الخميس، 16 فبراير، 2017

عقل الإنسان وعقل الحيوان والفرق بينهما (5) ..


الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعرف أشياء من خارج حياته, أما الحيوانات فلا تعرف إلا ماله علاقة بحياتها ودورها في الطبيعة, ولهذا يبدو لنا أن الحيوان قدراته العقلية ضعيفة مقارنة بالإنسان, وهذا غير صحيح, فالحيوان عبقري في ما يتعلق بحياته أكثر من الإنسان, ولكنه لم يؤت العلم الذي أعطي للإنسان. لاحظ العلميات العقلية الذكية والسريعة التي يقوم بها حيوان مفترس مثلا بما فيها الاختباء والتخفي والتوقع, وانظر لبحث الحيوان عن أكل فكله تفكير وتوقع, وليس كل شيء بالغريزة كما يتصورون, ولذلك بعضها يكون أذكى وأكثر براعة من بعض, مثل البشر, فبعض الغنم مثلا أذكى من بعضها, وبعضها يميل للعنف, وبعض الطيور تستطيع خداعها وبعضها لا بناء على التجارب التي مرت بها مع الناس. لاحظ المواد السامة التي توضع للجرذان بعد فترة تعرف أنها سامة فتتجنبها مع أنها مغرية, بل إن الحيوان يراقب حركاتك وهل نيتك أن تمسك به أم أنك مشغول بشيء آخر, ونظرات القطيع من الغنم لشيء جديد أتى ليست خالية من المعنى بل هي مراقبة وتفكير لما سيفعل, وإذا رأتك تنظر إليها تشك فيك أما إذا رأتك مشغولا بعمل آخر استأمنت. 

الحيوانات تخاف أو تأمن للإنسان أكثر من الحيوانات الأخرى, فالإنسان إما أن تخافنه الحيونات أكثر أو تأمنونه أكثر لأن الناس مختلفين ومقاصدهم مختلفة, لكن الدجاجة تمر من عند قطيع الغنم والأمر عادي, لكن حين يمر إنسان فالوضع مختلف إما خوف منه أو رغبة بما عنده بناء على التجارب, أما طيور أو حيوانات ترى الإنسان لأول مرة تجدها تعامله كالحيوان ولا تخاف منه, لهذا الحيوانات حديثة الولادة لا تخاف من الإنسان, وهذا يدل أن الوئام هو الأصل في الطبيعة وليس الصراع.

أساليب الحيوانات المفترسة ليست واحدة حتى من نفس الفصيلة, فتلاحظ حيوان بارع بالصيد وآخر أقل براعة , والدجاجة التي تحمي فراخها أكثر قوة وبراعة من الدجاجة التي تحمي نفسها. الحيوانات ليست آلات, أي عكس ما يتصور الملاحدة بأنها آلات تعمل بالطاقة. بل إن الحيوان أعطي ذكاء وحس أكبر منا في ما يتعلق بحياته وحركته, والإنسان أعطي حس بحياته وبما هو خارج حياته, فنحن نعرف لماذا الحيوانات تفعل كذا أو كذا, فحس الحيوانات متعلق بها وحسّنا متعلق بنا وبغيرنا, القط مثلا يرى إناء فيه حليب وإنا آخر مكسور والحليب منسكب منه, هذا القط لا يرى إناء مكسورا بل يرى أنه لا يوجد حليب, وهذه القضية هي التي تعنيه, الإنسان يرى أن الإناء الثاني مكسور وأيضا ليس فيه حليب, وأيضا نستطيع أن نحس بمعلومات أكثر مثل من كسر الإناء وكيف...إلخ, إذن الإنسان يلاحظ أشياء لا يلاحظها القط, هذه السعة في الإحساس عند الإنسان هو الشعور الإنساني العظيم, و من كثرة الأحاسيس عند الإنسان صار يستنبط منها ويفكر. فالفرق في عقل الحيوان عن الإنسان ليس بسبب نقص في عقل الحيوان, بل بسبب حصر الشعور الحيواني بما يتعلق ببقائه ووظيفته لأنه مسخر. كل الأحياء منهمكة في وظيفتها إلا الإنسان, هذا يدل أنها مسخرة وأن الإنسان ليس مسخر, ولابد أن يكون مسخَّرا لشيء أرقى بما أن الجميع يخدمه, لكنه مخير في هذا التسخير: هل يشكر الله أو يكفره.

هل الحيوانات تركب عقليا في مجالها؟ الحيوانات تفكر والتفكير يدخل فيه تركيب ولكنه بسيط على قدر عالمها, وعندها ذاكرة, فانظر إذا ضربت حيوان حين رآك مرة أخرى يهرب منك أنت بالذات وإذا دللته يقصدك أنت بالذات, وهذا بالذاكرة وليس فقط بالرائحة, فترى الكلب أحيانا ينبح عليك وإذا اقتربت ورآك غيّر رأيه. لهذا كل العمليات العقلية عند الإنسان هي عند الحيوان, لكن الاختلاف في تركيبة الشعور نفسه, فالمعرفة هي شعور في أساسها, فكلمة عقل معطاة أكبر من حجمها فالعقل في أساسه مكون من شعور متكرر, فمعرفتنا أن النار خطرة أتت بعد تجربة متكررة من الشعور بالنار, إذن يمكن أن نبدل كلمة "نعرف" بكلمة "نشعر".  نحن نشعر أنه إذا أضفنا واحد إلى واحد ظهر شيء مختلف أسميناه اثنين, لكننا لا ندري ما هو الإثنين, لهذا فالمعرفة من الله, القط لا يعرف هذه المعرفة, فلو تضع أمام القط قفصين قفص فيه إناء حليب والآخر فيه إناءين، فلن يعرف أن هذين إناءين وبالتالي فيهما كمية حليب أكثر من الإناء الواحد, بل سيتجه للأقرب والأكثر أمنا, بسبب أن شعوره لم يؤت التمييز الذي هباه الله لشعور الإنسان, فما جعله حيوان شعوره وليس عقله, فشعوره حيواني أي مجاله ضيق مقارنة بالإنسان. لو كان الحيوان أوتي المعرفة التي عند الإنسان لقال مثلا لأركب على ظهر هذا الغزال لينقلني معه ويريحني, فهو لم يلاحظ أن الغزال صالح كوسيلة نقل, لذا الحيوان لا يتعلم أبدا, ولماذا يتعلم؟ فليس لديه الحاجة للتعلم لأنه مسخر ولا يحب أن يتغير بل لا يستطيع, خلافا لرأي التطوريين. حيوانات السرك يعلمونها لكن هي نفسها لا تريد أن تتعلم, وهي تعمل هذه الحركات من أجل الأكل, بدليل أنه حالما تخرج من السيرك إلى الطبيعة تتخلى عن هذا التعليم. حتى الإنسان المتخلف العقلي هو لا يريد أن يتعلم وهنا مشكلته, ومحاولة تركيزه على الموضوع حين تشرح له معاناة بالنسبة له, وتكون ردة فعله بفرط الحركة أو بتغيير الموضوع أو بالسخط حتى.


بالأخير, هذا المفهوم عن الفرق بين عقل الإنسان والحيوان ينفي فكرة التطور من جذورها, لأنهم يعتبرون ذكاء الحيوان مرحلة مررنا بها وتطورنا منها.  

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق