الاثنين، 24 نوفمبر، 2014

الإنسـان مخـلـوق مـثـالـي



الإنسان إما أن يكون عنده صورة مثالية عامة يريد أن يصل إليها أو أنه يبحث عنها ولا يرتاح حتى يجدها, فكل البشر في كل المجتمعات لديهم صور مثالية يسعون إليها ويتحمسون بسببها أو يبحثون عنها, ومعنى الصورة المثالية هي الأفضل والأصح بشكل كامل وشامل. فتجد مثلا من عنده صورة مثالية عن رجال دين طاهرين أو صورة مثالية عن قبيلته أو مدينته أو عائلته أو عرقه..إلخ, وكلما زاد تنصيع المثالية في الصورة وإزالة المشوشات عنها كلما صفي الحماس و الاندفاع, ولهذا يحتاجون لأجل التصفية إلى منع المؤثرات الخارجية المضادة أحيانا. و ضيق الصورة المثالية وكثرة الثغرات فيها يسبب التعصب والهياج.

الصورة المثالية هي هاجس الإنسان وهي حاجة شعورية فطرية وتتبعها حاجة البحث عن القدوة, فالبحث عن القدوة هو لأجل أن يقدم لك الصورة المثالية التي تبحث عنها, هذه هي مصدر الحماس والطاقة للإنسان. والخرم الواحد في الصورة المثالية كافٍ لإعطاب هذه الصورة تدريجيا إذا لم يُسَد, لهذا المحاماة في التعصب هي الأهم من أجل سد الثغرات. و إذا انخرمت الصورة المثالية عند الإنسان تجده يبحث عن صورة مثالية أخرى, و إن لم يجد قد يركب صورة مثالية من عدة صور مثالية وحينها يضعف, لأن التناقض يُضعِف.

هذه الصورة المثالية أو الكمال المطلق تغطي كل جوانب الحياة حتى الماديات ويشملها التعصب والمغالاة في التنصيع وافتراض التميز, حتى لو كانت أشِياء مشتركة مع الغير, فعربي مثلا مستقطَب للغرب ويراهم بصورة مثالية تجده ينظر حتى أن التربة في الغرب أفضل من تربتنا وهواؤهم أفضل من هوائنا ونفاياتهم أرتب من نفاياتنا ولغتهم أفضل من لغتنا وأرقامهم-مع أنها عربية الأصل- وبشرتهم وأسماؤهم وأدوات زراعتهم وأسقف منازلهم وأدبهم وفنهم وحيواناتهم وكل شيء فيهم وحولهم وفوقهم وتحتهم أفضل! هذه حالة استقطاب كامل -وتوجد حالة استقطاب جزئي-. لا يتم التعصب أو الاستقطاب حتى يتم تمثُّل الصورة المثالية في الذهن والخيال. الصورة المثالية تنتج الاستقطاب, فالاستقطاب الفردي إلى مجتمع غير مجتمعه سواء في الماضي أو في الحاضر هي صورة واضحة من تأثير الصورة المثالية التي يحتاجها كل إنسان, و يبحث عنها بدافع من الشعور الباحث عن ربه أًصلا وطريقه المستقيم الأمثل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}.. كل إنسان..

لهذا أفلاطون لم يكن خياليا بالكامل كما يقولون حين تكلم عن عالم المثل و المدينة الفاضلة بل هو منطلق من حاجة إنسانية. الإنسان لا يستطيع أن يعمل إلا بوجود الصورة المثالية أو للبحث عنها. و إذا صار عند الإنسان أكثر من صورة مثالية متناقضة يكون ضعيفا ومهزوزا, لكن من عنده صورة مثالية واحدة تجده قويا ونشيطا وواثقا من نفسه. كلما وجدت حماسا وتعصبا اعرف أن وراءه صورة مثالية قد تكون حقيقية أو غير حقيقية وقد تكون واقعا أو يراد لها أن تكون واقعا, لكنه يراها مثالية, فالمثالية هي التي تمد بالطاقة والعزيمة, وبالتالي يمكن تسمية الإنسان بـ"المخلوق المثالي" على الأقل كدافع. وسبب زيادة الحماس والنشاط : التركيز على صورة مثالية واحدة, حتى المتعصب لمذهبه أو فرقته لا يرى أي نقص فيها ولا يرى أي مثالية في غيرها وإلا لم يتعصب. أما المتذبذب بين عدة صور مثالية متناقضة فهو ضعيف, وأضعف الضعفاء هو من ليس لديه صورة مثالية ولا يستطيع أن يصنع صورة مثالية, وقد يؤدي به هذا إلى العبثية أو الانتحار.

تعدد الصور المثالية داخل الإنسان هو ما يسبب الانقلاب المفاجئ عند بعض الناس, فتجد شخص مثلا يعيش حياة قريبة من الحياة الغربية المادية وفجأة ينقلب إلى التزام قوي بالدين, والسبب أن الصورة المثالية الدينية كانت تضغط عليه. أو العكس فقد يكون متدينا لكن عنده صورة مثالية أخرى عن المجتمع الغربي مثلا, فينقلب فجأة من التدين إلى الحياة العلمانية أو ربما الإلحاد بسبب ضغط الصورة المثالية الغربية عليه.

أصحاب الصور المثالية الناقصة يلجؤون للعزلة, فالاحتكاك بأصحاب صور مثالية أخرى يكشف عيوب الصورة المثالية الجزئية عندهم, والصورة المثالية حساسة من أي نقد, لهذا يلجؤون إما للانعزال عن الاحتكاك أو لإسكات الرأي المضاد بالقوة, فالصورة المثالية لا تقبل العيب أبدا. و انتقاد الصورة المثالية لأحد مقتنع بها شيء مؤلم جدا, فحين تشكك أحدا بصورته المثالية أنت تقضي على نشاطه وحماسه وأمنياته و دافعه للحياة, وكأنك تقول له: ارجع من الصفر. لكن الحق أحق أن يتبع, بل إن اتباع الحق من المثالية ولو على حساب صورة تعودت عليها.

كل الصور المثالية القائمة على العزل سوف تتأثر بسبب أن العالم صار قرية صغيرة, وتبقى الصورة المثالية الحقيقية التي تحتوي الشعور الإنساني بكل ما فيه وهي صراط الله المستقيم. الصورة المثالية الأٌقوى هي المفتوحة للنقد أكثر والراغبة للأسئلة أكثر, والقادرة على إقناع العقل والشعور معا وليس أحدهما دون الآخر وهذا ما تعاني منه الأيديولوجيات البشرية.



هناك تعليق واحد :

  1. الانسان حيوان يا حيوان الاسلام دين همجي دين الحيوانات

    ردحذف