الأحد، 2 أبريل، 2017

المهارة والتعامل البارع مع الأدوات (التماهي الشعوري)



في إصابات الجسم غالبا ما يكون سبب الإصابة شيء لم يدخل حيز إحساسك ولم يرتبط بشعورك, كحفرة صغيرة لم تنتبه لها أو حذاء رديء عسر قدمك, فالخطر غالبا ما يكون من الأدوات أكثر من أطراف أجسامنا لأن إحساسنا بالأدوات عادة أضعف من إحساسنا بأجسامنا, لذا من المهم أن تتعامل مع الأدوات التي تستعملها والملابس والأحذية وكأنها جزء من جسمك, أي أن تقود سيارتك مثلا وكأنها هي جسمك, ويكون حذائك كأنه قدمك. الفارس الجيد هو الذي يقود الفرس وكأنها جزء منه, ولاحظ أن الرسام البارع يرسم وكأن الفرشة جزء من يده وليست أداة غريبة يحملها بأصابعه, أي أن شعوره يرسم من خلال الريشة, ونفس الشيء بالعزف على الأدوات الموسيقية, فيعزف الشخص وكأن الآلة جزء منه. هذا هو الفن في التعامل مع الأدوات: أن تسلَّم الأداة للشعور, فيكون لشعورك الحرية بأن يفعل بالأداة ما يفعله بجسمك.

وهذا ينطبق حتى على المعنوي, فتستطيع أن تدخل شخص آخر تحبه إلى شعورك, وستجد بعدها انك تفهمه أكثر وتحس به حتى دون أن يتكلم, لأن معرفة الشعور أدق من معرفة العقل وأوسع, فشخص يتعامل معك بعقله ليس مثل من يتعامل معك بعقله وإحساسه, من الإحساس تأتي البراعة والإبداع وتأتي الأعاجيب, أما العقل والمنطق فلا يأتي بالأعاجيب.

لا تقل عن الشيء أنك نجحت به حتى تحس أنه دخل في شعورك, وهذا قانون المهارة أو أسميه قانون التماهي أو الضم (ضم الأشياء إلى شعورك), ولا تستطيع أن تقول عن شيء أنك أحببته حتى تدخله إلى شعورك, لذلك الفرسان القدماء يتأكدون من السيف الذي سيستخدمونه ومن الصعب أن يعجبهم أي سيف وكذلك أي فرس. هذا الضم الشعوري هو ما يجعل الأم تنام والطفل بجانبها دون أن تنام عليه وحالما يبكي تستيقظ, وتستطيع أن تميز أن بكاءه من جوع أو ملل أو غيره, لأنها أدخلت طفلها لشعورها .

 قانون الضم واسع وليس له نهاية, وهو قانون يحتاجه أي شخص لبناء مهارة ما, والشاعر البارع يملك الموسيقى والكلمات التي هي أدوات العمل وقد ضمها لشعوره. والضم الشعوري يزيد الثقة ويزيد الحب وبالتالي يُبعد الخوف, يمكن أن تكون قد عرفت القواعد العقلية (الألفية) للعمل لكن لا تستطيع أن تحس بتمكنك منه, مثل لو تتعلم القواعد اللغوية عقليا لكنك إذا بدأت بالممارسة تشعر بخوف, أو قد تجيد لغتين لكن حين أقول لك ترجم ستشعر بصدمة بسبب أنك لم تضم شعوريا. ومن هذا نعرف قيمة التعليم المتقطع فهو يتيح فرصة لضم ما تعلمته لشعورك.

المهارة هي عمل أوتوماتيكي يتحكم به الشعور, و دور العقل هو أن يدخل الأشياء التي تريد أن تكون ماهرا بها للشعور. من المهم أن يكون لديك سرعة في الضم, وهذا يعتمد على مدى حبك لذلك الشيء وعلى ثقتك بشعورك واحترامك له, لهذا الإنسان ضعيف التواصل مع إحساسه يصعب الضم عليه ويتأخر فيه. والعُـقَد النفسية تقطع الطريق على الضم, فأحد لديه عقدة من سوء الخط لن يكون القلم قطعة منه, لأن العقدة - مالم تُعاَلج - تقف حاجزا ضد انطلاق الشعور.

افترض أن ببالك وضعا أو مهارة ما تريد اكتسابها أو نغمة موسيقية تريد تأديتها بصوتك.. فقط اطلبها من شعورك بثقة وستصل إليها, مثلا تريد أن تمتلك مهارة كنس الأرضية من الغبار بسرعة عالية, حين تضم المكنسة لشعورك ستلاحظ أنك تبدأ تتلاعب بها, فالشعور متحرك وستظهر هذه الحركة على المكنسة وسيظهر تجديد وإبداع. وهذا كله تابع للعبقرية الشعورية. ودور العقل (أ) أن يفتح مسارات ليمر معها الشعور. في داخل كل إنسان يوجد عبقري مُهمَل..

ومن قوانين هذا الضم أنه قابل للزيادة, فليس كل الناس ضامون أجسامهم لشعورهم بالشكل الجيد, فبعض الناس لم يضموا أطراف جسمهم وإن مروا على شيء ضربوه دون قصد, فبعض الناس لا يتحكمون بحركات أجسامهم بمهارة فيمشي الشخص وكأنه يقود شاحنة! المفترض أن تبدأ بضم جسمك قبل ما حولك, فالأصل أن تبدأ من القريب إلى البعيد.

من علامة ضم الشيء إلى شعورك: الحب, فالأداة التي تحبها هذه علامة أنك ضممتها إلى شعورك, كأن تحب آلتك الموسيقية أو سيارتك أو حتى جسمك, فلأن هذه الوسيلة توصِّل الشعور بشكل جيد فسيأتيها حب من الشعور, فأي شيء تحبه أنت قد ضممته لشعورك, حتى الشخص الذي تحبه أنت قد ضممته لك -ولا أقصد حب التملك-, فتحس به ويكون تعبه من تعبك. والضم أيضا يشمل العقل, فتستطيع أن تضم عقلك إلى شعورك ولا يكون كأنه آلة غريبة عليك, فالعقل أدوات إذا ضممتها لشعورك سيعمل بشكل أٍسرع, فهاوي الرياضيات مثلا تجده يقوم بعمليات حسابية أسرع من غيره .

في الأداء الغنائي أو الإنشاد يشعر بعض الناس أن صوتهم لا يؤدي اللحن كما هو, ويشعرون أن هنالك صورة مثالية للحن ويحاولون أن يطبقوها لكن يفشلون, الصورة الذهنية المثالية هي الدرجة الأولى من المهارة وبعدها يأتي تطبيق أو أداء هذه الصورة, وهذه درجات للمهارة. الصورة المثالية للحن هي الفهم الشعوري, وعلى قدر احترامك لشعورك ومع التمرين تقترب لهذه الصورة الذهنية. والمسافة هائلة بين ما يصوره شعورنا لنا وتطبيقنا له, نستطيع أن نتخيل أجمل اللوحات لكن تنفيذها أمر آخر.

 هنالك أناس لديهم مشكلة في التطبيق وأناس لديهم مشكلة في عدم وجود الصورة الذهنية أصلا, وهؤلاء وضعهم أصعب, لأنه لا يوجد لديهم فتحة شعورية للمجال بسبب نقص الشمولية, أما لو كان الشخص يقول أنه يحب ذلك المجال لكنه لا يستطيع أن يؤديه بمهارة فهذا وضعه أسهل لأن لديه الرغبة والدافعية. من لا يستطيع أن يؤدي اللحن الذي في ذهنه فهو في حاجة إلى أن يضم صوته إلى شعوره أكثر, وهو قد ضم صوته لشعوره في الكلام لكنه لم يضمه في الغناء.

الضم الشعوري هو الفن, وما أجمل أن نعيش حياتنا ونمارس عملنا بفن هذا يجعلنا نستمتع ونبدع أكثر, وتستطيع أن توسع دائرة الفن لكي تشمل أشياء كثيرة بحياتك, حتى الأشياء الروتينية, كتحميل الأشياء وتنزيلها. الشاعر المتمكن هو مثل ما قال المتنبي "أنام ملء جفوني عن شواردها ** ويسهر الخلق جراها ويختصم" أي مسيطر على اللغة كوسيلة للتعبير, وبالتالي يعبر من سعة وليس من ضيق, بحيث أنه يستطيع أن يعبر عن أي معنى يدور بباله, وهذا ما يسمى بالشاعر المطبوع, أي أن الشعر من طبعه ولا يتكلف وهو يقول الشعر .

الفن والمهارة ليس مهارة وراثية توجد عند أحد ولا توجد عند غيره, بل هي نتيجة حب ودافعية + ممارسة, لا يوجد فن بدون ممارسة, والممارسة تعلم يرصده الشعور من الطبيعة.


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق