الخميس، 15 يناير 2026

رد على سؤال حول العقل الباطن في بريد المدونة

السؤال : 


هل العقل الباطن مفهوم علمي مثبت في علم النفس والأعصاب أم أنه مجرد إطار نظري لتفسير السلوك الإنساني؟ وأين يقف الحد بين العلم والتأويل؟ وإذا اعتبر مفهوما غير دقيق أو مبالغا فيه فما هو البديل العلمي الذي يفسر العمليات العقلية في رأي أستاذنا الكريم؟

دمت بخير وسلام

 

الرد :

 

العقل الباطن عند فرويد ليس مفهوما علميا، بل هو اطار نظري كمحاولة لتفسير بعض ظواهر السلوك الإنساني، على أساس ان هناك اعراض غير مفسرة عضويا كالشلل المؤقت وفقدان النطق ونوبات الهستيريا، وعلى أساس انه لا يمكن لشيء ان يصدر منه فعلان متناقضان، وعلى أساس اخر هو محاولة تفسير الاحلام وما فيها من رموز، وعلى أساس ان الانسان يكبت رغباته ولا تزول تلك الرغبات رغم الكبت، وعلى أساس ان الانسان قد يكرر أخطاء ويضر نفسه ويعمل ضد مصلحته، وعلى أساس نتائج التنويم المغناطيسي الذي مارسه على بعض مرضاه، وأكد انهم تذكروا ذكريات كانت منسية عندهم. مما يؤكد انها كانت مكنونة في شيء في داخل الانسان، وان التنويم المغناطيسي نحى الوعي فتكلم اللاوعي

 

وهذا الاستنتاج كله أخطاء، فالتنويم المغناطيسي لم ينجح سريريا، ولذلك نحاه علم النفس الحديث، بسبب عدم الجدوى، وكون الانسان قد يكرر الأخطاء او يضر نفسه، فهذا كله يأتي من الوعي، فالمتهور بوعيه يمارس اعمالا متهورة قد تضره، لكن بموجب حساباته التي لم يكن فيها انه يضر نفسه طبعا، لكن حساباته كانت خاطئة، وما أكثر ان يخطئ كثير من الناس، كما أخطأت حسابات فرويد نفسه.

 

اما كون الانسان يكبت رغباته، فهذا طبيعي، ولو لم يكن ذلك لتدمر الانسان نفسه، فرغبة الانسان ان يمشي بسيارته في الطريق، لكنه توقف عند إشارة المرور، أي كبت رغبته بالانطلاق، هل هذا كبت مرضي ام صحي؟ الحياة أساسا لا تسير الا بكبت، والا لوقع السائق ضحية حادث يدمره هو وغيره، الانسان العاقل هو الذي يكبت، والمجنون الذي لا يكبت يضر نفسه. وما سمي العقل عقلا الا لأنه قيد يقيد صاحبه وينظم رغباته ويوازنها مع الواقع، ولهذا سمي العاقل عاقلا، أي ان العاقل هو الذي يكبت رغباته حتى يحين وقتها المناسب

 

واعتماده على الاحلام انها رموز للعقل الباطن يعبر بها عن مكنوناته، فهذا تشخيص خاطئ، لان الاحلام أساسها الوعي، الانسان القلق تأتيه أحلام مقلقة بل حتى كوابيس، وأكثر الاحلام أساسها الخوف. والخوف نتيجة وعي وليس نتيجة عدم وعي، وهناك مخاوف قريبة والتي يعبر عنها بالقلق، وهناك مخاوف عميقة تتعلق بوجود الانسان وغايته من الوجود، نسميها مخاوف وجودية، يعبّر عن ردة الفعل نحوها بالكآبة

 

والاحلام مختلف فيها، فمنهم من يفسرها تفسيرات مادية، ومنهم من يفسرها تفسيرات معنوية وروحانية، وكلا التيارين خطأ. لأن الاحلام تعبر عن قلق الشعور وخوفه، فليس رؤيتك لبئر أنك ستتزوج، او انخلاع الضرس يعني موت عزيز، ولا رؤيتك لجبل أنها رمز جنسي كما قال فرويد، ومن الطرافة بمكان جمع تفسيرات هؤلاء وهؤلاء للرمز الواحد

 

ان الشعور يسبغ على الأشياء المعروفة مشاعره الخاصة، فأحيانا الحالم يخاف في الحلم من شيء لا يخيفه في الواقع، ويستغرب إذا استيقظ كيف أفزعني منظر مألوف! والعكس أيضا، فقد يرغب رغبة شديدة بشيء غير مرغوب به في واقعه، اذن الاحلام يقوم بها الشعور معتمدا على ذاكرة اليوم السابق، كمادة له لإيصال رسالته، فاذا أراد الشعور ان يخيفك وليس في الذاكرة القريبة أشياء مخيفة، يصنع منها أشياء مخيفة. ثم تستغرب عند استيقاظك لماذا خفت من أشياء هي لا تخيف في الواقع. ويظل اهم ما في الحلم هو شعور الحالم اثناء رؤيته الحلم.

 

والتفسيرات الخاطئة للأحلام سببت مشاكل كثيرة عند بعض الناس، بسبب شدة تصديقهم لها، فقد أدى بعضها الى وقوع الطلاق او على الأقل الجفوة بين الزوجين، مع ان تفسير الحلم أسهل من هذا، وخير من يفسر الحلم هو صاحبه، لان الحلم عبارة عن رسالة خاصة من شعور الانسان له، لا يفهمها الا المرسل إليه، والرؤيا لا تكون الا لأنبياء فقط، وزمن النبوة انتهى، لان الرؤيا معجزة، والمعجزات تأتي للأنبياء ولهدف، فما هدف ان يتصل الغيب بشخص ولا يتصل باخر؟ المعجزة والكرامة عبارة عن اصطفاء من الله لأنبيائه وبكتاب مبين، اما غير ذلك فهو ادعاء على الله بلا علم وقول عليه بلا علم، والله توعد من يقولون على الله بغير علم، لان هذا غيب ولا ينبغي التجرؤ عليه من المؤمنين. وحتى لو جاءت ما يسمونه بالرؤيا وصدقت على الواقع، فهذا الهام من الشعور الذي هو من روح الله، ويأمر بالخير والصلاح، ان الله لم يتركنا ملعبا للشياطين فقط، ان هذا الشعور هو الذي ينبهنا على الخطر ويدعونا الى الخير. قال تعالى (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). من يسمع كلام الشعور من دوائره العليا يفلح، لأنه فطرة الله التي اودعها في الناس. والتي بموجبها تعارف الناس على المعروف وانكروا المنكر، الا من دساها منهم

 

فاعل الخير لا يعدم جوازيه، لكن ان ندعي ان الرؤيا وحي من الله، فهذا ادعاء بلا علم ولا كتاب ولا سلطان مبين. قال تعالى: { وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِیَ إِلَیَّ وَلَمۡ یُوحَ إِلَیۡهِ شَیۡءࣱ} [سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٩٣] وليس من مصلحة المؤمن ان يدخل نفسه في منطقة (ومن اظلم)

 

وعلى أساس فكرة فرويد انه لا يمكن ان يصدر فعلان متناقضان من مصدر واحد، الرد على هذا اننا نجد الصائم يحجم عن الطعام والشراب وهو يرغب بها في نفس الوقت، فهو يرغب ان يحجم ويرغب ان يأكل في نفس الوقت، وهذا يفسره نظريتي في الشعور، ان الشعور دوائر عليا راقية ودوائر دنيا حيوانية يشترك فيها مع الحيوان، فرغبته في الاكل والشرب تأتي من الحيوانية، ورغبته بالامتناع تأتي من العليا. فلا لبس في الامر، فالعاقل كما قلنا هو من يكبت رغباته ويطلقها في الوقت المناسب. نظرية الشعور تغني عن نظرية العقل الباطن، وتفسر أفضل منها بل وتفسر مالا تفسره نظرية فرويد. لكن نظرية فرويد مشهورة ونظريتي غير مشهورة. وكل ما يقول عنها فرويد انها مكبوتات هي معروفة الدوافع ومفسرة. بل ان فرويد فسرها تفسيرا شاطحا جدا، بأنها دوافع جنسية مكبوتة، كما رأت تلك الفتاة في المنام انها تبكي على والدها الميت، وقال ان هذه عقدة ألكترا، وهكذا. مع ان الجنس كله يقبع تحت الدوائر الدنيا الحيوانية في الانسان، وهذه لا يمكن ان تسبب رغبة بالانتحار او الكآبة، لان دافعها هو غريزة التكاثر الطبيعية

 

وبخصوص الاعراض النفسية الغير مبررة عضويا، كالشلل المؤقت وفقدان النطق، فهذه اما ان يكون تأخر الطب في زمنه سببا في تفسيره هذا، مثل اعراض الجلطة والشلل النصفي الذي يزول بزوال الجلطة الدماغية ان امكن اسعافه في وقت قريب، هذا فسره العلم الحديث، واذا شفي منه أصبحت حالة شلل مؤقت زال وتم تفسيره اكلينيكيا، لم يكن مثل هذا معروفا في زمنه، اذ لم تكن الاشعة المتطورة في زمنه، او ان يكون هذا العرض رسالة من الشعور الخائف الساخط على صاحبه، من باب التنبيه، وهكذا نرى ان نظريتي في الشعور تبتلع نظرية فرويد كما ابتلعت عصا موسى سحر السحرة. بل من خلالها نفسر كثيرا من الامراض كارتفاع الضغط والسكري، وغيرها من الامراض التي ليس لها مبرر او سبب خارجي واضح. ومن خلال هذه النظرية أيضا يمكن ان نفسر الامراض النفسية وكثيرا من الامراض الجسدية، لان الامراض النفسية كلها أساسها الخوف، ولا علاج للخوف الا بذكر الله. وصدق الله العظيم (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين). وقال أيوب عليه السلام (قد مسني الشيطان بنصب وعذاب). وكأنه يجب ان تعالج افكارك قبل ان تعالج جسمك، والله تعالى قال (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

 

وهنا أيضا يخطئون بمعالجة المريض بقراءة القرآن عليه، مع ان القرآن لا ينفع الا باتباعه، واتباعه يعني تصحيح الأفكار والعقائد، وهنا تتحقق اية (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وبعضهم يقوم بضرب المريض وتعذيبه على أساس انه ممسوس بالجن، وان الجن له وجود مادي يخرج مع خروج الدم، هذا التفكير ابعدهم عن الاستفادة من القرآن، فهو لا يفيد الا باتباعه كاملا، وهيمنته على الدين كله. قال تعالى (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم) وقالها للنبي (اتبع ما انزل اليك من ربك). وقال تعالى (وننزل من القرءان ما هو شفاء لما في الصدور)

 

وبخصوص الكبت الجنسي وأنه أحد أسباب الامراض النفسية، نلاحظ بعض الحيوانات تمنع من التزاوج في الحظائر طيلة حياتها ولم تصب بأمراض جسدية ولا نفسية، بل حتى بعض مربو الخيول للسباق يمنعونها من التزاوج حفاظا على قوتها. لو كانت غريزة الجنس ضرورية بهذه الدرجة التي يعرضها فرويد بحيث ان كل الاحلام يفسرها جنسيا، لمرضت وتأثرت الحيوانات التي تمنع من التزاوج.

 

وبخصوص السؤال الاخر: اين يقف الحد بين العلم والتأويل؟

 

فلا اعلم هل تقصد بالعلم العلم الديني ام العلم الدنيوي؟ بالنسبة للعلم الديني هو ما لم يتعارض مع القرآن ومنطلق منه ولا يتعارض مع المنطق ولا الاخلاق ولا العلم الدنيوي، وما انسجم فيه العقل المنطقي مع الشعور كمُلخَّص، والعلم الدنيوي ان يلتقي فيه العقل والتجربة، فلو نجحت تجربة ما ولكنها لم تُعقل فهذا لا يسمى علما، فالعلم أساسا هو ابن العقل. مثلا سؤال: كيف ننتج الكهرباء وكيف ننقله وكيف نستفيد منه؟ هذا علم، ولكن سؤال: من اين جاءت الكهرباء؟ فهذا فلسفة. أي نظريات، وكل النظريات تدخل في الفلسفة، لأنها لم تثبت علميا، إنما تقترب من الحقيقة وتبتعد عنها بالمنطقية والقرائن، وهكذا كما قال تعالى (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)، وبالتالي كل العلم المادي ناقص لأنه متعلق بالظواهر، مثل ظاهرة الجاذبية: نستفيد منها ولا ندرك حقيقتها، وكل ما يسمى علوما نعرف ظواهرها ولكن لا نعرف ماهيتها، أي نعرف الظواهر التي نستفيد منها فقط، تماما كما أخبر القرآن العظيم. فالرياضيات مثلا نعرف منطقيتها ونتائجها لا تتغير، ولكن لماذا واحد زائد واحد يساوي اثنان؟ لا نعلم. كل سؤال (لماذا) يعتبر أضعف الأسئلة في العلم وأقلها إجابات.

 

وبخصوص السؤال الآخر:

وإذا اعتبر مفهوما غير دقيق أو مبالغا فيه فما هو البديل العلمي الذي يفسر العمليات العقلية؟

 

الجواب : لا يوجد تفسير علمي بالمعنى المادي، لكن هناك نظريات، والنظرية تأخذ ثقلها من موافقة العقل عليها ووجود دلائل لها ومشابهات في الواقع، وعدم معارضتها للحقائق، وعندنا كمسلمين عليها الا تتعارض مع القرآن، وأنا قد قدمت نظرية متكاملة عن الشعور الإنساني والعقل (أ) والعقل الوسيط، على ضوء القرآن، في موضوع خريطة الانسان الداخلية في المدونة، وكذلك موضوع الشعور ومواضيع أخرى مبثوثة في المدونة، وبالتالي نظرية الشعور والعقل تفسر كل ما فسرته نظرية العقل الباطن وأكثر، تفسيرا أكثر منطقية وواقعية، وبالتالي لم يعد الانسان "ذلك المجهول" إلى حد كبير بعدها، لكنها غير مشهورة، وتفسر الحوار الداخلي عند الشخص الواحد، وهو ما لا تستطيع تفسيره نظرية العقل الباطن، فالحوار الداخلي غالبا يدور بين الشعور والعقل الظاهر (أ) الذي يتلقى اكثر معلوماته من الخارج، وكأنه حوار بين الداخل (الشعور الفطري) والخارج (العقل)، اما نظرية العقل الباطن فلا تستطيع تفسيره، لأنه خارج الوعي، وكيف يدور حوار بين طرفين احدهما خارج الوعي أي غائب؟ بينما الحوار واعي ويمكن كتابته حتى؟

 

والشعور الإنساني يبحث عن الأفضل، بخلاف تصور فرويد انه يبحث عن الفوضى والشرور والانانية والشهوات، فالشعور يستطيع ان يفسر انسجام الانسان مع الموسيقى، لكن العقل الباطن الفرويدي لا يستطيع تفسير ذلك، لأنه عبارة عن وحش مقموع كما يتصوره، والموسيقى ليست لغة ولا كلاما ولا تؤكل ولا تشرب ولا تُفهَم، فلماذا يرتاح الانسان لها؟ ماذا يستفيد الوحش منها؟ اما العقل الظاهر فلا يعرفها ولا يعرف الفائدة منها، انها مجرد أصوات متكررة بأنماط معينة، هذا عند العقل، فمن الذي يطرب لها؟ ان الذي يرتاح لها هو الشعور الذي يحب النظام والجمال والصفاء والترتيب والانسجام بين النغمات وليس الوحش، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

 

إن نظرية الشعور تفسر لماذا المعروف موجود بين الناس والمنكر كذلك، حتى لو لم يكونوا يتصفوا به، أما نظرية فرويد فلا تستطيع ان تفسر ما تعارف الناس عليه وما أنكروه، وهي التي يذكرها الله كثيرا، بل هو من سمى الفضائل بالمعروف والرذائل بالمنكر، ولم تكن العرب تسميها هكذا، وهذا من اعجاز القرآن، لأننا نرى ان الشعور من روح الله، لذلك يحب الانسان الفضيلة ويحترمها حتى لو لم يفعلها، ومن يفعل المنكر يحاول ان يزينه ويغيّر اسمائه وبعضهم يخفيه. وهكذا ترى ان نظريتي تنسجم مع الواقع افرادا وجماعات، اما نظرية فرويد فهي تقدم انسانا متخيلا وليس واقعيا. بدليل ان نظريتي أكثر واقعية في تفسير الاحلام، بينما نظرية فرويد تقدم تفسيرات شاطحة للأحلام لا تدخل العقل. وأشهر تلاميذ فرويد لم يوافقوا على تفسيرات فرويد للأحلام التي بناها على نظرية العقل الباطن، مثل يونغ وأدلر، لكنهم لم يعارضوا الأصل الذي بنيت عليه التفسيرات وهو العقل الباطن او اللاشعور، وكأنهم لم يقبلوا المنتج وقبلوا المصنع الذي انتجه! ثم ما الفائدة من وجود عقل باطن للإنسان لا يعرفه ولا يعيه؟ ماذا يستفيد منه وهو يدمّر؟ بل ان فيه غريزة الفناء كما يقول فرويد التي فسر بها قيام الحرب العالمية الأولى! وكأن الذين ذهبوا الى الحرب هدفهم ان يفنوا! بينما هدفهم كان الحياة والانتصار والغنائم والثروات!

 

وأيضا لا يستطيع العقل الباطن الفرويدي تفسير وجود الابداع والابتكار الذي يخدم البشرية، فهو عبارة عن وحش مقموع، والابتكار يحتاج الى الدقة والصبر، لا إلى الوحشية. فالابتكار مثلا لم يكن موجودا، أي انه ليس مأخوذا من العقل الظاهر (أ)، ولا يعرفه الآخرون ولم يتعلمه المبتكر من أحد. فمن اين سيكون اتى إذا كان العقل الباطن وحش جنسي هائج طوعته الحضارة؟ بل من أين جاءت الحضارة نفسها إذا كان البشرية تملك في دواخلها وحوشا؟ لكن نظرية الشعور تفسر ذلك بكل سهولة وانسجام. لكن مشكلة الشعور انه أعجمي لا يملك لغة، لهذا يحتاج ان يركز عليه صاحبه بعقله، بحيث يكون العقل خادما للشعور وليس العكس، ويعرض عليه. من هنا خرجت الابداعات أو أُخرِجَت، بالمتح من الشعور والعرض عليه.

 

إن نظرية العقل الباطن تجعل الانسان وكأنه غير مسؤول عن تصرفاته او بعض تصرفاته، بمعنى أنه لا يعيها، بينما القرآن يقول (بل الانسان على نفسه بصيرة، ولو القى معاذيره)، وهنا تحترق نظرية العقل الباطن عند المؤمن المتبع للقرآن، ليس بهذا الدليل فقط، بل بأدلة كثيرة. إن الإنسان ليس له ذاكرتين، بل ذاكرة واحدة. وهكذا القرآن هو أساس العلم، وعلى ضوئه قامت الحضارة العربية الإسلامية.

 

وهل أحد منا أحس بوجود العقل الباطن في داخله؟ وهل جاءته ذكريات منسية لم يكن يتذكرها ابدا؟ ان مشكلة الانسان تكمن في المحافظة على ذاكرته! لا ان تأتيه ذاكرة لا يعرفها. في حالة المصاب بالخرف او الزهايمر او الجنون، اين هي ذاكرة العقل الباطن لتحل محل المفقود؟ بل حتى سيطرة العقل تضعف مع بعض الامراض مثل الزهايمر والسُّكْر، أين هي ذاكرة العقل الباطن؟ بعض السكارى يتحول الى الرقة والبكاء، وبعضهم يتحول الى الوحشية، وكأن غياب سيطرة العقل أخرجت ما في داخله، تجد هذا الداخل متفاوتا بين الافراد، وهذا ينسجم مع ما قاله القرآن، إما شاكرا وإما كفورا، فالناس ليسوا على نوع واحد كما تخيل فرويد. فمن يحترم الشعور والدوائر العليا منه، يكون هو الأقرب للفضيلة وجمال الداخل (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)،

 

وأين هو العقل الباطن عند الأطفال؟ اذ ليس لديهم سيطرة قوية من العقل تجاه السلوك. وهكذا.. ان نظرية الشعور تثبت لنا ان الشعور بمستوى واحد عند كل الناس، حتى بين الصغير والكبير، فالصغير يتألم من الإهانة مثلما الكبير، والصغير يشعر بالخجل مثلما الكبير، وهكذا، الشعور هو الرابط الجامع بين الناس باختلاف أعمارهم وفئاتهم واجناسهم، لكن الاختلاف يكمن في احترامه والبعد والقرب منه. لماذا نجد اختلافا بين الأطفال؟ فبعضهم عدواني وبعضهم خجول؟ أليس العقل الباطن واحد؟ وسيطرة العقل عليه عندهم ضعيفة؟ هذا كله نفهمه من نظرية الشعور المستقاة من القرآن. والذي أخبرنا ان الناس ليسوا نمطا واحدا، وأخبرنا بنفس الوقت انهم على فطرة واحدة، وانهم يختلفون في من دساها ومن زكاها، تماما كما هو الواقع. وهذا من اعجاز القرآن النفسي.

 

المؤمن يصلّح عقله بالقرآن، وأي نظرية تتعارض مع القرآن يعرف انها عوراء، أما العلم الثابت فلا يتعارض مع القرآن. القرآن هو النور الذي يمشي به المؤمن، يبعده عن الضلالات والاوهام، والعقل السليم والعلم السليم من النور.

 

وأنا أعرف ان هذا الموضوع متشعب وعميق، فأي سؤال إذا كان يهمك هذا الأمر، فأنا استفيد وأنت تستفيد، مع أن الشعور في وجهة نظري هو اهم جانب في معرفة الانسان، وشكرا.

الخميس، 11 ديسمبر 2025

إجابة عن سؤال حول خلق السموات والأرض في ستة أيام

 

السؤال : 


كيف نفهم بإجلال وعرفان لجلال الله قوله تعالى: خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش مع قدرته سبحانه على أن يخلق بكلمة واحدة وهو كن فيكون؟ وما الحكمة التي أراد الله أن يوقظها في وعي الإنسان المحدود من هذا التدرج في الخلق وعظمته التي تتجاوز إدراكنا؟

 

الإجابة :

 

ربما أن لها حكم، منها خطاب عقول البشر، فهي مهما كان الفاعل قويا، فإذا أخذ وقتا أطول اعتقدوا بإتقان الصنعة، فذلك الملك الذي بنى قصره في عشرين سنة، غير لمّا يقال أنه بنى قصره في عشرين يوم. سيذهب العقل إلى أن القصر ربما غير متقن، أي أن هذا خطاب لعقولنا.

 

وربما أيضا يتعلم منها الإنسان التدرّج والتؤدة والاتقان في العمل وعدم الاستعجال، لأنه عادةً: الوقت الأطول يعني اتقانا أكثر. وإذا كان الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، فما بالك بالإنسان وقدرته الضعيفة؟ وهذا ردٌ على الاستعجال، ويستشهد به الناس، يقولون : خلق الله السموات والأرض في ستة أيام! كيف تريدني أن افعل كذا وكذا الآن مثلا؟

 

أيضا ربما تقدّم مُنزَلَقا، فمثلما أن القرآن يهدي به كثيرا، فهو يضل به كثيرا، ويقدّم تشابها، حتى يرى الله من يؤوله كما يريد ويرغب، ومن يتعامل معه تعامل الراسخين في العلم، الذين يقولون (آمنا به كل من عند ربنا).

 

إن كل متشابهٍ له قُفل، فتجد آيات مثل (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وآيات مثل (إن الله لا يغفر ان يشرك به) وآيات مثل (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) وآيات مثل (وقد خاب من حمل ظلما). إن قفل أو قاعدة هذه الآيات جميعها أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، لأنه لا يعلم السرائر إلا هو، وهو أعلم الحاكمين، بل ويبدل سيئات من يشاء حسنات.

 

مثلا صفات الله في القرآن فيها تشابه واختلافات بين المُأَوِّلة والمجسمة وغيرهم، ولكن قفلها أو كلمة الفصل في التشابه في هذا الموضوع هو قوله تعالى (ليس كمثله شيء). مثل هذه الآية تعتبر مُحكَم المتشابه.

 

إن هذا المنزلق هو الذي انزلقت فيه عقيدة كثيرٍ من اليهود، واعتقدوا ان الله عمل ستة أيام وأُجهِد وارتاح في اليوم السابع، وهو السبت، مع أن الله قضى السبت عليهم إصرا، أي عقوبة إلهية، فقالوا أن هذا اليوم هو الذي استراح فيه فرضهُ علينا ألا نعمل فيه شيئا! لذلك القرآن يقول (وما مسنا من لغوب) ردا على زعمهم. وأن كل من يعمل لا بد أن يُجهَد، والله يقول (ما مسنا من لغوب)! إذن هو قادرٌ على أن يخلقها بكلمة "كن".

 

هذه الآية من القرآن، يهدي الله بها من يشاء ويضل بها من يشاء، فمن شاء الهداية استفاد ان الله أودع بديع صنعه وخلقه في السموات والأرض، فالسموات أخبر تعالى أنه خلقها في يومين، والأرض التي نعيش عليها وفيها في أربعة أيام، وهذا بيانٌ لنعم الله التي أودعها في الأرض حتى يشكروه، وإلا فالسموات أوسع من الأرض واكبر. ولا شك أن السموات الغير محدودة وبأبعاد مهولة، تكاد تكون الأرض ذرة في هذه السموات، ولكن لو كانت المسألة مسألة مجهود، فلربما كان خلق السموات في اربع أيام وخلق الأرض في يومين. ولكن لقصد أن يبين تعالى نعمه التي اودعها في الأرض، خصها بأربعة أيام. وهذا الأسلوب يراد به ما وراءه، وليس إخبارا بحقيقة أمره، مثل قوله تعالى أن الجنة عرضها السموات والأرض، هنا لا يُراد الإخبار بالحرفية، بل يراد بيان سعة ما أعده الله للمؤمنين من جنة واسعة، وإلا فأين تكون النار إذن؟ وهذه مثل هذه، لأن هدف القرآن هو البيان، والتشبيه من صور البيان، والمبالغة من صور البيان كذلك، لأن المبالغة كأنها تشبيه، وأكثر ما يستخدم في الكلام المبالغة الغير مقصودة التحقيق، ويدخل فيها التشبيه والمجاز. كل أنواع التشبيه والمجاز داخلة في المبالغة، والمبالغة عكسها الخبر، ويُقصد منها بلوغ المعنى لا بلوغ الحقيقة، فيقول أحدهم : هي كالغزال أو كالقمر، أو هو كريم كالبحر، هنا لا يقصد المشابهة، بل يقصد المبالغة في معنى الكرم.

 

وكذلك مثل قوله تعالى (وبلغت القلوب الحناجر)، لن يصل القلب أبدا الى مستوى الحنجرة مهما كان الفزع والخوف، ولكنه أسلوب بياني على سبيل المبالغة، من أجل البيان وليس من أجل الإخبار، وهذا من الأساليب الأدبية.

السبت، 8 نوفمبر 2025

تأملات في سورة العلق

 

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)

 

قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) أي كلام ربك، وقوله (باسم ربك) وردت أيضا في رسالة النبي سليمان لملكة سبأ، في قوله (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، فمعنى (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أن هذا الأمر منسوبٌ إلى الله، لذلك كتب سليمان أنه من سليمان وإنه بإسم الله وليس بإسم سليمان، وهذا معنى كلمة (بإسم)، ولم يذكر البسملة في الأول كما هو معتادٌ عندنا. وهنا لا يجب أن نجعل بعد إسم الله باطلا، لأننا هكذا ننسب هذا الباطل إلى الله، ونجعله بإسمه!

 

وإن صحت الرواية أنها أول ما نزل من القرآن والله أعلم بذلك، فهذا يعني أن الدين دين العلم والقراءة، إذ أول كلمة فيه هي (إقرأ)، وحتى لو لم تكن اول كلمة نزلت، فقد تكررت مرتين، وقال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وهذا في تفضيل العلم على الجهل.

 

والقرآن لقوم يعقلون، أي يعقلون ما يقرأون وما يسمعون. ولاحظ قوله (بإسم ربك الذي خلق) لأن المؤمنين والمشركين على السواء يقرّون أن الله هو الخالق. ثم خصّ بالذكر خلق الإنسان، لأن الكلام موجهٌ للإنسان الذي خلقه الله من علق، وهذا فيه اعجاز علمي، لأن أول ما تندمج البويضة الملقحة، تعلق في جدار الرحم، كأنها علقة. ومن أخبر محمدا ومن أعلمه بهذا؟ هذا إعجاز علمي من الله، بل وردت بالتفصيل: نطفة ثم علقة ثم مضغة.

 

ثم تكررت كلمة (إقرأ) أي إقرأ القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم. وهو الذي قال تعالى عنه (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)، اذن هدي النبي محمد بالقرآن، ويعني أن القرآن هو رسالة محمد. والله يقول له (اتّبع ما أنزل إليك من ربك)، أي لا تحيد عنه ولا تخرج، إلا بحكمة الرسول.

 

وقوله (إقرأ وربك الأكرم) فهو الذي خلق سبحنه، وهو الذي رزق وأكرم وأنعم، ومن أكبر نعمه أنّه علّم بالقلم : (الذي علّم بالقلم)، وهذا يدلنا على أن الله هو من علم الانسان الكتابة، وليست اكتشافا بشريا.

 

والظاهر أن الكتابة كانت منذ وجد البشر على الأرض، منذ وجد آدم، لأن الله ينزّل كُتُبه، مثلما تعلم آدم اللغة، فاللغة بموجب القرآن ليست اكتشافا بشريا، بل الله هو من علّم آدم الأسماء كلها. وإذا قلنا (الأسماء) فنحن نتكلم عن اللغة، لأن اللغة في حقيقتها هي علاقة بين أسماء، مثل (ضرب زيدٌ عمرا)، زيد وعمرو اسمان، ما حصل بينهما؟ بالفعل وبالنظام النحوي تبيّن ما علاقتهما ببعضهما، وهكذا.

 

أيضا القرآن أثبت أن الله أنزل على الإنسان الأول عندما نزل الى الأرض لباسا وريشا، قال تعالى (وأنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم)، إذن الله هو من علّم الانسان صناعة النسيج، وهو من علّم نوح صناعة السفينة، وربما تكون أول سفينة صُنعت والله أعلم، وعلّمهم صنعةَ لبوس تقيهم بأسهم، أي الدروع، وما زال الله يعلّمنا، قال تعالى (ويعلّمكم الله).

 

والله هو من أعلمنا عن الدار الآخرة من خلال الأنبياء والكتب، وهو من علمنا الشرائع والأنظمة. بل حتى المكتشفات والمخترعات هي في الآخر معتمدة على الصدفة والتجربة، وكلاهما تعليمٌ من الله. قال تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) أي من وسائل النقل. وقال (وألقى في الأرض رواسي ان تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون، وعلامات وبالنجم هم يهتدون) أي وضع العلامات لإسترشاد الأرض، كما قيل (وبضدها تتميز الأشياء).

 

وقال تعالى (علّم الإنسان ما لم يعلم)، فهو سبحانه من بعث غرابا ليري ابن آدم دفن الموتى، من أولِ تكوّنٍ بشري، وهو سبحانه الذي قال أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس، الذي ببكة، إذن الله هو من علم الانسان الدين وليس اختراعا بشريا، وهذا يبدد فكرة الإنسان الأول وتطوره، وعندما تكلم عن قدم مكة سماها بإسمها الأول (بكة)، وهذا يذكرنا بـ(بعلبك) أي بيت بعل (بعل بكّ)، وبالتالي فهي أقدم قرية على الأرض، وسماها الله أم القرى، أي كل القرى جاءت بعدها، كما تأتي البنات من الأم الأولى.

 

وبالتالي نعرف أن اللغة العربية هي أم اللغات، بدأها الله بتعليم آدم الأسماء، وحتى إسم "آدم" عربي، أي ابن التراب ومن أديم الأرض، وختمها بتعليم القرآن الذي جدد اللغة العربية. ولغتنا العربية من بعد القرآن غيرَ اللغة العربية من قبلِ القرآن، لأن القرآن بعثها على أصولها وغذّاها بمعاني ومفردات وتعابير جديدة، وهذا من أسباب إقرار العرب بأن القرآن كلام الله، لأنه صدمهم بلغة يفهمونها ولم يكونوا يستخدمونها بإطلاقها. فقد عرفوا كلمة "كافر" و"منافق" و "جهنم" و "سِجّين" و "عضين" وغيرها كثير، مع أنها لم تكن تُستخدم في لغتهم قبل القرآن، وهذا كمثال، ولذلك وصفوا القرآن بالسحر. 

 

إن الكعبة ليست بيت إبراهيم، بل بيتُ آدم، جدّده إبراهيم بعدما اندثر بوحي إلهي. قال تعالى (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) أي أن القواعد كانت موجودة في زمنه، لأنها أول بيت وضع للناس، وإبراهيم ليس أول الأنبياء. مما يعني أن آدم أول ما نزل من الجنة في مكة، وهذه كلها علوم من القرآن، في التاريخ والاجتماع واللغة وعلم الانسان والمنطق، ينبغي أن يتبناها المسلم، لأن الله يعلمنا، والقرآن يعلمنا وما يزال يعلّمنا إلى يوم القيامة.


كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ (6) أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ (8) 

 

بعد تعداد نعم الله على الإنسان، التفت إلى ردة فعل الإنسان تجاه هذه النعم، لذلك قال أنه يطغى أن رآه استغنى، وما استغناؤه هذا إلا بنعم الله، فالخير بيد الله، وليس بقدراتنا ولا بعلمنا، وقارون وفرعون مثالان على ذلك ساقهما الله لنا، هذا طغى بالمال وذاك طغى بالسلطة، وكلاهما "إنسان". وقد ذكر تعالى أنه خلق الانسان، أي ان هذه صفاته، بدليل أنك تراها في الأطفال، فالطفل منوع وجهول وشكاء وبكاء وبخيل وظلوم، وقالوا في الامثال: أبخل من طفل.

 

وكلمة الانسان في القرآن تعني الذي لم يؤمن بالله، أو أن إيمانه ضعيف لا يؤثر في مواقفه وتقييماته وتصرفاته، فالقرآن يكرر من صفات هذا الإنسان : خلق الانسان هلوعا، اذا مسه الشر جزوعا، واذا مسه الخير منوعا، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، وخلق الانسان من عجل، فأما الإنسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن، وأحضرت الأنفس الشح، وغيرها. هذه طبيعة الانسان، وهي التي يكرسها الإنسانيون ويقصدون هذا الإنسان، الظلوم الجهول، ويقولون أن هذه هي الفطرة. لذلك الله استثنى المؤمنين الصادقين المطيعين المصلين، استثناهم من صنف "الإنسان"، ومن هنا نفهم أن الإنسان بفطرته وطبعه أناني غيور ظلوم جهول شحيح قليل الصبر، وقد قال تعالى (الذي يؤتي ماله يتزكى) أي أنه ليس زكيّا بأصله. ونحن نرى أكثر الناس هكذا، إلا من هدى الله ودخل الايمان قلبه، فيبدأ بالتغير والتزكي، قال تعالى (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ)، وعلى هذا نجد أن الأخلاق لا يمكن أن يوصل إليها بدون دين. وعلى هذا: كيف نصف الاعمال الصالحة بأنها أعمال "إنسانية"؟ الإنسان ذكره القرآن أنه ظلوم جهول، إذا افتقر اشتكى واذا اغتنى طغى، إلا الذين آمنوا. وهذا من الاعجاز الاجتماعي في القرآن، أن الإنسان سيء ولكن ليس كل إنسان شرير، فالسيء هو الذي قد يتغير ويتحسن، بينما الشرير يختار الشر والباطل على الحق حتى لو تبيّن له.

 

وقد قال تعالى (كان الناس أمة واحدة) أي أنهم كانوا "إنسانيين"، والله يسوق ذم الإنسان لكي يوضح سبب إرسال الرسل، كما قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أي رحمة من سوء تعاملهم مع الله ومع بعضهم البعض، إذ أن تعاملهم قائم على الأنانية وليس على الاخلاق، لذلك الدين الحق هدفه تحقيق الاخلاق الحقة مع الخالق والمخلوقين، وهو الذي عبّر الله عنه بالقلب السليم، أي الطاهر من الغش والكذب وغيرها من الصفات السيئة، أي القلب الزكي السليم من الامراض، وهذا لا يكون الا للمؤمنين حقا لا إدعاء. وهذا يثبت أن الأخلاق الحقيقية لا يمكن أن تكون لغير المؤمنين حقا. أما نصف الأخلاق وربعها وإدعاؤها فهذا كثير، ويسمى مجاملة، وهذا يدل على أن الأصل ليس جميلا. 

 

أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ (9) عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ (10) أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ (11) أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ (12) أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ (13) أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ (14) 

 

هذا مثال على طغيان الانسان وظلمه، ينهى عبدا ان يصلي لربه! هل هناك من مثال أوضح من هذا؟ هذا العابد الذي يصلي لربه لم يعتدي عليك ولم يضرك بشيء، فلماذا تنهاه عن الصلاة لربه؟ وقوله (أرأيت ان كان على الهدى أو أمر بالتقوى) يعني هل تأملت إن كان فعله هذا عن هدى أو تقوى من الله؟ أم عن ظلم وفساد؟ فهو كذّب بمعنى أنكر، واستخدم كلمة "كذّب" لأنها من جذر الكذب، والكذب خلاف الصدق، أي انه اتهم الرسول بالكذب، وكذلك تولّى، أي أنه مصرّ على موقفه قولا وعملا، فهو غير متأكد، لكنه يبدو كالمتأكد من ظنونه. وقوله (ألم يعلم بأن الله يرى) أي يراك وأنت تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف. والقرآن يستعمل مفردة الكذب بمعنى الإنكار، ويصفهم بالمكذبين، لأن الجذر هو الكذب، أي أن تكذيبهم هذا كذب، وهذه هي الحقيقة. قال تعالى (وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم)، ولم يصفهم القرآن بالمنكرين، وهذا من الاعجاز البلاغي في القرآن. وإلا فهم منكرون، ولكن سماهم مكذّبين، لأن هذه أوجع لأنفسهم أن يوصفوا بالكذب، وهي حقيقة أمرهم أنهم كذبوا على أنفسهم.

 

كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ (16) فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ (17) سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ (19)

 

قوله (لنسفعن) السفع هو الجذب بقوة من مقدمة شعر رأسه، كما قال تعالى في آية أخرى (يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام) إلى جهنم حمانا الله وإياكم. تلك الناصية الكاذبة الخاطئة. ولاحظ قوله (كاذبة) أي أن المُكَذّب أصبح كاذبا. وقال (فليدع ناديه) والنادي هو من يستطيع ان يناديهم وغالبا ما يكونوا مجتمعين في مكان واحد، وسمي المكان ناديا. والمعنى أنه في يوم القيامة ليدع ناديه، أو أولياؤه أو من يعبدهم من دون الله، إذ كلهم آتٍ الحساب فردا، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وابيه، وقال (سندع الزبانية) والزبانية مأخوذة من الزبن وهو الدفع، ثم أطلقت على الاعوان والشرط. ويقصد بها ملائكة النار التسعة عشر.

 

وقوله تعالى (كلا لا تطعه واسجد واقترب) هذا من حماية الله تعالى لعبيده، ومنهم رسول الله، فالله يدافع عن الذين آمنوا. وحتى لو كان للسورة سبب نزول، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. في المقطع السابق تكررت كلمة أرأيت، وفي المقطع الأخير تكررت كلمة كلا، وكلمة كلا أعطت الكلام قوة، وكلاهما استفتاحية. ولا تجد أجمل من استفتاحات القرآن. مثل أرأيت و كلا و لا اقسم، والحروف المقطعة، كلها تستخدم للاستفتاح ولفت الانتباه. ولاحظ أنه عبّر عن الصلاة بالسجود.

الاثنين، 3 فبراير 2025

الإنسان كائن مؤمن ..

من الخطأ اقحام الاسئلة العقلانية في المواضيع الشعورية والايمانية والغيبية، ونحن كبشر كل حياتنا قائمة على الايمانات، ثقتك بصديقك وابيك وامك كلها تسير على الثقة، إذ توجد حوادث غدر وخيانة من اصدقاء وازواج وغيرهم، اذن لا يوجد منطق مانع لاي شيء، بل ايمانات.


تسير على السلم او الدرج وانت تثق فيه، لماذا لا تخاف ان يوقعك؟ لأنك تسير عليه بموجب الثقة، تسكن في عمارة متعددة الادوار، هل تضمن عدم حدوث هزة ارضية او عدم وقوع المبنى؟ طبعا لا، هذا يعني ان الشعور يحتاج ايمانات، وبالنسبة للاسئلة الوجودية فحالها حال الاسئلة الواقعية، اذ الاجابات ستكون شعورية ايمانية، وكيف تريد اجابات عقلية على اسئلة وجودية بينما المسائل الواقعية تسير عليها بايمانات؟ تجد نفسك تثق بسيارتك، هل انت تضمن عقليا انها لن تتعطل عليك في لحظة ما او تحترق وانت فيها؟ تركب الطائرة بالثقة والإيمان، مع انك تعلم حوادث الطائرات التي وقعت ولم ينج احد من الركاب، لكن مع ذلك تسافر بالطائرة، اذن هذا ايمان وثقة. 

الايمان ليس خاصا بالدين، كل شيء يدخل فيه ايمانه، حتى الالحاد، لان الالحاد يخبرك عن ماذا كان في الماضي والحاضر والمستقبل مثله مثل بقية الاديان. ان تطلب إجابات قطعية عقلية مانعة في امور غيبية، هذا مثل من يضع شروط تعجيزية، لانك لم تطلبها في امور حياتك التي قلنا انها تمشي بالايمان والثقة.

اذا حصلت على هذا الايمان الذي يؤيده العقل ولكن ليس قطعيا بالطبع، حينها ستتبخر الاسئلة وترجع اسهم الاسئلة اليك : هل قمت بذاك الواجب ام لا؟ هل انا اضيع وقتي ام لا؟ الايمان يجعل الاسئلة بدل ان تتوجه الى الله تتوجه اليك، وهذا هو الطريق البناء لاصلاح النفس، قال تعالى (لمن شاء منكم ان يستقيم). انظر الى المتشككين والملاحدة يعانون من فرط التفكير الذي هو اسئلة بلا اجابات، وهذا يسمى التفكير الضاغط المر، ويسمى احيانا المرضي، يشبه حالة الغثيان، تفكير غير منتج ولكنه ضاغط يحرك نفسه بنفسه بدون طلب، وسببه واضح، وهو ان ذلك الشخص لم يفسح المجال للايمان في المواضيع الوجودية الكبرى بينما فسح لها في الامور الحياتية الصغرى كالثقة بالصديق او التلفريك او الطائرة، لكنه لم يستطع ان يؤمن ان لهذا العالم خالق، أعطى كل شيء خلقه ثم هداه، وكل شيء فيه موزون ومتقن ويقوم بوظيفته الغائية.

اذن الانسان مخلوق مؤمن، ومعاناته اذا فقد الايمان او شيئا من الايمانات، وتاريخ البشرية يثبت هذا، لان كل الحضارات فيها اديان، بينما الالحاد فكرة جديدة على البشرية ظهرت في القرن الثامن عشر. لو يستمر الانسان في ان لا يتحرك الا بأدلة قطعية الثبوت وكاملة وجامعة ومانعة لتَحَوّل الى عالم الوسواس القهري، أصحاب الوسواس القهري هم أناس فقدوا الايمان في بعض الامور الحياتية، تجد أحدهم يغلق الابواب ثم يتشكك: هل انا اغلقتها هذا اليوم ام امس - مثلا - ؟ ما الذي يضمن؟ انها الذاكرة فقط، علي ان اتاكد مرة اخرى. وهكذا كلما زاد التكرر كلما زاد الوسواس.