السبت، 23 يناير، 2016

الفن الطبيعي : توسيع النظرة للأدب الإسلامي

قال تعالى: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا .. } الآية ..

 الله استثنى الذين آمنوا, فالشعر يكون لله وما والاه وفيه ذكر كثير لله, أو يكون في الانتصار على الصناعي, حتى لو كان الشعر في موضوع الغزل سيكون في إطار الطبيعي ، أو هجاء للصناعي أو فخر على الصناعي أو تفكر في آيات الله، أو تكون رواية تدور حول إظهار الطبيعي من الصناعي.

الفن والأدب الإسلامي الحقيقي ليس لمدح الإسلام فقط وإنما يرى الحياة كلها بمنظر إسلامي، فالإسلام لا يضعف الفن كما يقول بعض النقاد بسبب ضعف الشعر في عصر صدر الإسلام ، فالمشكلة ليست في الإسلام بل في المسلمين، الإسلام يقدم رؤية كاملة للحياة، والذوق العلماني الدنيوي لم يراعِ أذواق الناس مثل ما راعاها الإسلام، فلا يقتصر الشعر الإسلامي على النصائح فقط وإنما تقديم البدائل من خلال نظرة كاملة للكون والحياة منطلقة من رؤية إسلامية شاملة. الفن الإسلامي يكشف زيف الصناعي أيضا وينتصر للحق والعدالة, لأنه انتصار بعد الظلم، والصناعي ظالم .

وهذا الكلام مهم عن الفن والأدب الإسلامي، القرآن يخبرنا عن المعاني السامية التي يجب أن يخدمها الفن والأدب, بل الأديب أو الشاعر أو الفنان المسلم هو مسلم أيضا ومتقيد بكونه عبداً لله حتى في حالة فنه, الفن لا يعني الانفلات من الروابط ولا يعني تضييق هذه الروابط, القرآن نفسه لوحاته فنية معجزة ومحيرة بجمال بلاغتها وصياغتها فكيف يرفض الفن؟!

المهم ألا يعمل الفن بدون الإسلام أو ضد قيم الإسلام بل يرتبط بها, وإذا ارتبط بها فسوف يؤجر على هذا، هناك من ضحّوا من أجل الفضيلة.. وأعمالهم مجال خصب يجب أن يخدمه الفنان والشاعر وليس كما يمدح الصناعي جمال امرأة لا تستحق. الشاعر الحقيقي لا يكذب وإنما يقول أحاسيسه هو, ولا يكون بعيداً عن الواقع مثل الشعر الصناعي الذي لا يتورع عن الكلام الفاسد حتى، فالمرأة الصناعية لا تستحق لأنها فاسدة مائلة مميلة، المرأة الطبيعية العفيفة هي التي تستحق شعر الغزل العفيف.

حتى الأشعار التي عن الطبيعة وتشبيهها يجب أن يذكر فيه الله، ولماذا الشعر الذي يكون لله يبرد؟ الصناعيون يمدحون المشاهير بعيداً عن ذكر الله الذي باعتقادهم أنه يجعل قصائدهم باردة ولا قيمة لها. الصدق والتلقائية -كقصائد مقاومة الظلم- نجد أنها جميلة ولها قيمة عند الناس, والمؤمن لا يتعلق بالسائد ولا دخل له به, لذلك المؤمن بعيد عن النمط السائد, ويقول مشاعره كما يحس بها بصدق.

القرآن ذم الفن الصناعي كالتعظيم  في الشعر لمن لا يستحق التعظيم أو الاستشهاد بكلام صناعي، كمن يستشهد بمن يقول (ومن لا يظلم الناس يظلم) أو (إنما العاجز من لا يستبد) أو مثل الاستشهاد بقول النجاشي في هجاء الزبرقان بن بدر:

قُبيِّلة لا يغدرون بذمة ,,, ولا يظلمون الناس حبة خردلِ

هذا غير التعصب والغوايات, ومن يريد الصناعي يتبع هذه الآراء, والشعر يشيع بين الناس, هذا غير الهجاء المقذع الذي يتناقله الناس, فإن هجا الشاعر أباك وأنا أريد أن أهجوك, فإني أرد عليك بقول الشاعر, لذلك قال تعالى بأن الذي يتبع الشاعر هو الغاوي وليس العاقل.

كذلك بشعر الغزل المكشوف تجد من له غواية بالمجون والفساد هو الذي يتمثل بهذا النوع من الشعر, فالشعراء الصناعيون سببوا مشاكل وحروباً بشعرهم, مثل الشاعر الذي كان يقول للخليفة العباسي :

فضع السيف وارفع السوط حتى ،، لا ترى فوق ظهرهـا أمـويا

فالشاعر سبّب فتنة والحاكم كان غاويا فاتبع هذا الشاعر, بل إن الناس يخشون من ألسنة الشعراء, والقرآن ذم هؤلاء الشعراء الصناعيين لأن كلامهم يستغله الغاوون ويصيب الأبرياء بسبب تعميمات الشعراء ويحصل له رواجاً وشهرة, هذا الرواج أو إعجاب الناس في أكثر أحواله بشعر الهجاء مثلا ليس شرطا أن يكون بسبب جمال الشعر الفني بل لنوازع الغاوين, لهذا يصفق له الخصوم أكثر.

وفي المقابل هناك شعراء كلامهم ثمين وبقي وأفاد ونفع لأنه يحث على معروف وعلى خير, وهذا الذي بقي هو الشعر المسلم, الفن يجب أن يكون في ذكر الله وما والاه وليس في أهواء النفس ونوازعها. وقوله تعالى : (وانتَصروا من بعد ما ظُلموا) يدل على أن الشاعر له وظيفة, والله أراد أن يكون الشعر والفن مع الله, وإعجاب الناس بشعر الهجاء أو بالشعر الصناعي هذا يدل على أن الناس لم يعطوا الأدب الإسلامي فرصة أن يتبلور, باستثناء شعر حسان بن ثابت أو شعراء الرسول, فالناس هم من أرجعوا الفرزدق وجرير والحطيئة الذي سجنه عمر بن الخطاب لأنه يهجي الناس والذي استعطف عمر بقصيدته التي مطلعها :

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
 أبقيت كاسبَهم في قُعر مظلمةٍ .. فاغفر عليك سلامُ الله يا عمرُ

فاشترى منه عمر أعراض الناس بالمال, وللحطيئة نفسه قصيدة خيالية رائعة في البدوي الذي كان سيذبح ولده لضيفه ، والتي مطلعها :

وطاوي ثلاثٍ عاصب البطن مرمل .. ببيداءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما

وهذه القصيدة موضوعها عن الكرم، والكرم متعلق بالإسلام ومع هذا لم ينسِب النقاد الحطيئة لشعراء الإسلام, أكثر الناس يبحثون عن التعصب القبلي والهجاء والقدح بالأعراض, ومع الحضارة العباسية بدأ الشعراء يتخصصون كشعراء الزهد والطبيعة والسياسة والفرق والمذاهب وشعراء النقائض, بينما الشعر الإسلامي لا تجد إلا شعر الزهد أو شعر المدائح النبوية, وبعض الشعراء تركوا الشعر بعد الإسلام مثل لبيد بن أبي ربيعة, لذلك قالوا بأن الشعر ضَعُفَ في صدر الإسلام.

الشعر الإسلامي هو الخالي من الصناعي أي خالي من الرذيلة حتى لو كان في زمن غير إسلامي؛ لأن الإسلام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, وقد يكون الشعر إسلامياً في بيت من القصيدة وبيت آخر في القصيدة نفسها غير إسلامي أو جاهلي مثلا.

بهذا التصنيف يخرج الشاعر أو الروائي أو غيرهما عن التصنيف الممل، ويأخذ كل بيت حقه، (وذكروا الله كثيراً) أي لا يذكر الشيطان وهوى الشيطان وغوايته وأهوائه. والذي يظلم أحداً من الناس فهو كمن ظلم كل الناس قال تعالى: (ومن أحياها فقد أحيا الناس جميعاً) فالصناعي يضر الجميع، (قانون) أي صناعي يفعله أحد فهو سيضر كل العالم. الشعر الإسلامي الذي يدعو للفضيلة وينفِّر عن الرذيلة، لا أن يجمعهما، هنا يكون خرج عن الشعر الإسلامي، من يهجو قبيلة لأن أحد أفرادها ظلمه، هذا ظَلَم ولم ينتصر.

إن مصطلح الشعر المسلم أوسع من مصطلح الشعر الإسلامي.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق