السبت، 4 أكتوبر، 2014

النسبية عند البشر ..



في ثوابت الشعور الانساني لا توجد نسبية، وإلا لاقتضى أن البشر يكونوا مختلفين عن بعضهم اختلافا اصليا في الخلقة .. النسبية لا تكون الا في المقارنة .. لو كانت النسبية في كل شيء، لكانت في المنطق أو في العلم .. نظرية النسبية ونظرية التطور يراد لهما الاقحام في كل مجال. فالنسبية تبدد ما هو منطقي، والتطورية تجمع ما هو غير منطقي .. وكلاهما مأخوذ من مجال معين ليُعمم على كل المجالات .. فالتطور موجود في مجال ما يبنيه الإنسان ، والحضارة تطور تراكمي، وهو حقيقي وموجود.. والنسبية موجودة في مجالات المقارنة بين موجودات .. فمثلا تقول : هذا الكرسي كبير بالنسبة لجسمك، لكنه صغير بالنسبة لجسم أضخم منك ..

النسبية في المقارنة تحكم على الشيء بحكمٍ في موضع، وتحكم عليه بالضد في موضع آخر ، أي بالنسبة لشيء آخر . فيكون هذا الكوب بالنسبة للكوب الأصغر منه طويلا، لكنه قصير بالنسبة لفازة الزهور مثلا، فها هو أخذ حكمين : طويل وقصير ، فهل سقطت حقيقته بسبب التناقض لأنه اخذ حكمين : مرة طويل ومرة قصير و هو شيء واحد ؟ إذا كان البشر نسبيون، عليهم أن يستمروا نسبيين في كل شيء ، فـ 1+1 تساوي 2 بالنسبة لي، وتساوي 3 بالنسبة لشخص آخر ، و 4 لآخر ، وهذا الشيء غير موجود .. اذن عدم امكانية النسبية للبشر في مجال، تجعلهم غير نسبيين في مجالات أخرى .. والذي يخالف الحقيقة لا نقول عنه أنه يراها ليست حقيقة بالنسبة له، بل بالنسبة لكذبه وهواه .. لأنه لا يُجري النسبية في أمور أخرى و يتفق معنا فيها .. اذن أساس البشر متفق، بدليل اتفاقهم على المنطق. الماديون يقولون ان الانسان هو جسم الانسان، فهل يوجد اختلاف جوهري وتشريحي بين جسم انسان وجسم إنسان آخر؟ طبعا لا، هذا ما يثبته العلم.

ما هي وسيلة البشر للمعرفة الخارجية؟ الحواس، والحواس مشتركة بين البشر. إذن لا يوجد نسبية بينهم ما دام أن وسيلة معرفتهم واحدة. فالإشارة الحمراء الجميع يراها حمراء، ليست حمراء بالنسبة لأحد وخضراء بالنسبة لآخر، وإلا لكانت مصيبة .. ما دامت نوافذ تحصيل المعرفة مشتركة، اذن مخرجات هذه المعرفة مشتركة ، ولا يوجد نسبية فيها، الا اذا كان هناك نسبية في الحواس، وهذا غير موجود الا في القوة والضعف فقط وليس بالنوع .. فنقول عن فلان ان منطقه قوي او ضعيف، مثلما نقول ان سمعه قوي او ضعيف . اذن لا نسبية في العقل ، والناس من اصل واحد مشترك .. هذا ضد فكرة وجود نسبية بينهم.

خرافة النسبية عند البشر لا توجد .. اختلافهم راجع اذن لأهوائهم أو لجهلهم أو لتأثرهم بدون وعي بمن هو أقوى منهم .. أحكام المقارنات النسبية تجمع الحكم ونقيضه بطبيعتها، وكلاهما صادق. لكن الشعور البشري واحد، بينما الاشياء الاخرى تـُقارن بأخرى مختلفة عنها، أي لا مقارنة بدون اختلاف أصيل وجوهري ، بالتالي لا نسبية بدون اختلاف أصيل وجوهري .. فطالما يوجد اختلاف اذن توجد نسبية، وبالتالي لا نسبية بين البشر؛ لأن أصلهم واحد وليس بينهم اختلاف، لكن بين طوبة و اسفنجة وكتلة حديد، بينها كلها اختلاف، وبالتالي بينها نسبية، ومعدنها ليس بواحد. لكن الانسان اصله واحد .. اذا جمعت مجموعة من الطوب فلا نسبية بينها، لا في الحكم ولا في اللون، لا نسبية فيما تتفق فيه من طول وعرض وصلابة وحجم ومادة، لكنها تختلف في المكان، فتكون هذه الطوبة اقرب من الاخرى مثلا ..

سطح السفينة مثلا ثابت بالنسبة للراكب، لكنه غير ثابت بالنسبة للارض، والارض ثابتة بالنسبة لمن عليها، ولكنها ليست ثابتة بالنسبة للشمس .. كلٌ منها مختلف عن الآخر .. و كلها حقائق مطلقة وثابتة رغم دعاة النسبية القائلين بعدم ثبوت الحقائق بحجة النسبية ..

النسبية لا تُبطل الحقيقة، تعرُّض الشيء لنسبية لا يعني إبطال حقيقته. النسبية لا تعني الإبطال بل تعني الإعمال.  

بالنسبة للنسبية في الشعور، فلا توجد نسبية في أحكام الشعور، فكلها واحدة، لكن هناك من يكذبها وهناك من يصدقها، هناك من يحترمها وهناك من يغالطها. والأدلة كثيرة . كل البشر يحبون الفضيلة ويحترمون الانسان الفاضل حتى لو كانوا غير فاضلين في سلوكهم. كلهم يعجبهم الحب والخير والجمال والسلام والعقل والذكاء والابداع، و كل الشعورات تعجبها الطبيعة وجمال الطبيعة. والكل يعجبه منظر الزهور المتفتحة، لكن يأتي شخص لا يعجبه هذا النوع من الزهر، لأن له موقفا خاصا متعلقا بها، أو تبنى فكرة من مجتمعه حول هذا النوع من الزهر، هذا لا يعني وجود نسبية مشاعر بين البشر. بل يعني نسبية للمشكلة أو للظروف التي نشأ فيها.

فالجمال ليس نسبيا، لأنه مشاعر، والشعور واحد مشترك عند الجميع، ولو لم يكن هذا المشترك لما استطاع البشر التفاهم اصلا. ولما عاشوا بشكل جماعي. الحيوان لا يعيش مع الانسان بطبيعته، لأنه مختلف. ومثله الذوق ، في اساسه هو مشترك لكنه يختلف بسبب مؤثرات خاصة.

اما وجود نسبية في الحقائق، فهذا هو الجنون بعينه، لأن هذا يعني عدم اتخاذ أي قرار بسبب عدم ثبوت الحقائق. هل تضع قرارا على غير ثابت ؟ وبالتالي تبدد العلم، والعقل ايضا. كيف يعمل العقل على حقائق غير ثابتة أو نسبية؟ و معادو الأديان كرّسوا جهودهم لتعميم فكرة النسبية وأشهروا أينشتاين لأنه قال أن الحقائق غير مطلقة. وهذا يعني الفوضى التي يريدونها. والتي ادخلوها في كل مجال، في الدين والعقل والأخلاق والعلم، يقدّم الالحاد كل ما سبق بصورة الفوضوية. لأن نظرته للكون كلها فوضوية، والسبب هو إرادة الفوضى في العقل الملحد ..

مغالطات استغلال نسبية اينشتاين قائمة على نسبية المقارنة، وهي حقيقة، و أُرِيدَ تعميمها على كل شيء. الفلسفة المادية تمسك أي حقيقة جزئية وتريد تعميمها على كل شيء، على طريقة "حق يُراد به باطل" ، بل يُعمَّم به باطل. كلما أخرج عالمٌ فكرة او نظرية اتجهوا إليها ليستغلوها، وما مدى فائدتها للإلحاد، فإن كانت مفيدة اشتهرت واشتهر صاحبها، وإلا فالرفُّ أولى بها.

أخذوا من النسبية إمكانية تكذيب الحكم بالنسبة لشيء عند نقل مقارنته بشيء آخر، و هنا التلاعب .. مثلما فعلوا في فكرة إرادة القوة عند نيتشه. و فكرة الجنس عند فرويد. وفكرة الاقتصاد والرأسمالية عند ماركس، أو من استغلوا نسبية اينشتاين لتعميمها على كل شيء، وهكذا.

مغالطة أخرى وهي : تعدد الحقائق ، لو كانت تتعدد لما كانت حقائق، بل تكون احتمالات. المنطق والعلم الثابت لا يحويان تعددا للحقائق. لو كانت الحقائق متعددة، لكانت القوانين تتعدد، بينما القوانين ثابتة. واينشتاين عندما قال : كل شيء نسبي، هل أخذ في اعتباره القوانين الطبيعية ؟ هل تجري عليها النسبية؟

تعدد الحقائق هو مثل ان تقول : 1+1=2 و 1+1=3 ، فتكون كلا المعادلتين صحيحتين و حقيقيتين ، وهذا لا يمكن ..

الحقائق نوعان : حقائق نسبية : وهي التي تأخذ أكثر من حكم، ولها كلماتها ، مثل : أطول وأقصر، أسرع و أبطأ ، أثقل و أخف ، الخ .. وهي كلها حقيقة وصواب ..
وهناك حقائق ذاتية، أي ذات حكم واحد فقط ، مثل : هذا الكوب مصنوع من زجاج ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق