الأحد، 31 يناير، 2016

فكرة وتعليق : الإنسان تحكمه العادات، والفضائل مجرد عادات



رد على فكرة "وليم جيمس" البراغماتي بأن الإنسان تحكمه العادات، وأن الفضائل مجرد عادات ، وأن العادة مجرد مران للخلايا العصبية :


"قال "جيمس" إن أساس العادات الجيدة هو التصرف الحاسم مع الحلول والقرارات التي يتخذها المرء ,إن الأفعال تخلق آثارا حركية في أجهزتنا العصبية وتحول الرغبة إلى عادة ,فيضطر المخ أن "ينمو" حتى يتوافق مع أمانينا ,ولا يكتمل تكون الممر قبل أن يحدث ذلك السلوك المتكرر. ويقول "جيمس" إن المهم هو أن نجعل أجهزتنا العصبية حلفاءنا لا أعداءنا ,وكما أن الإنسان يدمن الخمر بعد مرات كثيرة من تعاطيه ,فإنه يستطيع أن يصبح ذو خلق قويم أو عالما أو رجل دين من خلال الكثير من السلوكات المنفصلة والعمل لساعات طويلة تخدم العادة المرغوب استحداثها .إن سلوكاتنا المتكررة تتجمع لنكون شخصياتنا"


هذه نظرة ضعيفة جدا و آلية ، تجاوزها علم النفس وواقع الحياة، كأنها فكرة صاحب مصنع رأسمالي، يريد أن يصنع البشر كيفما شاء. وعلى كلامه : العادات هي التي تتحكم بنا، مع أننا نحن من بناها، ونحن من يعدلها ونستطيع أن نغير ما بأنفسنا بقرار واحد أحيانا، في قرار واحد تستطيع أن تترك عادة درجت عليها لأربعين سنة. والأشخاص الذين تغير سلوكهم بل ونظرتهم للحياة كلها من موقف واحد، أين هي خلاياهم التي تعودت ؟ هذه نظرة ضعيفة وقاصرة، لكنها جعلت منه فيلسوفا عظيما لأن كلامه يعجب الرأسماليين وأصحاب الإعلام.

المفكرون الغربيون لا يعرفون الإنسان، لأنهم ماديون و جزئيون، يعممون الجزء على الكل، فبعضهم يمسك الجنس ويعممه على سلوك الإنسان، وبعضهم يمسك إرادة القوة ويعممها على كل سلوك الإنسان، وبعضهم يمسك الاقتصاد، وبعضهم يمسك العادات، وهكذا، من اكتشف جزئية عممها، الإنسان أوسع من هذا الضيق الذي يضعونه فيه، ولذلك كل صاحب نظرية من هؤلاء يعجز عن أن يطبقها بشكل شامل. لأن عندهم خطأ قاتل في النظرة للإنسان، وهي وحدة النموذج، أن الناس كلهم واحد في أساسهم، بينما القرآن هو الوحيد الذي كشف أن هناك خبيث وهناك طيب.

الكريم والشجاع والإنسان الأخلاقي بشكل عام يتبين عند الظروف، وليست مسألة عادة كعادة فرقعة الأصابع، فالكريم يحسّب ما لديه، ثم يغلّب الفضيلة على المصلحة، فالكريم يتحمل الدّية ومسؤوليات جسام رغم حاجته. و وصف الفضيلة بالعادة يعتبر احتقار لها. هذه مواقف وليست عادات. كل كريم مرّ بمواقف صار فيها بخيلا وندم عليها، بل الكريم الحقيقي يشعر أنه دائما بخيل، فأين العادة؟ هل الشجاع من عادته أن يعرض نفسه للخطر كل يوم ؟

العادة فعل لازم تُفعل بتلقائية، من العقل الوسيط، حتى أحيانا لا يشعر بها، ولا يكشفها إلا مراقب، وليس فيها صراع مع النفس، مثل المجاملات، أما التضحيات فهي تحتاج إلى قرار وليست مجرد عادات. فقد تجد إنسان فقير معدم ومع ذلك كريم في داخله، فأين العادة؟ متى يمارسها ؟ إذا امتلك المال، وإلا فكيف نعلم انه كريم؟ مع أنه كريم في داخله.

هذه التعميمات تنم عن قصور في فهم دوافع الإنسان، وهذا حري بالشخص المادي الذي يفهم المادة أكثر من الإنسان، بل ينظر إلى الإنسان كمادة، وحسبه هذه النظرة، لينتج الخلل في تقييماته. الإنسان كائن مركب من حياة معنوية وحياة مادية. والنظرة إلى نصف الشيء يعتبر نصف فهم.

ولو كانت العادة مجرد مران للخلايا العصبية كما يقول هذا الفيلسوف العظيم، لأمكن تعليم كل الناس الفضيلة ومن الصغر ، ولكان التعليم مفيدا في بناء أخلاق الإنسان، وهذا مخالف للواقع، بحيث أننا نجد بروفسورا كبير يسرق أو يزوّر، ونجد فقيرا أمّيّا يتعفف عن مثل هذه الأفعال. ولو كان هذا صحيحا لاستطعنا أن نجعل من الطفل ما نشاء : رساما، كاتبا، مطربا، شجاعا، صبورا، رقيقا ، رحيما، كريما، الخ .. وهذا الكلام ينفي فكرة الاختيار وفكرة المواهب والقدرات الخاصة، وكأن المسألة حفر طريق.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق