الخميس، 11 ديسمبر 2025

إجابة عن سؤال حول خلق السموات والأرض في ستة أيام

 

السؤال : 


كيف نفهم بإجلال وعرفان لجلال الله قوله تعالى: خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش مع قدرته سبحانه على أن يخلق بكلمة واحدة وهو كن فيكون؟ وما الحكمة التي أراد الله أن يوقظها في وعي الإنسان المحدود من هذا التدرج في الخلق وعظمته التي تتجاوز إدراكنا؟

 

الإجابة :

 

ربما أن لها حكم، منها خطاب عقول البشر، فهي مهما كان الفاعل قويا، فإذا أخذ وقتا أطول اعتقدوا بإتقان الصنعة، فذلك الملك الذي بنى قصره في عشرين سنة، غير لمّا يقال أنه بنى قصره في عشرين يوم. سيذهب العقل إلى أن القصر ربما غير متقن، أي أن هذا خطاب لعقولنا.

 

وربما أيضا يتعلم منها الإنسان التدرّج والتؤدة والاتقان في العمل وعدم الاستعجال، لأنه عادةً: الوقت الأطول يعني اتقانا أكثر. وإذا كان الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، فما بالك بالإنسان وقدرته الضعيفة؟ وهذا ردٌ على الاستعجال، ويستشهد به الناس، يقولون : خلق الله السموات والأرض في ستة أيام! كيف تريدني أن افعل كذا وكذا الآن مثلا؟

 

أيضا ربما تقدّم مُنزَلَقا، فمثلما أن القرآن يهدي به كثيرا، فهو يضل به كثيرا، ويقدّم تشابها، حتى يرى الله من يؤوله كما يريد ويرغب، ومن يتعامل معه تعامل الراسخين في العلم، الذين يقولون (آمنا به كل من عند ربنا).

 

إن كل متشابهٍ له قُفل، فتجد آيات مثل (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وآيات مثل (إن الله لا يغفر ان يشرك به) وآيات مثل (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) وآيات مثل (وقد خاب من حمل ظلما). إن قفل أو قاعدة هذه الآيات جميعها أن الله يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، لأنه لا يعلم السرائر إلا هو، وهو أعلم الحاكمين، بل ويبدل سيئات من يشاء حسنات.

 

مثلا صفات الله في القرآن فيها تشابه واختلافات بين المُأَوِّلة والمجسمة وغيرهم، ولكن قفلها أو كلمة الفصل في التشابه في هذا الموضوع هو قوله تعالى (ليس كمثله شيء). مثل هذه الآية تعتبر مُحكَم المتشابه.

 

إن هذا المنزلق هو الذي انزلقت فيه عقيدة كثيرٍ من اليهود، واعتقدوا ان الله عمل ستة أيام وأُجهِد وارتاح في اليوم السابع، وهو السبت، مع أن الله قضى السبت عليهم إصرا، أي عقوبة إلهية، فقالوا أن هذا اليوم هو الذي استراح فيه فرضهُ علينا ألا نعمل فيه شيئا! لذلك القرآن يقول (وما مسنا من لغوب) ردا على زعمهم. وأن كل من يعمل لا بد أن يُجهَد، والله يقول (ما مسنا من لغوب)! إذن هو قادرٌ على أن يخلقها بكلمة "كن".

 

هذه الآية من القرآن، يهدي الله بها من يشاء ويضل بها من يشاء، فمن شاء الهداية استفاد ان الله أودع بديع صنعه وخلقه في السموات والأرض، فالسموات أخبر تعالى أنه خلقها في يومين، والأرض التي نعيش عليها وفيها في أربعة أيام، وهذا بيانٌ لنعم الله التي أودعها في الأرض حتى يشكروه، وإلا فالسموات أوسع من الأرض واكبر. ولا شك أن السموات الغير محدودة وبأبعاد مهولة، تكاد تكون الأرض ذرة في هذه السموات، ولكن لو كانت المسألة مسألة مجهود، فلربما كان خلق السموات في اربع أيام وخلق الأرض في يومين. ولكن لقصد أن يبين تعالى نعمه التي اودعها في الأرض، خصها بأربعة أيام. وهذا الأسلوب يراد به ما وراءه، وليس إخبارا بحقيقة أمره، مثل قوله تعالى أن الجنة عرضها السموات والأرض، هنا لا يُراد الإخبار بالحرفية، بل يراد بيان سعة ما أعده الله للمؤمنين من جنة واسعة، وإلا فأين تكون النار إذن؟ وهذه مثل هذه، لأن هدف القرآن هو البيان، والتشبيه من صور البيان، والمبالغة من صور البيان كذلك، لأن المبالغة كأنها تشبيه، وأكثر ما يستخدم في الكلام المبالغة الغير مقصودة التحقيق، ويدخل فيها التشبيه والمجاز. كل أنواع التشبيه والمجاز داخلة في المبالغة، والمبالغة عكسها الخبر، ويُقصد منها بلوغ المعنى لا بلوغ الحقيقة، فيقول أحدهم : هي كالغزال أو كالقمر، أو هو كريم كالبحر، هنا لا يقصد المشابهة، بل يقصد المبالغة في معنى الكرم.

 

وكذلك مثل قوله تعالى (وبلغت القلوب الحناجر)، لن يصل القلب أبدا الى مستوى الحنجرة مهما كان الفزع والخوف، ولكنه أسلوب بياني على سبيل المبالغة، من أجل البيان وليس من أجل الإخبار، وهذا من الأساليب الأدبية.

السبت، 8 نوفمبر 2025

تأملات في سورة العلق

 

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)

 

قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) أي كلام ربك، وقوله (باسم ربك) وردت أيضا في رسالة النبي سليمان لملكة سبأ، في قوله (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، فمعنى (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أن هذا الأمر منسوبٌ إلى الله، لذلك كتب سليمان أنه من سليمان وإنه بإسم الله وليس بإسم سليمان، وهذا معنى كلمة (بإسم)، ولم يذكر البسملة في الأول كما هو معتادٌ عندنا. وهنا لا يجب أن نجعل بعد إسم الله باطلا، لأننا هكذا ننسب هذا الباطل إلى الله، ونجعله بإسمه!

 

وإن صحت الرواية أنها أول ما نزل من القرآن والله أعلم بذلك، فهذا يعني أن الدين دين العلم والقراءة، إذ أول كلمة فيه هي (إقرأ)، وحتى لو لم تكن اول كلمة نزلت، فقد تكررت مرتين، وقال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وهذا في تفضيل العلم على الجهل.

 

والقرآن لقوم يعقلون، أي يعقلون ما يقرأون وما يسمعون. ولاحظ قوله (بإسم ربك الذي خلق) لأن المؤمنين والمشركين على السواء يقرّون أن الله هو الخالق. ثم خصّ بالذكر خلق الإنسان، لأن الكلام موجهٌ للإنسان الذي خلقه الله من علق، وهذا فيه اعجاز علمي، لأن أول ما تندمج البويضة الملقحة، تعلق في جدار الرحم، كأنها علقة. ومن أخبر محمدا ومن أعلمه بهذا؟ هذا إعجاز علمي من الله، بل وردت بالتفصيل: نطفة ثم علقة ثم مضغة.

 

ثم تكررت كلمة (إقرأ) أي إقرأ القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم. وهو الذي قال تعالى عنه (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)، اذن هدي النبي محمد بالقرآن، ويعني أن القرآن هو رسالة محمد. والله يقول له (اتّبع ما أنزل إليك من ربك)، أي لا تحيد عنه ولا تخرج، إلا بحكمة الرسول.

 

وقوله (إقرأ وربك الأكرم) فهو الذي خلق سبحنه، وهو الذي رزق وأكرم وأنعم، ومن أكبر نعمه أنّه علّم بالقلم : (الذي علّم بالقلم)، وهذا يدلنا على أن الله هو من علم الانسان الكتابة، وليست اكتشافا بشريا.

 

والظاهر أن الكتابة كانت منذ وجد البشر على الأرض، منذ وجد آدم، لأن الله ينزّل كُتُبه، مثلما تعلم آدم اللغة، فاللغة بموجب القرآن ليست اكتشافا بشريا، بل الله هو من علّم آدم الأسماء كلها. وإذا قلنا (الأسماء) فنحن نتكلم عن اللغة، لأن اللغة في حقيقتها هي علاقة بين أسماء، مثل (ضرب زيدٌ عمرا)، زيد وعمرو اسمان، ما حصل بينهما؟ بالفعل وبالنظام النحوي تبيّن ما علاقتهما ببعضهما، وهكذا.

 

أيضا القرآن أثبت أن الله أنزل على الإنسان الأول عندما نزل الى الأرض لباسا وريشا، قال تعالى (وأنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم)، إذن الله هو من علّم الانسان صناعة النسيج، وهو من علّم نوح صناعة السفينة، وربما تكون أول سفينة صُنعت والله أعلم، وعلّمهم صنعةَ لبوس تقيهم بأسهم، أي الدروع، وما زال الله يعلّمنا، قال تعالى (ويعلّمكم الله).

 

والله هو من أعلمنا عن الدار الآخرة من خلال الأنبياء والكتب، وهو من علمنا الشرائع والأنظمة. بل حتى المكتشفات والمخترعات هي في الآخر معتمدة على الصدفة والتجربة، وكلاهما تعليمٌ من الله. قال تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) أي من وسائل النقل. وقال (وألقى في الأرض رواسي ان تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون، وعلامات وبالنجم هم يهتدون) أي وضع العلامات لإسترشاد الأرض، كما قيل (وبضدها تتميز الأشياء).

 

وقال تعالى (علّم الإنسان ما لم يعلم)، فهو سبحانه من بعث غرابا ليري ابن آدم دفن الموتى، من أولِ تكوّنٍ بشري، وهو سبحانه الذي قال أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس، الذي ببكة، إذن الله هو من علم الانسان الدين وليس اختراعا بشريا، وهذا يبدد فكرة الإنسان الأول وتطوره، وعندما تكلم عن قدم مكة سماها بإسمها الأول (بكة)، وهذا يذكرنا بـ(بعلبك) أي بيت بعل (بعل بكّ)، وبالتالي فهي أقدم قرية على الأرض، وسماها الله أم القرى، أي كل القرى جاءت بعدها، كما تأتي البنات من الأم الأولى.

 

وبالتالي نعرف أن اللغة العربية هي أم اللغات، بدأها الله بتعليم آدم الأسماء، وحتى إسم "آدم" عربي، أي ابن التراب ومن أديم الأرض، وختمها بتعليم القرآن الذي جدد اللغة العربية. ولغتنا العربية من بعد القرآن غيرَ اللغة العربية من قبلِ القرآن، لأن القرآن بعثها على أصولها وغذّاها بمعاني ومفردات وتعابير جديدة، وهذا من أسباب إقرار العرب بأن القرآن كلام الله، لأنه صدمهم بلغة يفهمونها ولم يكونوا يستخدمونها بإطلاقها. فقد عرفوا كلمة "كافر" و"منافق" و "جهنم" و "سِجّين" و "عضين" وغيرها كثير، مع أنها لم تكن تُستخدم في لغتهم قبل القرآن، وهذا كمثال، ولذلك وصفوا القرآن بالسحر. 

 

إن الكعبة ليست بيت إبراهيم، بل بيتُ آدم، جدّده إبراهيم بعدما اندثر بوحي إلهي. قال تعالى (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) أي أن القواعد كانت موجودة في زمنه، لأنها أول بيت وضع للناس، وإبراهيم ليس أول الأنبياء. مما يعني أن آدم أول ما نزل من الجنة في مكة، وهذه كلها علوم من القرآن، في التاريخ والاجتماع واللغة وعلم الانسان والمنطق، ينبغي أن يتبناها المسلم، لأن الله يعلمنا، والقرآن يعلمنا وما يزال يعلّمنا إلى يوم القيامة.


كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ (6) أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ (8) 

 

بعد تعداد نعم الله على الإنسان، التفت إلى ردة فعل الإنسان تجاه هذه النعم، لذلك قال أنه يطغى أن رآه استغنى، وما استغناؤه هذا إلا بنعم الله، فالخير بيد الله، وليس بقدراتنا ولا بعلمنا، وقارون وفرعون مثالان على ذلك ساقهما الله لنا، هذا طغى بالمال وذاك طغى بالسلطة، وكلاهما "إنسان". وقد ذكر تعالى أنه خلق الانسان، أي ان هذه صفاته، بدليل أنك تراها في الأطفال، فالطفل منوع وجهول وشكاء وبكاء وبخيل وظلوم، وقالوا في الامثال: أبخل من طفل.

 

وكلمة الانسان في القرآن تعني الذي لم يؤمن بالله، أو أن إيمانه ضعيف لا يؤثر في مواقفه وتقييماته وتصرفاته، فالقرآن يكرر من صفات هذا الإنسان : خلق الانسان هلوعا، اذا مسه الشر جزوعا، واذا مسه الخير منوعا، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، وخلق الانسان من عجل، فأما الإنسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي اكرمن، وأحضرت الأنفس الشح، وغيرها. هذه طبيعة الانسان، وهي التي يكرسها الإنسانيون ويقصدون هذا الإنسان، الظلوم الجهول، ويقولون أن هذه هي الفطرة. لذلك الله استثنى المؤمنين الصادقين المطيعين المصلين، استثناهم من صنف "الإنسان"، ومن هنا نفهم أن الإنسان بفطرته وطبعه أناني غيور ظلوم جهول شحيح قليل الصبر، وقد قال تعالى (الذي يؤتي ماله يتزكى) أي أنه ليس زكيّا بأصله. ونحن نرى أكثر الناس هكذا، إلا من هدى الله ودخل الايمان قلبه، فيبدأ بالتغير والتزكي، قال تعالى (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ)، وعلى هذا نجد أن الأخلاق لا يمكن أن يوصل إليها بدون دين. وعلى هذا: كيف نصف الاعمال الصالحة بأنها أعمال "إنسانية"؟ الإنسان ذكره القرآن أنه ظلوم جهول، إذا افتقر اشتكى واذا اغتنى طغى، إلا الذين آمنوا. وهذا من الاعجاز الاجتماعي في القرآن، أن الإنسان سيء ولكن ليس كل إنسان شرير، فالسيء هو الذي قد يتغير ويتحسن، بينما الشرير يختار الشر والباطل على الحق حتى لو تبيّن له.

