الأربعاء، 25 فبراير 2015

لماذا يهتم الناس بالقصص والافلام والروايات؟


جانب من جوانب اعجاب الناس بالقصص والروايات والافلام هو جانب التعلم، فمثلا ينظرون كيف العروس تلبس وكيف يكون الاحتفال بها لكي يقتبسونه لحياتهم، وكذلك المواقف والتصرفات المفاجئة وردود الافعال والرد على الكلمات والتهجم الخ، وكأنه يساهم في بناء شخصية الإنسان، لأن كل إنسان يبحث عن القدوة الافضل في كل شيء.

جانب آخر : وهو متابعة القصة والحبكة، لأن شيئا له بداية تريد ان تعرف نهايته والمداخلات التي فيه، لأنه يوجد مثير أو مقدمة مثيرة ويريد أن يعرف الحل ، بحثا عن حاجات الشعور، علّه يجد شيئا يساعده في بناء شخصيته. لهذا فالاطفال يعشقون القصة اكثر من المتقدمين في السن.

وجانب آخر وهو الشخصيات، وهو مهم جدا، لأنه مثير وجذاب ، كلما تنوعت الشخصيات كلما وجد الانسان شخصية تعجبه، وهو تابع ايضا للبحث عن القدوة.

عند وصول الشخص الى القدوة الطبيعي الذي يبحث عنه الشعور، يخف عنه الاهتمام بالقصص والروايات ، ويبدأ يتحول النظر اليها الى متشابه، فهي افلام وقصص مختلفة لكنها في الاخير متشابهة.

من الدوافع ايضا : تجريب النفس من خلال القصة، بحيث تجعل نفسك مكان البطل، وترى : هل سيقدم البطل رأيا وتصرفا أفضل من رأيك ام لا. فتعمل نفسك "البطل الرديف" ، فإذا قدّم ما هو اعلى منك ولا تستطيعه اصبحت الشخصية لا تُنسى ، وإذا قدّمتَ افضلَ منه (في خيالك طبعا) سيتحول إلى دور ثانوي (كومبارس) ..

من الدوافع ايضا : نصرة الفضيلة والحماس الذي يأتي ويزداد مع عقدة القصة وحبكتها، لهذا يصاب بخيبة أمل عندما تُبتر القصة أو تنتهي نهاية غير سعيدة. و كل قصة لا يتضح فيها الخير أو الشر فاشلة، والأفشل منها ما ينتصر فيه الشر على الخير ..

هناك دوافع شكلية وسياحية مثل : التعرف على الأثاث والديكور والملابس ومناسبتها للمناسبات الاجتماعية، والمعالم السياحية والآثار ، والبحث عن جديد في هذه الامور، وهذا الدافع عند المرأة اكبر بشكل عام، بسبب ارتباطها بالمنزل والأسرة. ولا يعمم على الجميع، فهي تريد أن تعرف العالم من حولها من خلال الشاشة او الرواية، كرحلة سياحية.

وايضا من الدوافع : التعلم على الكلام، سواء من لغة ثانية او من نفس اللغة، لان الجميع في القصة والفيلم لديهم حضور بديهة.

هناك ايضا دوافع فكاهية، لانه لا تخلو القصة مهما كانت من موقف طريف أو شخصيات ظريفة.

ايضا الدافع الثقافي، فلا بد في كل قصة من معلومات جديدة ، لأن كل قصة تركز على بيئة جغرافية واجتماعية في زمان محدد، لأن الزمان والمكان من وحدات بناء القصة. هذا عدا اكتساب ثقافة لغوية وعادات وتقاليد من مجتمعات اخرى ، بما في ذلك أمثال وعبارات واستعارات وصور وطرق تفكير الى غير ذلك .. ولهذا صارت الافلام والروايات من اقوى عوامل نشر الثقافة الغربية مثلا. فمدمن الافلام الغربية عادة يأخذ حياته الاسلوب الغربي.

ايضا من الدوافع : تشغيل الخيال، وما يأتي به الخيال أجمل، بعبارة اخرى: أنت تستمتع بخيالك اكثر مما يُقدَّمه خيال غيرك .. لهذا القصص التي نقرأها تُشبِع الناحية الخيالية اكثر من تصوير نفس القصة على هيئة فيلم، لأنه يقلل دور الخيال، بل نصاب بالإحباط عندما تُمثَّل قصص قرأناها. لهذا الاطفال يحبون الشخصيات الكرتونية اكثر من الشخصيات الحقيقية، فمثلا قصة هايدي او روبنسون كروزو تمثل للأطفال بالكارتون افضل من شخصيات حقيقية لا تجذب انتباه الاطفال، لأنها اقل في إعمال الخيال ..

إن الانسان يعيش في الخيال اكثر من الواقع، أليسوا يقولون (لا حياة بلا امل)؟ والامل شيء لم يتحقق في الواقع .. وهذا يدلنا على ان التفكير الواقعي البحت والادب الواقعي شيء لا تبحث عنه النفوس، ولهذا هو فاشل، فالقصص الكلاسيكية والرومانسية تلاقي اقبالا اكثر من القصص الواقعية، مع ان الموضة في الادب الواقعي. وهذا يكشف لنا اهتمام الانسان بالدين والاخرة والحياة بعد الموت، وكأن شعور الانسان يعرف ان الواقع ليس نهاية المطاف كما يريد الماديون والأدب الملحد الفاشل مع الانسان الذي رضي بالحياة الدنيا واطمئن لها ولواقعها.

الاثنين، 23 فبراير 2015

معجزة حفظ القرآن


من العجيب أنه على كثرة الحروب والاختلافات التي صارت بين المسلمين إلى درجة تكفير بعضهم بعضا إلا أنهم لم يختلفوا على القرآن, فلم تظهر فئة تقول أن قرآنكم خطأ وقرآننا صحيح, بل الجميع متفقون على كل آية في القرآن, وحتى من اختلفوا مع عثمان رضي الله عنه لم يختلفوا مع المصحف الذي جمعه, وهذا دليل على حفظ الله سبحانه للقرآن. لا يوجد كتاب أتانا منذ أكثر من ألف سنة وموثَّق مثل القرآن, وجاء رغم كل الاختلافات بين المسلمين, فلا أحد تجرأ أن يغير فيه ويدس فيه؛ لعلمه أنه سيفضح, لأن جميع المسلمين مجتمعين على المصحف. هناك فرِق خارجة عن الإجماع وخارجة عن الخلافة وخارجة عن الإسلام نفسه لكنها لم تخرج عن القرآن! هذا أمر عجيب, وهنالك أقاليم بعيدة عن مكة وعن العرب وبإمكانهم أن يزيدوا ويحرفوا. لماذا ضاع الإنجيل واختلف وصار عشرات الأناجيل -غير الأناجيل المفقودة- بينما القرآن محفوظ رغم اختلاف المسلمين؟ مع أنه ليس بينهما فارق زمني كبير, فالقرآن قبل 1400 سنة والإنجيل 2000 سنة, وحدث ولا حرج عن تحريف التوراة.

حفظ القرآن أعجوبة ومعجزة, العرب خطباء وبلغاء فعجيب أنهم لم يصنعوا مصحفا, لكن يظل لا اختلاف على القرآن ولا نص منافس له. فلم يظهر عدة نصوص للقرآن ونحتار أيها القرآن الصحيح. هذه معجزة فعلا, فالقرآن نزل منذ وقت بعيد وكان العرب أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب, وكان هنالك صراعات سياسية والسياسي قادر على أن يجمع البلغاء والأدباء والمفكرين ليصنعوا مصحفا آخر, ولكن ما حصل هو أن حتى أطغى الطغاة خدموا حفظ القرآن. الله شاء أن يكون المصحف واحدا ولا تحتار أيهما الصحيح, ليكون مثابة للناس ونورا لمن يبحث عن طريق الله. ولو فكر الملحد في حفظ الله للقرآن فقط لكفاه ليصدق أنه من الله.


هنالك محاولات شاذة لتحريف القرآن ولكنها لا يعتد بها لأنها مفضوحة ومحط سخرية بين المسلمين ولم تسبب انقساما بينهم, المفترض أن يأتي من يقدم نورا آخر وكلاما جديدا أرفع مستوى من القرآن وأكثر شمولية وأجمل أدبيا وأقوى بلاغيا..إلخ, بحيث يغطي على القرآن ويجعل الناس يختلفون أيهما نصدق هذا القرآن أو هذا, وهذا مالم يحصل, إذن القرآن محفوظ.

التشابه بين القرآن والطبيعة ..



القرآن جد, وأسلوبه الجاد يذكرك بجد الحقيقة والطبيعة, مثل الحريق التي إذا اشتعلت لا تداهن ولا تجامل, ومع الجد مقترنٌ الجمال, مثل البحر والوادي والسيول, فكل شيء موجود في الطبيعة, جميعا يأتي الجمال والقسوة والرقة.. جمال وجلال.. جمال مع خوف ومع رجاء.. مثل الرعد ومثل الصواعق هنالك جمال وخوف ورجاء وكل شيء.. إلا الهزل, فالهزل هو الشيء الوحيد غير الموجود في الطبيعة, {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}, كل هذا هو الطبيعة وكل هذا موجود في القرآن: {إنه قول فصل وما هو بالهزل}. ولاحظ أن القرآن يصف الكفار بأنهم يلعبون. هذا الفصل بين الجد والهزل يكفيك لتصدق بالقرآن, فهذا الفصل لم نعرفه في الفلسفات ولا في الأديان الأخرى, والضحك كله أساسا هو ضحك على عدم الجدية. الشعور الإنساني جاد ولا يلعب حتى لو لعبت أنت, وكلما تقترب من الحقيقة كلما تكون جادا أكثر.  

لا تدين إلا بنية الخير والصلاح والمعروف



لا يتدين الإنسان تدينا حقيقيا إلا بنية الخير, و أن يعرف بأن الله خيّر, هذا من أصول العقيدة بموجب القرآن. لهذا من يمارس الشر من خلال الدين ظانا أنه من الدين لا يمكن أن نقول أن نيته خير, مثل من يقتل أناس بريئين و يعتدي عليهم بغطاء من دينه, هو يعلم أن هذا العمل نفسه ليس خيّرا, فهذا ليس دافعه الخير بل حسبة مصالح, فقالوا له أنك ستكون شهيدا و تنتظرك الحور العين و ستدخل الجنة مباشرة و غيرها من الإغراءات, دون أن يركزوا له على خيرية العمل, ركزوا على الجزاء (وهو المصلحة) ولم يبينوا له خيرية العمل ولا أمر الله بالخير الذي هو طريق الله, فهو حين يقتل كل المخالفين له في الدين أو في المذهب هو يخالف القرآن في الآيات التي تتعلق بهذا الأمر, فهو يعتدي والقرآن يقول {لا تعتدوا}, يبلغ بالسكين و الله يقول {بالحكمة والموعظة الحسنة}, يضره من ضل و الله يقول {لا يضركم من ضل}, الله يقول {الذين لا يريدون علوا في الأرض} و هو يريد علوا ومكانة و جنة أرضية أو جنة سماوية ومشغول بهما عن التأكد من خيرية ما يعمل, لدرجة أنه لو مات بسببه مظلومون يقول : يُبعثون على نيتهم! و كأن المشكلة أن حقهم عند الله سيضيع! هو لن يضيع, المشكلة في الظلم الواقع عليهم منه هل يتحمله أم لا! فليست المشكلة مشكلتهم بل مشكلته هو! هو نقلها من مشكلته هو إلى مشكلتهم. الله حدد من يستحق القتل بالكافر المعتدي أو الفئة الباغية أو قاتل النفس بغير حق, فكيف يكون مجاهدا في سبيل الله؟ هذا سبيل الله, فسبيل الله يحدده الله وليس نحن, هؤلاء لا ينطبق عليهم وصف أنهم جاهدوا في سبيل الله بل جاهدوا في سبيل الجنة و الوعود, أو العزة والتمكين في الأرض. المؤمن رغبة الخير هي التي جعلته يؤمن بالله الذي يحث على الخير, وهي نفسها التي تجعله يجاهد في سبيل الله إذا اقتضى الأمر, إذن أول شيء يجب أن يهتم به هو خيرية ما يعمل و صلاحه, والله أمرنا بعمل الصالحات أي يجب أن نتأكد أنها فعلا صالحات, ونهى عن الأخذ بالظن والاستعجال بالشر والجهر به والفرح على عيوب الناس, وكل مجهود في مثل هذا المجال ليس من سبيل الله.

تركيزهم على الجزاء من العمل و إهمال خيريته هو عكس هدي القرآن, فالقرآن عندما حرض المؤمنين على قتال كفار قريش لم يكتف بوعدهم بالجنة بل شرح لهم خيرية العمل و أثبت أنهم مظلومين و أن كفار قريش هم المعتدين وأنهم فتنوا الناس وعذبوهم بلا ذنب, فحدد العدو وحدد الموقف الأخلاقي وهو موقف المدافعين وليس المعتدين, ووضح فساد أخلاق هؤلاء الأعداء ونكثهم للعهود وتكبرهم وظلمهم وفتنتهم للذين آمنوا وإخراجهم الرسول, كقوله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}, فالعمل نفسه أثبت لهم القرآن أنه خيّر. لهذا من يعتدي باسم الدين بدافع المصالح التي أغروه بها -سواء دنيوية أو أخروية أو بهما معا- ليس دافعه الخير. وهذا لا يعني تشكيكا في أجر الشهيد في سبيل الله فهو لاشك أجره عظيم, لكن المشكلة بالتركيز على أجر الشهيد دون التركيز على خيرية العمل الذي يقوم به و أنه ليس شرا, فالله لا يعبد بالشّر وليس الشر طريقا إلى الجنة, و الموت في سبيل الشر ليس شهادة, فبماذا سيَشهد؟!

المشكلة أن مِن هؤلاء مَن يريدون الخير لكنهم أخذوا الدين كأيديولوجية وأوامر ونواهي لا تُعرَف حكمتها بل كما وردت و نُقلت أو استُنبِطت و شاعات, تلك الأيديولوجية تجبرهم أن يقمعوا دوافع الخير فيهم و تحرك دوافع المصلحة.

حتى تؤمن بالله يجب أن تعرف الله, لا أن تعرف جزاء الله ووعوده وجنته وحسب, الله أمر بالعدل والإحسان والبر, و قتل الأبرياء ليس فيه عدل و لا بر بل ظلم و اعتداء, وهو منكر إذا كان المنكر ما تناكره الناس كما هو تعريف المنكر, و العالَم هو الناس. والله قال جاهدوا في سبيل الله وليس في سبيل الجنة, و سبيل الله هو الخير كما يحدد معالمه القرآن. ذلك الذي يمارس الشر من خلال الدين هو مؤمن فعلا لكنه ليس مرتبطا بالخير, فهو يؤمن بالله ورسوله وكتبه و جنته و ناره وكلها تعني معاني الخير, لهذا تجد مثل هؤلاء يَعتبرون ما يؤمنون به يقينا قطعيا و ليس ظنيا, مع أنهم لم يروا الوعود الغيبية التي يقدمها دينهم مثل الجنة و الحساب في الآخرة, و هو بهذا مثل من هو مؤمن جدا بالشيوعية و وعودها ومستعد أن يضحي لأجلها.

إذن الإسلام والإيمان الذي أراده الله هو الإيمان بالله الخيّر, و هذا هو الإيمان الراسخ و المستبصر وهو الذي لا يزول أو يتأثر بالتقلبات بإذن الله, أما الإيمان الأيديولوجي فهو معرّض للسقوط أو الشروخ كلما تواجه مع الحياة و الواقع و النجاح و الفشل. وما الملحدون إلا مؤمنون سابقون لكنه إيمان غير مستبصر. ولا يمكن الاستبصار إلا على أساس الفضيلة والخير, و هو ما سماه الله بالمعروف, فلا يُعرف إلا الشيء الخيّر أي الحق, لأن المعرفة أساسها الشعور الفطري. لهذا الله ذكر لنا أسماءه في القرآن؛ لكي نعرفه, فليس لله اسم واحد مثل الأصنام, بل ذكر الصفات التي نحبها مثل الغفور الرحيم الحليم الشكور إلخ.., فعن طريق الخير نؤمن بالله و نحبه و نعرفه, لأن الله خيّر وصفاته صفات خيّرة لا تحتوي على أي شر, والمعروف معروف لأنه خيْر.

الخطورة تأتي من عزل الدين عن الأخلاق, لأنه بهذا يمكن أن يُستعمل الدين في الشر الخالص لأنه فُصِل عن أساسه الأخلاقي وصار أيديولوجية. الله ذكر في القرآن صورا من الشر, مثل قوله :{والله لا يحب الظالمين}, {إن الله لا يحب المعتدين}, {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}, {بأي ذنب قتلت}, أين من قتل الناس الأبرياء -لأجل ضغوط ومصالح صاروا هم وقودها- من هذه الآيات؟ مع أن القرار ليس بيد أولئك الأبرياء, لكن ليُضغَط بهم على من بيده القرار لأنهم هدف سهل, وكل من لا يملك قرارا في موضوع ما ولم يشارك فيه هو بريء في ذلك الموضوع. الإنسان العادي يستطيع أن يحس و يرحم فأين هو منها؟ لهذا تستغرب من مشهد شخص مظهره متدين لكنه سريع في الشر بطيء في الخير, يحب أن يغتاب الناس ويؤذيهم و مستعد أن يسرق و يكذب لأجل مصالحه ويسمي كل ذلك خير, بينما هو غير معروف و لم يتعارف الناس على خيريته. هذا لأن دينه فُصِل عن الأخلاق وبالتالي لم يعد متدينا حقيقةً بل متبع لأيديولوجية مصلحية قد لا يعرف دوافعها.

بعض الناس لا يريدون أن يُربط الدين بالأخلاق, لأنه حينئذ لو مارس عمل غير أخلاقي فسيحاسبه الناس بناء على الأخلاق, لكنه يحتج بأنه متبع لنصوص دينه, ونصوص دينه هي الخير لكن نحن لا ندري, فالحسن والقبيح والأخلاق و اللاأخلاق يراها بمعاكسة أوامر الدين وليست شيئا معروفا بالفطرة كما سمى الله الأخلاق والخير بالمعروف. وينتقي بعض النصوص التي تناسب هواه ويهمل غيرها أو يؤولها.
إذن قاعدة "لا حسن إلا ما حسنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع" خطأ, لأن الشرع لا يمكن أن يغطي كل شيء, فليس صحيحا أن كل شيء سكت عنه الشرع ولم يذكره نصا هو مباح وحسن, لأن هناك أشياء منكرة لكن لم تُذكر, وإلا لقال الله: يأمرون بالشرع وينهون عن خلافه, بدلا من: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}. من يؤمن بهذا سيكون في حلٍّ من مرجعية الأخلاق في الأفكار والسلوك و فقط متقيد بهل ورد تحريم لذلك الشيء بذاته أم لم يرد, و حتى عقله سيكون ضعيفا لأنه منفصل عن شعوره وحسه الأخلاقي ومرتبط فقط بالمصلحة و بما يعرف من نصوص وشرع وكيف تؤوَّل أو تقاس. الشرع خيّر لكنه لم يذكر كل الخير, الشرع محدد لكن الخير غير محدد, لذلك الله حث على الخير والبر والتقوى وقال: {و بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يحدد الصالحات لأنها لا تحصى, لكن منطق تلك الفكرة يحصي الخير ويحدده والخير لا يحصى وأيضا يحصي الشر والشر لا يحصى. تلك فكرة علمانية دينية تفصل الدين عن أكثر الحياة وتحدده في جزء محدد منها الذي غطاه الشرع. هل الشرع ذكر شيئا عن تلوث الجو بأدخنة المصانع؟ أو كفن الزوجة إذا توفيت مثلا؟ لهذا أكثر الفقه اجتهادات و استنباطات, ولهذا يقال : مذهب الفقيه فلان أو الفقيه فلان, وكلمة مذهب تعني فهم, أي فهم فلان. و لو كان كل شيء مذكور بالشرع لما احتاج الفقهاء للاستنباط و القياس, ولصار أي أحد عالما بمجرد معرفته بالنصوص.


الله خلق الإنسان بفطرة و أساس خير وتكلم في كتابه عن العموم لكي نقيس عليها و نفصّل منها, و لو كان الإنسان بلا فطرة خيّرة لقدم الله له رسالة مفصلة عن الخير. لو كان الخير كله مذكور في الشرع بتفاصيله لما دعا الشرع لعمل الخير والصالحات و ترك الباطل والشر, فهذه كلها كلمات عامة وكونها عامة دليل أنه لا يمكن إحصاؤها, فالحياة واسعة و متغيرة, ولهذا تأتي استفسارات و استفتاءات جديدة من الناس كل يوم. والله تكلم عن الاستنباط, وهذا يدل أن النصوص لم تغطي الحياة لهذا يستنبطون.