الأربعاء، 30 يوليو، 2014

حول الصلاة والتأمل : تعليقات على موضوع (الصلاة كما يجب وبعيون جديدة) للكاتبة / سعاد سليمان ..


الصلاة كما يجب وبعيون جديدة
Posted on يناير 3, 2014
يقولون… الفرق بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر
ويقولون… الصلاة يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر
ويقولون… مروهم بها لسبع واضربوهم لعشر
ويقولون ويقولون ويقولون
ولكن الله سبحانه وتعالى خلق لنا عقل يميز وقدرة على الاختيار ويجب أن لانفعل فقط لأنهم يقولون ولكن نفكر بانفسنا ونقرر.
ماهي الصلاة؟
ولماذا نصلي؟
وكيف نصلي؟
وهل حقاً نريد أن نصلي؟
إذا كنت تصلي لأنك يجب أن تصلي وتقوم بها بطريقة “آداء الواجب” فأنت تضيع وقتك. البعض يشيل هم الصلاة إلى أن ينجزها وبمجرد مايسلم يتنفس بعمممق ولسان حاله يقول “وه وأخيراً خلصت وافتكيت”! وقد يكون سبب تنفسه العميق أنه من العجله والزهق كان كاتم تنفسه أغلب الصلاة يعني مثلاً يقرأ الفاتحه سحبه وحده وبنفس واحد ويسجد ويركع بنفس واحد. حتى ريحة سجادته ماقد شمها.
لماذ تصلي؟ اسأل نفسك من المستفيد من الصلاة؟ هل هو أنت أم الله سبحانه؟
طبعاً الله سبحانه لا يستفيد من صلاتك ولا له مصلحة فيها. إذن يفترض أن تكون أنت هو المستفيد منها. قد يقول لك البعض أنك إذا ماصليت بتروح النار لأنك كافر ولو آخرتها مجرد تأخير فإن عقابك شديد وكلنا نتذكر الأقرع الحابس وصولاته وجولاته في القبور وبين الميتين! شوية منطق ياجدعان! كيف أُعاقب على أن ضريت نفسي بعقاب يسبب لي ضرر أكبر! يستحيل ذلك وهو غير منطقي بتاتاً البته. سأضرب مثال لشرح هذه النقطة. لنفترض أن أمك الي تحبك طلبت منك أن تأكل خضار بشكل يومي لتحافظ على صحتك. جيد جداً إلى هنا تمام، ولكن لنفرض أنها قالت لك إذا ماكلت خضار يومياً بعاقبك وعقابك سيكون القتل شنقاً، هل يُعقل ذلك! لانك تحبيني وتريدين أن أحافظ على صحتي تحثيني على أكل الخضار ولكن بقتلك لي تضريني ضرر أكبر من إعتلال الصحة. ونفس الشي مع الصلاة، جعلها الله لمصلحتنا ولذلك يستحيل أن تكون عقوبة إضرارنا بأنفسنا هي أكبر الضرر، النار.
نحن نصلي من أجل أرواحنا. الروح تمرض وتعتل وتحتاج إلى الصلاة والحب وأشياء آخرى. كل الديانات عندهم صلاة وأغلب البشر يصلون. الصلاة فكرتها واضحه وبسيطة وهي واحدة في كل الديانات مهما اختلفت هيئتها.
روح الصلاة هو “التأمل” والتأمل هنا ليس “التفكر” ولكن إنقاص حدة الأفكار للحد الادنى الممكن. لذلك كل الصلوات في مختلف الطقوس تطلب من المصلي أن لا يفكر في شيء اثناء الصلاة وأن يخرج من الدنيا وهمومها ويكون فقط في صلاته. لذلك يجب أن تخشع وتُغمض عينيك أو تنظر للأرض.
في الصلاة يجب أن تتنفس بعمق وتوقف الأفكار وهذا يسمى “مدتيشن” أو جلسات التأمل” وهي حاجة ضروريه للحفاظ على صحة الإنسان جيده وروحه متقده. ينصح بعض العلماء كديباك شوبرا، وهو طبيب أعصاب أمريكي من اصل هندي، أن يتأمل الإنسان على الأقل مرتين في اليوم. جلسة الصباح وجلسة الليل ومدة كل جلسه فيهم نصف ساعة. لانحتاج أن نفعل مايقوله شوبرا بالتمام ولكن قد نستبدله بخمس جلسات تأمل مدة كل جلسة فيهم ربع ساعة مثلا وهذه هي صلاة المسلمين.
هذه هي الصلاة في كل الديانات هي جلسة تأمل وليست تمارين رياضية، ركوع سجود سجود ركوع. تراقب البعض وهو يصلي تحسبه يسوي تمارين الصباح من سرعته. حتى من يبطء في صلاته فهو يبطء فقط لأنه حرام يسرع وحتى لا يكون ينقرها نقر الغراب وليس لانه فاهم لماذاء نبطء ولماذا نصلي. والصلاة أيضاً ليست مجرد اداء واجب. هي فعلاً مهمة ومفيدة لك كإنسان حتى ولو كنت ملحد.
لهذا نصلي
وهذه هي الصلاة
وهكذا مفترض أن نصلي
نركز على التنفس وعلى مانقوله مع التشديد على الكلمات الإيجابيه. التركيز ليس بالفهم ولكن بالاستشعار. التركيز على الحمد، الشكر، الرحمن، الرحيم، التسبيح. هذه الكلمات طاقتها عاليه ومجرد ترديدها واستشعارها علاج.
ستساعدك الصلاة وستحبها ولن تصبح مجرد هم ماتصدق تتخلص منه. ولكن نقطة أخيرة مهمة ساضيفها قبل أن أختم وهي أنك لست مجبراً أن تصلي (كما في مثال الأم والخضروات). احساسك أنها اختيار انت قمت به وليس إجبار سيجعلك تحبها أكثر وتقبل عليها بانفتاح أكبر وتؤديها كما يجب. ولكي تثبت لنفسك أنك لست مجبراً جرب تركها لفتره ثم عد إليها بروح مختلفه وبعيون جديدة. ادها بالطريقة الصحيحة وحبها. وللإستزاده أقرأ عن المدتيشن وأي شي موجود في المدتيشن ممكن نطبقه في الصلاة أو تمددها وتضيف إليها.
أشكركم وأحبكم واتمنى لكم سنة جديدة جميلة جداً مليئه بالتجارب الروحيه العميقة


التعليق :

تحية طيبة اخت سعاد، وكل عام وأنتي بخير ..

في الحقيقة طلب أحد زوار مدونتي التعليق على موضوع كتبتيه في مدونتك ، بعنوان : "الصلاة كما يجب وبعيون جديدة" ، فأبديت وجهة نظري في الموضوع من خلال هذا الرد الذي نشرته في مدونتي، لعلّه يتضح موضوع الصلاة أكثر، أو أن أكون مخطئا فأستفيد من تصحيحك، وأنتي أحق بالإطلاع عليه، وسوف أستفيد بلا شك من ردّك وحوارك .. ومعذرة لك وشكرا ..

يبدو انه حصل لبس عندك بين الشجاع الاقرع ، وهو الثعبان المذكور ، والاقرع بن حابس التميمي القائد المشهور، وصار اللبس بشكل الاقرع الحابس. وليس هذا المهم طبعا.

هذا التناول للدين ومثاله الصلاة، لا يجعل الدين هو المسيطر على الحياة، بل نحن من يسيطر، وترى لو لم يقل الدكتور شوبرا أو لم نعرف اليوغا والرياضة الروحية، ماذا سيكون رأينا في الصلاة ؟ فهل يعقل أن نأخذ قيمة الصلاة من غير المسلمين ولقصد طب نفسي بحت؟ هذا تفريغ للدين من مضمونه. أي أنه خروج من الدين وانتقاء منه بعد الخروج منه، وكأن هذا المسلك التوفيقي (أو التلفيقي) وضع لأجل أن يجمع عدة فوائد ، فيسلم من مشاكل إعلان الالحاد وما يتبعه من دموع الاقارب او الردة، و بين الاستفادة من الصلاة استفادة شخصية نفسية صحية. وهذا لا يدل على ان الصلاة هي الاهم ولا ان الله هو الاهم، بل الذات هي الاهم، ووصايا المعالجين الروحانيين هي الاهم، وأفكار الماديين عن الحياة والوجود هي الأهم، والله لا يقبل أي شريك معه .

يجب أن يكون الله هو الاكبر في حياتنا، هذا هو شرط الدين ودخوله، أن يكون الله اكبر ونكون نحن عبيداً له ومتدبرين لكلامه، أي كلامه هو إمامنا، وإلا فنحن نخادعه عندما نقول "الله اكبر" بينما يوجد ما هو اكبر منه ، والخداع ابعد ما يكون عن الروحانية. وهذا معنى كلمة "إسلام" أي تسليم الذات لخالقها، وهنا راحة الروح، بدليل حاجة كثير من الملاحدة لما يشبه العبادة، ويسمونه بالروحانية، فكأنهم يرطّبون أرواحهم الجافة بشيء يشبه العبادة والخضوع. لكن المسكنات لا تفيد، والسراب لا يروي وما أروى .

الروح لا تريد لحظات متفرقة، بل تريد حياة مترابطة بالكامل، مرتبطة بهدف سامي ومرتبطة بالوجود والمصير. تريد أن تدخل في نظام الكون، ولا تكون نشازا وتمردا على هذا النظام الهائل المعقد المترابط الجميل. تريد ان تذوب في الجمال، وما الجمال الا تناسق وترابط وتفاهم، وكلما زاد الترابط كلما زاد الجمال. تخيلي أن الصلاة تربطك بمن ابدع كل هذا الجمال مباشرة، وجها لوجه، ذلك الجمال المحرق الذي تجلى للجبل فصار دكا و خرّ موسى صعقا. لا روحانيات في معزل عن العقل ولا الاخلاق، بل هي تأتي منها، فالتأمل و التدبر هو التقاء العقل مع القلب باختصار، وهذا ما ينتج السعادة دائما : التقاء القلب مع العقل، وبغير ذلك تسمى حالة تخدير او هيستريا، كما يحصل في رقص السماح أو الزار.

الدين الصحيح هو الذي يجمع كل شيء فاضل وحسن وكل جهات الإنسان تأخذ حقها من الإشعاع والنور. أما روحانية الملاحدة فهي ضياء في بواطنه ظلام، وحتى إنسانيتهم مثل ذلك، أي في بواطنها لا إنسانية .

العبودية الحقيقية لا تجعل فينا شيء يصارع شيئا آخر، ولا تنظر الى الكون على انه يتصارع كما ينظر الملحد، بل تنظر الى الانسجام الذي يرصده العلم، فما العلم الا راصد لجمال هذا الكون. أي لنظامه. وهذه العبودية الحقيقية تنسجم مع عقولنا ومنطقنا ومع حسّنا الاخلاقي ، مُشوّهوا الدين من داخله وخارجه وعبر الزمن سببوا مثل هذه النشازات على القلوب الطيبة التي تريد الارتباط الكامل بعالم الجمال. علينا ان نكون واعين ولا نكون امعة، القرآن أمرنا ان نعبد الله على بصيرة، أي بصيرتنا نحن وليس بصيرة غيرنا.

اكثر الفقهاء نظروا الى الصلاة بهذه النظرة التي سببت لك ولغيرك الازعاج، نظروا إليها كآلية يجب أن تطبّق بالكامل، وإلا فسترمي بك على "الاقرع الحابس" كما سميتيه .. نعم الله يريد لنا الخير، اذا كنا نحب الله فعلا، فكيف يقذفنا في النار بمجرد غلطة او تأخير او نسيان او انشغال في الصلاة أو لعضو لم يتبلل بالماء من الوضوء؟ أو أن يرمي صلاتنا في وجوهنا ونحن متوجهين اليه حقيقة، لكنها وقعت بعض الاخطاء أثناءها؟ مع أن الله لا يرد من أتى إليه و دعاه. قال تعالى (بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن). الله يعلم ما في نفوسنا وليس الفقهاء والمتشددين، فربنا الله وليس العالِم او الفقيه.

الإسلام الحقيقي المنطلق من القرآن وما والاه ولم يخالفه من الآثار وليس من تهويلات الفقهاء وحزبياتهم وصراعاتهم، هو الذي ينقذ الروح من الضياع، فالروح تعرف ان ارتباطها بالجسد ليس اساسي ولا دائم، حتى انه تتلف اجزاء من الجسد لا تسأل عنها الروح اين ذهبت ولا تتغير الروح،

وكما صرّحتِ، يستطيع الملحد ان يمارس الصلاة، فيبدو مسلما موغلا في الخشوع من الخارج ويسلم من النقد، بينما هو ملحد، أي الأكثر كفرا من كل الديانات، لأنه لا يؤمن بأي ثابت ديني من مجموع كل الديانات. وهكذا تكون صورته قبيحة وليست جميلة : صورة الموغل في النفاق.

السؤال : لماذا الروحانية مطلوبة و حاجة نفسية ؟ ثم سؤال آخر : ما هي الروحانية ؟ الروحانية هي الخضوع، فكيف يأخذ الملحد روحانية من دين لا يخضع له وإله لا يسيطر عليه وليس عبدا له ولا يعترف به ؟ هل الشكليات تعطي روحانية؟ فاقد الشيء لا يعطيه، والأديان هي اساسات الروحانيات، وغيرها لا يسمى روحانية. هذا خداع للنفس والغير، وإلا لسميت المخدرات روحانية ! مع أن البعض يسميها مشروبات روحية، كاشفا سوء الفهم لكلمة "روحانية" ، فما هي نقطة الالتقاء بين الكحول و الدين ؟ لا يوجد لقاء بين الايجابي والسلبي  .. مع أن الكحول سموم تبلد المخ والإشارات العصبية، وتفضي الى حالة جنونية وليست روحانية. وهكذا نفهم ان الروحانية عند الماديين هي شلل العقل، سوءا في اليوغا او الكحول أو في الزار. ولهذا سمّوا الدين بأفيون الشعوب. معتقدين انه يشل العقل بروحانيته.

ثم كيف تحس بروح الكلمات دون ان تقتنع بها عقليا؟ وكيف تستفيد منها مع أنك لا تعتقد بأنها هي الحقيقة ؟ ما فائدة روحانية لا مجال فيها للعقل؟ الدين ليس مخدرات ومسكنات ألم. الدين صراط ومنهج حياة وارتباط بالحقيقة، حتى على حساب مصالح الذات. تصل الى درجة الفداء بالمال والنفس. كلمة "دين" مأخوذة من دَين ، والدَّين هو الإقرار بحق يجب أن يُؤدى. فإذا قلت : عليّ دين لفلان، فأنت تقرّ بهذا الحق و تودّ تنفيذه.

وإذا كان الامر هكذا، فالملحد الصريح يكون موقفه أشرف من الملحد الذي يغمس رأسه في سجاجيد الصلاة ويفتخر انه أكثر روحانية من اصحاب الدين نفسه، وينتقد اعدائه لصلاتهم بدون تأمل. والشجاعة فضيلة حتى لو كانت على باطل.

الدين هو حالة اختيار، وليس ما يفرضه المجتمع الذي وُلدت فيه، في حالة الاختيار لا اختيار فيها، فما دمت اخترت فأنت مُلزم، الاختيار يُلزم بالصدق وليس بالنفاق. وكلمة إلزام ليست مثل كلمة إلتزام، وإذا لم نحب الصلاة لمعاني الشكر والعبودية لله فعسانا لا نحبها ابدا، نستطيع ان نمارس اية رياضة روحية غيرها. ثم ان الصلاة في الاسلام أوسع من المفهوم الذي قدمته الكاتبة، فهي قالت ان الصلاة ليست إلا تأمل فقط، بينما أصل الصلاة أولا هو الشكر للمنعم الموجد، وأول ما تبدأ به : (الحمد لله رب العالمين) وفيها التسبيح والتعظيم له ودعاؤه، والدعاء نداء، وحركات الصلاة كلها حركات شكر وتذلل كامل، لاحظ وضع السجود، هذا ما يفعله عبدة الاباطرة عندما يسجدون لحكامهم، أما المسلم فيؤدي هذه الحركة لله فقط. ومثلها الركوع في التعظيم.

اذن حتى الحركات لها قيمة رمزية وليست مجرد رياضة. والصلاة فيها تدبر أثناء قراءة القرآن نفسه، والتدبر يعني أن تحدد موقعك من هذا الكلام الذي تقوله، وهل انت تمشي دُبر الايات التي تقولها أم لا، والخضوع ينتج الخشوع. أما كلمة "تأمل" فليست مناسبة كثيرا للصلاة، لأن الصلاة فيها أقوال وأفعال، فمتى يكون هناك تأمل؟ إلا إذا قصدتي تأمل الكلام الذي نقوله، فهذا صحيح.

التأمل يحتاج لوقت طويل، وكيف يكون التنفس العميق مع قراءة القرآن والركوع والسجود المتكرر؟ فالنَفَس يؤدي وظيفة في الصلاة . والتأمل يحتاج الى جلسة استرخاء و نظر الى مظاهر الطبيعة وتأمل في هذا الكون واختلاف الليل والنهار والتأمل في النجوم، والتأمل اثناء السفر ، والتأمل حتى في اجسامنا وأنفسنا، وفي هذا الكون من اين جاء، ونتيجة هذا التأمل هو الشعور بالجلال، وهو ارقى من الشعور بالجمال. مثل من يقف في قمة جبال الهملايا، وينظر ما حوله من وديان سحيقة والسماء، أو من يقضي ليلة في غار حراء كما فعل الرسول لوحده، فيشعر بجلال.

شعور الجلال هو لصاحب الجلال والإكرام، وهو نتيجة التدبر والتأمل دائما، لاحظ أن هذا الشعور دائما مصحوب برهبة، فالجلال يعني خوف مع جمال ممزوجين، والتمعن في الجمال الحقيقي يؤدي الى الجلال، وهذا يؤدي الى ان جمال الكون يفضي الى شعورنا بالله، ومنه يأتي الجلال، فالجلال من الله سبحانه وهي ارتباط الروح بالله، وهذا يدلنا على ان الخوف من الله ليس فقط من عذابه، بل حتى من جماله، انظر الى اندكاك الجبل، وهذا الذي سبب الإغماء لموسى. الجلال طاقة جمال الهية لا نستطيع تحملها، وننسحق اماهها، اذن الجمال يدل على الله من خلال الجلال.

التأمل يُرمز له في الصلاة بالتسبيح، لأن التأمل ينتج كلمة "سبحان الله" من خلال الشعور بالجلال، وهي انسب كلمة للتعبير عن الشعور بالجلال، وهو نفس الشعور الذي احسته نسوة يوسف وقطعن ايديهن بسببه، بسبب الجلال وليس الجمال العادي، لاحظ كلمة "اكبرنه" تشير إلى إجلالهن له ، والإكبار أرفع من مجرد الاعجاب ..

ولا اقول ان التأمل غير موجود في الصلاة، لكنه جزء وليس كل الصلاة. لأن الصلاة ليست مثل اليوغا جلسة مستمرة هادئة، حتى التنفس فيها يُحبس! مع أن اليوغا في الحقيقة ليست تأمل ، هي تفريغ أو إخلاء، أي أبعِد كل ما تفكر فيه وما يشغل بالك من مشاغل الدنيا، ومبدؤهم تأمل الفراغ او العدم، وهم يطيلون التأمل الى الفراغ بين اصابعهم كطريقة من الطرق، وهذا يدل على انهم يبحثون عن الفراغ الداخلي من الهموم والتفكير، وبما في ذلك إبعاد الدين والله عن التفكير، وهذا من الخطأ تسميته تأملاً، فالتأمل مرتبط بالتفكير. والتفريغ الداخلي قريب من عائلة المسكرات والمخدرات والمنومات، اذ ان ارقى درجات التأمل ألا تشعر بشيء، أي تبلد الاحساس والعقل طبعا. وهذا هو عمق السلبية ، وتبلد الاحساس تنتجه المخدرات والزار ايضا ، بل يصل أثر الزار الى عدم الاحساس بألم السكاكين التي يزرعونها في اجسامهم احيانا، مث لمن ياخذ مخدر البنج فلا يحس بالألم . ومن يحتاج الى مثل هذا النوع من التخدير، لا بد ان معاناته كبيرة جداً. وهذا هروب، ومواجهة المشاكل افضل من الهروب. هذه ممكن ان تسمى عائلة الهروبيات.

التأمل يقود للتفكير : (ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) .  وإذا جئنا نحقق في الكلمة لغويا نجدها مرتبطة بكلمة أمل، هذا غير الكسل واضاعة الوقت في جلسات كسولة، بل ولها اضرار صحية على المفاصل كما تفعل اليوغا، لأن الانسان خلق ليعمل ويتحرك ويفكر ويتدبر ويتأمل، لا أن يعيش في الفراغ ويتخدر، فالزمن يمشي .

الحقيقة ان ما يسمى بالرياضات الروحية اشبه ما يكون بالمخدرات التي تبلّد العقل، و تبليدها للعقل يُنتج بعض الراحة بنسيان التفكير الضاغط في امور متعبة وقضايا معلقة. كما يفعل الكئيب في الانغماس في النوم حتى ينسى. كل هذه الصور حالة تفريغ للداخل. بقي الإيجابية والبناء ! أين هي ؟ هذه حالات هروب وليست إيجابية. سواء في الكحول او اليوغا أو غيرها . 

أما مثال الأم والخضار فلا ينطبق على الصلاة، لأن الصلاة مع أنها تفيدنا فهي حق لله، وواجب شكر، وفريضة في كل الأحوال، والعقاب على حق الله إذا ضيّع، قال تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا) ، وفعلا الله غير محتاج لنا، ليست المسألة احتياجات مادية، المسألة أخلاقية،  نحن نحب من يشكرنا والله يحب من يشكره ويغضب على من يكفره، والذي لا يشكر سوف يكفر ومن يكفر سوف يسيء، شخص أحسنا إليه كثيرا وكفر ونكر ما قدم له، فهل نقول عنه شخص طيب؟ لكن إذا أخطأ أو نسي فإننا نتسامح معه بسهولة، كذلك الله يعاملنا، أي بالأخلاق نعرف الله.
ومثال الطفل الذي يمتنع عن الخضار فهو إنما يضر نفسه، أما من يكفر بالله فهو يضر غيره ويصد ويكثر أهل الباطل والشر، وكل ناكر جميل شرير. الأخلاق ليست فقط بيننا وبين الآخرين، فالأخلاق يجب أن تكون وسيلة اتصالنا بكل شيء، فالخالق هو أول من يستحق التعامل بالأخلاق، لأن كل شيء من الله وإليه، كل هذا ولا يستحق أن يعامل بأخلاق؟! 

وأنت قلت عن التشديد على الكلمات الإيجابية، وهل في الصلاة كلمات سلبية وغير إيجابية؟! وهذا كما يبدو من إيحاء ما يسمى بقانون الجذب: كرر كلمات نجاح وثروة تصبح ناجح وثري, وهكذا قل أنا سعيد وتصبح سعيد ولا تنظر إلى الكلمات السلبية, أليس هذا يشبه دس الرأس بالرمل كما تفعل النعامة عن السلبية وهي موجدة في الواقع؟! انس الذئب يختفي الذئب! فكر في الغزال يظهر لك الغزال! وكأن الطبيعة تحت أمانينا! الملاحدة المطنطنين بالعقلانية والعلم يقبلون كل هذه اللامنطقيات بسهولة ! المهم ان يبتعد الدين وبعده أهلا بالخرافات كلها! العقلاني الحقيقي من يستمر في عقلانيته فالمنهج لا يتغير وإلا ليس منهج, الصراط المستقيم لا ينحرف, إذن من التناقض في المنهج الجمع بين الإلحاد والروحانية.

هذا من خداع النفس: وهّم نفسك أنك سعيد تصبح سعيد! كل شيء له أصول وقوانين ليست بالأماني! وهذا قانون غير منطقي أصلا لأنه يستبعد الخوف ويركز على الرغبة, وأي نجاح لا يوصل إليه إلا بالمخاوف والاحترازات وليس بالتمني والأحلام الوردية, الإنسان بحاجة إلى الخوف كثر من حاجته للرغبة والإيجابية حتى في أمور سلامته, ولو خفنا أكثر لتحسنت أمورنا أكثر فمشكلتنا نقص الخوف وليس نقص الأمنيات الحلوة! لهذا قال تعالى: (سيتذكر من يخشى) وعدم المبالاة بالمخاوف نوع من الغرور والكبر والسفاهة, دائما الأكثر مخاوف هم الأحوط والأنجح, فالطفل المتردد قد يكون أذكى من الطفل الجريء لأنه يحترز من أشخاص لا يعرفهم, أما المتفائل الإيجابي دائما فقد يعرض نفسه للخطر! وما السفاهة إلا إيجابية مفرطة تجعله يتهور فيضر نفسه وغيره, لأنه يركز على الكلمات الإيجابية ويتناسى الكلمات السلبية, وهل من العقل أن تتناسى شيء وهو موجود أو يمكن منطقيا أن يوجد؟! لو كان دافع الإيمان هو الرغبة بالجنة ومتعها لما قال القرآن: {سيتذكر من يخشى} ولكان قال سيتذكر من يرغب ويتلذذ! وهؤلاء الذين يخشون سماهم القرآن بالذين يعقلون وأولي النهى, أي هم من يخافون أكثر, حتى على مصيرهم بعد الموت وليس الذين يعيشون متعة اللحظة والأماني الإيجابية. عقولهم التي أخبرتهم بوجود إله جعلتهم يخافون أن يتعاملوا معه تعاملا سيئا فينتقم منهم, لأنه المستحق لأحسن التعامل والقادر على فعل أي شيء. حتى الناجحون بالتاريخ هم الحذرون الذين لا يتهاونون بأعدائهم, وبالأمثال يقولون :"من خاف سلم", ولا أقصد الخوف بمعنى التوقف بل الخوف الإيجابي, فخوف العقلاء هو خوف لا يجعلهم يتوقفون بل يتحركون وهم يحذرون و لا يتهورون خصوصا بالأمور المصيرية.

التركيز على الإيجابية هي خدعة رأسمالية لإبعاد الناس عن طريق النجاح الحقيقي وطريق السعادة الحقيقي وتحويلهم إلى استهلاكيين يعيشون على الأماني والديون! العاقل ينظر للسلبيات والإيجابيات بل يهتم بالسلبيات أكثر لأن تأثير الخطر أكبر من تأثير اللذة.  

هذا تدبر القرآن هو ما يرينا الحقيقة كما هي, فالقرآن لم يقل من يرغب بل قال :{..من جاءك يسعى وهو يخشى} وكررت الخشية كثيرا في القرآن. كثرة المخاوف والشكوك وتنوعها من سمات العاقلين الذين لا يثقون بسهولة وهم من يسمون بالحازمين, فالحزم معناه الاحتياط والاستعداد وليس القسوة.

وشكرا لك ، ومعذرة على الاعتراض ..

هناك تعليق واحد :

  1. شكراً استاذي الورّاق على الموضوع المهم الذي يجب ان يفهمه كل مسلم اراد إتباع الله والتسليم له .. واتمنى من الاخت سعاد في حال ردها ان تتطرق للموضوع الجديد وهو المعنى الحقيقي والروحي للصلاة وان لا تسهب في ذكر فوائد اليوغا وقوانين الجذب لانها احاديث لا تأنس لها الروح كما تأنس ونحن نقرأ وصف الخشوع والتأمل في هذا الموضوع الجميل .

    ردحذف