الأربعاء، 20 يناير، 2016

الإجابة على تساؤلات حول الخوف من ابتلاء الله والفرق بين عبادة الله وعبادة غيره


رداً على تعليق زائرة في سجل زوار المدونة:

"يأتيني شعور ان الله شرير
اريد التوكل عليه واسلم له امري طواعيه لكن اخاف ان يبتليني ويكسرني لأنه خلقنا للإبتلاء
يعني مسألى انني اذا توكلت على الله وسلمته نفسي وامري سأسلم لا استطيع تصدقيها بل العكس اشعر انني لن اسلم
لماذا هذا الشعور؟ لا اعلم ربما لأني عانيت الكثير من الابتلائات واصبحت افكاري عن الله انه يبتليني دائما
كيف اعالج هذا الشعور وهل الله شرير واذا لم يكن شرير مالهدف من خلقه لنا ليبتلينا اذن؟
انا حقا اريد الايمان بالله بصفاته الحقيقيه اللتي اريد معرفتها لكن لا استطيع ذلك عقلي تبرمج على ان الله شرير ويريد ايذائي انا بالذات
ولا اعلم مالحل لذلك لأني تعبت فأنا اريد التسليم كي ارتاح ولكن اخشى ان سلمت ان يؤلمني اكثر لذلك امتنع عن التوكل في قلبي على الله وبنفس الوقت اعلم اني سأضيع وهكذا اكون في دوامه
لست مقتنعه ان الله لا يأتي منه الا الخير بل ارى ان الخير اللذي يأتي للناس هو بمجهودهم
فهم لو لم يعملو ولو لم يدرسو ولو لم يتسببو بالاسباب ولو حبسو انفسهم مثلي في المنزل لن يأتيهم خير لأنهم لا يعملون شيئا
طبعا اسباب حبس نفسي بالمنزل لأني اعاني من الرهاب والوسواس يعني اعاني من جميع الجهات والحمدلله على كل حال فهناك من هم اسوأ مني لكني مللت من هذا الوضع وبنفس الوقت اخاف من الله ان يصعب الفرج علي"

الابتلاء قد يكون بنعمة وليس فقط بألم: {لنبولنكم بالشر والخير فتنة} وهو الأكثر خطرا بالانحراف والأصعب في التوازن, وإنما أهلك الأمم السابقة مترفيها وليسوا فقراءها! و مؤخرا تناقشت مع ملحدين واحد ثري وآخر فقير وكلاهما يكرهان الله, أي اختبروا بالخير وبالشر ولم ينجحوا في الاختبار, وبامكانك الاطلاع على حواري معهما. اختبار الله لعباده جبري ولا يمكن لأحد أن يخرج من قاعة الامتحان, وإذا ألحد الإنسان فهو وقع في سخط الله رأسا و في عقوبته, أنت كمن يهرب من السرية ويقع في الجيش! عذاب الله للكافرين حتمي وخالد وبالنار, أما الابتلاء بالدنيا بشيء من الشر ونقص بالثمرات هذا لا شيء بالنسبة لعذاب الآخرة, وسيجزي الله الصابرين وسيجزي الله الشاكرين, والمؤمن بين الصبر والشكر.

إذا لم تثق بالله الذي يسمعك ويفهمك وهو من خلقك تثق بمن؟ الله الوحيد القادر على تنفيذ وعوده لأنه يفعل ما يريد ولا يمنعه شيء, وأنت مؤمنة بالله, إذن كيف لا تثقين بما تؤمنين به؟ إذا قلتي أؤمن بالله هذا يعني أنك مؤمنة بصفاته مثل أنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين و أعلم العالمين, هذا الإيمان سينتج الثقة, إن كنت مؤمنة حقا كما تقولين. أنت مثل من معه مطرقة مصنوعة من أقوى المعادن ثم يخاف أن تنكسر إن ضرب بها الجدار! ولله المثل الأعلى لكن لتقريب الفكرة. أنت مؤمنة بإله قادر على كل شيء وإله هو الغاية في كل الصفات الحسنة ولا تثقين به فكيف يكون هذا؟! بينما تثقين ببشر ضعيف ويقول أنه ضعيف وغير قادر ولا تثقين بالله القادر على كل شيء! هذه مشكلة عقلية وكلام معيب منطقيا. إلا إذا كنت تؤمنين أن الله ضعيف ولا يستطيع تنفيذ وعوده.

افهمي فكرة الشر, الشر للحاجة, لا يوجد إنسان شرير بخلقته وفي كل تصرفاته, الشر الخالص غير موجود حتى ولا مع أعتى المجرمين, لكن الله ليس محتاجا أن يكون شريرا ويغدر بأحد! تعالى الله بصفاته الحسنة الجميلة.

ومن ناحية منطقية مرة أخرى, إذا كان الله شريرا وهو من خلقنا ورزقنا كيف يفعل أفعالا حسنة ويفعل الشر بنفس الوقت؟ مع أنه يستطيع ألا يفعل الشر وليس مجبرا عليه؟ ويستطيع ألا يفعل الخير أيضا! أليس الله الذي رزقك بأم حملتك في بطنها وأرضعتك وحنت عليك؟ وأعطاك السمع والبصر وأعطاك الأهل والصحة والعافية؟ هو الذي رعاك وأنت غائبة عن الوعي في طفولتك وفي منامك. لهذا لا أحد يشك في حنان الأم والأب بسبب أنهم عملوا معنا الخير ونحن لا نعي، فما بالك بما قدمه الله الذي قدم الوالدين أنفسهما بعضا من حنانه وفطرهما على محبة أطفالهما؟ عطاء لا يقارن بما قدمه لك والديك, سخر لك الشمس والقمر وثبت الأرض وأجرى فيها الأنهار والمياه وساق السحاب وأنبت من الأرض, {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار}.

الكفر قبيح, فيقول الكافر هذا عمل أيدينا بدليل أننا لو لم نعمل لم نكسب بكل سذاجة وغباء, لكن تعمل في ماذا؟! لم تتطرق لهذا الشيء, تحرث الأرض وتلقي البذور ثم تعود لتقطف القمح والفواكه, هل هذا عملنا؟ هل عملنا كافٍ لنحصل على هذه الثمار؟ هل نحن من وزن السكريات في البرتقالة وجعلناها تزهر وتتفتح وسخرنا الحشرات الطائرة لتلقحها؟ وسخرنا المناخ لكي يناسبها؟ وأنبتنا فيها البراعم والأوراق؟ أي هل نحن خلقنا ما نعمل به؟ بل هل خلقنا شيئا واحدا وأضفنا شيئا واحدا لم يكن أساسه موجود أوجده الله؟ ما هذا التكبر على الخالق وما هذا الكفران؟! كيف يوثق بمن يحمل كل هذا الكفر الذي بعدد النعم التي لا تحصى؟! هذا يعني أن كفره وجحوده وإنكاره للنعم التي يبلعها لا يحصى.

وأنا أربأ بك أن تكوني من الكافرين القارونيين بكرم الله عليك لأن هذا عيب أخلاقي قبل أي شيء آخر, وأربأ بعقلك أن يفكر بهذه الطريقة الساذجة. شكوكك جعلتك بصورة سيئة, تخيلي لو فجأة تقولين لأمك: ابتعدي عني أنا أخافك أنا لا أضمنك ولا أثق بك, هل سيكون موقفك أخلاقيا وجيدا وهي لم تسئ إليك؟ ما شعورها في تلك اللحظة؟ هذا الموقف تفعلينه مع مصدر النعم كلها التي تعيشين فيها! من الذي لا يوثق به الآن؟ هل الله أم أنت؟؟ لكن نحسبها مجرد شكوك, لكنها تكشف ماذا يحفر الشيطان لمن يستمع لكلامه, يريد أن يجعلنا بأقبح صورة والأبعد عن الأخلاق, والله يقول: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}. وهكذا ما يشك أحد في الله بأمرٍ إلا وهو فيه وليس في الله, وهذا معنى تعالى الله.

انعزالك هذا لا يبدو أنه انعزال تبتل بل في غرفة استماع لوساوس الشيطان, ونصيحتي لك أن تعودي للمجتمع فقد يكون أحسن من عزلتك. قبل أن تسيئي الظن بالله خافي من نفسك ومن أفكارك, وعقلنا إذا كان ينصت للشيطان فهو أخطر من الشيطان, لأن الوساوس كثيرة والعاقل لا يلتفت لها ولا يبني عليها بنيانا. ألم يأمرك بعدة مواقف بأوامر غبية وساذجة وشريرة وفجة ولا يمكن أن تنفذ؟ مثل أن يقول اضرب هذا الطفل أو ادفع هذا الرجل من أعلى الدرج أو اقتل هذا الحيوان, وهذا ما يحاول أن يطبقه عبدة الشيطان تطبيق أوامر الشيطان الكريهة الساذجة. الشيطان أحيانا بوسوساته يستخدم الأخلاق وأحيانا يقدم وساوسه بطريقة فجة وبشعة {ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}. هذه الأوامر لا يسلم منها أحد لا بد أنها مرت على كل إنسان, وتوحد الوساوس يدل على توحد الموسوس, لأن الناس يختلفون فكيف تأتيهم نفس الوساوس؟ كل هذه الوساوس أؤكد لك أنها مرت علي ومتأكد أنها مرت على غيري وليست نتيجة تفكيرنا. بعبارة موجزة: إذا أردت أن تعرفي الله اعرفي الشيطان, إذا أردت أن تهتدي إلى الله اعرفي طرق الشيطان وخالفيها, فالشيطان إما دليل إلى النار أو دليل إلى الجنة.

الكافر تبعا لهذا المضمون هو الذي لا يوثق به, لأنه مستعد أن يكفر أكبر النعم التي تقدم له ويغدر بمن وقف معه وساعده بكل سهولة وينكر فضله لأنه تعود على الكفر. هل كل هذه النعم التي قدمها الله لنا تقديمات شرير؟ كيف نشك أنه شرير وهو قدم هذه الأشياء التي لو ضاعت واحدة منها لتدمرت حياتك! ولا يستطيع أن يقدمها إلا هو! هذا تناقض منطقي. أنت بحاجة أن تهتمي بالمنطق في تفكيرك.

مثل هذه الخواطر والأفكار ليست منك تأكدي هذا هو الشيطان الذي يوسوس, ونعرف وسوسة الشيطان بعدميتها و بفقدها للإيجابية وللمنطقية, فالشيطان غير منطقي ولا يحب الإيغال بالمنطق. كل وسوسة للشيطان هي: عدمية وغير منطقية وغير إيجابية, وينفر منها شعور الإنسان حتى لو قبلها العقل المتشبع بالواقعية والمصلحة. ونفس هذه الوسوسات يقولها لي وللآخر, لكن ليس كل الناس يملكون قدرة على التعبير مثلما تملكين. المصدر واحد, اعرضي فكرتك على أي صديقة لك ستقول أنها خطرت لها مثل هذه الأفكار, فالعدو واحد. ووسوسة الشيطان كلها غير منطقية ومن السهل على العقل أن يجعلها أضحوكة ثم يهرب الشيطان ليحاول بظروف أخرى دون كلل. الذي بيننا وبين التخلص من سيطرة وسوسة شيطانية ما هو العقل والمعرفة, لذلك يقول الله {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.

وأستغرب كيف لإنسانة تحب أن تكون مؤمنة وتسلم نفسها لله وبنفس الوقت غارقة في أفكار الشيطان وفي أدق تفاصيلها؟ لدرجة صار لك قدرة غير عادية في التعبير عنها!

"وايضا امر آخر كثير من العلماء وخصوصا علماء الاعصاب واستنادا على كيمياء الكم يقولون ان مانعتقده هو مانراه
اليس هذا احتمال ان الله في حقيقته هو مانراه او مانريد نحن ان نراه؟ ربما الخير ومعرفة الله اللتي يشعر بها المؤمنون والاولياء والمقربون من الله هي مايريدون ان يرونه ومايعتقدونه وبالتالي تتجسد
لأن هناك الكثير من يؤمن بالجذب وقوة الكون يروون نفس الامر انهم يشعرون بالسعاده والخير يأتيهم من كل مكان لأنهم يؤمنون بقوة عظمى لا يعلمون ماهي او من يؤمنون بوحدة الوجود و اذا شعرو بها وآمنوا بها وآمنو بالوفره والحب ستأتيهم من حيث لا يعلمون
مثل قانون الجذب تقريبا ولكن استنادا على نظرية الكم
عندما افكر في هذا الامر احتار كثيرا واقول ربما نتيجة ايماننا بالله هو مانعتقده ومانراه ومانريده
فأنا مثلا مؤمنه بالله ولكن لست مسيئة الظن به ولذلك ارى اثر ايماني السلبي علي
بينما انت مؤمن بالله ومحسن الظن به ولذلك ترى اثر ايمانك الايجابي على نفسك
مالحكايه اذن؟ هل كل شي ع حسب ما اراه انا؟ يعني لو لم اؤمن بالله وآمنت بغيره مثلا بالمسيح عيسى كمخلص واحسنت الظن به سأرى نفس الاثر الايجابي؟ لأن هذا مايبدو لي انه يحدث
اتمنى ان تكون فهمت علي لأني اجد صعوبه في الوصف ما اريد
وانا حقا اريد ان افهم وليس اجادل واجوبتك تعجبني وبها الكثير من الافكار المثاليه اللتي ارتاح لها
تحياتي وشكرا لك"

أنت تقارنين بين عبادة الله وبين عبادة أي شيء آخر.. المسألة أعمق من هكذا. حين تعبد أي شيء ستنعكس عليك صفاته (قانون), بل إن نظرة المؤمنين بالله إلى الله فيها اختلافات. لهذا معرفة صفات الله مهمة جدا حتى نعرف الله وماذا قال عن نفسه. وصفات الله وانعكاسها علينا هي طريق النجاح والسعادة, والله الذي أخبرنا عنه القرآن هو صاحب أكمل الصفات التي لا عيب فيها. مثلا تصور اليهودي عن الله هو الذي أنتج انحرافات أخلاقية عند بعضهم, فهم يتصورون أن الله يحابيهم على حساب الجوييم, فأنتج هذا نفسية متكبرة ومغرورة عند الكثير ولا نقول الكل, فبما أن الإله متعصب عند اليهودية أنتج هذا نفسية متعصبة وقومية عند أتباعه ترفض الذوبان في الشعوب الأخرى.  

والله عند المسيحيين متسامح ولا يقدم شرائع ولا يكره الشر لدرجة العقاب ويوصَل إليه بالواسطة وليس بالعمل عن طريق حب ابنه وهو المسيح, هذا ما سهل انتشار الإلحاد في الغرب والليبرالية. وإذا كان الإله الذي تؤمن به لا يكره الشر فلن تكره الشر, وبالتالي ليس صحيحا أنه عندما تؤمن بأي شيء ستكون النتائج واحدة, من يؤمن بإله متعصب أو عنصري سيصطدم مع الواقع والحياة وسوف يحتقر غيره ويقع في مشكلات وتتعثر حياته, مثلما كان الهندوسيون يؤمنون بتناسخ الأرواح وسبب لهم هذا مشكلة مع الحيوان وانتشرت الأمراض بسبب عدم تخلصهم من الفئران, واضطر غاندي أن يسن قانونا يكسر هذا الحاجز الديني. ففكرة أن الإيمان بأي شيء سوف يقدم نفس الأثر الإيجابي فكرة خاطئة, ولو كانت هذه الفكرة صحيحة لكانت عبادة الشيطان وعبادة الرحمن لها نفس النتيجة! وسوف يكون هناك تشابه بين الأتباع وهذا مستحيل. كل معبود له صفات وهذه الصفات ستترك أثرا على من يعبد صاحبها, لهذا الإنسان بحاجة لأن يعبد صاحب الصفات الأكمل والأمثل والطرح القويم, وهذا هو الله.

واختلاف التصورات عن الله موجود حتى عند المسلمين, عند كل فرقة بل عند كل شخص, فكل شخص عنده تصور عن الله يختلف عن الآخر, ويظهر هذا في طريقة عبادته وتعامله, منهم من يتصور الله جلادا يهتم بالدقائق ويحاسب عليها, ومنهم من ينظر لله بنظرة معنوية وأخلاقية, ومنهم ينظر إلى الله على أنه بعيد ويحتاج إلى واسطة وتبرك وتقرب, وهكذا.

لو أن فكرة أن ما نعتقده هو ما نراه صحيحة لما غير أحد دينه! بل حتى الملحد ما كان يحتاج أن يلحد, لأن كلا سيجد ما يريده في دينه الذي يعتقده. لكن شعور الإنسان يبحث عن الأفضل والمنطقي والمتكامل دائما. وقيل : لو آمن أحدكم بحجر لنفعه, والمقصد ليس أن الحجر ينفع ويضر, بل الإيمان نفسه, لأن الإيمان توكل ورمي للحمل وهذا بحد ذاته يريح النفس, أي أن أي إيمان هو أفضل من الإلحاد. لكن هذا لا يكفي ولا يستطيع أن يجيب عن كل الأسئلة والحاجات. فمجرد الإيمان لا يحل المشكلة, مثل إنسان تائه ووجد من يدله على طريق لكنه خاطئ, سيفرح في وقتها ويتفاءل, لكن كلما مشى في هذا الطريق كلما زادت شكوكه أن هذا ليس هو الطريق الصحيح وسيعود للبحث مرة أخرى. أما من عرف الله ووجد الله وتعامل مع الله فلن يبحث عن طريق آخر, لأن الله حي وسميع وبصير وكامل الصفات, أما من يعبد دون الله فهو لا يضر ولا ينفع, وهذا الشيء يجده المؤمن بنفسه ويصعب عليه أن ينقل تجربته إلى غيره.

وشكرا على عباراتك الطيبة .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق