السبت، 23 يناير، 2016

تقوى الله والخوف منه

أي مؤمن أمامه طريقان : إما طريق جمع الحسنات ، أو طريق اتقاء السيئات، فأيهما الاصح؟

تساؤل آخر : أيهما تحب؟ ابنك الذي يتقرب لك بما تحب لكنه لا يهتم كثيرا بما تكرهه وتحذّره؟ أم ابنك الذي ينطلق من تجنّب ما تكرهه ويعمل لك ما تحبه بحسب استطاعته دون مبالغة ولا تكلف؟

المؤمن الحقيقي يعمل على الخوف من الله والسلامة من النار وعذاب الله ، كخط أساسي هو الأصل، والتقرب إلى الله فرعٌ منه، ولا يُقِيْم حسبته على الجنة وما يقرب لها بنفس الدرجة، لأن هذا سوف يبعده عن غضب الله وسيجعل منه شخصية أخلاقية ومفيدة وقدوة للناس، ومن يحذر يسلم. أما من ينظر للحسبة على أساس العمل الذي يدخل الجنة، فسينظر للأخطاء على أساس تعويضها بأعمال صالحة تزيلها، وبالتالي لن ينتج شخصية قدوة، بل متناقضة بين الخير والشر.

المؤمنون الحقيقيون هم الذين يخافون من العذاب ، و هم المسمَّون بالمتقين، وهي أكثر كلمة وُصف بها المؤمنون في القرآن، وأكثر كلمة ذكرها الله على عباده : (اتقوا الله) أكثر من أن يقول : (اعملوا للجنة).

بطريقة حساب الحسنات فقط دون السيئات، يتحول الناس إلى ما يشبه الليبرالية داخل الدين، بالتالي يستطيع ممارسة سيئات يستطيع محوها بأعمال معينة بسيطة وغير مكلفة في أوقات معينة تمحو كل هذه السيئات، بل تزيد، وهذا يُفقد فائدة الدين ولا ينتج خير أمة أخرجت للناس، وإذا قلنا سيئات فبابها مفتوح من إساءات وسوء أخلاق وظلم وتكبر وخيانة الخ، وربما نجد إساءته للآخرين يعوّضها بأعمال تعبّدية لله وليست لنفع الآخرين. فقط هذا الاتجاه يصنع اهتماما بعبادات معينة في طقوس معينة و أوقات وأماكن معينة وهذا الاتجاه يجعل الإنسان يقف محتارا كيف يصف من يفعل هكذا : (أسمع كلامك أصدقك، أرى أفعالك استغرب)، وهذا ينطبق على أي مجال عندما تأخُذ جانب الرغبات فيه و تُهمِل جانب الحذر.

هذا السلوك هو الذي سلكه أغلب اليهود كما وصفهم القرآن، فكان أغلبهم يتشددون في عبادة الله ، خصوصا في جانبها المادي والتشريعي، ولكنهم لم يكونوا يتقوا الله ويخافوه، و هم من قالوا أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات (في أسوأ الظروف، بناء على أن الله يحبهم). بينما الله يقول (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين).

إذن الخشية من الله هي أساس العمل الصالح. ولهذا قيل : رأس الحكمة مخافة الله. و قال تعالى (وأما من خاف مقام ربه) وقال (سيتذكر من يخشى) وقال (ويتجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) و لم يقل جنة ربه العالية، فهو يتزكى بدافع الخوف من الله أكثر من الرغبة.

الخوف من الله هو سبب رضا الله أكثر من الطمع . قال تعالى (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) أي كانوا خائفين من غضب الله وناره، وإذا بهم في جنة يحبرون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الجنة للمتقين والخائفين، وأن تتّقِ أفضل من أن تطمع ، مثل ما أن توفر أفضل من أن تكسب ، وأن تحرص على السلامة أفضل من أن تحرص على مكسب خَطِر. والوقاية خير من العلاج، وهي من الحكمة وكمال العقل.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق