الاثنين، 4 مايو، 2015

توارد الخواطر (التيليباثي)


ربما فكرة "التيليباثي" (المقصود بها: التخاطر عن بعد) جاءت من عقائد مسيحية حول حضور أرواح الموتى والتخاطر معهم ، على إثر الإيمان بعودة المسيح وقيامته الصغرى بعد ثلاثة أيام من موته حسب عقيدتهم، وتحدُّثه مع مريم المجدلية، ثم عودته لعالم الموت .. فصارت عندهم فكرة أرواح الموتى وحضورها ، وأنها تُلقي أخباراً وصوراً ، وتُوُسِّعَ في الفكرة فصارت تقع بين الأحياء. حتى أن بعض العلماء الغربيين يحاولون تأصيلها علمياً ، بحيث يُرجعون هذه الظاهرة إلى ذبذبات وموجات كهرومغناطيسية تصدر من الدماغ ، ففي اليقظة أشعة بيتا و في المنام أشعة ألفا ، ولا أعرف كيف يصدر دماغ الميت أشعة !

بينما ينحصر التقاء الأرواح عند العرب والمسلمين في الأحلام ، على اعتقاد أن روح الميت تأتي في المنام من عالم الغيب وتحمل معها رسائل من ذلك العالم ..

و عوداً على "التيليباثي" ، يوصف إحساس العشاق ببعضهم في نفس الوقت بأنه من التخاطر، بينما وجهة نظري أنه كلما احترمنا الشعور وتحسّسناه أعطانا معلومات تصل إلى الدقة ،  وإذا كان كذلك ، فالعاشق ومعشوقته كلاهما يتحسس الشعور. وعندنا قانون أن الشعور مشترك بين الجميع و بدرجة واحدة، فطبيعي أن يحسّا ببعضهم بنفس الوقت، فمثلا يرسل أحدهما للآخر رسالة عبر الجوال، فيقول الآخر : كنت سأرسل لك في نفس الوقت .. مثله مثل مشاعر الصداقة والمحبة، كما يقال في المثل المصري (القلوب عند بعضيها) .

يؤكد هذا كون الشخص الذي يحترم شعوره يحس - إذا تأمل شعوره - بأشياء أنها وقعت، او أنها سوف تقع، وتصدُق معه في بعض الأحيان، هذا لأن الشعور (الإحساس أو الحدس) هو عقل دقيق أدق من عقولنا الظاهرية، ويُجرِي حسابات دقيقة ، ويبني عليها توقعات ، لهذا قال الرسول عليه الصلاة و السلام (اتقوا فراسة المؤمن) ، ومنه أيضا نعرف دقة احساس المرأة، لأنها ترجع إلى شعورها أكثر من عقلها في القضايا العاطفية والاجتماعية.

و منه أيضا قراءة الأفكار، فيستطيع الشخص المحترِم لشعوره أن يتحسس بماذا يفكر به الآخر، وكثيرا ما يُصيب، إما بالدقة أو قريبا منها . إذن لا غيبيات في الأمر .. هي مسألة احترام أحاسيس. أحيانا نشعر بأن هذا البائع يحاول غشنا أو استغلالنا وليس عندنا دليل, فنذهب لغيره، ثم نكتشف فيما بعد أن البائع الآخر كان أصدق منه وأن الأول غشّ غيرنا، فهل هذا ضرب من الغيبيات ؟ 

احترام الشعور هو الذي ينتج الفراسة ومعرفة الناس من أبسط الأشياء أو التصرفات، والإحساس بهم عن بعد، ولا تسأل عن قلب الأم. بل ان احترام الشعور هو الذي دلّنا على الله، واحترام الشعور يسمى ايمانا، سواء كان الامر يتعلق بالله او بالآخرين أو بالأشياء.  

في رأيي : لا يوجد شيء اسمه تخاطر او قراءة افكار، إلا ما كان بالحدس، لأن الله جعل لكل انسان سرّه حتى يختبر الناس، قال تعالى {يوم تبلى السرائر} أي هناك اماكن مغلقة وسرية لا يستطيع غيرنا أن يدخلها أو يطلع عليها، ولا حتى الساحر ولا الجن الذين لم يعرفوا بموت سليمان إلا بعد أن خرّ أمامهم، مع أنه ميت من قبل, لأن الله هو وحده من يعلم الغيب. و من هذا الغيب : النية والأفكار المخفية ، لكن الحدس قد يَفهَم بناء على بعض الظواهر، مما يسمى الإحساس أو الحدس او الفراسة، في اطار العقل .

وكلما دققنا الاحساس تأتينا معلومات كثيرة من خلال الشعور، سواء من لغة الجسد والصوت والنظرات والكلمات (و هي الاهم) ، نستطيع ان نعرف الكثير، ونتبع فراسة المؤمن، وهذا لا يعني اساءة الظن بالناس، بل حتى نعرف ميزاتهم التي لا يعرفونها هم. 

احساس الأم الدقيق بأطفالها سببه أنها تحبهم، اي بدافع شعوري، فقد تحس بخطر عليهم و هي عن بعد، ولكنها لا تحدده بالضبط، هنا يأتي دور العقل ليبحث عن الأقرب، وقد يكون دقيقا مئة بالمئة أحيانا . ولاحظ أن الاحساس عن بُعد اكثر ما يكون بين المحبين.

إن الفراسة هي تكثيف الاهتمام بالشيء والتدرب عليه والثقة بما يقوله الاحساس تجاهه، وكلما زاد الصواب كلما زادت الثقة، مثل قصّاص الأثر الذي يقدّم معلومات دقيقة وكثيرة من معطيات قليلة قد لا يراها الاخرون.

و الفراسة نوعان : عقلية ، ونفسية ..

الفراسة العقلية اقصد بها ما يدور حول عالم الظواهر المادية واستنتاج الأدلة منها وتتبعها، مثل ما يفعل قصّاص الأثر، ومثل فراسة شارلوك هولمز في القصص البوليسية الخيالية، بحيث يستطيع اكتشاف خيوط جريمة كاملة من قطعة خيط ملتصقة بالكرسي مثلا أو من بقعة حبر على الطاولة، أو كما في الفيلم الكارتوني المحقق كونان، أو ما يقوم به محققو مسرح الجريمة. (وهي بالمناسبة فكرة تُعرَض بكثافة في الثقافة الغربية وتوابعها كتأييد للفلسفة المادية التي لا تثق بالإحساس وتحاول تخطئته دائما، واثقة بأن المادة وحدها كافية لمعرفة الحقيقة، فمثلا يُعرَض لنا شخصية نتعاطف معها ثم في آخر الفيلم نجد أنها هي التي فعلت الجريمة، وكانت الأدلة المادية الدقيقة جدا هي التي كشفت ذلك، مُسقطةً الإحساس واستنتاجاته، و كله في سياق خدمة الفلسفة المادية التي تحتقر الشعور والاحساس، بل تنفي وجوده ولا تريد الثقة به، لأنه يدل على الله) .

أما الفراسة المعنوية والنفسية فهي التي تركّز على قراءة حركات النفس او الآخرين، فتعرف ببساطة أن هذا الإنسان يعاني من مشكلة، وأن هذه المشكلة ذات بُعد عاطفي مثلا، وتعرف ان هذا الشخص مصاب بالكآبة، وأن ذلك الإنسان مغرور ومتكبر ويحاول اخفاء ذلك، و تعرف ان هذا الشخص لا يمكن أن يكون هو من فعل تلك المشكلة او الجريمة، وهكذا ..


هناك تعليقان (2) :