الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

عقل الحيوان وعقل الإنسان والفرق بينهما (2)


س: كيف نفسر ما نشاهده من مقاطع فيديو تظهر النمر يرحم قرداً صغيراً ويلاعبه أو كلبة ترضع قطة؟ هل هي من باب الرحمة والشعور بالغير عند الحيوان؟

ج: إذا اتفقنا أن الحيوان مميز لنفسه وما يتعلق بها وغير مميز لغيره، فالأخلاق أيضاً تعتمد على التمييز، لو كان النمر يعرف الرحمة لما افترس صغار الحيوانات أو كبارها.. الحيوان لا يعرف أن الحيوان الآخر يتألم ، فالأخلاق تحتاج معرفة، لهذا نجد الطفل مثلاً قد يستخدم آلة حادة في اللعب مع غيره لأنه لا يعرف أنها تضر، ولا أخلاق إلا بعد معرفة، والحيوان ليس عنده معرفة إلا فيما يتعلق بغرائزه. فالنمر مثلاً في ذلك المقطع افترس أم القرد ، أي أنه شبع! فلماذا تصورنا أن ما كان يفعله مع الصغير رحمة به وهو قد افترس أمه؟ هل تراه ندم؟!


هذه الفصيلة القططية تمارس اللعب مع الحيوانات الصغيرة التي تتحرك أمامها ، فتحملها مرة و تمسكها مرة وقد تلعقها، وترى مثل هذا تفعله القطط إذا كانت شبعانة. و أيضاً هناك باب التعويض، فإذا لم تشبع الغريزة بالطريقة الأساسية ، قد تشبع بطريقة مشابهة أو تمثيلية ، قريبة من الأصل . وهذا موجود عند الحيوان . فالقط الذي منع من الرضاعة حتى بعد أن يتعلم الأكل يبقى عنده حنين لأن يرضع ، فيدس رأسه في البطانية ذات الفرو أو ملابس من حوله من باب التعويض .


و هذا يفسر الصداقة ين الحيوانات ، حتى وإن اختلفت أنواعها إذا اضطرتها الظروف لأن تحبس في مكان واحد، مثل صداقة بين خروف ووحيد قرن ، أو بين كلب وقطة . لكنها لا تفعل هذا في الجو المفتوح ، أيضاً هناك تعويض لفقدان الأمومة ، وهو ما يفسر مثلاً أن كلبة أرضعت قطة أو شيئاً من هذا القبيل .. أيضاً بعض صغار الحيوان تفرض نفسها بالإلحاح حتى ترضع ، ويكون لدى تلك الأنثى فائض من الحليب أو الحنان ، والتعويض لا يعني أخلاقاً بل يعني غرائز لم تشبع..

 مربو الأغنام يجدون صعوبة في إرضاع طفل ماتت أمه من عنزة أخرى ، لو كان هناك أخلاق عند الحيوان لحنت عليه إحدى الإناث ، كثيراً ما تموت هذه الأطفال إن لم يهتم بها الراعي ، بينما الحليب موجود .


الأخلاق تحتاج إلى تمييز خارج عن الذات وإلى عقل أيضا ، فالحيوان لا يملك التمييز الخارج عن الذات ، والطفل والمجنون لا يملك العقل الكافي لإدراك أن غيره يعاني لكي يساعده . ولو فرّجت الطفل على مشهد لرجل يثب من الألم وهو يمشي على صفيح ساخن أو جمر ، لربما ضحك ، اعتقاداً منه انه يرقص ! هنا نقص في المعرفة سبب نقصاً في الأخلاق ، القط لو دخل على منزل كل أهله جرحى ومصابون لم يكترث وبحث عن شيء يأكله؛ لأنه لا يملك التمييز إلا فيما يتعلق ببقائه المباشر .

إذن كل ما يقال عن أخلاق الحيوان غير منطقي إلا من باب الغريزة، مثل حنان الدجاجة على فراخها ، أو من باب التعويض عن الغريزة مثل حنان وتعاون بعض الأنواع مع بعضها إذا جُمعت قسراً ..

الحيوانات تعرف نظام الأسرة ، لهذا يدور البلبل على قرينته إذا أصيبت ، مثلما يدور على طفله إذا سقط ، لكنه لا يدور على طفل طائر آخر ، فإذا وضعت فرخ حمام بين الدجاج فالأغلب أنها تنقره بمناقيرها حتى تصل إلى دماغه! الوضع الغريزي أن هناك تنافر بين الأنواع وليس تقارباً ، وهذا يخدم التوازن البيئي ، وليس بدافع الصراع والبقاء للأقوى . لهذا الدجاجات اعتدت على فرخ الحمام على اعتبار أنه دخيل ولم ترحمه لأنه طفل يتيم ، لكن لو كان الوضع في الطبيعة المفتوحة لم تعتد عليه. إذن الغرائز هي التي تتحكم بالحيوان، والإنسان وحده هو القادر على التمييز العام ، وبالتالي هو الذي حمل أمانة الأخلاق ولم يحملها الحيوان ، وما الدين إلا أخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات، والإلحاد عدم أخلاق مع الجميع . فكل ضد يتكلم عن ضده .
......................



س: هل عقل الإنسان يختلف عن عقل الحيوان؟ وهل عقل الإنسان محدود؟؟

ج: نعم ، عقل الانسان يختلف عن عقل الحيوان وعلى أساسه هو مكلف ..
 وأما أن عقل الإنسان محدود ، فهذه الكلمة غير واضحة ، فعقل الإنسان ليس محدوداً في مجالاته ، لكنه متوقف تماماً في غير مجالاته وليس محدوداً ، ففي مجال المعرفة والعلم غير محدود ، فهذا في إطار ما هو له ، لكنه في مجالات ليست له لا يعمل أبداً وليس محدوداً فقط ..

 فمثلاً : في معرفة كنه وماهية الأشياء ، العقل هنا مقفل وليس فقط محدوداً ، يستطيع أن يدرس ظواهر الحياة كما يشاء ، لكن لن يستطيع أن يعرف ما هي الحياة ، استحالة ، لا يستطيع أن يخطو خطوة في عالم الغيب ، لكنه يستطيع أن يستمر في عمليات رياضية إلى ما لا نهاية .. إذن نستطيع أن نقول بعبارة أخرى أن عقل الإنسان مُحدَّد وليس محدوداً .. تماماً مثل الطريق ، تستطيع أن تسير فيه إلى الأمام إلى ما لا نهاية ، لكن لا تستطيع أن تسير يميناً أو يساراً إلا بممرات .. مثل سكة القطار ، محددة وغير محدودة ..

عقل الحيوان بكامله هو المحدود؛ لأنه منكفئ على الذات .
......................




س: كيف نفسر وجود حيوانات أليفة على أساس تمييزها لغرائزها؟ ماذا يستفيد الحصان عندما يركب عليه إنسان أوعندما يُجعَل لحمل أو لجر حاجات الإنسان بدون امتناع منه؟ وكذلك نرى الكلب يخدم أصاحبه ولا يرضى بدخول الغرباء لبيتهم أو مزرعتهم، فهل هو يميز أشياء ليس لها علاقة بغريزته؟

ج: بالنسبة للحيوانات الأليفة فهي لا تميز هذا الشيء ولا تدري لماذا، وهي لم تبق لأجله بل تعودت عليه وتخاف أن تبتعد عن المكان الذي تعودت عليه، والكلب لا ينبح على اللص لأنك أنت عودته، وإنما ينبح بدافع الغريزة التي تجعله يحمي مكان وجوده، وإلا كيف يوصل المربي للكلب أن هناك أحداً اسمه لص يأخذ ما ليس يملكه في نظام البلد؟
وهذا مثلما تستفيد من صياح الديك ليخبرك بقرب الفجر دون أن يدخل إلى دورة مؤذنين!

ثم ألا ترى سائس الحصان يحمل سوطاً؟ وبنفس الوقت يقدم له الماء والطعام والرعاية، وهل إذا أطلقت الحصان من العربة سيشعر بنقص شيء بحياته؟ اجعل قطيعاً من الخيول يمر أمامه فسوف يلحقها ويترك العربة ، إن هذا ما يعرفه ، لهذا يربطون الحيوانات الأليفة!

ربما القصد من السؤال أن الحيوان يتعلم، لكنه في الحقيقة لا يتعلم إلا تعلماً شرطياً، حيث يرتبط ما لا يعرف بما يعرف ، مثل تجربة بافلوف على الكلب حين جعل صوت الجرس يسبق كل وجبة طعام، وجد أن لعاب الكلب يسيل بعد سماع الجرس، فهذا هو التعلم الشرطي، أي أنه ربط هذا الصوت الذي لا يعرف أنه جرس بالذي يعرفه وهو الطعام ، لكن لو أجريت التجربة على إنسان لعرف أن هذا جرس وهذا طعام، ولأدرك الإنسان أنه لا توجد علاقة حقيقية بين الجرس والطعام إلا في هذه الحالة وأن هذه العلاقة قابلة للانفصال. وإذا سمعت الأغنام صوت عربة المزارع ولو من بعيد بدأت بالثغاء، تماماً نفس تجربة بافلوف، لكن الأغنام لا تعرف أن هذه اسمها عربة ولا تعرف لماذا يحتاجها الفلاح، فقط تعرف أن صوتها يدل على قرب حضور الطعام .

 وهذا ينطبق على حيوانات السيرك، فهي لا تتعلم بمعنى التعلم الذي يزيدها خبرة، فتعلّمها لأجيالها كما هو حال الإنسان في بناء المعرفة والحضارة وتوريثها، إنها تتعلم من أجل الطعام أو الخوف من السوط ، ولو نقلت حيوان السيرك إلى الغابة فلن ينطط ولن يرقص على الموسيقى، بل سيعود إلى فطرته مع بقية القطيع ويعتبر أن ما تعلمه عبث لا قيمة له!

 الحيوان لا يريد أن يتعلم ولا يشعر بحاجة إلى التعلم ، لأنه في الحقيقة لا ينقصه شيء، وهكذا أراده الله أن يكون وأصبح مسخراً للإنسان ، ولو كان يميز كالإنسان لما سخر نفسه للإنسان بل ربما سحقه، فهو يملك قدرات أقوى من الإنسان، حتى الحيوانات الأصغر من الإنسان.

 أما الإنسان فوضعه آخر ومختلف ، الإنسان يميّز ويسقط تمييزه على حاجاته وظروفه، أي كيف يستفيد من هذا التمييز، وعلى هذا الأساس كوّن عقلاً ولغة، فالعقل واللغة ليسا موجودان من الولادة ، فهو احتاجهما كما يحتاج الموظف إلى أرشيف ملفات؛ حتى يثبّت بهذا العقل ما قد يحتاجه مستقبلاً، وكل إنسان يصنع عقله بمساعدة المجتمع ومساعدة الثقافة وتجاربه ...الخ.
......................



س: البعض يقول أن الإنسان مخيّر والحيوان مسيّر، لو كان الحيوان مسيّراً فلماذا يوم القيامة يُقتص من الظالم منها كما في بعض الروايات في الحديث؟

ج: الحيوانات غير مكلفة ولا تميز الأخلاق ، والدين أخلاق ، والحقوق أخلاق، والحيوانات لا تظلم بطبعها أصلاً ، الإنسان هو الذي يستطيع أن يظلم ، لو كانت الحيوانات تستطيع الظلم لما حصل هذا الانسجام في البيئة، ولقضت الحيوانات المفترسة بقوة أنيابها ومخالبها وسرعتها على أكثر الحيوانات النباتية، لكنها تأخذ حاجتها فقط، وكيف تظلم العنزةُ القرناء العنزةَ الجلحاء (التي ليس لها قرون)؟ إلا أن تبعدها عن طعام إذا كان شحيحاً بدافع الغريزة ، وهي لا تغرس قرونها في جسمها بل تدفعها بأعلى جبهتها حتى تبعدها ، هذا أقسى ظلم تفعله العنزة مع عنزة أخرى، وكذلك الجلحاء تدفع بجبهتها رغم أن ليس لها قرون، دون آثار شديدة من كلا الطرفين، وربما تكون ضربة الجلحاء أقوى لأنها لا تخاف من تكسر القرون، ولا يخاف التيس الأجلح من الأقرن بل ربما يهزمه..

ومعروف أن جمجمة الماعز مفرغة من جهة القرون لتمتص ضربات التناطح؛ لهذا لا يصيبها ارتجاج في المخ، وحتى لو حدث كسر لا يحدث ارتجاج، ويبقى المخ محمياً بطبقة عظمية داخلية، حتى الماعز التي ليس لها قرون لم يمنعها ذلك من أن تنطح حتى ما لها قرون، ثم قرون الماعز معقوفة للوراء ، وليس ذنب القرناء أن لها قروناً؛ لأن الله هو من خلقها هكذا إذا كان قرنها يؤلم ، أما نص الرواية فيجعل القرناء هي الظالمة للجلحاء. إذن إذا عممنا هذا الكلام فسوف يقتص للغزلان من الفهود والأسود لأن لها أنياباً ومخالب حادة، وللفئران من القطط، وللأرانب من النسور، وللأغنام من الذئاب...الخ، بينما الله هو الذي خلقها هكذا وجعل بقاءها مرتبطاً بالافتراس، فحتى تعدل الأسود –إذا كان هذا هو العدل- فعليها أن تصوم حتى الموت! وهذا ظلم بحد ذاته .

ولم يرد في القرآن ما يثبت هذا القصاص والحساب للحيوان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن القرآن، قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهذا استثناء للحيوان، لهذا لا أرى أن هذه الرواية تنسجم مع القرآن ولا مع المنطق ولا مع الواقع ولا مع طبيعة الحيوان، وقد تكون وجهة نظر لبعض الرواة رفعت خطأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنسان معرض للخطأ، ولم يذكر القرآن أن الحيوانات سوف تبعث يوم القيامة حتى تحاسب، قال تعالى {اقترب للناس حسابهم} ولم يقل: اقترب للناس والحيوانات، وإذا كانت ستحاسب الحيوانات على التظالم بينها، إذن لماذا لم تحاسب أنها لم تصل ولم تصم ولم تحج؟ ما دامت تعرف التمييز بين الحق والباطل؟ فالصلاة والصيام والزكاة كلها حق.

أيضاً الحيوانات دائرتها كبيرة وليست فقط الماعز، فتصل إلى الكائنات الحية الدقيقة التي يفترس بعضها بعضاً، فهل كل هذه المخلوقات ستحاسب؟ إذن كيف ستبدل الأرض غير الأرض؟

مع أن الواقع أنه يا ليت البشر في مثل سلوك الحيوان من ناحية عدم الطغيان واحترام التعايش والنظام والحفاظ على البيئة ، الله يقول: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} وليس أيدي وقرون الماعز وغيرها من الحيوانات ، إذن الشر من خواص الإنسان مثل الخير، وأساس الشر من الشيطان، وسمي الشيطان شيطاناً من الشطن وهو الابتعاد، الابتعاد عن ماذا؟ عن الفطرة ، إذن الشر دخيل على الحياة من خلال الإنسان بواسطة الشيطان وليس هو الأساس في الإنسان.

أما قضية التخيير والتسيير، فالإنسان مخير ومسير، وكذلك الحيوان ، ولكن كل منهما في مستوى ما يعرف ويميز ، مجموعة من الحيوانات لن يكون سلوكها واحد تجاه مؤثر واحد ، هذا يعني أن لها اختياراً ، وبنفس الوقت هي مجبرة على أن تولد بنفس النوع من الصفات والزمان والمكان ...الخ مثل الإنسان .

الإنسان والحيوان متشابهان ومختلفان، متشابهان في كل شيء، ومختلفان في شيء واحد وهو مدى التمييز، فتمييز الحيوان منكفئ على غرائزه، وتمييز الإنسان منفتح على غيره فضلاً عن ذاته.

هناك 5 تعليقات :