الثلاثاء، 29 مارس 2016

من إعجاز القرآن البلاغي والأدبي

القران جاء على حسب افهام الناس، لئلا يقولوا انه ياتي بكلام غريب ، فيكون حجة عليهم . مع انه يشير عادة بطريقة غير مباشرة تدل على ما جهله الناس كحركة الارض و دورانها و غيرها . مثل : ( يكور الليل على النهار) ، (والأرض بعد ذلك دحاها) ، مثل ما يـُدحى الكيس فيتكور ، و مثل (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ، و مثل (رب المشارق والمغارب) ، اشارة على كروية الارض ، حيث كل مكان مشرق و كل مكان مغرب . و مثل (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) ، و صور انفجار النجوم تشبه شكل الوردة ، كما صوّرها منظار هابل . و مثل (يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) اشارة على ضيق التنفس كلما ارتفعت عن سطح الارض . وغير ذلك كثير من الاشارات .

 لو تأملنا كلمة "العلقة" التي في جدار الرحم ، انظر الى صورتها .. هل كان مع محمد عليه الصلاة والسلام مجهر ليرى فيه هذه العلقة التي لا ترى في جدار الرحم ؟ و تشبه شكل علقة الماء تماما ؟

و في قوله تعالى (والجبال اوتادا) ، لم يكن العرب يعرفون ان للجبال جذورا ضاربة في العمق ، حتى يتوازن الجبل ، مثلما يطفو الجبل الجليدي على جذر تحت سطح الماء ، ومثلما تـُصنع السفينة بجذر عميق في الماء كي يجعلها تتوازن بطفوها . وتشبيه الجبل بالوتد في هذه الحالة هو ادق تشبيه ، فالوتد جزء منه ظاهر وجزء مغروس ، كأنه ضرس .

لأن النبي محمد أمّيّ و ليس عالم جيولوجيا حتى يخبرنا عن جذور الجبال ، ولا عالم احياء حتى يخبرنا عن علقةٍ لا ترى الا بالمجهر . و ليس عالم فلك ليخبرنا عن اشكال النجوم المنفجرة ، و يشبهها كلها بأدق تشبيه يمكن ان يكون لها .. لن تجد مثالا للجبل كالوتد ، و لن تجد مثالا على البويضة الملتصقة بجدار الرحم بذيلها الطويل كالعلقة ، ولن تجد مثالا للنجم المنفجر مثل شكل الوردة الحمراء .

أمثال القران نفسها إعجاز بلاغي و ادبي : تأمل آية : (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث) ، لأن الكلب يتعرق من فمه . وآية : (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا). لن تجد ابرع من هذا التشبيه لنقلة الكتب والعلم من احبار اليهود و هم لا يعون من مضمونها شيئا ولا يستنيرون بما فيها ، بل يعاكسونها و مع ذلك يحملونها ..

التشبيه بحد ذاته اعجاز ادبي في القرآن ، فأمثلة القرآن لا ياتي شاعر او فصيح ليقدّم أفضل منها : (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) ..

لاحظ مثلا تشبيه نور الله ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) ..

و لاحظ تشبيه الدنيا وغرورها وتهرب متعتها على حساب العمر ، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، هذا مثالها : (اِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) .

وتشبيه كلام الخير والحقيقة بالشجرة السامقة الجميلة المترفعة عن الدنايا ، فأصلها ثابت لا يتزحزح ومرتبط بالحقيقة ، ورأسها في السماء سموا وجلالا .. وتؤتي نفعها الطيب في كل حين ، اي تنتقل ، و في كل حين لها ثمار ، ولا يُعرف اين تقف . وسيكون نفعها مستمرا في كل حين ..  

والكلمة الخبيثة بشجرة خبيثة و سامة و شوكية يجتثها الناس من فوق الارض فتجف وتطير بها الرياح يمينا و يسارا ، لانها غير مرتبطة بالحقيقة . و بالتالي غير ثابتة (الارض) . كذلك كلام الكافرين يتقلب حسب الظروف والمزاج ، ويتناقض ولا يبالي بتناقضه (ما لها من قرار) ، و ما ادق هذا الوصف على انتقائية وتقلب افكار الكافرين بالدين من عباد الدنيا و عباد المادة . يتناقضون ولا يهمهم ان تناقضوا .. اذن كلمتهم ليس لها قرار ..

(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) )

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق