الاثنين، 13 أكتوبر، 2014

هل الإنسان في أساسه مادي أم معنوي؟



الأيديولوجيات البشرية تركز على الإنسان في ما يخص تطبيقه للمنهج الفكري الذي يتبناه, أي المهم هو النتائج واكتمالها بغض النظر عن النية, فالإحساس بالوصول في المناهج البشرية مرتبط بتطبيق الشخص للمنهج الفكري و ليس بمدى صحة المنهج نفسه و سلامة نيات الإنسان, وزيادة التطبيق يرونها تؤدي لزيادة الإحساس بصواب المنهج, لكن المنهج الطبيعي الحقيقي يرى العكس, فيرى الوصول في البداية وليس في النهاية, فبمجرد أنك سلمت نفسك لله أنت وصلت معنويا, والباقي هو خاضع للضعف البشري و لقوانين الطبيعة ومقتضيات الحياة.

في كل المناهج البشرية الوصول هو في الأخير, في أعلى الجبل, لكن في المنهج الرباني الوصول هو في البداية: {كلا إنها كلمة هو قائلها}, و هل بعد هذا يسر؟ في منهج الإسلام الحقيقي أنت وصلت منذ ان سلمت أمرك لله, والباقي هو عملية تنفيذ لهذا الوصول, بعبارة أخرى انتهيت من الوصول المعنوي والباقي وصول مادي وهو عملية التطبيق الخاضعة للضعف البشري, و لهذا الشعور الإنساني حين يجد الطريق السليم يتوقف عن البحث لأنه قد وصل, لكن في الأيديولوجيات البشرية لا يشعر أصحابها بالوصول المعنوي, لأن الوصول عندهم مرتبط بالمادي والمادي ليس له نهاية و الإنسان ضعيف, مثل المتشدد في العبادة المغالي في مظاهر التعبد الخارجية و الذي يحبس نفسه في دار العبادة طوال عمره ومع ذلك لا يشعر أنه قد وصل فلا زال هنالك المزيد أمامه والتفريط خلفه, وفي الحديث ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى, و مثل طالب المال والثروة لا يشعر أنه قد وصل مهما وصل, إذن الوصول عندهم صعب فـيَـنـبَـتّ الإنسان و هو لم يصل, لأنه وصول مادي. لكن الوصول المعنوي ليس صعبا : {كلا إنها كلمة هو قائلها}, لكن المشكلة حين لا يكون هنالك وصول لا مادي ولا معنوي, لأن الوصول عند الأيديولوجيات البشرية مربوط بالكمال, فهو كمال وليس وصول, فالكمال عندهم هو الوصول, لكن في منهج الله النية هي الوصول والباقي تكميل للنية, لأن النية لا تزداد, فانت تريد أن تكون عبد لله كل مافي الأمر أنك ستؤكد على هذه النية وستتوضح لك أكثر ويتولد منها نيات فرعية تابعة لها وإلا فهي نفسها لم تتغير. وهذا الوصول المعنوي هو الذي يسبب اطمئنان النفس, لأنه معنويا أنت وصلت للأكمل, فأكمل شكر تقدمه لله هو أن تكون عبدأً له, و يتبقى كمال التطبيق وهو عالم آخر.

الكمال المادي مطلق, و الإنسان محدود , فمعنويا تتمنى لو أنك تساعد كل المحتاجين و الفقراء, أي معنويا أنت وصلت وأعطيت كل المحتاجين والفقراء, لكن ماديا طبعا لا, فأنت اصلا لا تملك ما يكفي من المال, هذا غير قضية كيف تصل لهم و كيف توفق بينهم وبين واجباتك الأخرى.. إلخ. و الحساب هو على الوصول المعنوي أو التقصير بالوصول المادي مادمت تستطيع, لكن الحساب على المعنوي أشد من الحساب على المادي, فالمؤمن الحق يبارك الله أعماله لأن نيته مباركة وكاملة, مثل أحد تعرف أن نيته مساعدتك لكنه أخطأ و لم يفهم بشكل صحيح فتعذِّر له وتبحث عن الاشياء الحسنة التي فعلها و تمدحه عليها حتى لو كانت قليلة, أي باركت له, فالتبريك هو التكميل وإيصال الشيء إلى غايته وإلى أحسن ما يمكن أن يصل إليه في كل ناحية من نواحيه (تعريف).

المعرفة من الناحية المعنوية تساعدك على الكمال المعنوي, فإذا عرفت موقفك من شيء حتى لو لم يحدث لك أنت ارتحت من ناحيته, فلماذا تشعر بالراحة مع أنه شيء لم يحدث لك؟ لأنك كملت المعنوي, مثلا أنت رافض للأفكار المادية التي لا تقيم للروح والأخلاق وزنا و لست تتبعها, ورغم رفضك لها إلا أنه إذا تبينت لك طريقة تفكير الماديين وعرفت كيف تكونت الأفكار المادية ستشعر بفرحة, لماذا؟ لأنك أكملت المعنوي.

أي شيء له وقوعان: وقوع معنوي ثم وقوع مادي, مثلا لو تريد أن تعرف كيف تصلح الشاي وأعلمك كيف تصلحه هنا أنت أصلحته معنويا وتبقى الوقوع المادي. أنت تعرف أشياء وتعرف أنها لن تمر عليك لكنك تفرح أنك عرفتها, هذا يعني أنه ليس العالم المادي هو المهم عندك بل العالم المعنوي, فنحن لا نعرف الأشياء لكي نفعلها أو لا نفعلها, بل لنجري اختيارنا عليها و نحدد موقفنا منها, فلو أخبرتك عن شخصية تاريخية وكشفت لك أن وضعها مختلف عما تصورت وما يقوله الناس ستفرح بهذه المعرفة و تشتريها بالمال مع أنه قد مات منذ قرون, فأنت عندك رفَّين تريد أن تكملهما: رف معنوي ورف مادي. لو أقول لك انك على مدى 3 ساعات ستكمل بها منجز مادي أو تعبئها بمنجز معنوي, أيهما أثمن؟ المعنوي طبعا, إذن أنت لست مادي, حتى لو كان هذا المعنوي بعيد عنك, فالرف المعنوي هو الأهم, والله يقول: {إلا من أتى الله بقلب سليم} و لم يقل بعمل سليم من العيوب والنقص.

هذا الموضوع داخل بقضية ثنائية المادي والمعنوي, لو كان الإنسان مادي كما يقول الماديون لكان همه ألا يتعلم أي شيء إلا إذا كان ينعكس على حياته المادية, لماذا تستريح لسماع قصة قد تكون ليست واقعية أكثر من استماعك لشرح عملية رياضية؟ مع أن الأخرى ربما تفيدك و ربما تكون محتاج لها بينما القصة لست محتاجا لها, إذن المعرفة في أساسها ليست لأجل المصلحة فقط, بل أقل المعارف جاذبية هي مالها علاقة بالمصلحة و دائما يُكتفى منها بالقدر الكافي. أيهما أحسن لك أن تتعلم: أعرض لك مجموعة من العلماء والخبراء الماديين و الناجحين ماديا أو أعرض لك مجموعة من الصور الإنسانية والأخلاقية والشعرية والجمالية؟ أكيد الجاذبية للنوع الثاني الذي هو الأبعد عن الإفادة المادية في حياتك, و الناس يعرفون الشعراء والممثلين والمصلحين الدينيين أكثر من معرفة المخترعين, إذن ليست كل المعرفة لأجل التطبيق, لماذا هي إذن؟ هي لأجل تطبيق لكنه من نوع آخر, تطبيق معنوي. إذن للإنسان حياتان: حياة مع داخله وترتيب أفكاره و مبادئه وقيمه و بنائه المعنوي, أي اختيارات و نيات, وحياة أخرى و هي عملية تنفيذه الواقعي, ولا نستطيع أن نقول أن الأولى فقط تفرِّغ في الثانية أي أننا نتعلم من أجل أن نطبق في الواقع, كلا, وإلا لحذفنا كثير من المعرفة الغير قابلة للتفريغ في الواقع.

إن بناء الرف أو البيت الداخلي عند الإنسان أهم من بناء البيت الخارجي, فالإنسان يعذر نفسه بالضعف لكن لا يعذر نفسه بانحراف النية, و يعذر نفسه بالجهل التقني والعلمي لكن لا يعذر نفسه بنية الشر, فتأنيب الضمير أشد هنا, حتى الأخرون يفعلون هذا معنا, فحين نخطئ على أحد أول شيء يلتفتون إليه هو النية, أي يركزون على البيت الداخلي ويتركون الخارجي, فإذا أحد تعمد ان يخرب شيئا هنا يكون عمله فظيعا, لكن جاء ليصلحه فخربه هنا لا يكون فظيعا, إذن البيت الداخلي أهم عند الإنسان, فكيف نقول أن الإنسان مادي وكل ما يفعله لأجل المصلحة المادية الواقعية؟ إذن الله يحاسبنا على الرف الداخلي أكثر من حسابنا على الرف الخارجي, إذن إصلاح النفس بالأفكار و النيات أهم من إصلاحها بالعمل, وهو الأولى, وإذا صلحت النية صلح العمل. حياتنا من صنع أفكارنا, و يمكن جبر العمل وتعويض نواقصه.

و هذا ما يفسر نجاح القصة الخيالية على القصص الواقعية, أشهر روائيي العالم يكتبون من خيالهم, فالناس يقرؤون الروايات أكثر مما يقرؤون التاريخ, وهذا يفسر لنا ولع الأطفال بالقصص, و رغبتهم في تقييم كل شخصية من حيث الخير و الشر, لأنهم يبنون حياتهم المعنوية, لا ينجح مع الصغار أي قصة لا تحمل خير ولا شر, أصلا لا يمكن ان تُفهم قصة إلا بوجود الخير و الشر وإلا كيف تسمى قصة؟ فالعقل يعمل بموجب الثنائية, و هذه من المشاكل التي واجهت الأدب المادي وسببت له الفشل ورجوع الناس دائما إلى الأدب الكلاسيكي المفعم بالخير و الشر, ففي الادب الحديث الغربي قلما تجد روايات أو مسرحيات مشهورة, لكن الناس يقفزون بسرعة إلى شكسبير وفيكتور هيغو ودوماس وغيرهم من الروائيين الرومانسيين والكلاسيكيين. الروايات الواقعية متأثرة بالمدارس المادية الحديثة و التي بدورها مأخوذة من الفلسفة المادية التي لا تجد فواصل بين الخير والشر, لهذا ليس واضحا الخير والشر في تلك الروايات, أي بعبارة أخرى لا تسمي الشر شرا بل تحاول أن تخلطه مع الخير, مثل روايات نجيب محفوظ التي أعطي من أجلها جائزة نوبل لأنها تناسب أفكار الغربيين المادية وليس لأن العرب و العالم معجبين بمضمونها وإن كان أسلوبها متفننا, هذا غير أنها لا تصور المجتمع المصري كما هو حقيقةً. و حتى الشعر الحداثي و الأدب المادي الواقعي الخالي من فكرة الخير والشر لا يبقى في الذاكرة, لأن الذاكرة مرتبطة بالشعور والشعور لا يفهم إلا من خلال القيم, وهذا الأدب يزول من الذاكرة كالهذيان, حتى أن هناك رواية غربية اسمها الهذيان! القصص القصيرة التي كتبها همنجواي لاقت نجاحا وشهرة بسبب دقة وصفه لحياة الحيوان وبيئة القصة, أكثر من وصفه البئيس للإنسان, ولو كان يدور حول الإنسان فقط لما نجح ذلك النجاح, فجمال رواياته من أنه كان يصف الطبيعة وعادات الحيوانات ونفسيتها بدقة متناهية.

إن الفهم مرتبط بقوانين الشعور, فلو تقرأ لبعض الحداثيين المغرقين مثلا لن تفهم شيئا, و كونك لا تفهم يعني أنك لن تحفظ, فليس هنالك فهم إلا بالضدية, (وموضوع الفهم بالضدية موضوع مهم), وإذا أزلت الخير والشر أزلت الضدية فكيف سنفهم؟ و أساس إبعاد فكرة الخير والشر داخل في حرب الدين, و هكذا كلما تبعد وجود الله يبتعد العقل والإنسان ويبتعد الفهم, مما يدل على أن كل شيء مرتبط بالله, مثلما قال ديكارت: المعرفة تبدأ من الله أولا. معنى هذا أن الإنسان في رحلة المعرفة هو يبني شخصين وليس واحدا, شخص مثالي بداخله وشخص واقعي, ثم يعمل على المقاربة بينهما.

في الوضع الطبيعي يكون التركيز على المعنوي وبنائه ورفوف المعنوي تعبأ باستمرار, أما الجزء المادي فيخرج من نفسه بإفراز قليل مقارنة بالضخ المعنوي ولكنه جميل وحلو, وهذا هو الصحيح, فالإنسان ليست قيمته بما ينفذ بل بما يقتنع به ويعتقد. هذا مبدأ الماديين أن قيمة الإنسان بما نفذ, بحيث أنه ينفذ بأي طريقة لكن المهم أنه نفذ, لذلك عندهم أي مليونير هو عبقري وناجح, باعتبار النتيجة وليس باعتبار السبب, أي مبدأ : (من حصل على شيء يستحقه), بينما الإنسان الطبيعي على العكس تماما, فهو يرى أن من جهز بيته من الداخل هو الناجح حتى لو لم ينفذ شيئا كبيرا. أما من يشتغل على بيته من الداخل وهو لا ينفذ شيئا هو لم يشتغل على داخله حقيقة بل هو منافق لأن النية هي قيد التنفيذ متى سنحت الفرصة.

ولما تفكر ستدرك أنه لا يكن المطابقة بين البيت المعنوي و البيت المادي, فالإنسان محدود, لكن لا يعني هذا أن بناء المعنوي بلا جدوى بل له جدوى, و جدواه ليست فقط من تطبيقه, فالشخص السطحي يمكن أن يفهمها أنه يبني المعنوي لاحتمال التطبيق في يوم ما, لكننا نترك أشياء قريبة يمكن تطبيقها و ننشغل بسد فراغات في البيت المعنوي لم تعبأ, كأن تقرأ عن التاريخ ولا تقرأ عن يومك أو طبخك أو عملك, مثل شخص فقير تولع بقراءة كتاب و لم يذهب ليبيع خبزا مثلا, هذا يدل أن المعنوي أهم من المادي, لو كان الإنسان مادي فعلا لما انشغل بالأمور الغيبية ولانشغل بشؤون رزقه وحياته ثم إذا فرغ التفت لأشياء أبعد, لكن الملاحظ أن طلب المعرفة حاجة عند الجميع ولا علاقة له بالغنى والفقر, الفقير يتعب كثيرا من أجل أن يشتري جهاز تلفزيون ليتفرج على عالم بعيد عن واقعه اليومي, بل تجده قد وفر من مصروف أكله من أجل أن يشتري وسيلة تثقيفية تقدم له الأفلام والتمثيليات الخيالية, وحتى لو كانت واقعية فقليل منها ما هو قريب من واقعه و يلامس حياته اليومية مباشرة.

لا أحد يستطيع أن يبني بيتا ماديا دون أن يبني بيتا معنويا أو نظريا, حتى مختار الشر لابد أن يبني بيت معنوي شري, مثل من يقول أن الخطيئة أساسية بالإنسان وأن أصله أناني, فيحاول أن يؤصِّل الشر و يضع له ملفات, حتى لو كان شرا لا يرتكبه هو, لذلك أكثر من يكتبون الأفكار المخالفة للدين لا يخالفونه كثيرا بواقعهم, بل أن بعضهم يصلي حتى, هذا دليل أنه يصُفّ البيت المعنوي, فيأبى شيء في الإنسان إلا أن يصفّ البيت المعنوي بكامله, و هذا يدل أنه هناك يوم دينونة, فهنالك إدانة على هذا البيت المعنوي, فمالذي يحدّ الشخص أن يصفّ هذه الأشياء وهو لم ينفذها؟ مثل أن يقول أحد : أتمنى أن يباد الفقراء و نرتاح منهم ومن مشاكلهم! مع أنه لن ينفذ هذا, فهناك أناس يتكلمون عن الشر وهم لا ينفذونه, مثل نيتشه, فالبيت المعنوي يُبنى قبل البيت المادي, لأنه يبني أشياء لا علاقة لها بواقعه, مثل الملحدين, هم ألحدوا وانتهوا لكنهم منشغلون بالدين, لماذا؟ فلماذا ينشغل بالإسلام ويقرأ نصوصه ويرد عليها مادام لا يؤمن به؟ إذن الإنسان يبحث حتى يحدد مواقفه ويحدد نيته من الشيء ثم يتركه, حتى لو كان يعلم أنه لن تمر عليه تجربة واقعية بذلك الشيء.
.
وهذا الموضوع من الخيوط الدالة على وجود الله, فكلٌّ يجهز ملفاته المعنوية, فتجد أناسا كبارا بالسن ومشغولون بقضايا فكرية مستقبلية معقدة, أين هذا عن واقعهم؟ فماذا سيفعلون وهم مقعدون؟ هذا يعني أن المعرفة عالم و التطبيق عالم آخر.

حين تتأكد من فكرة وتفهمها وتصفها في الرف المعنوي, هذا مِن عالَم, أما تطبيقها فمن عالَم آخر و طريقة تفكير أخرى, فالتطبيق نفسه يحتاج تفكيرا لأنه مليئ بالأفكار, فهو مستوى عقلي آخر مختلف عن المستوى الأول, المستوى الأول حول بناء البيت الداخلي, أما التطبيق فتنشغل فيه بكيفيته وهل هناك طريقة أفضل...إلخ. لا يمكن أن تنزل الفكرة للواقع وهي محافظة على مثاليتها بالكامل, فالواقع يفرض عليك أشياء أخرى, فالإسلام مثلا حين تبعده عن الناس يخرج بشكل مثالي, لكن احتكاكه بالناس والمنافقين والكفار جعلته يخرج بشكل آخر, لكنه يظل أفضل الموجود, فالفكرة إذا نزلت للواقع يكفيها فخرا أن تكون أفضل الموجود, ولا تستعمِل من الشر إلا ما يدفع الشر فقط. لا يمكن أن تكون مثالي بخيالك وبنفس الصورة تكون بالواقع, فالواقع مؤثر.

الحياة المعنوية حياة كاملة بحد ذاتها, فلنا حياة أخرى و ليس فقط حياة مادية, ألست ترى أنك تستطيع أن تزني أو تقتل بخيالك؟ أليست العمارة بدأت بفكرة؟ و العمارة لو تزول هي زالت من الواقع لكنها بقيت كفكرة في بالك, هذا عالم المثل المختلف عما تصوره أفلاطون, هذا عالم المثل الداخلي, وسواء بخير أو بِشرّ هو عالم مُثل, مِثل الشرير الذي عنده أفكار شريرة لكنه لم ينفذها بالواقع, فمثاليته الشريرة موجودة بعالم المثل الذي بناه. ألا تجد أنك تفكر بفكرة سيئة ثم تتألم؟ مع أنك لم تنفذ شيئا بالواقع؟ إذن أنت تعيش بمستوى آخر من الوعي, فنحن نعيش مستويات من الوعي: مستوى بالوعي في الأحلام ومستوى وعي بالخيال ومستوى وعي بالواقع, أنت الآن قد تفكر بفكرة وتشعر بالراحة والرضا, مع أنه واقعيا لم تفعل شيئا, إذن أنت تعيش بمستوى آخر, وتفكر بفكرة وتشعر بالضيق والندم وتشعر كأنك ارتكبت جريمة. الحقيقة أننا نعيش بعالم المثل الداخلي أكثر من العالم الواقعي, و نحب الكلام فيه ونختار أناسا من الواقع لأنهم يتكلمون به وهم مَن نسميهم أصدقاء, إذن هو الأهم, فهم أصدقاء لعالم المُثل الذي عندك, بل إن المستوى الواقعي نسخره لخدمة هذا الشيء, فنتعب و نعمل لنحصل على كتاب أو جهاز تلفزيون يخدمه أو نسافر لنخدمه أو ندفع هدايا لإنسان يخدمه, إذن صار الواقع مسخر له, إذا استثنينا ضروريات بقاء الحياة, فالبيت المعنوي هو الأساس و أعتقد أن أول الحساب يوم القيامة سيكون عليه وهو السرائر.

البيت المعنوي هو نيات وليس فقط خيالات و أفكار رومانسية, إذا حلقت بالخيال و تأملت فكل هذا من أجل أن تستخلص نيات, لهذا مدح الله المتفكرين و المتدبرين, لأنهم خرجوا باستنتاجات من التحليق في الخيال: {ربنا ما خلقت هذا باطلا}, أما تحليق الماديين بالخيال السريالي والواقعي فهذا عبث, فكل بحث لا يُستخلص منه شيء هو جنون, فأي عمل غير مرتبط بغاية هو جنون لأن الغائية من أساسات العقل, سواء جاءت الغاية قبل أو بعد, لكن لا بد أن يكون مقترنا بغاية. أما ما يقال أن الله لا يحاسب على النيات السيئة التي لم ننفذها فهذا تكرم من الله ورحمة, لأنه يحاسب على النيات الحسنة التي لم ننفذها مع أنها نيات.

كلما يتقدم الإنسان بالعمر كلما يزيد رغبة في المعرفة و التقييم, مع أنه يبتعد عن التطبيق في الواقع بل ويبتعد عن الواقع نفسه باقترابه من الموت, المفترض أن يكون هناك علاقة بين المعرفة والتطبيق إذا كانت المعرفة من أجل التطبيق كما يقول الماديون, لكن الحاصل العكس تماما, فالإنسان لا يريد أن يموت حتى يكمل بيته الداخلي. أكثر المفكرين والمثقفين من كبار السن, فلماذا يجهزون هذا البيت و هم يقتربون من الموت أكثر مع مرور الوقت؟ ومع ذلك يزداد تفكيره و تمحيصه و تقييماته و اطلاعه و نقاشاته, المفترض أن تقل الرغبة بالمعرفة كلما ابتعدت عن الواقع وكلما تقترب من الواقع كلما تزداد نهما للمعرفة حسب فكرة الماديين, لكن في الحقيقة أن 90% من أفكارنا لم تطبَّق, و ما طُبِّق منها لم يطبق بالكامل, و إذا نظرت إلى الملحد مثلا تجد أن أكثر ما عنده هو أفكار و ليس تنفيذ, و كذلك المؤمن الحقيقي بالله, و لاحظ أن الله يقول أن من عمل الصالحات لكن بلا نية صالحة عمله كسراب بقيعة, و لاحظ أن الحكاية كلها قائمة على إيمان, والإيمان قائم على البيت الداخلي و ليس الخارجي, و الله سماهم مؤمنين وليس عاملي الصالحات, ولو كان على العمل لكان كل من عمل صوابا له أجر بغض النظر عن نيته وهذا يناسب الدنيويين, لكن المسألة بالآخرة ليست ميزان أعمال فقط, ولو كانت كذلك فلماذا يزيد الله ويبارك في أعمال؟ الله قال: {يوم تبلى السرائر} وليس فقط الأعمال, فسيرون أعمالهم موجودة و كذلك سرائرهم.

العلمانيون ينظرون للدنيا فقط فأي شيء يؤدي لصلاح الدنيا هو حسن سواء قصدته أو لا, مثل الشركة, فالشركة همها التنفيذ والعمل ومن يخرب العمل فهو سيُلام حتى لو لم يقصد, و من يفيده دون أن يقصد أو من أجل مصلحته الخاصة فسيُشكَر, لأن الناس غائبين والموجود هو العمل فقط, فالعقل المادي يخرج الإنسان من الحكاية و يبقي المادة, فيقولون أن الرسل لم ينجحوا بأن يقدموا حياة رفاهية للبشر, فهمهم فقط في هذه الدنيا وليس هنالك آخرة.


نظرة الملحدين والماديين للمعرفة قائمة على هذا الأساس, على أساس أن العلم للمنفعة المادية فقط, فيريدون للناشئ أن يسأل مثلا عن الكرة الأرضية وخطوط الطول ودوائر العرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وكم يبلغ.. إلخ, لكنهم لا يريدون أن يسأل من أين جاءت الأرض ومن أوجد هذا النظام, ويعتقدون أن مثل هذا السؤال غير علمي مع أنه الأهم عنده والعلم يجب أن يجيب على الأهم, فمثلا رجال الدين يسميهم الناس علماء لكن الملاحدة لا يسمونهم علماء لأنهم يجيبون على أسئلة غير علمية في نظرهم, و هذه النظرة المادية للعلم تجعل العلم بلا علم, ما قيمة أن تعرف تفاصيل شيء وأنت لا تعرف من أين جاء ولا أين هو ذاهب؟! أي لا منشأه و لا غايته والتي لأجلها جرى العلم! كيف ستحدد موقفك من شيء بلا هوية؟! إذا قال الملحد نتعلم لكي نستفيد ماديا سوف يُسأل أيضا: لماذا نعيش؟ و الجميع يعترف أن التعب في الحياة أكثر من سعادتها, إذن الحياة نفسها غير علمية وخاسرة! يريد أن يجعل كل شيء علمي بينما استمراره في الحياة غير علمي, لأن الاستمرار في شيء ضرره أكثر من نفعه سلوك غير علمي بموجب علوم الاقتصاد و التجارة و المنطق.   

هناك 3 تعليقات :

  1. يعطيك العافية
    مجهود تشكر عليه
    احترامي لك سيدي
    شات
    شات الغلا

    ردحذف
  2. اية 9وايه 10 من سورة الشمس.تجسد المعنى في تصوري. طرح رائع ياكاتبنا الكريم

    ردحذف
  3. رائع استاذ الوراق ..

    إن الايديولوجيات البشرية تركز على النتائج التي يطبقها الانسان صاحب المنهجية الايديولوجية لأنها تريد أن "تنتفع" منه ومن تطبيقاته، وليس غرضها أن تصلحه إنسانيا وأخلاقيا ..

    ولهذا فالله سبحانه وتعالى ذكر أن منهجه وصراطه واضح وسهل ويسير وأنه وصول من البداية، بخلاف المناهج الاخرى التي تزعم وجود حالة (خلاص) و (مثالية) و (قمة) في الأعلى هناك، بينما تلك القمة ليست الا سرابا و وهما ..

    إن الوصول المعنوي هو الوصول الحقيقي كما تفضلت استاذي، وهو الطريق الحقيقي للاكتمال، لأن الوصول يعني إستقرار، وعند الاستقرار يمكن البناء ، ولا يمكن البناء على حالة غير مستقرة لم تصل إلى ما يريحها ..

    واصلتُ الإبحار في الموضوع ولم أدر إلا بوصولي إلى نهايته .. سمفونية فكرية رائعة ..

    شكرا جزيلا لك أستاذي الفاضل ..

    ردحذف