الجمعة، 4 مارس، 2016

فكرة وتعليق : داروينية البدوي - بن زبن

البدوي دارويني،، فهو يعلم تمام العلم، أن من لا يتوافق مع الصحراء؛ سينتهي لا محالة، فقد رصد البدوي بعينه سلوك الصقر الساطي وعرف بأن إرتجاف الحبارى لن يفيدها بشيء، فقدس البدوي القوة وأعجب بها حتى لدى أعداءه، واحتقر الجبان الرعديد حتى لو كان من قومه، ومن تقديسه للقوة ظهرت سلوكيات عدة للبدوي، فهو مثلاً يبحث عن النسب المخبيء لجينات من الشجاعة والكرم التي يحتاجها في بيداءه، لأنه لا يحتاج للنعومة واللباقه،، تلك السلوكيات الانثوية التي يراها البدوي في ابن القرية
.
حين يمدح البدوي الحاكم فهو يمدح القوة، وحين يسجد البدوي لخالقة فهو يخضع للقوة، فالقوة هي آلهة البدو، فالكريم عند البدو قوي والبخيل ضعيف، والصادق قوي والكاذب ضعيف، والرجل قوي بينما المرأة... ضعيفة! لا مكان للضعفاء في الصحراء، فالبدو وعلى مر السنين كانوا في دولاب ضخم من... الانتخاب الطبيعي.


هذه الظواهر صحيحة من حب الشجاعة والكرم والصلابة ، ولكن الخطأ في ربطها بإرادة القوة النيتشوية الداروينية التي تحتقر الأخلاق وتعتبرها اخلاق ضعف، بينما في النظام البدوي نجد أن الأساس هو الأخلاق أولا ثم المصلحة فرعاً من الأخلاق او على الأقل غير متصادمة معها. فإذا قلت أن البدوي يحب القوة وتسكت، فالقوة بهذا الشكل تُراد لأجل المصلحة، بغض النظر عن الأخلاق، وهذا مخالف لواقع البدوي. هذا ينطبق على الماديين في الغرب وغيره.

البدوي يأكل الطعام على سَلْم أو لا يأكل، هذا يدل على أن الأخلاق أولا والمصلحة ثانيا. حتى الوظيفة يترفع عنها إذا كسرَت السَّلْم الأخلاقي الذي بنته البداوة، أما الداروينية والنتشوية المصلحية فهي ترى أن المصلحة هي الأساس .. وفي وصف البدوي بالدراويني النتشوي المصلحي ظلمٌ للبدوي بإنزاله من المستوى الأخلاقي الراقي إلى المستوى المصلحي الدنيء ..

مشكلة البداوة مع الحضارة أنهم لا يفهمون دوافعها ،
وقصص البداوة تفيض بإيثار الأخلاق و المواقف الأخلاقية على المصلحة لدرجة التضحية بالنفس والمال لأجل تسجيل موقف أخلاقي بحت .والأخلاق بحسبة مادية تُضعف القوة، فالكريم يفني ماله، والمال قوة، والشجاع يفني صحته وعافيته وقوته،

وشعراء البدو لا نجدهم يمدحون أغنياء أو أقوياء ماديين بقدر ما نجدهم يمدحون أصحاب المواقف الأخلاقية حتى لو كانوا فقراء. ولو كان هدف البدوي القوة لكان بخيلا، لأن المال قوة، ولكان جبانا، وهذا غير الواقع. وصفات الماديين معروفة بالجبن والبخل والمؤامرات واستخدام المال لتحقيق المآرب.
 
في عالم البداوة أخلاقك هي التي ترفعك، وفي عالم الحضارة أملاكك هي التي ترفعك .في عالم البداوة لا قيمة للقوة أو الضعف، القيمة للأخلاق، فقد تتزعم البدوي امرأة، وقد يمدحون بأشعارهم عبدا أو أمَة، بينما يذمّون شيخ قبيلة أو رجلا غنيا لأنه أهمل واجب الأخلاق. وبالتالي لا مكان للعنصرية، لأن البداوة أسلوب وأخلاقيات، من فعلها فسوف يحترمه أي شخص حتى لو كان حضَريا، ويُحتقَر من كسرها حتى لو كان ابن شيخ القبيلة.

إذن هم (البدو) الأبعد عن الداروينية التي لا تؤمن الا بالمصالح، والأقرب للأخلاق الفطرية، وقصص البداوة الأخلاقية كثيرة لا حصر لها، و كلها تدور حول إيثار الأخلاق على المصالح و من أيٍّ كان، من فقير أو امرأة أو عبد أو حر. وكم من بدوي فقد ماله وفقد حياته لأجل مكارم الأخلاق، فأين هو تمجيد القوة؟ طبعا هو موجود بالدرجة الثانية وليس الأولى.
 
لكن مشكلة البداوة هي في ترجمة الأخلاق، فأحيانا يكون مبالغ فيها ، وقد تتعارض مع قيم أخرى. فالكرم يصل أحيانا لحد الإسراف، والشجاعة تصل لحد الإعتداء، حتى اساليب الكرم بعضها فيه تكلف ومبالغة، وبعضه منافي للقيم والاخلاق. لكن الدافع إليه واحد. والأنفة وعزة النفس ميزة موجودة في كل بدوي تقريبا، لكن ترجماتها تخرج عن المعقول أحيانا، وأحيانا تكون مناسبة.

كثير من أخلاق البدو تُحترم لدوافعها، لكن تفصيلاتها وتبريراتها مُنتَقَدة أحيانا، لكنها محترمة بدافعها، لأنه يكون أحيانا بدافع اﻷنفة والكرم والشجاعة واحترام الجار والضيف، وأحيانا تخرج لحد التهور، وليس هذا موضوعنا، موضوعنا هو إثبات ماهية الدافع الأول عند البدوي : هل هو المصلحة على الطريقة الداروينية الغربية من خلال القوة؟ أم الأخلاق من خلال القوة على الطريقة العربية؟

النتيجة أن الكاتب أراد أن يلوي صفات البدوي العربية الأخلاقية بشهامته وكرمه إلى الدافع المادي النتشوي الدارويني.

هناك تعليق واحد :