الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

رد على سؤال عن الحكم على مدرسة فنية ومتابعيها بالفساد الذوقي


السلام عليكم استاذنا الوراق =)  
عندي سؤال 
ما هي الأدوات التي تخولنا بالحكم على مدرسة ما فنية مع كل محبينها بـالفساد الذوقي ؟

الرد :

الأذواق لها أساس مشترك ، هو الشعور الإنساني المشترك، والذي من خلاله نستطيع ان نميّز ونقيّم .. وعلى هذا الاساس المشترك يكون الحُكم ، لا على اساس الأكثرية والأتباع . كثيرون يبدون إهتماما واعجابا بمدرسة فنية معينة من باب المجاراة للموضة والإعلام وحتى لا يقال عنهم أنهم غير مثقفين أو غير عصريين، وهذا لا يعني الفهم والاعجاب الحقيقي .. تماما مثل موضة الأزياء : ليس كل من تلبس على الموضة تكون معجبة بتلك الموضة. على سبيل المثال والطرافة : أبدى رجل اعمال امريكي اعجابه بلوحة، وعرض عليها مبلغا كبيرا لأنه رآى فيها ابداعا وعبقرية، و كان الرسام بجانبه، فاعتذر عن مقاطعته ليخبره أن اللوحة مقلوبة !

كل شيء له رواج في زمنه. ارجعي الى المدارس الادبية والفنية القديمة لتري كيف أن الأكثرية يُحاكُونها ويهتمون بها ويتابعونها في ذلك الزمان، ثم زلّت الشمس عنها .. إن معاكسة تيار التأثير والإعلام شيء صعب ، لا يصمد له إلا ذوي البصيرة القوية ، والبصيرة القوية لا يمكن أن تكون إلا اذا ارتبطت بثابت ، وأثبت الثابت هو الله سبحانه وتعالى . المطلوب من تقييمنا أن نقيّم الأمور كما هي بدون مؤثرات .. هل اختلاف السعر لا يؤثر على التقييم ؟ واختلاف المكان ؟ والدعاية ؟ هكذا نريد أن نكون : نقيّم على تبصُّر ، لا على تأثُّر .. أحيانا نجد نفس السلعة في معرض فخم ضخم ، ونجدها عند بائع على رصيف، لكن سعرها مختلف جدا، بسبب المؤثرات ..

ليس كل شيء له أتباع ومعجبين يُخوّله ذلك لأن يكون حق أو جميل ، مثل هذا تقتضيه النظرة العلمانية (المأخوذة من العالَم ، والعالَم هو الناس، فإذا قيل علمانية فتذكر الناس، وهذا يكشف لنا مروّجي فكرة العلمانية أنهم من رأسماليي الأسواق ، الذين شعارهم : الزبون دائما على حق ، المهم ألا تخسره .. والعلمانية تقول : الناس دائما على حق) .. هذه النظرة تعتمد على الرائج والجمهور . و إلا لكانت كل الديانات صحيحة وكل المذاهب صحيحة، والأكثر أتباعا هو الأكثر صحة ، هذا إذا كان الناس هم المقياس ، والله قال (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ، ولاحظي كلمة "أكثر" .. والعلمانية تجعل الناس هم المقياس وتعتمد على الأكثر .. عبادة الشيطان لها أتباع منتشرون في اكثر دول العالم ، ويقولون الشيطان جميل ! ويقومون بأفعال قذرة يقولون أنها جميلة ! هل يعني أنه أصبح جميلا واصبحت تلك الافعال جميلة لأنهم قالوا ولأن لها أتباع ؟ ستقولين لا ، اذن الذوق ايضا ليس مرتبطا برأي الأكثرية ، إلا إذا كانت الأكثرية حرة من التأثير ، كما نعلم فالمجتمعات غالبا ليست حرة من التأثير ..

ومصدر الفن هو الشعور ، إذن مقيّم الفن هو الشعور ، كل شيء يقيّمه مصدره .. الفن لا يُحوّل إلى علم، والمدارس الفنية تحاول تحويله إلى علم ، وتأخذه من سعة الطبيعة والحرية إلى ضيق المدرسة وفصولها الضيقة.. والمدارس بتحذلقها تحوّل الفن والذوق إلى شيء صعب يحتاج لمختصّين، وتجعل المتلقي رهن الناقد. وهكذا يصبح كل شيء محكوم بمختصين ، من الفن إلى الدين .. وليس للإنسان أي راي في أي شيء .. كلما أبدى رأيه في شيء ، قيل له : من أنت ؟ وماذا قرأت ؟ ومن مرجعك ؟ حتى في رأيك في قصيدة أو لوحة ! اذهب واقرأ واذهب الى طبيبك المختص ! هذا كله لا يحترم الانسان ..

الله سبحانه وتعالى خاطب الانسان مباشرة دون وسطاء ، وقدم لهم القرآن العظيم بكنوزه وإعجازه مباشرة ، ولم يقدمه إلى مختصين .. هذا هو الرحمة للعالمين .. وهذا هو احترام الانسان ..

والذي يُخيّب المختصين دائما ، أن اكثر المبدعين من خارج مدارسهم ، وآخر مكان للإبداع هو اروقة الجامعات ..

التأطير والإبداع ضدان لا يلتقيان ، إلا على مضض وضرورة قصوى .. والمدارس لم تظهر إلا بعد الفنون وليس قبلها ..

وشكرا ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق