد عن الإله ، وليس عن عدة بدائل ، وهذا يدل على ارتباط العبادة بالتوحيد .           

هناك تعليقان (2) :

  1. تخبرنا كاترين تيت Katharine Tait ابنة راسل في كتابها "أبي، برتراند راسل" أن فيلسوفنا العظيم كان يشعر دائماً بوجود مكان شاغر في عقله وفي قلبه. مكان كان يشغله الرب عندما كان (راسل) صبياً، ثم أصبح خاوياً ولم يعثر على شيء يملؤه. وتقول كاترين بأن والدها كان يشعر دائماً أن جوهر الإنسان لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، وأنه أخذ منذ بداياته الفلسفية وطوال حياته يبحث عن الإله باهتمام ومثابرة.
    رايت هذه المقطوعة تتكر النسبة لهذا الفيلسوففي اكثر من مقال وليس لدي بالفعل المصدر الذي ذكره الناقل عن ابنة راسل فحبذا لو تفضلتم بارشادنا الى مصادرها ان كانت فعلا موجودة ,واعانة الضعيف صدقة.

    ردحذف
    الردود
    1. اهلا وسهلا بك ..
      لم أعرف عن هذه المعلومة إلا من حضرتك أخي الكريم ..
      شكرا لمرورك وتعليقك ..

      حذف