في حالة الرهاب الاجتماعي يحس الإنسان
بانهزام ساحق أمام الناس وأنهم أفضل منه في كل شيء ويفهمون ما لا يفهم .. مهم
بالنسبة للشيطان أن تحس بأنك لا شيء أمام الآخرين وتحس بالانكسار أمامهم , ومن هنا
منشأ العقد النفسية من لحظات فقدان الثقة بالنفس ونقل الثقة كاملة إلى الغير, إن
كان شخصا معينا فهي عقدة خاصة من ذلك الشخص, و إن انسحبت على العموم تسمى رهاب
اجتماعي.
السبت، 18 أكتوبر 2014
الاثنين، 13 أكتوبر 2014
هل الإنسان في أساسه مادي أم معنوي؟
الأيديولوجيات البشرية تركز على الإنسان في
ما يخص تطبيقه للمنهج الفكري الذي يتبناه, أي المهم هو النتائج واكتمالها بغض
النظر عن النية, فالإحساس بالوصول في المناهج البشرية مرتبط بتطبيق الشخص للمنهج الفكري
و ليس بمدى صحة المنهج نفسه و سلامة نيات الإنسان, وزيادة التطبيق يرونها تؤدي لزيادة
الإحساس بصواب المنهج, لكن المنهج الطبيعي الحقيقي يرى العكس, فيرى الوصول في
البداية وليس في النهاية, فبمجرد أنك سلمت نفسك لله أنت وصلت معنويا, والباقي هو
خاضع للضعف البشري و لقوانين الطبيعة ومقتضيات الحياة.
في كل المناهج البشرية الوصول هو في الأخير, في
أعلى الجبل, لكن في المنهج الرباني الوصول هو في البداية: {كلا إنها كلمة هو
قائلها}, و هل بعد هذا يسر؟ في منهج الإسلام الحقيقي أنت وصلت منذ ان سلمت أمرك
لله, والباقي هو عملية تنفيذ لهذا الوصول, بعبارة أخرى انتهيت من الوصول المعنوي
والباقي وصول مادي وهو عملية التطبيق الخاضعة للضعف البشري, و لهذا الشعور الإنساني
حين يجد الطريق السليم يتوقف عن البحث لأنه قد وصل, لكن في الأيديولوجيات البشرية
لا يشعر أصحابها بالوصول المعنوي, لأن الوصول عندهم مرتبط بالمادي والمادي ليس له
نهاية و الإنسان ضعيف, مثل المتشدد في العبادة المغالي في مظاهر التعبد الخارجية و
الذي يحبس نفسه في دار العبادة طوال عمره ومع ذلك لا يشعر أنه قد وصل فلا زال هنالك
المزيد أمامه والتفريط خلفه, وفي الحديث ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى, و مثل
طالب المال والثروة لا يشعر أنه قد وصل مهما وصل, إذن الوصول عندهم صعب فـيَـنـبَـتّ
الإنسان و هو لم يصل, لأنه وصول مادي. لكن الوصول المعنوي ليس صعبا : {كلا إنها
كلمة هو قائلها}, لكن المشكلة حين لا يكون هنالك وصول لا مادي ولا معنوي, لأن
الوصول عند الأيديولوجيات البشرية مربوط بالكمال, فهو كمال وليس وصول, فالكمال
عندهم هو الوصول, لكن في منهج الله النية هي الوصول والباقي تكميل للنية, لأن
النية لا تزداد, فانت تريد أن تكون عبد لله كل مافي الأمر أنك ستؤكد على هذه النية
وستتوضح لك أكثر ويتولد منها نيات فرعية تابعة لها وإلا فهي نفسها لم تتغير. وهذا
الوصول المعنوي هو الذي يسبب اطمئنان النفس, لأنه معنويا أنت وصلت للأكمل, فأكمل
شكر تقدمه لله هو أن تكون عبدأً له, و يتبقى كمال التطبيق وهو عالم آخر.
الكمال المادي مطلق, و الإنسان محدود , فمعنويا
تتمنى لو أنك تساعد كل المحتاجين و الفقراء, أي معنويا أنت وصلت وأعطيت كل
المحتاجين والفقراء, لكن ماديا طبعا لا, فأنت اصلا لا تملك ما يكفي من المال, هذا
غير قضية كيف تصل لهم و كيف توفق بينهم وبين واجباتك الأخرى.. إلخ. و الحساب هو على
الوصول المعنوي أو التقصير بالوصول المادي مادمت تستطيع, لكن الحساب على المعنوي
أشد من الحساب على المادي, فالمؤمن الحق يبارك الله أعماله لأن نيته مباركة
وكاملة, مثل أحد تعرف أن نيته مساعدتك لكنه أخطأ و لم يفهم بشكل صحيح فتعذِّر له
وتبحث عن الاشياء الحسنة التي فعلها و تمدحه عليها حتى لو كانت قليلة, أي باركت
له, فالتبريك هو التكميل وإيصال الشيء إلى غايته وإلى أحسن ما يمكن أن يصل إليه في
كل ناحية من نواحيه (تعريف).
المعرفة من الناحية المعنوية تساعدك على الكمال
المعنوي, فإذا عرفت موقفك من شيء حتى لو لم يحدث لك أنت ارتحت من ناحيته, فلماذا
تشعر بالراحة مع أنه شيء لم يحدث لك؟ لأنك كملت المعنوي, مثلا أنت رافض للأفكار
المادية التي لا تقيم للروح والأخلاق وزنا و لست تتبعها, ورغم رفضك لها إلا أنه
إذا تبينت لك طريقة تفكير الماديين وعرفت كيف تكونت الأفكار المادية ستشعر بفرحة,
لماذا؟ لأنك أكملت المعنوي.
أي شيء له وقوعان: وقوع معنوي ثم وقوع مادي, مثلا
لو تريد أن تعرف كيف تصلح الشاي وأعلمك كيف تصلحه هنا أنت أصلحته معنويا وتبقى
الوقوع المادي. أنت تعرف أشياء وتعرف أنها لن تمر عليك لكنك تفرح أنك عرفتها, هذا
يعني أنه ليس العالم المادي هو المهم عندك بل العالم المعنوي, فنحن لا نعرف
الأشياء لكي نفعلها أو لا نفعلها, بل لنجري اختيارنا عليها و نحدد موقفنا منها,
فلو أخبرتك عن شخصية تاريخية وكشفت لك أن وضعها مختلف عما تصورت وما يقوله الناس
ستفرح بهذه المعرفة و تشتريها بالمال مع أنه قد مات منذ قرون, فأنت عندك رفَّين
تريد أن تكملهما: رف معنوي ورف مادي. لو أقول لك انك على مدى 3 ساعات ستكمل بها
منجز مادي أو تعبئها بمنجز معنوي, أيهما أثمن؟ المعنوي طبعا, إذن أنت لست مادي,
حتى لو كان هذا المعنوي بعيد عنك, فالرف المعنوي هو الأهم, والله يقول: {إلا من
أتى الله بقلب سليم} و لم يقل بعمل سليم من العيوب والنقص.
هذا الموضوع داخل بقضية ثنائية المادي والمعنوي,
لو كان الإنسان مادي كما يقول الماديون لكان همه ألا يتعلم أي شيء إلا إذا كان
ينعكس على حياته المادية, لماذا تستريح لسماع قصة قد تكون ليست واقعية أكثر من
استماعك لشرح عملية رياضية؟ مع أن الأخرى ربما تفيدك و ربما تكون محتاج لها بينما القصة
لست محتاجا لها, إذن المعرفة في أساسها ليست لأجل المصلحة فقط, بل أقل المعارف جاذبية
هي مالها علاقة بالمصلحة و دائما يُكتفى منها بالقدر الكافي. أيهما أحسن لك أن
تتعلم: أعرض لك مجموعة من العلماء والخبراء الماديين و الناجحين ماديا أو أعرض لك
مجموعة من الصور الإنسانية والأخلاقية والشعرية والجمالية؟ أكيد الجاذبية للنوع
الثاني الذي هو الأبعد عن الإفادة المادية في حياتك, و الناس يعرفون الشعراء
والممثلين والمصلحين الدينيين أكثر من معرفة المخترعين, إذن ليست كل المعرفة لأجل
التطبيق, لماذا هي إذن؟ هي لأجل تطبيق لكنه من نوع آخر, تطبيق معنوي. إذن للإنسان
حياتان: حياة مع داخله وترتيب أفكاره و مبادئه وقيمه و بنائه المعنوي, أي اختيارات
و نيات, وحياة أخرى و هي عملية تنفيذه الواقعي, ولا نستطيع أن نقول أن الأولى فقط
تفرِّغ في الثانية أي أننا نتعلم من أجل أن نطبق في الواقع, كلا, وإلا لحذفنا كثير
من المعرفة الغير قابلة للتفريغ في الواقع.
إن بناء الرف أو البيت الداخلي عند الإنسان أهم من
بناء البيت الخارجي, فالإنسان يعذر نفسه بالضعف لكن لا يعذر نفسه بانحراف النية, و
يعذر نفسه بالجهل التقني والعلمي لكن لا يعذر نفسه بنية الشر, فتأنيب الضمير أشد
هنا, حتى الأخرون يفعلون هذا معنا, فحين نخطئ على أحد أول شيء يلتفتون إليه هو
النية, أي يركزون على البيت الداخلي ويتركون الخارجي, فإذا أحد تعمد ان يخرب شيئا
هنا يكون عمله فظيعا, لكن جاء ليصلحه فخربه هنا لا يكون فظيعا, إذن البيت الداخلي
أهم عند الإنسان, فكيف نقول أن الإنسان مادي وكل ما يفعله لأجل المصلحة المادية
الواقعية؟ إذن الله يحاسبنا على الرف الداخلي أكثر من حسابنا على الرف الخارجي, إذن
إصلاح النفس بالأفكار و النيات أهم من إصلاحها بالعمل, وهو الأولى, وإذا صلحت
النية صلح العمل. حياتنا من صنع أفكارنا, و يمكن جبر العمل وتعويض نواقصه.
و هذا ما يفسر نجاح القصة الخيالية على القصص
الواقعية, أشهر روائيي العالم يكتبون من خيالهم, فالناس يقرؤون الروايات أكثر مما
يقرؤون التاريخ, وهذا يفسر لنا ولع الأطفال بالقصص, و رغبتهم في تقييم كل شخصية من
حيث الخير و الشر, لأنهم يبنون حياتهم المعنوية, لا ينجح مع الصغار أي قصة لا تحمل
خير ولا شر, أصلا لا يمكن ان تُفهم قصة إلا بوجود الخير و الشر وإلا كيف تسمى قصة؟
فالعقل يعمل بموجب الثنائية, و هذه من المشاكل التي واجهت الأدب المادي وسببت له
الفشل ورجوع الناس دائما إلى الأدب الكلاسيكي المفعم بالخير و الشر, ففي الادب الحديث
الغربي قلما تجد روايات أو مسرحيات مشهورة, لكن الناس يقفزون بسرعة إلى شكسبير
وفيكتور هيغو ودوماس وغيرهم من الروائيين الرومانسيين والكلاسيكيين. الروايات
الواقعية متأثرة بالمدارس المادية الحديثة و التي بدورها مأخوذة من الفلسفة
المادية التي لا تجد فواصل بين الخير والشر, لهذا ليس واضحا الخير والشر في تلك الروايات,
أي بعبارة أخرى لا تسمي الشر شرا بل تحاول أن تخلطه مع الخير, مثل روايات نجيب
محفوظ التي أعطي من أجلها جائزة نوبل لأنها تناسب أفكار الغربيين المادية وليس لأن
العرب و العالم معجبين بمضمونها وإن كان أسلوبها متفننا, هذا غير أنها لا تصور
المجتمع المصري كما هو حقيقةً. و حتى الشعر الحداثي و الأدب المادي الواقعي الخالي
من فكرة الخير والشر لا يبقى في الذاكرة, لأن الذاكرة مرتبطة بالشعور والشعور لا
يفهم إلا من خلال القيم, وهذا الأدب يزول من الذاكرة كالهذيان, حتى أن هناك رواية
غربية اسمها الهذيان! القصص القصيرة التي كتبها همنجواي لاقت نجاحا وشهرة بسبب دقة
وصفه لحياة الحيوان وبيئة القصة, أكثر من وصفه البئيس للإنسان, ولو كان يدور حول الإنسان
فقط لما نجح ذلك النجاح, فجمال رواياته من أنه كان يصف الطبيعة وعادات الحيوانات
ونفسيتها بدقة متناهية.
إن الفهم مرتبط بقوانين الشعور, فلو تقرأ لبعض
الحداثيين المغرقين مثلا لن تفهم شيئا, و كونك لا تفهم يعني أنك لن تحفظ, فليس
هنالك فهم إلا بالضدية, (وموضوع الفهم بالضدية موضوع مهم), وإذا أزلت الخير والشر
أزلت الضدية فكيف سنفهم؟ و أساس إبعاد فكرة الخير والشر داخل في حرب الدين, و هكذا
كلما تبعد وجود الله يبتعد العقل والإنسان ويبتعد الفهم, مما يدل على أن كل شيء
مرتبط بالله, مثلما قال ديكارت: المعرفة تبدأ من الله أولا. معنى هذا أن الإنسان
في رحلة المعرفة هو يبني شخصين وليس واحدا, شخص مثالي بداخله وشخص واقعي, ثم يعمل
على المقاربة بينهما.
في الوضع الطبيعي يكون التركيز على المعنوي وبنائه
ورفوف المعنوي تعبأ باستمرار, أما الجزء المادي فيخرج من نفسه بإفراز قليل مقارنة
بالضخ المعنوي ولكنه جميل وحلو, وهذا هو الصحيح, فالإنسان ليست قيمته بما ينفذ بل
بما يقتنع به ويعتقد. هذا مبدأ الماديين أن قيمة الإنسان بما نفذ, بحيث أنه ينفذ
بأي طريقة لكن المهم أنه نفذ, لذلك عندهم أي مليونير هو عبقري وناجح, باعتبار
النتيجة وليس باعتبار السبب, أي مبدأ : (من حصل على شيء يستحقه), بينما الإنسان الطبيعي
على العكس تماما, فهو يرى أن من جهز بيته من الداخل هو الناجح حتى لو لم ينفذ شيئا
كبيرا. أما من يشتغل على بيته من الداخل وهو لا ينفذ شيئا هو لم يشتغل على داخله
حقيقة بل هو منافق لأن النية هي قيد التنفيذ متى سنحت الفرصة.
ولما تفكر ستدرك أنه لا يكن المطابقة بين البيت
المعنوي و البيت المادي, فالإنسان محدود, لكن لا يعني هذا أن بناء المعنوي بلا
جدوى بل له جدوى, و جدواه ليست فقط من تطبيقه, فالشخص السطحي يمكن أن يفهمها أنه
يبني المعنوي لاحتمال التطبيق في يوم ما, لكننا نترك أشياء قريبة يمكن تطبيقها و ننشغل
بسد فراغات في البيت المعنوي لم تعبأ, كأن تقرأ عن التاريخ ولا تقرأ عن يومك أو
طبخك أو عملك, مثل شخص فقير تولع بقراءة كتاب و لم يذهب ليبيع خبزا مثلا, هذا يدل
أن المعنوي أهم من المادي, لو كان الإنسان مادي فعلا لما انشغل بالأمور الغيبية
ولانشغل بشؤون رزقه وحياته ثم إذا فرغ التفت لأشياء أبعد, لكن الملاحظ أن طلب
المعرفة حاجة عند الجميع ولا علاقة له بالغنى والفقر, الفقير يتعب كثيرا من أجل أن
يشتري جهاز تلفزيون ليتفرج على عالم بعيد عن واقعه اليومي, بل تجده قد وفر من
مصروف أكله من أجل أن يشتري وسيلة تثقيفية تقدم له الأفلام والتمثيليات الخيالية,
وحتى لو كانت واقعية فقليل منها ما هو قريب من واقعه و يلامس حياته اليومية
مباشرة.
لا أحد يستطيع أن يبني بيتا ماديا دون أن يبني
بيتا معنويا أو نظريا, حتى مختار الشر لابد أن يبني بيت معنوي شري, مثل من يقول أن
الخطيئة أساسية بالإنسان وأن أصله أناني, فيحاول أن يؤصِّل الشر و يضع له ملفات,
حتى لو كان شرا لا يرتكبه هو, لذلك أكثر من يكتبون الأفكار المخالفة للدين لا يخالفونه
كثيرا بواقعهم, بل أن بعضهم يصلي حتى, هذا دليل أنه يصُفّ البيت المعنوي, فيأبى
شيء في الإنسان إلا أن يصفّ البيت المعنوي بكامله, و هذا يدل أنه هناك يوم دينونة,
فهنالك إدانة على هذا البيت المعنوي, فمالذي يحدّ الشخص أن يصفّ هذه الأشياء وهو
لم ينفذها؟ مثل أن يقول أحد : أتمنى أن يباد الفقراء و نرتاح منهم ومن مشاكلهم! مع
أنه لن ينفذ هذا, فهناك أناس يتكلمون عن الشر وهم لا ينفذونه, مثل نيتشه, فالبيت
المعنوي يُبنى قبل البيت المادي, لأنه يبني أشياء لا علاقة لها بواقعه, مثل
الملحدين, هم ألحدوا وانتهوا لكنهم منشغلون بالدين, لماذا؟ فلماذا ينشغل بالإسلام
ويقرأ نصوصه ويرد عليها مادام لا يؤمن به؟ إذن الإنسان يبحث حتى يحدد مواقفه ويحدد
نيته من الشيء ثم يتركه, حتى لو كان يعلم أنه لن تمر عليه تجربة واقعية بذلك الشيء.
.
وهذا الموضوع من الخيوط الدالة على وجود الله, فكلٌّ
يجهز ملفاته المعنوية, فتجد أناسا كبارا بالسن ومشغولون بقضايا فكرية مستقبلية
معقدة, أين هذا عن واقعهم؟ فماذا سيفعلون وهم مقعدون؟ هذا يعني أن المعرفة عالم و التطبيق
عالم آخر.
حين تتأكد من فكرة وتفهمها وتصفها في الرف
المعنوي, هذا مِن عالَم, أما تطبيقها فمن عالَم آخر و طريقة تفكير أخرى, فالتطبيق
نفسه يحتاج تفكيرا لأنه مليئ بالأفكار, فهو مستوى عقلي آخر مختلف عن المستوى
الأول, المستوى الأول حول بناء البيت الداخلي, أما التطبيق فتنشغل فيه بكيفيته وهل
هناك طريقة أفضل...إلخ. لا يمكن أن تنزل الفكرة للواقع وهي محافظة على مثاليتها
بالكامل, فالواقع يفرض عليك أشياء أخرى, فالإسلام مثلا حين تبعده عن الناس يخرج
بشكل مثالي, لكن احتكاكه بالناس والمنافقين والكفار جعلته يخرج بشكل آخر, لكنه يظل
أفضل الموجود, فالفكرة إذا نزلت للواقع يكفيها فخرا أن تكون أفضل الموجود, ولا تستعمِل
من الشر إلا ما يدفع الشر فقط. لا يمكن أن تكون مثالي بخيالك وبنفس الصورة تكون
بالواقع, فالواقع مؤثر.
الحياة المعنوية حياة كاملة بحد ذاتها, فلنا حياة
أخرى و ليس فقط حياة مادية, ألست ترى أنك تستطيع أن تزني أو تقتل بخيالك؟ أليست
العمارة بدأت بفكرة؟ و العمارة لو تزول هي زالت من الواقع لكنها بقيت كفكرة في
بالك, هذا عالم المثل المختلف عما تصوره أفلاطون, هذا عالم المثل الداخلي, وسواء
بخير أو بِشرّ هو عالم مُثل, مِثل الشرير الذي عنده أفكار شريرة لكنه لم ينفذها
بالواقع, فمثاليته الشريرة موجودة بعالم المثل الذي بناه. ألا تجد أنك تفكر بفكرة
سيئة ثم تتألم؟ مع أنك لم تنفذ شيئا بالواقع؟ إذن أنت تعيش بمستوى آخر من الوعي,
فنحن نعيش مستويات من الوعي: مستوى بالوعي في الأحلام ومستوى وعي بالخيال ومستوى
وعي بالواقع, أنت الآن قد تفكر بفكرة وتشعر بالراحة والرضا, مع أنه واقعيا لم تفعل
شيئا, إذن أنت تعيش بمستوى آخر, وتفكر بفكرة وتشعر بالضيق والندم وتشعر كأنك
ارتكبت جريمة. الحقيقة أننا نعيش بعالم المثل الداخلي أكثر من العالم الواقعي, و نحب
الكلام فيه ونختار أناسا من الواقع لأنهم يتكلمون به وهم مَن نسميهم أصدقاء, إذن
هو الأهم, فهم أصدقاء لعالم المُثل الذي عندك, بل إن المستوى الواقعي نسخره لخدمة
هذا الشيء, فنتعب و نعمل لنحصل على كتاب أو جهاز تلفزيون يخدمه أو نسافر لنخدمه أو
ندفع هدايا لإنسان يخدمه, إذن صار الواقع مسخر له, إذا استثنينا ضروريات بقاء
الحياة, فالبيت المعنوي هو الأساس و أعتقد أن أول الحساب يوم القيامة سيكون عليه
وهو السرائر.
البيت المعنوي هو نيات وليس فقط خيالات و أفكار
رومانسية, إذا حلقت بالخيال و تأملت فكل هذا من أجل أن تستخلص نيات, لهذا مدح الله
المتفكرين و المتدبرين, لأنهم خرجوا باستنتاجات من التحليق في الخيال: {ربنا ما
خلقت هذا باطلا}, أما تحليق الماديين بالخيال السريالي والواقعي فهذا عبث, فكل بحث
لا يُستخلص منه شيء هو جنون, فأي عمل غير مرتبط بغاية هو جنون لأن الغائية من أساسات
العقل, سواء جاءت الغاية قبل أو بعد, لكن لا بد أن يكون مقترنا بغاية. أما ما يقال
أن الله لا يحاسب على النيات السيئة التي لم ننفذها فهذا تكرم من الله ورحمة, لأنه
يحاسب على النيات الحسنة التي لم ننفذها مع أنها نيات.
كلما يتقدم الإنسان بالعمر كلما يزيد رغبة في
المعرفة و التقييم, مع أنه يبتعد عن التطبيق في الواقع بل ويبتعد عن الواقع نفسه
باقترابه من الموت, المفترض أن يكون هناك علاقة بين المعرفة والتطبيق إذا كانت المعرفة
من أجل التطبيق كما يقول الماديون, لكن الحاصل العكس تماما, فالإنسان لا يريد أن
يموت حتى يكمل بيته الداخلي. أكثر المفكرين والمثقفين من كبار السن, فلماذا يجهزون
هذا البيت و هم يقتربون من الموت أكثر مع مرور الوقت؟ ومع ذلك يزداد تفكيره و تمحيصه
و تقييماته و اطلاعه و نقاشاته, المفترض أن تقل الرغبة بالمعرفة كلما ابتعدت عن
الواقع وكلما تقترب من الواقع كلما تزداد نهما للمعرفة حسب فكرة الماديين, لكن في
الحقيقة أن 90% من أفكارنا لم تطبَّق, و ما طُبِّق منها لم يطبق بالكامل, و إذا
نظرت إلى الملحد مثلا تجد أن أكثر ما عنده هو أفكار و ليس تنفيذ, و كذلك المؤمن
الحقيقي بالله, و لاحظ أن الله يقول أن من عمل الصالحات لكن بلا نية صالحة عمله
كسراب بقيعة, و لاحظ أن الحكاية كلها قائمة على إيمان, والإيمان قائم على البيت
الداخلي و ليس الخارجي, و الله سماهم مؤمنين وليس عاملي الصالحات, ولو كان على
العمل لكان كل من عمل صوابا له أجر بغض النظر عن نيته وهذا يناسب الدنيويين, لكن المسألة
بالآخرة ليست ميزان أعمال فقط, ولو كانت كذلك فلماذا يزيد الله ويبارك في أعمال؟ الله
قال: {يوم تبلى السرائر} وليس فقط الأعمال, فسيرون أعمالهم موجودة و كذلك سرائرهم.
العلمانيون ينظرون للدنيا فقط فأي شيء يؤدي لصلاح
الدنيا هو حسن سواء قصدته أو لا, مثل الشركة, فالشركة همها التنفيذ والعمل ومن
يخرب العمل فهو سيُلام حتى لو لم يقصد, و من يفيده دون أن يقصد أو من أجل مصلحته
الخاصة فسيُشكَر, لأن الناس غائبين والموجود هو العمل فقط, فالعقل المادي يخرج
الإنسان من الحكاية و يبقي المادة, فيقولون أن الرسل لم ينجحوا بأن يقدموا حياة
رفاهية للبشر, فهمهم فقط في هذه الدنيا وليس هنالك آخرة.
نظرة الملحدين والماديين للمعرفة قائمة على هذا
الأساس, على أساس أن العلم للمنفعة المادية فقط, فيريدون للناشئ أن يسأل مثلا عن
الكرة الأرضية وخطوط الطول ودوائر العرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وكم يبلغ..
إلخ, لكنهم لا يريدون أن يسأل من أين جاءت الأرض ومن أوجد هذا النظام, ويعتقدون أن
مثل هذا السؤال غير علمي مع أنه الأهم عنده والعلم يجب أن يجيب على الأهم, فمثلا
رجال الدين يسميهم الناس علماء لكن الملاحدة لا يسمونهم علماء لأنهم يجيبون على
أسئلة غير علمية في نظرهم, و هذه النظرة المادية للعلم تجعل العلم بلا علم, ما
قيمة أن تعرف تفاصيل شيء وأنت لا تعرف من أين جاء ولا أين هو ذاهب؟! أي لا منشأه و
لا غايته والتي لأجلها جرى العلم! كيف ستحدد موقفك من شيء بلا هوية؟! إذا قال
الملحد نتعلم لكي نستفيد ماديا سوف يُسأل أيضا: لماذا نعيش؟ و الجميع يعترف أن
التعب في الحياة أكثر من سعادتها, إذن الحياة نفسها غير علمية وخاسرة! يريد أن
يجعل كل شيء علمي بينما استمراره في الحياة غير علمي, لأن الاستمرار في شيء ضرره
أكثر من نفعه سلوك غير علمي بموجب علوم الاقتصاد و التجارة و المنطق.
الأربعاء، 8 أكتوبر 2014
جواب على تساؤلات حول المنطق والإحساس بوجود الله
*هل نحن من صنع المنطق بالملاحظه وبما تعرفه عقولنا وبواقعنا؟ يعني ان المنطق هو من صنع عقولنا لأنها تعمل بهذه الطريقه ونرى كل شيء بهذه الطريقه لكن في الواقع لا يوجد منطق؟
نحن نستخدم 10% فقط
من عقولنا هل لو استخدمنا 100% من عقولنا سيتغير المنطق وبالتالي بديهية وجود
الله؟
المنطق هو ما صنعنا وليس
نحن من صنعناه, الطبيعة و قوانينها انعكست على إحساسنا المميِّز حتى لما هو خارج
ذواتنا فترجمَته عقولنا إلى مصطلحات منطقية وقوانين. متى يقال عن الشيء أنه منطق؟
إذا جُرب ملايين التجارب و يطّرد في كل مرة, لو
كانت الطبيعة تخالف منطقنا لكان هناك شك أن عقولنا التي لا يعمل منها إلا
10% هي التي صنعته, نحن لا نخلق شيئا نحن مخلوقين, كل مرة نضع واحد مع واحد يخرج
إثنان , صاغته عقولنا على شكل: 1+1=2, فهل هي فكرتنا أم أنها قوانين طبيعية أحسسنا
بها وجربناها و صغناها؟
أما فكرة أنه لا يعمل من
عقولنا إلا 10% ولو عملت مئة بالمئة لسقطت بديهة وجود الله, فأستغرب و يحق لي,
لماذا لم تقل لربما ثبت أكثر وجود الله؟! ما الذي يمنعك أن تقول هذه الفرضية مع
الفرضية الأخرى؟ لا أتدخل في النيات لكن هذا هو المكتوب أمامي.. وإذا كانت العشرة
بالمئة سليمة وأثبتت وجود الله بحد ذاتها ما بالك لو كانت مئة مئة؟! كان الأولى أن
تطرحها بدلا من الفرضية السالبة أو معها, لكن جل من لا يسهو..
هذا غير أن هذه الفكرة
أثبت علم النفس والأعصاب خطأها, لأنه ثبت أن كل جزء في المخ يعمل. ويبدو لي أن
الذي طرحها لا يقصد العقل بل يقصد القدرات والإبداع, وهذا صحيح جدا إن كان يقصدها.
المنطق ليس من قدرات
العقل بل هو إسقاط الطبيعة على إحساسنا فيترجِم العقل ما أحسسنا فيه بشكل متكرر,
ليس إلا, فإن كان المنطق كاذب فالطبيعة كاذبة وهذا لا يعقل, إذن المنطق سليم لأن
المنطق علم مجرب بل هو أكثر العلوم تجريبا. الكل مثلا أكبر من الجزء , جربها مليون
مرة ستكون صحيحة, إذن هي علم ثابت. وماذا يبقى من العقل إذا تشككنا في المنطق؟
سنذهب إلى الجنون! وهل سيكون هناك علم بلا عقل؟ و هل سيكون هناك عقل بلا منطق؟
أنت تقول ربما أن عقولنا
صنعت المنطق لكن في الواقع لا يوجد منطق, على أي أساس هذا الكلام؟ كيف؟ مثّل!
المنطق قال: اثنان في اثنان تساوي أربعة, هل الطبيعة تقول غير ذلك؟ و أليست
الطبيعة واقع؟ إذا لم تكن واقع فما هو الواقع؟
*لماذا لا اشعر بالله؟ او ايا كان اللذي خلقنا في السماء؟ عندما اصلي وادعوا لا اشعر بصلة روحية,اشعر اني اكلم وهما او سرابا غير موجود
الشعور والاحساس بالله اكبر سبب يحدد ايماني
هذا خطأ, فالإحساس يكون
نتيجة وليس سببا..
وللأسف لا اشعر به! لا روحيا ولا بأرض الواقع ولا اشعر بفرج من كربه ادعوه لأجلها سنينا,لا امشي على (الله استجاب لي اذن الله موجود) لكن اريد ان اشعر بوجوده فقط,اريد ان ارتاح وان اشعر باليقين به وبأن الفرج موجود,وان اليسر بعد العسر,لكن لا اشعر بصلة حقيقيه به كما في الماضي وكان قبل ان لا اشك بأي شي تعلمته حينما كان ايماني بالتقليد كان قويا
وعندما اصبحت اشك واحاول اجد الخلل واصلحه ضاع كل شيء,ايماني روحانيتي يقيني ثقتي بالله كل شيء ضاع
ادعوه لا يسمع ولا يلبي ولا يمطمئن قلبي,ولا اعلم مالسبب
تقول: "لا امشي على
(الله استجاب لي اذن الله موجود)" والآن تقول : " ادعوه لا يسمع ولا
يلبي ولا يمطمئن قلبي,ولا اعلم مالسبب"!!
قديما كنت اشعر انه يحبني والآن اشعر انه نبذني وطردني من رحمته,كل انسان يستحق فرصه وانا اشعر اني محروم من هذه الفرصه وانه تم الحكم علي
مشكلتي روحيه اكبر من منطقيه وعقليه مع الله وهذه المشكله لايحلها المنطق ولا العقليات مهما قرأت وتبحرت
بدأت اتقبل الواقع واقبل فكرة ان اعيش مثلما اريد من غير اعتماد او محاولة صلة مع الله , كثير اناس يعيشون بهذا النحو لكني اردت ان يوجهني الله وان يدلني وان يفرجها علي هو لأشعر فقط انه راض عني وانه تقبلني
لكن ربما ذلك لن يحصل
هل مررت انت بما امر به ؟ هل تشعر بما اشعر به؟
الرد :
قضية وجود اله ليست قضية
خاصة بنا شخصيا وانتهى الامر .. والله لم يره أحد، اذن حتى نشعر بالله أو نتأكد من
وجوده، نحتاج أن يعمل كل شيء فينا، وبالذات عقولنا. أنت الآن تقلل من شأن العقل
والمنطق, فهل تقلل من شأنهما في أمور الحياة والمصلحة؟
الشعور اليقيني بشيء ليس
أمامنا يحتاج الى قناعة عقلية ومنطقية وشعورية، إفهم اكثر تتيقن أكثر ، وهذا ينطبق
على كل شيء. أنت تقبل بحقائق العلم، كالذرة والكهرباء والجاذبية بلا أي شك وأنت لم
ترها، لكن عقلك متأكد منها، هذا اليقين جاء بسبب العقل، وإلا لم ير أحد الذرة ولا
الكتروناتها ولا ولا ..
حتى تتأكد من وجود الله،
فكر في البديل ، إذا لم يكن الله موجودا كيف نفسر الكون وتناغمه وتوازنه و وجوده؟
هل نفسره بخرافات الملاحدة المضحكة التي لا تقنع عقلا ويفضحها العلم كلما تقدم ؟
ولا شك أنك تضحك منها لأنك إنسان يصلي ويؤمن بالله. بضدها تتميز الاشياء .. هذا
اذا كنت جادا وتريد فعلا ان تتيقن بوجود الله ..
الاستجابة للدعاء ليست
دليلا قطعيا وكافيا عن بقية أدلة وجود الله ، و اذا لم يحصل سقط الايمان بالله ! كأنك
تقول : أستجب لي في كل مرة ادعوك ، وإلا فأنت غير موجود ! هذا ربط غير منطقي أصلا،
هل كل من لا يستجيب يصبح غير موجود؟ عندما تطرق باب احد ولا يجيبك، هل هذا دليل
أكيد على أنه غير موجود ؟ هذا التفكير يجعل الله مجرد خادم، فالخادم إذا لم يجب
نفهم أنه غير موجود في المنزل!
زوال الشكوك أو قلتها هي
التي تنتج حالة صفاء إيماني ويقيني. وزوال الشكوك يحتاج إلى مغامرة ايمانية
وإتّباع لما يرضي الله بموجب قرآنه، ولو على حساب النفس وأهوائها، إذا فعلت كل هذا
و لم تحس بوجود الله فتعال وأسأل ..
ثم ما هي حقيقة مشكلة:
"لا أحس بوجود الله" ؟ هذه حيلة من الشيطان، بديلة من حيلة: "لا اقتنع
بوجود الله" ، هذا هو المستوى الثاني، يعطيها لمن هم اكثر عقلا، فالملحد مثلا
لا يقتنع بوجود اله، ويدعي ان عقله يقول ذلك .. فيكذب و يمخرق ويزوّر ويصرخ في وجه
معارضه ليعيش تحت وهمه. أما من قال "نعم كل شيء يشير الى وجود الله" ، تأتي
الحجة الثانية : "إذن لماذا لا اشعر بوجوده؟ لو كان موجودا لاستجاب لي مباشرة
(كما يفعل الخادم)، اذن هو غير موجود" وهذه المرة ليس بالعقل والعلم بل
بالعواطف الأنانية الشخصية ، لما عجز عن العقل فالشيطان يتنقل بين العقل والعواطف ..
مع أن هذا المطلب غبي إذا قارناه بمقتضيات الاقتناع بوجود الله، ومن ضمنها أنه يجب
وجوبا أن يكون للكون إله شامل واحد أعلم منا و أحكم، وهو خالق عقولنا والقوانين..
الخ، وأن علينا نحن طاعته وليس العكس . حتى لو استـُجيب لك وحُلت مشكلتك، هل
ستقتنع أنها انحلت لان الله استجاب، أم ستُرجع النتيجة لاسباب أخرى ؟ هذا المنهج
الخاطئ يقتضي اذن ان يستجيب كل مرة، حتى تزول الشكوك ونتأكد أنه هو الذي يستجيب،
وبالتالي من الذي يأمر الآخر ويتحكم بالآخر ؟َ! هل يكون الإله خادما والمخلوق
سيداً يطلب ويأمر كما يشاء وعلى طول الخط حتى يتم الإثبات؟! فكرة تجربة الله فكرة
شيطانية غبية كبقية افكار الشيطان كلها غبية إذا فحصها العقل .. قال تعالى (ولو
اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات و الارض) ..
اذن هذا المنهج لمعرفة
الله خطأ، نسميه منهج تجربة الله المتكررة، انت تريد تجربته بينما الله هو الذي
يختبرنا وأراد تجربتنا، لا يمكن لمخلوق ان يختبر خالق، هذا غير منطقي و لا أخلاقي
مع الله. اذن حجة (لا يستجيب الله لي إذن هو غير موجود) سقطت ، وهي حجة قائمة على
الأنانية وتكبير الذات وكأنها محور الكون ..
الدين ليس علاقة شخصية مع
اله قادر على كل شيء وأنا محتاج لكل شيء وهذا كل شيء ! الله أحالنا إلى طريق
مستقيم ولم يحلنا إليه مباشرة، فالله له طريق يُوصل إليه وهو الاستقامة وعمل
الصالحات وكراهة الباطل ، من خلال الطريق نحس بالله ونحس بالمحبة، أما أن نأتي
بطريقة نفعية نريد أن نشعر بالله من خلال مصالح وحل مشكلات ينفذها لنا ! أين
الروحانية التي تطلبها لكي تثبت وجود الله؟
قال تعالى (والذين جاهدوا
فينا لنهدينهم سبلنا) ، اذا كان انسان لا يقدر قيمة الفضائل وليست مهمة بحياته،
كيف سيحس بوجود الله ؟ هذه الفضائل من روح الله أودعها في الإنسان ليعرفه من
خلالها, لهذا أمر نبيه بالتذكير و لم يأمره بالتعليم, فالتعليم يكون لشيء جديد.
نحن نحس بوجود الله من خلال الفضائل وجمالها و جلالها، إضافة للرصيد المنطقي الذي
يثبت وجوده, وإضافة لإجماع أو شبه إجماع البشر المعتمد على المنطق أن للكون إله, و
هذا ما نحسه في داخلنا و تثبته العقول منذ وجود الإنسان, و نسف هذا الثابت يحتاج
إلى نسف كل الثوابت و هذا ما لا يستطيعه عقل ملحد مهما زوّر و فذلك وغالط. لن يشك
أحد في المنطق مهما اجتهدت مؤسسة الإلحاد الدينية للتشكيك فيه, لأنه من الثوابت
وإذا زالت الثوابت ماذا يبقى؟
ما دمت تطلب روحانية،
لماذا لا تبحث عنها في مظانها ؟ انظر إلى صفات الله كلها فضائل : الكريم الحليم
الودود الشكور الصبور، الخ .. من خلالها اعرف الله، اعرف قيمتها أولا ثم اعرف الله
.. الله اعطانا اسماءه لنعرفه، وليست للتفنن وكثرة اسماء فقط, وكلّ يعرف باسمه..
بل الله قال (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أي ان أي اسم حسن هو لله . اذن
الطريق لله هو طريق الفضيلة، قال تعالى : (ولو علم فيهم خيرا لأسمعهم) ، والخير هو
حب الفضيلة .. هذه المرحلة تأتي بعد مرحلة الاقناع العقلي والمنطقي.
يبدو ان ما تعاني منه هو
اقتناع عقلي وعدم اقتناع عاطفي بوجود الله ، ويمكن نسميها استعجال عاطفي، وهذه
حالة يمر بها كثير من الناس، وانا منهم مررت بها، وتجاوزتها الحمد لله.. بعد أن
فهمت أن العلاقة مع الله اخلاقية وليست مجرد طلب و تنفيذ وإلا لاوجود! لا أحد
يستغني عن ربه، لكن كل شيء له أخلاق حتى الطلب.
سر العلاقة مع الله أعتقد
والله اعلم، هي مدى اخلاقيتك مع الله ومع خلقه ومع نفسك. انظر الى الصفات التي
كرهها الله في الناس، عندما تكلم القرآن عن الانسان بشكل عام أي الإناني الدنيوي
العلماني، وانظر الى صفات الكفار في القرآن، كلها سوء أخلاق: (والله لا يحب كل
مختال فخور) (وطائفة أهمتهم أنفسهم) (إن الله لا يحب المتكبرين) ، (مناع للخير
معتد أثيم) (ولكن كانوا انفسهم يظلمون) (وما قدروا الله حق قدره) (الذين هم يراءون
ويمنعون الماعون) وغيرها كثير ، وأرجو ألا تكون ممن قال الله عنهم : ( ومن الناس
من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمئن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر
الدنيا والآخرة).. تجنب كل هذا وافعل العكس ستشرق روحك بنور الله الذي وضعه على
الأرض وهو ما ينطق به القرآن (الله نور السموات والأرض).. قال تعالى (قد أفلح من
زكاها) ولم يقل أفلح من تأكد مئة بالمئة من وجود الله! زكّ نفسك تعرف الله, حيث
يكون الخير يكون الله.. لا ننشغل بالله ووجوده، و لننشغل بأنفسنا وتزكيتها، أينما
اتجهت للخير ستجد الله ..
الله كما نفهمه في
الإسلام ليس مثل الإله في المسيحية, الأب والأم والابن والدلع .. الإله الذي يضحي
بابنه لكي نسلم من آثار ذنوبنا القبيحة, هذا تدليع و تشجيع على الشر, أما في الإسلام:
{من يفعل سوء يجز به} {ولا تزر وازرة وزر أخرى} {ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن
يعمل مثقال ذرة شرا يره}, ففي الإسلام الحقيقي ليس هناك علاقة شخصية مع الله مثلما
هو في المسيحية, ولا مع شعب معين أو مع الشعوب كما هو في اليهودية. ولا كرامات
لأحد. بل الله يمن على الجميع بنعمه. اليهود جعلوا الله خادما للشعب اليهودي
والمسيحيين جعلوا الله "أباهم الذي في السماء" بينما في القرآن الله يختبرنا
{يوم تبلى السرائر} ويعطينا أو يحرمنا أختبارا، وليس إذا اعطانا يكون ذلك العطاء
دليلا على حبه لنا ولا إذا حرمنا يكون حرمانه دليلا على كرهه لنا, وهذه من الأفكار
الدنيوية العلمانية التي رد عليها القرآن : {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه
فأكرمه ونعمه فيقول رب أكرمن, وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول رب أهانن}
.. إن فهمَ العلاقة مع الله يكون من خلال التقوى والصراط المستقيم، وليس من خلال
عطاءه ومنعه، فإذا أنا على طريق الخير فأنا على خير ، وإن كنت أكره الخير او
اتكاسل عنه واستعجل في الشر، و اتشكك واسير مع شكي واتيقن وأخذل يقيني، إذن أنا
لست بخير .. هذا الطريق تعرف من خلاله موقعك من الله، كما تكلّم الله عن الانبياء،
فأكثرهم عاشوا في تعذيب ، لكن الله انعم عليهم بهذا الطريق .. لهذا جعلهم الله
قدوة لنا ، ولن يكونوا قدوة لنا بنعمٍ أكلوها وعاشوا فيها، بل هي فضائل ممتدة
يستطيع أن يقلدها من اراد الخير.
عندما تحس بالبعد عن الله
فاعلم انك بعيد عن طريقه المؤدي اليه ..
مثلا في اليهودية بمجرد
ان نسبك من ذرية يعقوب أنت في رعاية الرب، بل ابنه، والمسيحية بمجرد ان تؤمن بيسوع
كمخلص، دخلت في ملكوت الرب وغُفرَت كل ذنوبك، وصارت علاقتك بالله شخصية. وعند كثير
من المسلمين اذا انت أديت الأركان الخمسة، صرت في حظوة الله ووصلت الى الطريق، مع أن
الله وضح طريقا وصراطا مستقيما، ليس فقط في عبادات معينة. والعبادات اخلاق مع الله
وشكر له.
الصراط يعني طريق،
والطريق ما وُجد الا للتواصل، نجد أن القرآن لم يتعامل مع الانبياء لذواتهم
وشخوصهم أو أنسابهم، بدليل معاتبته لهم، بل وتوعدهم بأشد العذاب اذا تجنبوا
الصراط، بل وعاقب بعضهم في الدنيا كما في قصة يونس. اما في المسيحية فنجد ان عيسى
البشر النبي يُحوّل لإله، بعلاقة شخصية كاملة. واليهود ابناء الله وأحباؤه، و شعب
مختار، كلهم، بغثهم وسمينهم. كل هذه محاولات للتملص عن الصراط المستقيم.
الكثير من الناس يتعامل
مع الله بعلاقة عاطفية، وأكثر الملحدين ألحدوا بسببها، يقول : أدعوه وأرجوه ولا
يستجيب لي ! علاقة الله ليست علاقة شخصية مع أحد، هي من خلال قربه أو بعده عن
صراطه، قال عن الجاحدين المكذبين (نسوا الله فنسيهم) ، و هم في الأخير في جهنم ،
هل لهم قيمة وهذا هو مصيرهم ؟ هذا الفهم هو الذي يربي الإنسان ويبعده عن الاتكالية
ويصلح نفسه بنفسه دون أن يعتمد على احد، هذا خالي من الاتكالية. أما الاتكال على
فئة هي الافضل وهي المغفور لها او علاقة بنوة مع الله أو شفاعة اولياء فهذه لا
تصنع تربية، ولا تجعل الانسان يغير سلوكه ونياته.
الأمانة التي تحدث عنها
القرآن لا تجد أي دين يذكرها إلا هو، أن تتحمل مسؤولية اعمالك ونياتك، بينما في
الديانات الاخرى والمذاهب تخلو منها، فتجد أحدا ينجيك من تصرفاتك ، لكن في الإسلام
والقرآن لا يوجد مخرج من ذلك ..
الله اعطانا صراطا كاملا
ماديا ومعنويا، فلا يصلح أن نجتزئ منه ونقول هذا هو طريق الله وكفى ، لا من مادي فقط
ولا من معنوي فقط. بعضهم اجتزأوا طريقا معنويا، وبعضهم اجتزأ طريقا عِبَاديا أو
عقَديا. ومن المسلمين من يعتقد ان الطريق الى الله عن طريق أوليائه والمقربين منه.
مع أن المقربين منه لا يعلمهم الا هو، حتى لو وُجدوا فلا تزر وازرة وزر اخرى، ولا
يغني أحد عن أحد. الاختبار في الاسلام فردي وليس جماعي، ولا يُختبر احد بدلا عن احد
.. في الإسلام الوصول الى الله مباشرة وبدون وسطاء، لكن من خلال طريق، من خلال
سبيل الله، وليس بمجرد أن تكون في أزمة ثم تلتفت الى الله. هذا الطريق تسلّم نفسك
لله فيه بالكامل (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ، وهكذا تتحقق
العبودية، بالمُلكِيّة الكاملة لله، وهو طريق الخيرات والصالحات. بل إن الاسلام هو
الديانة الوحيدة التي تجعل بينك وبين الله طريقاً وليس عرق او طبقة إجتماعية أو
علاقتك بوليّ .. (إلا من أتى الله بقلب سليم) (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) وليس من
يعرف أتقاكم ويقدم له نذرا أكثر أو يحب أقارب نبيه أكثر فقط، أو يدرس العلوم
الشرعية أكثر .. صراط الله هو صراط الخير والحق والجمال (فاستبقوا الخيرات) (الذين
آمنوا وعملوا الصالحات) . ومن سلكه سيحس بوجود الله ويمتلئ قلبه حبا وإيمانا
وتوكلا ..
وشكرا لك ومرحبا بأسئلتك
ومشاركاتك..
الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014
رذيلة الإلزام بالفضيلة
الشعور الإنساني ينفر بقوة
ممن يدعو للفضيلة بالرذيلة, مثل من يلزم الآخرين بفضيلة, فأول شروط الفضيلة عدم
السلطوية, من يفرض الفضيلة هو لا يعطي الآخرين فرصة ليختاروا الخير, و النفور
الشديد الذي يأتي ممن يفرض على الآخرين فضيلة كما يراها يدل على أن الأصل هو أن الخير
يمارس بحرية وليس بإلزام. ولا خير في خير يأتي عن طريق الشر, والإلزام و القهر شر.
لاحظ كيف أن العالم يعظم كلمة حرية, فهي ردة فعل من الإلزام والإكراه.
البعض يتصور أنه
دون إلزام سيتفلت كل الناس, وهذا وهم, فالناس على اختيارين وليسوا كلهم مختارين
للصناعي والباطل.
من يدعو للفضيلة
ويحترم حرية اختيار الآخرين سيؤثر أكثر في الناس ممن يفرض الفضيلة عليهم, مما يدلك
أن الخوف من انفلات الناس إن لم يُلزَموا بالفضيلة فكرة خاطئة و من الشيطان.
كلما تعترف بحرية اختيار
إنسان كلما يزداد تأثيرك فيه, على عكس ما يتصور البعض, ولهذا لك أن تتمنى أن يهدي
الله من تدعوه ولكن لا تبين له أنك تريد ذلك وإلا ستكون تمارس ضغطا على حريته. الحرية
مسؤولية كبيرة جدا, لهذا من يشعر أنه حر سيدرك أنه مسئول عن كل قراراته وحتى كل
كلمة يقولها, ومن هنا يبدأ الإنسان يفكر, فعقلك لن يعمل إلا بجو حر.
الشعور يكافح من
أجل أن تعيش بجو حر حتى تختار بجو حر, لأنه يعلم أن الله لا يقبل إلا ما تختاره
بحرية, لهذا لن ترض عن نفسك حتى تختار الخير و تسلم لله بجو حر. والقرآن ينطق بهذا
في آيات كثيرة : {لا إكراه في الدين} , {لكم دينكم ولي دين} , {أفأنت تكره الناس
أن يكونوا مؤمنين}, {أفنلزمكموها وأنتم لها كارهون}, {كل يعمل على شاكلته}, {سيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}, والله أمر نبيه بالوعظ والتذكير والدعوة بالتي هي
أحسن وقال : {ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} وقال بعدها {إلا من تولى وكفر
فيعذبه الله العذاب الأكبر} فالله يعذبه وليست نحن. ولو كان الإلزام بالفضيلة فضيلة
لما استنكرها القرآن.
موضوعات النية والاختيار
والاختبار موضوعات أساسية لفهم الدين.
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)