الجمعة، 1 مايو، 2015

الوسطية في الإسلام



المنهج الطبيعي المسلم يتبع الحق أينما ذهب, فهو وسطي أحيانا و حنيفي احيانا، حسب الموضوع، قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ، وقال أيضا (وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) . و حنيفا تعني أنه يميل ويبتعِد إذا كان الطرفان باطلين، فلا توسُّط بين باطِلَين في أصلهما ؛ فمثلا شخص يقتل ويسرق، وآخر يسرق ولا يقتل، أي موقفٍ بين هذين الإثنين يكون باطلا، كأن يقول شخص : أنا لا افعل مثل هذا ولا افعل مثل هذا ، بل أغش فقط ، وهذا يكفيني .. هذا توسّط باطل.

التوسط المحمود هو ما كان في طرفين أصلهما فضيلة. مثل التوسط بين حفظ النفس أو المال ، و بين العطاء والتضحية اللا محدودين بالنفس والمال، بينهما يكون الكرم والشجاعة. وهو أمر نسبي حسب الظروف.

أرسطو – مثلا - يقول : بين الإسراف والبخل يكون الكرم، فبالتالي الفضيلة وسط بين رذيلتين - وهو ما يسمونه الوسط الذهبي - ولكن هذا غير دقيق دائما, فالمعرفة مثلا : هل علينا أن نتوسط فيها ؟ فنأخذ قليلا من المعرفة و قليلا من الجهل ؟ مع أن معلّمه سقراط حدد الفضيلة كلها بالمعرفة!

الفضيلة لا تأخذ من الرذيلتين شيئا, بل هي خط مستقل, فالفضيلة ليست مزيجا من الرذائل, لأن مزيج الرذائل رذائل. الزهد تقابله المادية ، ولكن هذا لا يعني أن نأخذ من كليهما قليلا حتى نكون على المنهج الصحيح, بل علينا أن نكون في خط ثالث مختلف, فصار صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين, والمغضوب عليهم هم الذين وصلتهم دعوة الحق و رفضوها ، والضالين الذين يبحثون عن الصواب ولكنهم يسلكون المسلك الخطأ, والله قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ، ولم يقل : بين المغضوب عليهم و الضالين (فهنا وسطية غيريّة حنيفية يأتي تفصيلها لاحقا) .

الصراط المستقيم لم يأخذ قليلا من المغضوب عليهم و قليلا من الضالين لينتُج الوسط الديالكتيكي لهيجل الذي سيكون له ضد فيما بعد ! و ربما أن هيجل طوّر فكرة أرسطو إلى فكرة الديالكتيك التي مضمونها أن من المتضادين ينتج شيء ثالث وسط يُنتج معه نقيضه (شيء رابع) يتصادم معه، وينتج شيء خامس وسط يحمل نقيضه ،وهكذا حركة الافكار والفلسفات من وجهة نظره. وبهذا اعتبر نفسه وصل الى نهاية الفلسفة، واعتبر نفسه آخر الفلاسفة.
   
قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} . وجود شيء ثالث بين اثنين سيعني أنه وسط , و ليس بالشرط أن يكون أخذ من الطرفين, إذا اعتبرنا أن الإسلام وسط بين المسيحية وبين اليهودية، فهذا يعني أنه غير موجود! بل جزء من هذا الدين وجزء من ذاك، اجتمعا و ركّبا شيئا ثالثا يعود أًصله إليهما!

هناك من فَهِم أن طرفي الرذيلة عند ارسطو أصيلان، وهذا غير صحيح، فالإسراف أصله كرم، والحسد أساسه حب وإعجاب, والبخل أساسه اقتصاد وتدبير. الرذائل أصلا ليس لها أساس موجود في الفطرة والطبيعة - لهذا أسميناها "الأفكار الصناعية" أي مصنوعة - فكيف تكون أصلا ؟ العلمانية نظرت الى كلام ارسطو بتلك النظرة ، واعتبرت أي توسط بين رذيلتين فضيلة، وبالتالي تصبح الرذائل تتحكم في الفضيلة ، وتصبح الفضيلة متحركة، أي نسبية من مجتمع لمجتمع، ومن زمن لزمن، ينطبق عليها قول العلمانيين بنسبية الأخلاق.

في المجتمعات الدنيوية بشكل عام، اذا زاد التطرف في اتجاه معين، يسحب معه الطرف المقابل، ما دام لا يوجد ميزان ولا معيارية أخلاقية، مُحدثاً تغيّرا في الوسط، وبالتالي لا يكون الوسط ثابتا ، بينما الحق ثابت؛ فمثلا مجتمع يعطي الحرية الجنسية لأفراده وتكثر فيه الإباحية والتحلل من الحشمة والعفة، يرتفع معه سقف الطرف المقابل، فتصبح المرأة التي لم تكشف كل جسمها امرأة عفيفة ! مع أن الفضيلة أن تستر ما يجب ستره، و اصبح الزنى مثلا شيئا عاديا و وسطا بالنسبة لمجتمع يمارس الشذوذ والاباحية حتى مع الحيوانات، وبالتالي يكون النظر الشهواني دون القيام بفعلْ شيئا عاديا جدا، بل ربما يعتبره البعض في ذلك المجتمع أن من يفعل هذا فقط هو ضحية كبت وتطرُّف أخلاقي لا داعي له ! مثلما نظر قوم لوط الى لوط ومن معه على أنهم متطرفون وليسوا متوسطين، فقط لأنهم يرفضون رذيلة الشذوذ الشائعة عندهم.

وكمثال آخر : مجتمع ينتشر فيه البخل الشديد ، ينخفض معه مستوى الطرف المضاد، فيصبح فيه من يقدم لك كوباً من الماء مسرفاً ومبذراً بأمواله.

الرذائل طارئة والفضائل هي الأصل. ولا توجد رذيلة إلا و تركب على ظهر فضيلة, ولولا الفضيلة لما وُجدت الرذيلة وليس العكس, ولولا التمر لم يكن الحشف, ولولا الحياة لم يكن القتل, ولولا الرزق لم تكن السرقة, ولولا النعمة لم يكن الحسد ولا الغيرة.

الوسط الذي يدعو إليه البعض هو الوسط التركيبي الضعيف، وهو الذي يستغل فكرة أرسطو ويتمسّح بها , فهو كأنه مُداهِن يريد أن يرضي الجميع. أما الوسط الحقيقي هو وسط بين ضلالات كما قال تعالى: {يخرجكم من الظلمات إلى النور}, فبين الشيوعية والرأسمالية يوجد النظام الاقتصادي الإسلامي ولكنه لا يأخذ من كليهما، ولا يعتمد عليهما في وجوده، وإن كان وسطا بينهما.

إن النظام الاقتصادي الإسلامي وسطي ، لأنه يقرّ أن للآخرين حق في الثروة الشخصية، من خلال الزكاة التي تلاحق رأس المال كلما ازداد، ومن خلال الكفارات والصدقات وتحريم الربا يتكافل المجتمع وينعدم الفقر أو يقل، مع الاحتفاظ بالفروق الفردية، بعملية متوازنة بعيدة عن تطرف الرأسمالية التي تسمح لشخص واحد أن يملك كل شيء و يرمي الفقراء في بحر المجاعة، وتطرف الشيوعية التي تقمع المتميزين وتساويهم بالكسالى . لكنه ليس محتاجا لهاتين الرذيلتين ليُوجد.

ومن ناحية دينية : نلاحظ أن العقل بلا نقل أنتج الملحدين والماديين والعلمانيين الدنيويين، وأن النقل بلا عقل أنتج المتطرفين والمتناقضين والغلاة في الدين و في الصالحين.

 وما أعظم القرآن كلام الله رب العالمين {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} أي بين الطرفين، والتوسط خلاف للتطرف من كلا الجهتين، ولن يَزِلَّ من استضاء بنور القرآن و سار على منهجه وهو النور الوحيد من الله وما سواه ضلال إلا ما ولاه من السنة والأحاديث واجتهادات العلماء الفضلاء، شرط ألا تتعدى أساساته ومنطلقاته ولا تسير أمامه ولا تقضي عليه، فهو السراج المنير والإمام في المسير، والله سمى القرآن إماماً، أي يكون في الأمام.

و من ناحية أخرى ، قد لا يعلم القرآنيون - على سبيل المثال - خطورة منهجهم وابتعاده عن الوسطية، منشغلين عنه بفظاعة الاخطاء الموجودة في التراث، وهكذا لُبِّس عليهم .. الخطأ لا يُصلّح بخطأ، والتطرف لا يُصلحه تطرّف من جهة مضادة. التطرف في الروايات لا يصلحه التطرّف في الآيات، والتلمودية التراثية لا تُصلحها الكابالية القرآنية، ولا العكس . قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا). فالصحيح هو التوسط بينهما، بإسقاط القرآن على التراث، فلا يُترك كله، ولا يؤخذ كله، ويبقى الحكم المهيمن للقرآن، دون نسخ أو إغلاق أو تأويل.

وللتوضيح نقول : هناك وسطيتان :

وسطية بينية ، أو قَوَاميّة، أي بين الشيئين ، كالوسط بين الاسراف والبخل، كما في قوله تعالى (والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وقوله تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط) .

والوسطية الاخرى : وسطية غيريّة ، أي غير الشيئين ، مثل الصراط المستقيم الذي هو غير طريق المغضوب عليهم ولا طريق الضالين . كما في قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ، فالوسطية هنا وسطية غيرية . و كذلك في قوله تعالى ( وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا) . أي غير متوسط بينيّاً في هذا الموضع.

التوسّط في الفضائل سببه الضعف البشري و قلة الموارد، كما قال تعالى (الآن خفف عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) ، وكما قال الشاعر :

لولا المشقة ساد الناس كلهمُ ، الجود يُفقِرُ والإقدامُ قتّالُ ..

 لكن فضيلة العلم مثلا ، الزيادة فيها لا تعني وجود أي ضرر. إن الاساس في الفضائل هو الانطلاق، لكنه يتحول الى رذيلة اذا تعرّض الى انحراف او ضرر او إتلاف ، لذا يُنَبّه على التوسط في الفضائل التي يؤدي التمادي فيها أو النقص فيها الى إضرار على الطرفين، كالنفقة، التمادي فيها يسبب ضررا على المنفق، والنقص يؤدي الى ضرر على المُنْفَق عليه، والتوسُّط رحمةٌ للطرفين.

لا فضيلة بلا عقل . ربما البعض يفهم أن التوسط بين أي شيئين سيكون حقا، لكن ليست كل ثنائيتين هما طرفي فضيلة. هذا يُسمَّى التوسط الأعمى او الوسطية العمياء التي تتبع الموجود وتتلمّس أطرافه و تجلس بينهما أياًّ ما كانا ، على حق أو على باطل، وهي الوسطية العلمانية العمياء. ولا أحد يفعل هذا إلا بدافع دنيوي ، أي علماني ؛ إن بعض الثنائيات تقتضي المغايرة الكاملة لهما، مثل قوله تعالى (وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا، قل بل ملة ابراهيم حنيفا) ، والحنيف هو الذي يميل مع الفضيلة أينما مالت. ويتوسّط معها إذا توسَّطَت.

هناك فضائل غيريّة ليست بين طرفين تكون بينهما ، مثل : العلم والحب وتذوق الجمال, فالعلم غير الجهل وليس وسطا بين طرفين.

تكون الفضيلة بين رذيلتين إذا كانت الفضيلة تتعلق بمادة تُنفَّذ من خلالها, فالكرم بما أنه متعلق بمادة في كثير من الأحوال صار يجب التوسط فيه, لكن في الرحمة والمحبة والعلم والتقوى ومحبة الله وشهادة الحق، فهذه غير محدودة ولا يجب الاقتصاد والتوسط فيها، اذ سيكون التوسط هنا رذيلة. و ليس بفضيلة أن تتوسط في محبة الله ورسوله، ولا أن تتوسط في شهادة الحق، فتقول بعضها وتترك البعض. ستكون كاذبا كَذِبَ إخفاء.

في العلمانية كل جهتين متطرفتين الوسط بينهما يُعتبر هو الفضيلة, مثل تآمر أخوة يوسف عليه، قالوا : اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ، لكن أتى أخوهم بحل وسط وقال : ألقوه في البئر يلتقطه بعض السيارة .. كلامه يؤدي إلى أن كل طرفين بينهما فضيلة ! وهذا خطأ, فلم يكن في إلقاءه في البئر أي فضيلة، مع انه يُعتبر حلا وسطيا أرضى الجميع ! فمثلا هناك من يوصي بقتل بريء و آخر يوصي بإطلاق سراحه، هل نقول أن من الأفضل أن نسجنه كحل وسط ؟! لهذا الله سمى ملة إبراهيم حنيفية , فليست دائما تقف موقف الوسط ، بل أيضا تختلف عن البقية, فهي ليست مقيدة بأن تكون في وسط الموجود أيا كان. فقد تعتزله كله. هذه الفكرة تجعل الفضيلة ضحية الموجود، مع أن الفضيلة يفترض أن تفرض نفسها على الموجود، حتى وإن لم توجد.

فكرة الوسطية العمياء استُغلت للشر كثيرا, وكأن أصحابها استنتجوا أنه  لا يوجد عالم فضيلة وعالم رذيلة, فقط هناك اجتثاث من الرذيلتين لشيء وسطي، وهذا الوسط ينتصر على الطرفين، كما فلسفه هيجل وسماه بالديالكتيك (الحوار) المستمر. وبالتالي يظهر شيء ثالث جديد من القاع ينقضه, وينتج منه وسط جديد بعد أن تحوّل الوسط الأول لتطرف, و كأن الفضيلة ابنة زنى من أبوين آثمين! ومن هنا الشيوعية تاثرت بهيجل في صراع الطبقات في المجتمعات وعلى أساسه فسّرت التاريخ، بل حتى تاريخ الأنبياء على انه صراع طبقات (صراع مع الرأسمالية لكي تحل محلها، فيأتي من يثور على الثائر وهكذا حركة التاريخ في الفكر الشيوعي ، ليس إلا صراعا على المال)

لا يُعرف التطرف الا بوجود توسط ، وإلا فلا يُعرف إلا الطرفين . ومن في الوسط يستطيع ان يرى الطرفين فيشهد عليهما، بينما احد الطرفين سيشهد على الطرف الاخر و لن يشهد على نفسه، لأن أي شخص من الناس يرى التطرف في الآخر ولا يرى التطرف في نفسه، اذ يحتاج الى ثالث يُريه تطرفه وتطرُّف الآخر، لأنه لو أراهُ تطرف الآخر فقط صارَ مثله، ولو أراه تطرُّفَه فقط لعدَّه من الطرف الآخر. لكن اذا أراه تطرفه وتطرف الاخر سينتج هذا معرفته بوجود وسط مختلف عن الطرفين، أي بوجود كيان ثالث. اذا لم يتبعه سيشهد الثالث عليه وعلى الآخر بأنهما عرفا ولم يستجيبا، اذ لو لم يوجد الثالث الوسطي لكان للطرفين حُجة بأنهم لم يروا إلا أنفسهم و الطرف الآخر، أي لم يروا الحق حتى يتبعوه . والشاهد هو المُشاهِد، اذن الشاهد هو من يرى الطرفين. لا تستطيع ان ترى الطرفين وانت في داخل احدهما. و من هنا سمي الشاهد شاهدا لأنه طرف ثالث .

ومن هنا نفهم قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) لأنه هو معيار تطرفاتكم أيضا، مشكلة البشرية الدائمة هي التطرفات الدائمة.

هناك 6 تعليقات :

  1. في ميزان حسناتك
    رائع طرحك

    ردحذف
  2. ماشاء الله تبارك الله، شرح رائع وتفصيل جميل

    الا ليت قومي يعلمون

    ارجو ان تستمر على هذا النهج القويم

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لك و لكلماتك الطيبة وأسأل الله الثبات على الحق حتى الممات..

      حذف