 

وقد قال تعالى (كان الناس أمة واحدة) أي أنهم كانوا "إنسانيين"، والله يسوق ذم الإنسان لكي يوضح سبب إرسال الرسل، كما قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أي رحمة من سوء تعاملهم مع الله ومع بعضهم البعض، إذ أن تعاملهم قائم على الأنانية وليس على الاخلاق، لذلك الدين الحق هدفه تحقيق الاخلاق الحقة مع الخالق والمخلوقين، وهو الذي عبّر الله عنه بالقلب السليم، أي الطاهر من الغش والكذب وغيرها من الصفات السيئة، أي القلب الزكي السليم من الامراض، وهذا لا يكون الا للمؤمنين حقا لا إدعاء. وهذا يثبت أن الأخلاق الحقيقية لا يمكن أن تكون لغير المؤمنين حقا. أما نصف الأخلاق وربعها وإدعاؤها فهذا كثير، ويسمى مجاملة، وهذا يدل على أن الأصل ليس جميلا. 

 

أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ (9) عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ (10) أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ (11) أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ (12) أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ (13) أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ (14) 

 

هذا مثال على طغيان الانسان وظلمه، ينهى عبدا ان يصلي لربه! هل هناك من مثال أوضح من هذا؟ هذا العابد الذي يصلي لربه لم يعتدي عليك ولم يضرك بشيء، فلماذا تنهاه عن الصلاة لربه؟ وقوله (أرأيت ان كان على الهدى أو أمر بالتقوى) يعني هل تأملت إن كان فعله هذا عن هدى أو تقوى من الله؟ أم عن ظلم وفساد؟ فهو كذّب بمعنى أنكر، واستخدم كلمة "كذّب" لأنها من جذر الكذب، والكذب خلاف الصدق، أي انه اتهم الرسول بالكذب، وكذلك تولّى، أي أنه مصرّ على موقفه قولا وعملا، فهو غير متأكد، لكنه يبدو كالمتأكد من ظنونه. وقوله (ألم يعلم بأن الله يرى) أي يراك وأنت تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف. والقرآن يستعمل مفردة الكذب بمعنى الإنكار، ويصفهم بالمكذبين، لأن الجذر هو الكذب، أي أن تكذيبهم هذا كذب، وهذه هي الحقيقة. قال تعالى (وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم)، ولم يصفهم القرآن بالمنكرين، وهذا من الاعجاز البلاغي في القرآن. وإلا فهم منكرون، ولكن سماهم مكذّبين، لأن هذه أوجع لأنفسهم أن يوصفوا بالكذب، وهي حقيقة أمرهم أنهم كذبوا على أنفسهم.

 

كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ (16) فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ (17) سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ (19)

 

قوله (لنسفعن) السفع هو الجذب بقوة من مقدمة شعر رأسه، كما قال تعالى في آية أخرى (يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام) إلى جهنم حمانا الله وإياكم. تلك الناصية الكاذبة الخاطئة. ولاحظ قوله (كاذبة) أي أن المُكَذّب أصبح كاذبا. وقال (فليدع ناديه) والنادي هو من يستطيع ان يناديهم وغالبا ما يكونوا مجتمعين في مكان واحد، وسمي المكان ناديا. والمعنى أنه في يوم القيامة ليدع ناديه، أو أولياؤه أو من يعبدهم من دون الله، إذ كلهم آتٍ الحساب فردا، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وابيه، وقال (سندع الزبانية) والزبانية مأخوذة من الزبن وهو الدفع، ثم أطلقت على الاعوان والشرط. ويقصد بها ملائكة النار التسعة عشر.

 

وقوله تعالى (كلا لا تطعه واسجد واقترب) هذا من حماية الله تعالى لعبيده، ومنهم رسول الله، فالله يدافع عن الذين آمنوا. وحتى لو كان للسورة سبب نزول، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. في المقطع السابق تكررت كلمة أرأيت، وفي المقطع الأخير تكررت كلمة كلا، وكلمة كلا أعطت الكلام قوة، وكلاهما استفتاحية. ولا تجد أجمل من استفتاحات القرآن. مثل أرأيت و كلا و لا اقسم، والحروف المقطعة، كلها تستخدم للاستفتاح ولفت الانتباه. ولاحظ أنه عبّر عن الصلاة بالسجود.

الاثنين، 3 فبراير 2025

الإنسان كائن مؤمن ..

من الخطأ اقحام الاسئلة العقلانية في المواضيع الشعورية والايمانية والغيبية، ونحن كبشر كل حياتنا قائمة على الايمانات، ثقتك بصديقك وابيك وامك كلها تسير على الثقة، إذ توجد حوادث غدر وخيانة من اصدقاء وازواج وغيرهم، اذن لا يوجد منطق مانع لاي شيء، بل ايمانات.


تسير على السلم او الدرج وانت تثق فيه، لماذا لا تخاف ان يوقعك؟ لأنك تسير عليه بموجب الثقة، تسكن في عمارة متعددة الادوار، هل تضمن عدم حدوث هزة ارضية او عدم وقوع المبنى؟ طبعا لا، هذا يعني ان الشعور يحتاج ايمانات، وبالنسبة للاسئلة الوجودية فحالها حال الاسئلة الواقعية، اذ الاجابات ستكون شعورية ايمانية، وكيف تريد اجابات عقلية على اسئلة وجودية بينما المسائل الواقعية تسير عليها بايمانات؟ تجد نفسك تثق بسيارتك، هل انت تضمن عقليا انها لن تتعطل عليك في لحظة ما او تحترق وانت فيها؟ تركب الطائرة بالثقة والإيمان، مع انك تعلم حوادث الطائرات التي وقعت ولم ينج احد من الركاب، لكن مع ذلك تسافر بالطائرة، اذن هذا ايمان وثقة. 

الايمان ليس خاصا بالدين، كل شيء يدخل فيه ايمانه، حتى الالحاد، لان الالحاد يخبرك عن ماذا كان في الماضي والحاضر والمستقبل مثله مثل بقية الاديان. ان تطلب إجابات قطعية عقلية مانعة في امور غيبية، هذا مثل من يضع شروط تعجيزية، لانك لم تطلبها في امور حياتك التي قلنا انها تمشي بالايمان والثقة.

اذا حصلت على هذا الايمان الذي يؤيده العقل ولكن ليس قطعيا بالطبع، حينها ستتبخر الاسئلة وترجع اسهم الاسئلة اليك : هل قمت بذاك الواجب ام لا؟ هل انا اضيع وقتي ام لا؟ الايمان يجعل الاسئلة بدل ان تتوجه الى الله تتوجه اليك، وهذا هو الطريق البناء لاصلاح النفس، قال تعالى (لمن شاء منكم ان يستقيم). انظر الى المتشككين والملاحدة يعانون من فرط التفكير الذي هو اسئلة بلا اجابات، وهذا يسمى التفكير الضاغط المر، ويسمى احيانا المرضي، يشبه حالة الغثيان، تفكير غير منتج ولكنه ضاغط يحرك نفسه بنفسه بدون طلب، وسببه واضح، وهو ان ذلك الشخص لم يفسح المجال للايمان في المواضيع الوجودية الكبرى بينما فسح لها في الامور الحياتية الصغرى كالثقة بالصديق او التلفريك او الطائرة، لكنه لم يستطع ان يؤمن ان لهذا العالم خالق، أعطى كل شيء خلقه ثم هداه، وكل شيء فيه موزون ومتقن ويقوم بوظيفته الغائية.

اذن الانسان مخلوق مؤمن، ومعاناته اذا فقد الايمان او شيئا من الايمانات، وتاريخ البشرية يثبت هذا، لان كل الحضارات فيها اديان، بينما الالحاد فكرة جديدة على البشرية ظهرت في القرن الثامن عشر. لو يستمر الانسان في ان لا يتحرك الا بأدلة قطعية الثبوت وكاملة وجامعة ومانعة لتَحَوّل الى عالم الوسواس القهري، أصحاب الوسواس القهري هم أناس فقدوا الايمان في بعض الامور الحياتية، تجد أحدهم يغلق الابواب ثم يتشكك: هل انا اغلقتها هذا اليوم ام امس - مثلا - ؟ ما الذي يضمن؟ انها الذاكرة فقط، علي ان اتاكد مرة اخرى. وهكذا كلما زاد التكرر كلما زاد الوسواس.