الجمعة، 21 نوفمبر، 2014

درء التضارب في النظرة للنفس



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حقا ، بارك الله فيكم ، أحسست أنها صفعاتُ موجّهة لي وفيها الخير الكثير ، وقد وقعت على هذا الموضوع بقدر الله مع الضيق الذي أحسّه في داخلي والذي منشأه مرض الكبر الذي فيّ
الحمد لله لا أجرؤ أن أقول ما قالت الأخت هداها الله ، لكن في داخلي تناقضات كثيرة ، وكم أجلس مع نفسي وأقول أنت لا شيء ولكنّها وكأنّها لا تستجيب
لا أدري لماذا هذا الشعور الداخلي أنّي الوحيدة الذكية والألمعية ، وكأنّي أحب أن أكون الوحيدة الأفضل في هذه الدنيا ، الوحيدة المميّزة المتدينة الخلوقة الخ ،
ما أكتبه هنا أبوح به لأول مرة وأُخرجه لأني تعبت من نفسي هذه ، أشعر بضيق إن وجدت إحداهنّ أكثرتفوّق مني ، وخصوصا في أمور الدين ، وكأني أريد أن أكون وحدي المؤمنة المحبة لله ولرسوله صلى الله عليه ولسلم ، قل لي بالله عليكم ، هل هذه مشاعر إنسانة تريد الدعوة إلى الله، أي دعوة وهذا هو قلبي ؟
أحس مرات أن فيا جنون العظمة ، وشخصيتي نرجسية جدّا ، رغم أنّ هذا لا يظهر عليّ والنّاس يظنوني الطيّبة!!!
أرجو أن يتسع الصدر لما كتبت ،،، وأن أجد لديك توجيها ، كيف أكون محبة للنّاس أحب لهم من الخير ما أحب لنفسي أحرص أن يكونو مهتدين مخلصين محبين لله ولرسوله كما أريد لنفسي ، كيف أعبد الله بيقين ومحبة ، كيف أترك العجب بنفسي وسوء الظن بالغير ، كيف كيف !!
وبارك الله فيك

الرد :

لا بد من التفريق بين ما هو حقيقي وطبيعي فينا، وبين ما هو من الشيطان ، سواء من الإنس أو الجان. الإحساس بالفهم وأن رأينا صحيح وأننا الافضل من نوع ما، هذا إحساس فطري، لولاه لما وُجدت الثقة بالنفس، ولما استطاع الانسان ان يواصل حياته. وشعوره بأنه الأفضل يفتح له الطريق أن يكون افضل .. ومن هنا جاء المجددون والمخترعون والمبدعون، ولم يكتفوا بعبارة : ليس في الامكان افضل مما كان، أي شعروا انهم افضل من غيرهم فعملوا ..

و اقول لك : هو ليس إحساس بأن افكارنا صح وتحليلاتنا صح، أو اصح من كل العالم، لكنه إحساس بأن عندنا شيءٌ هو الأصح، تدرين ما هو ؟ هو الشعور الفطري .. أنتي تشعرين أنك اكثر الناس تدينا، أنا مثلك أشعر بهذا ! لكن نعرف ان هناك من هو أفضل منا في جوانب كثيرة. أي نملك الشعورين مع بعضهما . كأن الشعور الأول يقول : أن عندك ما يمكن أن يكون هو الأفضل، وهو صحيح، لأن المستجيب للشعور الفطري مع العقل التابع له سيكون هو الأفضل. لكن العقل يقول : لست أنت الأفضل ، ومن هنا لا بد من التفريق. و كلاهما حقيقي. فانتي الأفضل ولستي الأفضل .. ولا يُعتبر هذا من الكبر، لأن الكبر كما وضحه رسول الله هو : بطر الحق و غمط الناس. ومن كان هكذا فهو متكبر ، فالتكبر أول ما يكون على الحق قبل أن يكون على الناس .

كل إنسان يتقبّل الحق أول ما يتضح له اعرفي، انه غير متكبر، لأن تعامله مع الناس سيكون داخلا في الحق. والمستكبرون في القرآن نجد التركيز على استكبارهم على الحق أكثر من استكبارهم على الناس، بل هو تابعٌ له, هناك من يُبدي التلطّف مع الناس وهو مستكبر على الحق. وهذا لا يجعله متواضعا، مثل حال بعض الملاحدة.

"أنتي لا شيء" هذا كلام ينطبق فعلا علينا، أننا لا شيء وأننا كل شيء .. خذي مثال آخر : أنتي تعرفين أننا كلنا سوف نموت حتما، وأن بقائنا في الحياة قصير بالنسبة لعمر الحياة، لكن في داخلنا إحساس لا يقتنع بهذا، ونحتاج لحكم وآيات لنقنعه بأننا سنموت، وأن الموت حق، وهذا لأنه يشعر بالخلود، و كلاهما صحيح. لأن أصل الروح الخلود، والجسم فاني، والروح مرتبطة بالجسم في الحياة. وهكذا توجد كثير من المشاعر التي تبدو متناقضة في داخلنا وهي غير متناقضة، لأن بعضها من العقل وبعضها من الشعور، وبعضها تابع للجسم وبعضها تابع للشعور.

أنتي تشعرين أنك أفضل من غيرك في التدين والفهم ، ومع ذلك أنتي تسألين غيرك الآن ! نفس الشيء : أنا أحس أنني افهم و أنني أفضل من كل البشر، لكن في نفس الوقت أحس أنني محتاج للكثير، حتى افهم. لهذا قالوا في الأمثال : الكل بعقله راضي، وبرزقه غير راضي .. لولا هذا الشعور بالرضا لما استمرت الحياة. المشكلة فيمن يتكبر على خالقه و يرفض الحق مع وضوحه ويتكبر على الناس ويحتقرهم، ولا أظنك هكذا، بل أتوقع أن فيك خيرا كثيرا، وأن روحك مصغية للحق وتبحث عنه، (راجعي موضوع نظرية الاختيار في المدونة) .. وإذا كان ظني صحيحا فأتفائل لك خيرا كثيرا ومستقبلا باهرا ومشرقا في الدنيا والاخرة ان شاء الله ..

فقط اجعلي الحق أولا ونفسك ثانيا، لتصلي الى عالم النور بإذن الله، والله نور السموات والارض. وما عداه ظلام، وهو سبحانه الاول والاخر ..

أنتي الإنسانة المناسبة للدعوة، لأن هذا هو قلبك ، يبحث عن الافضل ويتضايق من صفة الكبر والنرجسية. هناك من يفرح إذا وُصف بالغرور. اذا كنتي تكرهين من هو أفضل منك وتحسدين وتُسيئين وتحتقرين فهذا لا شك أنه من إتّباع الشيطان، و إن كنتي تريدين ان تكونين افضل فهذا هو التنافس الشريف، خصوصا في اهم مجال وهو الإيمان. قال تعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، بدون غل ولا كراهية.

لا يظهر عليك جنون العظمة كما قلتي، والناس يظنونك طيبة وأنا منهم، وهذه هي حقيقتك. الشيطان يلعب على تناقضات المشاعر. التكبر هو ذنب الشيطان الأول، ويريد أن يُلصقه بالطيبين الذين يكرهون التكبر حقيقة لا تمظهرا ، فيقول : أنت متكبرة ومغرورة ولا تصلحين للدعوة، هذه حقيقتك ! اقبليها وعيشيها ! هذا حتى تكوني مثله عندما تكبّر هو على ربه ، فلا تصدقي هذه الوساوس، وافهمي حقيقة كل شعور في داخلك.

أنا اتكلم من تجربة سابقة في هذا الموضوع، فكنت اكره نفسي وأسمّي نفسي بالمنافق ، وجلست مدة طويلة مع نفسي أحلل مشاعري لأفهمها. هذه تجربة سنين أقدمها لك. وعرفت أن الشيء الخطأ الوحيد في داخلنا هو أفكار الشيطان فقط، وهي التي يجب أن نعرفها ونعزلها عن بقية ما يدور في داخلنا. لاحظي أن جنون العظمة والغرور والحسد أشياء تضايقك، لو كانت منك لما ضايقتك .. اذن هي من وساوس الشيطان ليحزُن الذين آمنوا. كنت أكره نفسي وأتقرف منها بسبب أفكار وخواطر سيئة تمر ببالي، معتقدا أن هذه هي "انا" في عقلي الباطن كما قالوا لي في كتب علم النفس التي ألّفها ملاحدة ماديون. اكتشفت فيما بعد أنها ليست مني، ففرحت، وعرفت أنها تقتحمني رُغما عني، ولو كانت منّي لما احتاجت لاقتحام. و وجدت أنها تمر بخواطر أصدقائي بنفس الشيء تقريبا. وعرفت انها وساوس الشيطان لعدم صمودها للنقاش وعودتها مرة اخرى. عرفتُ أنها من وسواس خناس، أي يخنس ويهرب ثم يعود. هذه اهم نقطة في السعادة الداخلية للإنسان الطيب (فالناس على نوعين) : اذا اكتشف الانسان الطيب ان الافكار السيئة ليست منه، حينها لا يكون مسؤولا عنها، مثلها مثل الأشياء السيئة التي يراها ويسمعها وهي ليست منه وليس مسؤولا عنها. والسعادة كما نفهمها من القرآن هي الإطمئنان، وخروج هذه الأفكار السيئة عن نطاق مسؤوليتنا يجعلنا نطمئن وتهدأ نفوسنا.

اقول لك : ما تحبينه هو أنتي، وهي صفاتك .. أنتي تحبين ان تكوني متواضعة ؟ اذن انتي متواضعة .. تحبين الخير للناس ولو عارض مصالحك ؟ اذن انتي تحبين الخير للناس حتى لو عارض مصالحك غير الضرورية، و لستي شريرة. تحبين أن تحبي الله ؟ اذن انتي تحبين الله ، لان أهل الباطل يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم. ويسمعون للكذب ولا يسمعون للحق.

وشكرا لك ..

هناك تعليقان (2) :

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيكم على هذا الردّ الشافي ، الصراحة أحسست أنّكم دخلتم إلى أعماق نفسي ، صِدقا أتمنى أن أكون كما قلتم ،،،
    مررت بتجربة وسواس قهري في العقيدة ، تركت لدي آثار في قلبي أتعبتني ، الآن أحسّ أنني شُفيت بعض الشيء منه ، لكن مثلما قلتم هنا " معتقدا أن هذه هي "انا" في عقلي الباطن كما قالوا لي في كتب علم النفس التي ألّفها ملاحدة ماديون. اكتشفت فيما بعد أنها ليست مني، ففرحت، وعرفت أنها تقتحمني رُغما عني، ولو كانت منّي لما احتاجت لاقتحام. "
    هذا هو ما يحصل لي ، فحتى الآن مع خِفة الأفكار ، أقول في نفسي الإشكال الأكبر ماذا لو كانت من تعتقد ذلك هي أنا ؟ وليست وسواسا من الشيطان والعياذ بالله ؟؟
    الحمد لله كلامكم أراحني في كثير من الجوانب ،

    لكن وددت أن أسأل ، عن الفرق بين الثِقة بالنّفس والعُجب المذموم ، لأني ربما ليست لدي فكرة واضحة عن ذلك ؟
    يعني كيف للإنسان أن يكون واثقا بنفسه = الذي أحب أن أسميه ثقة بالله أصلا = من غير أن يكون معجبا ؟؟

    وكيف يمكن أن يجمع الإنسان بين حبّه أن يكون الأفضل وبين قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ يعني كيف أحب أن أكون الأفضل وفي نفس الوقت أن يكون إخواني وأخواتي الأفضل أيضا في كلّ مناحي الحياة الدينية والدنيوية ؟

    أرجو المعذرة على الإطالة
    وبارك الله فيكم

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله

      تفضلي بقراءة الرد على تساؤلك في هذا الرابط : http://alwarraq0.blogspot.com/2014/11/blog-post_50.html

      حذف