الاثنين، 24 نوفمبر، 2014

الثقة والعجب، و ود الخير للنفس والناس




اقتباس:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم على هذا الردّ الشافي ، الصراحة أحسست أنّكم دخلتم إلى أعماق نفسي ، صِدقا أتمنى أن أكون كما قلتم ،،،


مررت بتجربة وسواس قهري في العقيدة ، تركت لدي آثار في قلبي أتعبتني ، الآن أحسّ أنني شُفيت بعض الشيء منه ، لكن مثلما قلتم هنا " معتقدا أن هذه هي "انا" في عقلي الباطن كما قالوا لي في كتب علم النفس التي ألّفها ملاحدة ماديون. اكتشفت فيما بعد أنها ليست مني، ففرحت، وعرفت أنها تقتحمني رُغما عني، ولو كانت منّي لما احتاجت لاقتحام. "
هذا هو ما يحصل لي ، فحتى الآن مع خِفة الأفكار ، أقول في نفسي الإشكال الأكبر ماذا لو كانت من تعتقد ذلك هي أنا ؟ وليست وسواسا من الشيطان والعياذ بالله ؟؟
الحمد لله كلامكم أراحني في كثير من الجوانب ،

لكن وددت أن أسأل ، عن الفرق بين الثِقة بالنّفس والعُجب المذموم ، لأني ربما ليست لدي فكرة واضحة عن ذلك ؟
يعني كيف للإنسان أن يكون واثقا بنفسه = الذي أحب أن أسميه ثقة بالله أصلا = من غير أن يكون معجبا ؟؟

وكيف يمكن أن يجمع الإنسان بين حبّه أن يكون الأفضل وبين قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ يعني كيف أحب أن أكون الأفضل وفي نفس الوقت أن يكون إخواني وأخواتي الأفضل أيضا في كلّ مناحي الحياة الدينية والدنيوية ؟

أرجو المعذرة على الإطالة
وبارك الله فيكم"

الرد :

سؤالك من شقين :

الأول عن الثقة بالنفس والفرق بينها وبين العُجب ، والثاني عن كيفية الجمع بين تمني الأفضل للنفس وتمني الأفضل للآخرين ..

بالنسبة لجواب الشق الأول : العُجب مبني على أساس مادي أصلا، لا يمكن أن يُعجب بنفسه من يمارس الأخلاق لأجل الفضيلة، وكل مغرور هو في حالة مادية، لأن المادة تقدّم التمايز واضحاً بين الناس. وقد يعجب بنفسه من يملك ثروة او سلطة او جمال خلقِّيا او ذكاء ماديا أو شهادات او خبرة معينة إلى غير ذلك ، لكنها كلها على منحى مادي، مثل ما أعجب قارون بنفسه، وليس بنفسه حقيقة بل بماله، ومثل ما أُعجب صاحب الجنتين بجنتيه وكثرة أتباعه وأولاده.

الحكيم مهما بلغ لا يصيبه العجب، وإلا لما كان حكيما، فالحكمة تتنافى مع الغرور ولا يعيشان في بيت واحد. والحكيم يعلم ان القوة المادية ساقها الله و وفق إليها. قارون يعرف أنه ليس أعلم ولا أنشط ولا أذكى من غيره، لكن الشيطان زيّن له أن هذا عن علمٍ عنده وليس عند غيره. وهكذا كل معجب ومغرور يظن أن ما حصّل عليه بسببه هو فقط، و كأنه قارون ! لكن الحكيم الحصيف يعلم ان هذا توفيقٌ من الله وأن هذه الثروة أو السلطة او المكانة جاءته بنفسها أكثر مما جاءها هو، فأغلبها عن طريق الوراثة أو السوق وتقلباته أو الصدفة، الخ من الأسباب التي يسوقها الله ليختبر عباده. فالله يبتلي بالخير مثلما يبتلي بالشر، وابتلاء الخير اشد من ابتلاء الشر؛ لأن ابتلاء الشر على قسوته يُلجِئ الإنسان غالبا إلى الله ، قال تعالى (وإذا مسه الضر فذو دعاء عريض) ، لكن إذا مسته النعماء قال هذا من عندي وبحنكتي وقدراتي ، إلا من رحم الله كآل داوود حين عملوا شُكرا.

كذلك العمل الأخلاقي بدافع الرياء قد يسبب العجب. لكن من يعرف الأخلاق ويعرف الله ويعرف نقصه لا يمكن أن يصاب بالعجب مهما بلغ. السنابل الفارغة تشمخ برؤوسها عالية، والسنابل الممتلئة تنحني إلى أسفل. قال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هَونا) وقال (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور) وقال (واقصد في مشيك) أي بدون تكلف ، (واغضض من صوتك) . والعربة الفارغة تُصدر ضجيجا يدلّ عليها.

الثقة بالنفس قد تنقسم الى ثلاثة انواع : ثقة بالله ، ثم بالشعور ، ثم بالعقل .. الثقة بالله تكون إذا عمل الإنسان ما عليه بحدود استطاعته وليس العنت، وتوكل على الله ووثق به، وتدخل فيها كل أنواع الثقة، كما في الحديث (اعقلها وتوكل) .

النوع الثاني هو الثقة بالإحساس، وهو الذي ينتج الإيمان بالله والإيمان بالفضائل والعبقرية والإبداع والشجاعة الخ ..

بقيت الثقة بالعقل، وهي لا بد أن يتفق فيها الشعور والمنطق ، أما الثقة بالعقل بدون شعور ولا منطق فهي تنتج الأخطاء والحماقات. كثيرٌ من المعلومات في عقولنا لكنها غير منطقية، وأي شيء غير منطقي لا يرتاح له الإحساس، حتى لو أكثرَ عليه الناس. هنا تأتي الثقة بالنفس التي تجعلنا نخالف أحيانا السائد ..

بالنسبة للشق الثاني حول تمني الأفضل للآخرين وطلب الافضل للذات : ففي الدين والأخلاق نجد المجال واسع ويشمل الجميع ويستطيع أن يحصل عليه الجميع دون أن ينفد، لهذا قال تعالى (و في ذلك فليتنافس المتنافسون)، أي بلا حسد. وهو التنافس الشريف لأنه ليس فيه ضحية، والفرص متساوية للجميع، ليس مثل الجائزة أو المباراة أو المنافسات الرياضية التي يتعب لها الجميع ثم يأخذها واحد و يحتاج البقية لعزاء !! فالله واسع الفضل ، ومن هنا نفهم كيف أن الله واسع الفضل. وجوائزه ليست مثل جوائز الناس الضيقة.

وموضوع (ود لأخيك ما تود لنفسك) منقسم الى شقين : مادي ومعنوي، بالنسبة للمعنوي فلا مُشاحَّة فيه، فكل انسان فيه خير يتمنى أن يدخل الناس كلهم الجنة، ويتمنى أن كل الناس أخلاقهم فاضلة.

بقينا في الشق المادي : كوُدِّ و أمنيةٍ أيضا أتمنى إذا كان عندي بيت أن يكون للجميع بيت، وإذا عندي عافية أن يكون للجميع عافية، وأتألم إذا وجدت من لا يملك ما يقتات به أو كان مريضا أو فقيرا إلخ ، مسلما أو غير مسلم ، لأن الله أرسل نبيه رحمة للعالمين .. فالحديث قال (ودّ لأخيك ما تود لنفسك)، ولم يقل (أعط ما تملك لغيرك) . لكن أعطي الفضل والزائد عن حاجتي لمن يحتاج، و كوني أودُّ لأحدٍ الصحة لا يعني أني أعطيه صحتي ! لأننا نطلب ونتمنى من عليّ قدير يستطيع أن يعطي الجميع ولا ينفد ما عنده، فجاري الفقير مثلا أودّ له الغنى والرفاه ، لكن لا أخرج من بيتي وأُدخله إياه بدلا عني ! لكن أعطيه ما زاد عندي وأخصّه به ..

أنا شخصيا لا أحب التنافس على جوائز او طموحات، احب التنافس على جوائز الله التي تشمل الجميع، لا أحب أن أنافس على جائزة واحدة، فهي تسبب لي الحرج والعنت والأسى حتى لو فزتُ بها، فآسى على غيري، وإن لم أفز بها آسيتُ على نفسي، ولا يعجبني هذا الأسلوب في التربية؛ لأنها فكرة مادية، روحها البقاء للأقوى. فما بالك بجوائز ألعاب الحظ أو الميسر التي سببت المآسي والجرائم .. لنتنافس على ما عند الله كما أمرنا ، فهو خير وأبقى .

هكذا الإسلام يقدّم لنا أجمل الأخلاق .. نحن نعطي المحتاجين من دعائنا ومن أمنياتنا، ولا نحسد من ينجح، بل نفرح له ، وان وجدنا في انفسنا شيء فلا نصنفه كحسد تلقائيا، إلا إذا بدرَ منّا شر، وإلا فهو لومٌ للنفس على الإهمال .. وهذا شيء طبيعي ..

وزيادة على هذا نعطي المحتاجين من الصدقة الواجبة كالزكاة، ومن الصدقة اللاحقة كالتبرع والتطوّع والمساعدة والمعاونة، كل إنسان يكفيه أن يُعامل بهذا الشكل. ما أعظم أخلاق الإسلام لو أنها تأخذ الصدارة في الاهتمام.

وجزاك الله خيرا ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق