الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

هل العقل هو الدماغ؟





معضلة: هل العقل هو الدماغ؟ أم أنه منفصل عنه؟ وهل توجد روح أو لا توجد؟ .. قضية صعبة, و أصحاب كلا الرأيين (من يقولون أن العقل مادي ومن يقولون أن العقل معنوي) يجدون أدلة على رأيهم..

ولكننا نجد أن الذاكرة ترتبط بالمعنوي وليس بالمادي, فمثلاً لماذا الكلمات تُحفظ أسرع من الأرقام؟؟ لو كانت المسألة آلية دماغية لحفظنا الأرقام مثل الكلمات, بينما الواقع مختلف..!

ويدلك على هذا أن النية لها علاقة بالذاكرة, والنية أمر معنوي, فمثلاً لو كان معك مفتاح ونويت أن تضعه فوق هذا الرف ولكنك لم تضعه لشيء أشغلك ووضعته في مكان آخر, ستجد أنك تتذكر النية ؛
لذلك حين تبحث عن المفتاح تبدأ بذلك بالرف الذي نويت أن تضعه فوقه كأول شيء تتجه إليه!

هذا يعني أن كل حركاتك واتجاهك نحو المكان الذي وضعت المفتاح فيه لم يكن له قيمة عند الذاكرة بل القيمة للنية, فلما وضعته في مكان آخر كان هناك حركات آتية من الدماغ ومستقبَلة منه عبر إشارات عصبية تتعامل مع الحواس التي تتعامل مع المادة, فأنت قد أمسكت المفتاح وعملت كل الحركات اللازمة لتضعه في ذلك المكان، ومع ذلك كل هذا لا قيمة له في الذاكرة, إذاً الدماغ لا يعمل بموجب هذه الإشارات بشكل ملزِم وإلا لكان العقل مادياً..

إذاً الذاكرة ليس مكانها الدماغ، فهذه المعلومات كلها آتية للدماغ, بينما النية لا علاقة لها بأي مجهود دماغي؛ لأن ليس لها علاقة بحاسة. منطقياً لو كان العقل في الدماغ لذكرنا المفتاح على الطاولة ولم نذكره على الرف لأننا لم نذهب إلى الرف أصلاً, وهنا سقطت فكرة أن الدماغ هو مركز الإنسان بعواطفه وأفكاره وذكرياته.

بل لو كان الدماغ يعمل بطريقة آلية لم يكن هناك شيء اسمه نسيان أصلاً!! فهل يستطيعون معرفة آلية المسح من الذاكرة؟ طبعاً لا ؛ لأنهم لا يستطيعون على آلية التثبيت فضلاً عن المسح, ولا يعرفون أين مكان المعلومات في الدماغ ولا ما هي المعلومات أصلاً. الدماغ بريء من هذا كله لأنه يحتوي قنوات استقبال وإرسال حساسة.

ثم نأتي للذاكرة المؤقتة, مثلاً أنت تقفل الباب كلما دخلت الغرفة وتذكر أنك قفلتها هذه المرة وكل مرة دون أن يلتبس عليك إقفالها اليوم مع إقفالها يوم أمس، فتقول أنني متأكد من إقفالها هذا اليوم, مثلما كنت تعرف بالأمس أنك قد أقفلتها, أي نسيت إقفال الأمس وحل محلها إقفال اليوم مع أن الحركة واحدة, وأنت لا تذكر كل حركاتك منذ دخلت الغرفة.

خاصية المسح في الذاكرة المؤقتة كيف تكون والدماغ آلي؟ ومن الذي يمسح ويثبت مع أن آلية وصول المعلومة واحدة -عبر الحواس المادية المرتبطة بالدماغ مباشرة-؟

إذاً هنالك قيِّم أو مشرف على العقل هو الذي يبقي فيه ويحذف منه, و ليس له آلية مادية, إذاً الدماغ ليس إلا جهاز يعمل عليه هذا الشيء, فأنت لا تذكر رقم غرفتك في الفندق بعد أن انتهيت من السفر أو رقم جلوسك حين كنت طالباً في الإعدادي، لكنك كنت تذكره بقوة وقتها أكثر من أي شيء!

فإذا كانت المعلومات تنطبع على الغشاء السحائي للمخ كما يزعمون فلماذا تُمسح بعضها وبعضها لا يُمسح طوال العمر؟! ولو بقيت تلك المعلومات التي تُحذف لتراكمت علينا المعلومات وسببت لنا فوضى, فهي معلومات بالملايين محذوفة من ذهنك لو كتبت أمامك لتهولت من الأشياء التي كنت تذكرها, ولو كان كل شيء محفوظ لاستغرق التذكر وقتاً طويلاً, إذاً الدماغ ليس مثل الكمبيوتر, الكمبيوتر مادي وعقل الإنسان إذاً غير مادي وإلا لكان مثل الكمبيوتر الذي يعمل بالنبضات الكهربائية مثل كلام الماديين عن الدماغ. 

هذا يعني أن الدماغ مفعول به وليس فاعلاً, إنه يشبه جهاز الكمبيوتر الذي يعمل عليه إنسان عاقل فيحذف منه ما يشاء ويعدِّل عليه ما يشاء.

المشاعر تتحكم بالعقل عبر الدماغ، وكل إنسان يعرف أن المشاعر هي الدوافع للتفكير والتذكر ..إلخ, فأين مكان المشاعر؟ هل هي في الدماغ أيضاً؟ أين هو بينما الإشارات العصبية متناوبة بين أجزاء الدماغ والجسم؟ فكيف إذاً يكون الدماغ نهاية المطاف؟ منطقياً المشاعر هي نهاية المطاف وليس الدماغ, الدماغ له وجود مادي والمشاعر لا وجود مادي لها, إذاً الدماغ ممر مادي وليس مستقراً.
 

وهذا الشيء يثبته المنطق: أن الدماغ مفعول به, إذاً أين الفاعل لهذا المفعول؟
هذا الشيء الواعي العاقل الذي يتحكم بالدماغ هو الروح التي لا يُعرَف عن ماهيتها شيء بينما هي كل شيء، والمشاعر والعقل والذاكرة و الأفكار جزء منها أو بشكل دقيق أقانيم (مستويات) لها, إذا لامست الروح المادة صارت عقلاً, وإذا لامست الشعور صارت مشاعراً, وإذا صارت مع العقل الوسيط صارت عادة, لكن ما هو هذا الشيء الذي يحل بهذه الأشياء ثم يحييها؟ لا ندري, {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}  فأنت عندما تكون منغمساً في علم مادي كالهندسة مثلاً ففي هذه الحالة أنت بلا مشاعر, وإذا التفت للمشاعر والعواطف تكون بلا مادة ولا هندسة في هذه الحالة, و كل هذا يجري أثناء إلقائك درساً في الهندسة!

إذاً هنالك شيء ينتقل من مستوى إلى مستوى ومن إقنيم إلى إقنيم فيعطيه الحياة, إنه الروح أو الوعي.. ذلك المجهول أزلي الجهل. وهو شيء واحد لا يستطيع أن يلتفت إلى شيئين في نفس اللحظة كما في المثال السابق, قال تعالى {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . 

ومثلما رأينا في مثال النية عرفنا أن الدماغ لا يعمل بطريقة آلية, وكونه كذلك يدل على أنه هو آلة يشغلها وعي أرقى منه [وعي غير مادي] لأن الدماغ مادي.

هذا غير أن الأفكار والمشاعر لا وجود مادي لها في الدماغ، ولم يستطع العلم ولن يستطيع أن يثبت لها جرماً مادياً مع أنها هي المؤثر الكامل في هذا الجسم, والدماغ جزء من الجسم ويجري عليه ما يجري على الجسم ويموت مع الجسم فكيف يكون أرقى من الجسم؟ وكيف يتحكم المادي بالمادي؟ وهذا غير منطقي ولا واقعي في عالم المادة..

فلو كان الدماغ غير الجسم لما جرى عليه نفس أحكام الجسم، فهو يتغذى بالدم والأكسجين مثل الجسم، ويتلف إذا تلف الجسم, هو مركز لتجميع الإشارات الواردة من الجسم, ويتلقى الأوامر بإرسال إشارات إلى أنحاء الجسم بما فيه الدماغ نفسه, فهو يتلقى أوامر من أجزاء منه إلى أجزاء منه..

ومنطقياً لا يكون الجزء من الشيء يسيطر على الجزء وإلا لكان غير جزء, إذا صار الجزء يتحكم بالأجزاء الأخرى وتأتي الأجزاء الأخرى لتتحكم به، فهذا لا يكون منطقياً إلا من جهة عليا مستقلة عنها كلها تأمر هذا الجزء بأن يعمل لصالح ذلك الجزء وهكذا.
أما أن يكون هنالك تحكم متبادل بين الأجزاء ومعرفة للمصلحة متبادلة فهذا لا يكون منطقياً, إلا بجهة عليا تنسيقية ترجع لها الأجزاء كلها.

وفي حالة العُميان ثبت أن مراكز البصر انضمت إلى مراكز السمع في المخ، مما أنتج قوة حاسة السمع ودقتها عند الأعمى, فمن الذي أصدر الأمر بانضمام هذه المراكز البصرية إلى مراكز السمع؟! هل هي من نفسها وهي متخصصة بالبصر؟ أم أن مراكز السمع أمرتها وهي متخصصة بالسمع؟ إذاً العقل ليس عبارة عن غرف مستقلة مثل الكمبيوتر, وهذا يدل على أن ذلك الوعي الأعلى يتعامل مع المخ كمستقبلات ومرسلات , فلما صار محتاجاً للمعلومات بسبب تعطل حاسة البصر في حالة الأعمى استغل مراكز البصر لتقدم له معلومات أكثر من خلال حاسة السمع غير المعطلة, إذاً هو المحتاج للمعلومات وليس الدماغ نفسه, لأن الدماغ ليس له مدير.

بعبارة أخرى: المخ يحتاج إلى مدير, فمن يديره؟ ليس إلا الروح. لم يثبت العلم وجود مركز سيادي يتحكم في المخ, بل وجدوا الإشارات متناوبة بين الخلايا العصبية المخية، وليس في المخ مركز تتجمع فيه الإشارات وتنطلق منه, وهذا الوضع يشبه وضع المصنع الذي يعمل بطريقة آلية ويتحكم به مهندس التشغيل من خلال شاشة المعلومات, فإذا نظرت إلى المصنع والآلات تتبادل الخدمات لا تستطيع أن تحدد أيها هو المدير, أي لا تستطيع أن تفهم المصنع إذا استبعدت هذا المهندس وشاشة التحكم..

وعلى هذا فليس المخ نهاية المطاف كما يريد الباحثون الملاحدة كـ سام هاريس وداوكنز وغيرهم أن يقنعونا, ويتهربون عن الأسئلة بحجة تعقيد المخ, ولكن هذه الأسئلة غير معقدة ومنطقية وتحتاج إلى إجابات غير معقدة ومنطقية. هم يبالغون بتسمية الدماغ بالصندوق الأسود الذي يُنتظَر اكتشافه وأن كل شيء سيُعرَف بعد ذلك, على سبيل الأمنيات الإلحادية والإحالة على المجهول, فالسر دائماً عندهم في المجهول، والمطلوب انتظار كشفه كالدماغ وملايين السنين ومستقبل العلم إلى آخره من المجهولات التي يحيلون أمانيهم عليها على سبيل التخدير، بينما العلم لا يتعاطى المخدرات!

وهكذا أي اكتشاف لهذا الصندوق الأسود يكون اكتشافاً لسطحية الفلسفة المادية ويدق مسماراً في نعشها.

هناك 3 تعليقات :

  1. مالفارق الجوهري بين العقل البشري والحاسب الآلي

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا وسهلا ..

      تفضل الرد على سؤالك على هذا الرابط : http://alwarraq0.blogspot.com/2014/11/blog-post_21.html

      حذف