الأحد، 19 أكتوبر، 2014

موقف الشعور الإنساني من التكرار


أي شيء يتكرر على الشعور الإنساني فإنه يضاعفه أو يهونه على حسب علاقته بالشعور, فإذا كانت علاقته معنوية ومهمة فإنه يضاعفه, فالألم مهم بالنسبة للشعور لذلك يضاعف الإحساس بالألم , أما إذا كان التكرار ليس فيه خطر فإن الشعور يسحب عنه الألم تدريجيا, مثل تكرار صوت مزعج لا يمكن تغييره كصوت السيارات أو صوت المكيف. وهذا القانون الشعوري تابع لقانون أن الشعور لا يتكرر, لذلك أي شيء يتكرر على الشعور فإن الشعور يضاعف الإحساس بالألم من مصدر الإزعاج حتى تبتعد عنه, فإما أن تبتعد أو يزداد الإحساس بالألم عليك .

لاحظ أن الألم من الشيء المتكرر يأتي أحيانا قبل وقوعه , فإذا كنت لا تحب الوظيفة التي تعمل بها تجد أن الشعور يحسسك بالألم قبل ذهابك للعمل بيوم أو يومين مثلا , والعودة للعمل بعد الإجازة أثقل منها وسط الأسبوع , لأنه أمكن انقطاع الألم فتكون العودة إليه أصعب. هذا يدل على أن الشعور لا يريد لشيء أن يتكرر مع إمكانية أن لا يتكرر طلبا للأفضل, وهذا بسبب قانون طلب الأفضل لدى الشعور, لهذا من يلح ويكرر الطلب أو اللوم عليك فإن الشعور يضجر بشكل تصاعدي ويزداد الضجر والنفور خصوصا إذا كانت العبارات والنغمة نفسها تتكرر.

الشعور مع التغيير والإيجابية , لذلك لا يحب الروتين مع أنه تكرار بارد وليس فيه خطر ومع ذلك الشعور لا يحبه لأنه تكرار , فالتكرار نوعان : تكرار حار وتكرار بارد , التكرار الحار مثل تكرار الألم الجسمي أو الفزع النفسي وهذا يُنتج عقد مثل الفوبيا أو الرهاب الاجتماعي أو العقد النفسية أو الهستيريا, والتكرار البارد مثل الروتين والأصوات المتكررة والمزعجة وينتج مشاعر ملل أو عدم راحة و تأفف.

تكرار الأفضل لدى الشعور لا مشكلة فيه كتكرار التنفس أو البصر أو نية الخير أو المحبة فلا يمل من تكرارها ولا من تكرر عباراتها. لهذا فالشعور له موقفان من التكرار : موقف سلبي وموقف إيجابي, فمن يناديك بكلمات طيبة فإنك لا تمل منها حتى لو تكررت نفس الكلمة كثيراً بل تزداد محبة الأفضل إذا تكرر, فكلما يتكرر الأفضل كلما يبتعد الملل, لكن تكرر الأردأ يزيد النفور, ومن هنا منطقيا جنة الله ليس فيها ملل بل تزداد النفس تعلقا بها, فقانون الأفضل يتوقف عند الأفضل لأن طلب الأفضل يكون في حال عدم وجود الأفضل, وإذا وجد الأفضل توقف الطلب و اشتغل قانون المحبة التصاعدية, إذن محبة الأفضل لن تتوقف وستستمر بشكل تصاعدي إلى أن تصل إلى الأفضل في المحبة (مرحلة خلوص المحبة), أي خلوصها من شوائب الشكوك أو الأخطاء حتى لو كانت صغيرة. ومن هنا قيمة النقد البناء لأنه يسرع بالخلوص, فأنت تتعب من وجود أخطاء عند من تحب  في الفهم أو التقييم -وليس في الأداء نفسه ـ أو نواقص أو شكوك, وكلما زالت هذه الأشياء كلما صار الحب خالصا. ونفس الشيء في الإيمان فكلما خلص من الشكوك كلما صار خالصا وهي مرحلة اليقين, قال تعالى : (إنهم كانوا من عبادنا المُخلَصين) أي عبوديتهم خالية من الشوائب, وهي غير كلمة المخلِصِين.

 أي شيء يمكن أن لا يُكرر و يُكرر فإنه يزعج الشعور. من قوانين الشعور عدم التراجع عن الأفضل لذلك الإنسان الذي وصل للأفضل شعوريا لا يحب أن يعود إلى وضعه السابق لأن الشعور لا يجب أن يتراجع عن المستوى الأعلى الذي وصل إليه , لذلك الشعور لا يريد أن يرجع مرة أخرى إلى المستوى الأدنى الذي كان فيه .


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق