الثلاثاء، 6 يونيو، 2017

سلسلة الردود على سلسلة نظرية التطور للدكتور عدنان ابراهيم – الحلقة 1



مقدمة :

يقول فضيلة الشيخ الدكتور عدنان إبراهيم : "يحق للجميع أن يبدوا رأيهم في هذا الموضوع في إطار الصرامة العلمية التي لا تجامل" ويقول أيضا : "الباب مفتوح لكل متابعي سلسلة التطور لإدراج استفساراتكم واعتراضاتكم وملاحظاتكم". وبناء عليه أكتب هذه التعليقات التي أرجو أن يتسع لها صدر الدكتور أو صدر من يؤيده في قبول هذه النظرية, محاولا ان تكون آرائي مثبتة بالمنطق والعلم قدر الامكان وبعيدا عن الشخصنة، مبتدئا بالحلقة الأولى, وجميع حلقات هذه السلسلة الموجودة على اليوتيوب. وهو ايضا طالب من يعترض على النظرية أن يقدم بديلا، لهذا سوف أقدم بعد آخر حلقة من حلقات الردود بإذن الله بدايات نظريتي الجديدة البديلة عن التطور ، والتي أسميتها (نظرية الدفعة الواحدة الوظيفية التسخيرية). وسوف يكون منهجي في الرد على الحلقات هو تلخيص الفكرة أو الافكار قدر الامكان من كلام الدكتور في الفيديو وتقديم الرد او التعليق عليها ، بالدقيقة والثانية ، ثم أقدّم ملخصاً لنقد نظرية التطور بعد نهاية كل الحلقات، ثم اطرح نظريتي البديلة.

وأنا أتمنى ايضا أن يرد علي الدكتور او غيره – بنفس أسلوبي - إن كنت أخطأت أو فاتني شيء ، وما أبرئ نفسي من الخطأ، وكلنا نتعلم. وعندما أقول أن الدكتور قال كذا أو كذا، فأنا لا أقصد الرد عليه هو شخصيا، بل الرد على النظرية. وإلا فأنا أعلم أن له رأيا خاصا في النظرية وأنه لا يوافقها بكل التفاصيل، إنما يوافق جوهرها وفكرتها الأساسية، مع إقراره بأن الله هو الخالق لأصل الحياة، مع أنه لم يحدد موقفه منها حتى الآن، وإن كان قد وعد بذلك. ونتمنى أنا والقراء أن نسمع موقفه الكامل منها حتى نستفيد، فقد تتغير قناعاتي، وفوق كل ذي علم عليم.

مع الشكر والامتنان لفضيلة الدكتور لسعة علمه وجمعه لأشتات هذه النظرية والذي يحتاج الى مجهود شاق من القراءة والتحقيق والبحث عن أفضل الكتب وأحدثها، وهذا لا شك مجهود رائع ويُشكر عليه.

(الدقيقة 5 الثانية 36) يقول الدكتور عدنان إبراهيم أن نظرية التطور لا يفهمها إلا الندرة,

الرد : العجيب أنهم يقولون نفس الكلام عن نظرية النسبية أنه لا أحد يفهمها إلا الندرة, ونظرية الكم لا أحد يفهمها إلا الندرة, والشعر الحداثي لا يفهمه إلا الندرة, والبنيوية النقدية لا يفهمها إلا الندرة, والفن السيريالي لا يفهمه إلا الندرة, ولوحات بيكاسو لا يفهمها إلا الندرة!..إلخ, أمر عجيب وتشابه مع اختلاف. لكن لا يقولون عن الهندسة الكهربائية أنه لا يفهمها إلا الندرة ولا عن التكنولوجيا ولا عن الجراحة ولا الميكانيكا..! فهل الميكانيكا أو الرياضيات أو الهندسة لا أحد يفهمها مع أنها متخصصة ودقيقة؟ لماذا هذه النظريات التي تخدم الفلسفة المادية والتي تسمى "علمية" لا تُفهم؟ كيف علم و لا يُفهَم؟ بمجرد ان تصنف شيئا أنه علمي فهذا يعني أنه قابل للفهم والتطبيق، وليس مخصصا للندرة، وكأن الكلام عن حالة شعرية أو روحانية لا يستطيع أحد أن يصل إليها إلا ذوي القدرات الخاصة. غير المنطقي هو الذي يكون عسر الفهم. التناقض والغموض والفقرات الضائعة هي التي تسبب عدم الفهم. وكلمة عدم الفهم حجة تُقذف في وجه معارضي هذه النظريات, وكأن القبول هو الفهم! فمن قبِل بها يقولون عنه أنه فهمها فهو فاهم و فذ، لهذا قال نعوم تشومسكي: "إن تقدم أي أمة من الأمم يقاس بمقدار فهمها لنظرية التطور"، ولم يقل مقدار فهمها للعلم وقيمته، مع أن العلم هو الذي يقدّم الامم، لأنه يتعلق بحياتهم، أما نظرية التطور فمهما فهمها أي شعب فليس لها أي تطبيقات في الواقع كما هو للعلم، فقط اضيف لذلك الشعب فلسفة وما وراء تلك الفلسفة من أبعاد فكرية مادية تظل حبيسة الفلسفة. وإذا كان خواص العلماء الذين يحاورون فيها ويكتبون أبحاثا عنها يوصف بعضهم بأنهم لم يفهموا النظرية, فما بالك بالشعوب والأمم؟ كيف ستفهمها اذا لم يفهمها علماء افنوا اعمارهم في هذا المجال؟ مع الأخذ بالاعتبار ان العلم شيء والقبول شيء آخر.

كثيرا ما يتهم التطوريون من يرفض أو ينتقد نظرية التطور بأنه لم يفهمها، حتى لو كان عالما في الأحياء, مع أن المجالات العلمية مفتوحة للفهم لمن يدرسها، فمن يدرس مثلا كيف يعمل محرك السيارة ويدرس اجزاءها سيفهمها، ومن يدرس تشريح جسم كائن حي فسيفهم على قدر دراسته ومجهوده, أما نظرية التطور فمهما درستها فأنت لا تفهمها مادمت تنتقدها! لماذا كل من لم يقبلها يعتبَر لم يفهم؟ ومن يقبلها يعتبر فاهما بدون اختبار؟ مع أن كثيرا من معارضيها أناس درسوها وعرفوا أفكارها. بهذه الحجة يسعى التطوريون إلى نقل الحوار من كونه عيوبا في النظرية إلى كونه عيوبا في عقل المحاور، أي شخصنة بمعنى الكلمة. وما دامت المسالة علما فالمفترض أن يبينوا الجزء الذي لم يُفهم و يوضحوه. العلم المادي سيفهمه كل من يدرسه وليس لا يفهمه إلا الخواص. لا يوجد علم لا يفهمه إلا الخواص، هذا اذا كان علما. المجالات الأدبية هي التي يمكن أن يقال لأحد أنك لا تفهم فيها لأنها تتطلب احساس وتذوق ورغبة وهوى وليس فقط عقل، فمن يريد أن يحلل قصيدة بشكل عقلي مادي سنقول له أنت لم تفهم، لأنه استخدم عقله فقط في مجال ليس فقط عقلي بل ايضا أدبي شعوري و ذوقي وعاطفي، فمن لم يعش معاناة تجربة حب مثلا، لن يفهم معاناة الشاعر المحب بنفس دقة فهم من عاش نفس التجربة. أما العلم فهو مجال عقلي، وبالتالي يستطيع الجميع ان يفهمه اذا اعطاه حقه من المجهود، ولهذا كل من درسه سيفهمه. لكن ليس كل من درس الشعر أو الفن سيفهمه، لذلك دراسة الشعر لا تصنع شاعرا بالتأكيد، لكن دراسة العلم تصنع عالما. وهذا يكشف أن نظرية التطور هي نظرية أدبية دينية إلحادية أكثر مما هي نظرية علمية.

(الدقيقة 6 الثانية 5) دعاة التطور عادة يشنعون بالجهل على من يفهم أن النظرية تجعل أصل الإنسان قرد, ويستبدلونها بأنه ذو أصل مشترك مع القرد.

الرد : هم لا يذكرون هذا الأصل المشترك ويجعلونه حلقة مفقودة دائما, لماذا؟ لأنهم لا يريدون أن ينسبوا الإنسان للقرد و لا لأي حيوان آخر مباشرة حتى لا يتأثر تسويق النظرية. وإذا سألتهم عن هذا الأصل قالوا لا ندري, مع أنه يُعرف بالعقل, فهذا الأصل أنتج القرد كواحد من الأبناء وأنتج الإنسان الأول جَدا للإنسان، والذي يشبه القرد تماما مع اختلاف بسيط أو طفرة جينية, وأي اثنان يشتركان في اصل مشترك واحد فنسبهما واحد. وانظر إلى صورة الخلفية خلف الدكتور التي تشير إلى التدرج من حالة القردية إلى حالة الإنسان في الفيديو! الصورة الخلفية ضد كلامهم، شاهدُها منها وفيها ، وهي من ايقونات التطور المشهورة، بالأول قرد، ثم قرد معتدل القامة، ثم انسان. إذن أصل الإنسان قرد، ولا يمكن الإلتفاف عليها.

شيء واضح أن يكون ذلك الأصل المشترك يشبه القرد الذي تحول إلى إنسان ويشبه القرد الحالي, أي قرد! أحد أبنائه صار عنده طفرة والآخر بقي على حاله! الذي بقي على حاله يشير إلى الأصل المشترك، ولن يبتعد كثيرا عن القرد، هذا هو المهم مثلما أن أبنائه لن يبتعدوا, فلن يكون أسدا ولا حصانا ولا حوتا. جد الإنسان هو أخ القرد, إذن اسمحوا لنا أن نقول عن الإنسان أنه أخ القرد بدلا من كلمة ابن القرد التي تثير تحسسكم, ولا أظن شيئا كثيرا قد اختلف! كلها محاولة تلطيف يقوم بها الداروينيون. وهذا عمل فيه احتقار لعقول الناس, معتقدين أن الوصف بالجهل سيُسكت من يكتشف أن أصل الإنسان قرد بموجب النظرية أو أن الإنسان أخ القرد وكلاهما شيء واحد! وهذا الاصل المشترك لا بد أنه اقرب الى القرد منه الى الانسان بالمنطق، بدليل أن الانسان تطور والقرد لم يتطور، ونسيته الطفرات السعيدة واختارت ان تتجمع في اخيه الانسان. الانسان الاول اذن هو قرد مثل اخيه، لكن يد الطفرات هي التي اخذته وتنكّرت لاخيه، وبالتدريج الطويل، كما توضحه الصورة. ولا تسأل لماذا، حتى لا توصم بالجهل، مع أنها طفرات عشوائية كما يقولون، وليس لك أن تسأل، لأن جوابهم لك سيبدأ بابتسامة صفراء.

(الدقيقة 8 الثانية 40) فضيلة الشيخ الدكتور يكيل المديح بالصاع الكبير لأناس معروف أنهم أقطاب الإلحاد من أمثال هكسلي والملحد المتشكك هيوم, وداروين الذي قال أني خسرت إيماني نتيجة أبحاثي. أي أنه الحد.

الرد : هؤلاء لهم صفة علمية ولهم صفة إلحادية لم يتكلم عنها الدكتور ولا عن اختلاطها بصفتهم العلمية.

والدكتور يكيل الثناء لهكسلي في أنه ألجم الأٍسقف برد قاض

الرد : هذا رد وقح ويستطيع ابن الشارع أن يقوله: "أفضّل أن يكون أجدادي قرودا ولا يكونوا مثل هذا الأسقف الجاهل"!, لأنه سأله: هل القرد –الذي تقول أنه جدك- من أجداد أمك أم من أجداد أبيك, وليس في رد هكسلي براعة غير عادية، بل هو شتيمة.

(الدقيقة 9 الثانية 25) يقول الدكتور أن من أساليب تضليل الناس عن النظرية هو القول بأنها "مجرد نظرية" . وأن هذا كلام من لم يفهم النظرية.

الرد : إن تُهَم المحاورين من قِبَل التطوريين ليست مؤدبة، لأن أهون ما فيها الوصف بالجهل، هذا غير تهم التضليل والضلال والبهتان وافساد الرأي العام وبقية القائمة. ثم : تهمة الضلال والتضليل تهمة يطلقها رجال الدين في العادة، فكيف صارت من نصيب الداروينيين – الذين أكثرهم ملاحدة - يتهمون بها من يشاءون؟ وإذا قيل لهم : انتم اصحاب دين، قالوا لا ! مع أن من يخالفهم يُتهم بالضلال وافساد المجتمع، ولم يبق الا ان يتهم بالهرطقة. وهذا خروج عن النطاق العلمي ولا شك الى نطاق عقدي وكهنوتي، من يخالفك يخالفك علميا، وعليه ان يحشد ادلته، وعليك ان تردّه بالحجج دون أن تلزمه باتباعك او يلزمك هو باتباعه، لأنها لا تزال وحسب تسميتهم لها : نظرية ، والنظرية ليست مثل الحقيقة العلمية الثابتة بالتجربة، اذن ليس حقاً أن تصف من يخالفها بالضلال والإفساد في المجتمع والشباب، لأنك قدمت نظرية فلسفية متناقضة، ولم يشاهد أحد التطور لا قديما ولا حديثا وليس له وجود في مجال الطب ولا غيره وليس له أي تطبيق ولم يدخل مجال التكنولوجيا. هذا ليس مثل من يخالف حقائق علمية بدافع دين مثلا، نحن نخالف "نظرية". وهذا حق للجميع، مثلما هو حق لمن أراد ان يقبلها. دون كيل التهم. ومثلما هو حق لأي احد ان يؤلف نظرية ويبحث لها عن شواهد، كما فعل التطوريون، الّفوا نظرية وبحثوا لها عن شواهد واحافير، مع شيء من التزوير والرسوم والفبركات والاعلام القوي.

(الدقيقة 10 الثانية 15) يمتدح الدكتور شخصية داروين بأنها معجبة ومحببة ومتواضعة وعلمية ، وأنه كان إنسانا عظيما وكريما .

الرد : هذه وجهة نظر تلاميذ تطوريين بأستاذهم، وتزكية على بياض لا شأن لها بالعلم، هي عاطفة.

(الدقيقة 11 الثانية 55) يذكر الدكتور ان العالم قبل داروين ليس كالعالم بعد داروين، ووضع الدكتور داروين في مصافّ جاليليو واسحاق نيوتن والبرت اينشتاين في تغييرهم لمنظور البشر إلى حياتهم والكون من حولهم .

الرد : لاحظ أنه تغيير "منظور" كما يقول الدكتور، وليس تغييرا واقعيا ولا تقنيا. والفلسفة والاديان هي التي تقوم بتغيير المنظور، أما العلم فهو يغيّر الواقع قبل تغيير المنظور، فالمنظور يتغير لاحقا بعد العلم ، ويتغير سابقا مع الفلسفة. اذن التطور عبارة عن فلسفة، وعلى كل، فمن عادة الإعلام الغربي صنع النجومية وتسليط الأضواء على شخص واحد, حتى تختفي الخلفية التي أوصلته إلى هذه المكانة. وإلا ففكرة التطور موجودة من قبل داروين، وجدّه ألف فيها وكانت تُتداول من قبل وموجودة في التراث اليوناني, والتراث الهندوسي في تناسخ الأرواح, بل حتى موجودة بشكل اوضح في التراث العلمي العربي. وقد ذكر ذلك الدكتور في فقرات قادمة، والشيء نفسه فُعِل مع نيتشه ومع فرويد ومع أينشتاين وهوكنج وطه حسين ودواكنز وغيرهم, صنْع النجومية لإخفاء الخلفية الدافعة التي تعمل على تجهيز المسرح لأهداف خفية, وغالبا هدفها تنحية الدين وإحلال "العلم" محل الإله، حتى لو لم يكن علما بمعنى الكلمة.

(الدقيقة 13 الثانية 42) يذكر الدكتور ان الثورتان العلميتان اللتان غيرتا العالم هما ثورتا كوبرنيكوس وداروين، ويقول الشيخ عدنان ابراهيم بالنص : "مفيش داعي ندخل الدين والإٍسلام في كل شيء"

الرد : ما مصداقية الدين إذا كان لا يستطيع أن يدخل في كل شيء؟! هذه دعوى علمانية تريد فصل الدين عن العلم. ثم المقارنة بين ثورة كوبرنيكوس العلمية وثورة داروين النظرية مقارنة باطلة، لأن كوبرنيكوس وجاليليو قدما علما واثباتات عن عدم مركزية الارض، قدم جاليليو اثباتا من خلال مراقبته لأقمار المشتري، ولا يختلف عليها اثنان في العالم. أما نظرية التطور الداروينية فهي عبارة عن ثوب مرقع يجري ترقيعه كلما مزقها العلم اثناء تطوره، ولا تُصفّ إلى جانب نظرية كوبرنيكوس، والدليل كثرة الاختلاف المستمر حولها حتى بين الدراونة انفسهم، وهذا غير موجود في نظرية كوبرنيكوس، بل لم تعد تسمى نظرية كوبرنيكوس نظرية، بل هي حقيقة علمية، في وقتها أول ما نادى بها كانت نظرية، حتى توالت الاثباتات، كإثباتات جاليليو ورحلة ماجلان ورؤية اعالي الاشياء قبل اسافلها واطلاق المكوك الفضائي من خط الاستواء، والصور التي قدمها منظار هابل وغيرها كثير، وهي ليست لكوبرنيكوس اصلا، بل وصلت اليه من مخطوطات ابن الشاطر الدمشقي العربي، والمسلمون لم يكونوا يتصورون الأرض كما يتصورها المسيحيون، كانوا يقولون بكروية الارض، وهذا كله من القرآن الذي تكلم عن السماء ذات الحبك، أي المدارات، والذي اثبت أن الكون كله يجري ويتحرك، والارض بعد ذلك دحاها، أي كأنها كرة، يكور الليل على النهار. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، اذن نظرية كوبرنيكوس لا تعني شيئا كبيرا لنا كمسلمين، ولم تحدث ضجة كما احدثتها في الغرب المسيحي، لأن القرآن علّمنا بذلك، وهو كنز العلوم، بخلاف الغرب المسيحي الذي كان يعتقد ان الارض مسطحة ولها حواف اربع بعدها هاوية، وأنها مركز الكون، على حسب فهم رجال الدين التقليدي عندهم، بناء على نظرية بطليموس ومعتقدات اليونان القديمة التي ترى ان النجوم ثقوب عن عالم المثل، وتسميها بأسماء الآلهة المتعددة، اما المسلمين فليس لديهم شيء من هذا. لذلك هم من أسسوا للحضارة الغربية، ورواد الحضارة الغربية عالة على مخطوطات المسلمين. بل في الحضارات العربية القديمة كالسومرية والبابلية وجدت رسوم للفلك تشبه المجموعة الشمسية تماما، وكذلك داروين لم يكن التطور فكرته اصلا، فلماذا هذا النفخ؟ اما ان يهب اصحاب العلوم الاخرى والفنون مع موجة التطور، فهذه هبة اجتماعية اكثر من كونها علمية، كعلم النفس التطوري وعلم الاجتماع التطوري و اصل الحياة والكون والمدارس النقدية في الفن والادب وغيره، والمبني على الباطل باطل. هذه اقرب الى الموضة من التثبت العلمي.

(الدقيقة 15 الثانية 32) يقول الدكتور أن فهم النظرية فهما عميقا "صعبٌ جدا" ويتطلب السنين الطوال من التخصص, وبالتالي لن ينتقدها إلا من فهمها من أصحاب السنين الطوال, ولا يحق لأحد أن ينتقد النظرية إلا هؤلاء .

الرد : من ينتقد نظرية التطور سيقول عنه التطوريون إما مُغرِض أو جاهل, مع أن الدكتور تفضل وفتح باب النقد والاعتراض من الحلقة الأولى، ولم يشترط أن لا ينتقدها إلا عالم متخصص. ثم ما هو التخصص الذي يجعلك مضطلعا بهذه النظرية ؟ أهو علم الأحياء ؟ يوجد علماء أحياء أفنوا أعمارهم في دراسة الاحياء و هم ضد النظرية و تم وصفهم بعدم الفهم! يكفي ان من يقبل النظرية سيقال عنه انه فاهم وذكي وألمعي لمجرد انه قبلها ! من اراد ان ينتقدها عليه أن يتخصص ويدرس و إلا فهو جاهل، ومن أراد أن يقبلها فليس محتاجا لأي شيء حتى يسمى ألمعيا ! وبنفس الوقت يقول الدكتور عن أصحاب السنين الطوال أن منهم من لم يفهموها لأنهم لم يقبلوها! إذن النتيجة: إن لم تكن معي فأنت ضدي! إذن ليس هناك علم ، هناك قبول أو رفض، مع أنهم أفنوا السنين الطوال. العلم يلزَم الجميع، والنظرية لا تلزم الجميع. وهذه كلمة الفصل.

أما شخص عادي وقليل التعليم والثقافة لكنه يؤمن بالنظرية سيقولون عنه أنه فاهم وأوتي حسا وإلهاما داروينيَّين! مثل هذا التعجيز والحد على جرف الجهل نجده عند كل المتمذهبين أصحاب فكرة: معي أو ضدي. وهذا ينتج قمعا للتفكير، فكّر و دع غيرك يفكّر، هذا المبدأ أجمل وأقرب لتحري الحقيقة التي هي هدف الجميع إن شاء الله، إذا استُبعِدت الأهواء، والأفضل هو التشجيع على الطرح والتفكير وإبداء الإعتراض دون الوصم بالجهل والتحطيم، في أي موضوع وليس فقط هذه النظرية. ما دامت النظرية واثقة من نفسها فما يجبرها على تحطيم من أراد ان ينتقد ـو يبدي وجهة نظره؟

مثل هذا المنطق يُدافَع به عن كل شيء لا يستطيع أن يقوم بحد ذاته ويدافع عن نفسه, كل من يقف ضد التطور هو واحد من : جاهل, أو مغرض, أو متعصب ديني, أو غير متخصص, أو متخصص لم يفهم! لا مناص! هذا التعامل غير علمي بل عاطفي وحزبي. تستطيع أن تدافع بهذا الأٍسلوب عن السحر والشعوذة وعن أي خرافة, كل من انتقد السحر ستقول له : أنت جاهل اذهب وتخصص السنين الطوال واقرأ كل ما كتب عن السحر, وإذا فعل وانتقد سيقال له : أنت لم تفهم أو مغرض وابحث عن نفسك بينها! هذا اسمه إقصاء وتعجيز يقوم به الداروينيون معتمدين على قوة إعلامهم, ولهذا أقصي أساتذة من الجامعات في الغرب لأنهم شككوا فيها فقط, مع أنهم مختصين، لكن لم ينفعهم الاختصاص, أي صاروا من فئة : لم يفهم ومغرض! و"لم يفهم" غير "جاهل", فـ"جاهل" يقولونها لمن ليس له رصيد في الدراسة التطورية, و"لم يفهم" تقال للأساتذة المختصين في الأحياء! وانتهى الأمر "بشكل علمي"! شيء مضحك ، كأن الحوار حول قصيدة وليس حول علم. طبعا هذه من حِيَل العجز، لأنهم لو كان لديهم علم لما احتاجوا لصراع أصلا، العلم يشق طريقه بنفسه ولا يحتاج لدعامات.

(الدقيقة : 32 الثانية 55) الدكتور عدنان إبراهيم لم يفسر لماذا العلماء تركوا نظرية لامارك واتجهوا لنظرية داروين.

–مع أن الدكتور يبدو من الندرة الذين يفهمون النظرية-, و أنا سأحاول أن أفسر هذا التحول و سره. الإحالة على العلماء ليست علما, من مثل: اهتم العلماء أو لم يهتموا, تركوا هذا وأخذوا ذاك, قال العلماء أنها نظرية غير علمية فقلنا معهم...إلخ, هذا ليس علماً ما لم يصحبه التفسير المقنع لماذا فعلوا هذا.

فكرة لامارك في أن الاستخدام يطور العضو وعدمه يجعله يضمر (الوظيفة تخلق العضو) فيها شيء من المنطق أكثر من نظرية داروين, لكن لأنها غير قادرة على استيعاب كل الأٍسئلة والنماذج التي تُوجه لها - مثل أنه إذا كانت الزرافة طورت رقبتها إذن لماذا لم تطور بقية الأحياء وسائل أفضل؟ لماذا لم يطور الغزال وسيلة يدافع بها عن الذئب مثلا الذي ظل يفترسه عبر ملايين السنين؟- لهذا تركوها إلى نظرية داروين التي تعتمد على الصدف العشوائية "الطفرات", فإذا وُجد شيء متميز يقال أن الصدف طورته, وإذا قيل لماذا لم يتطور الحيوان الآخر يقال: لم تسعفه الصدف! لأن الانتخاب الطبيعي هو في الأخير الصدف العمياء, والصدف لا تنتخِب, الانتخاب يحتاج إلى وعي وإدراك للأشياء وهدف تسعى إليه, بينما الطبيعة خالية من ذلك الوعي وذلك الهدف, لكن القصد من تفضيل داروين هو الاستيعاب والخروج من المآزق.

وعلى قدر ما تكون خاليا من المنطق على قدر ما تستطيع أن تستوعب أكثر وتدخل ما تشاء في ما تشاء, فالكذاب يستطيع أن يستوعب كل الأحداث وينظمها في منظومة واحدة، لأنه بعيد عن الواقعية والمنطقية, فنظرية داروين أكثر جنونا من نظرية لامارك. مثلما فهم الناس عن الساحر أنه يستطيع أن يفعل كل شيء، لأن ليس في السحر أي منطقية, فالمنطقية تقيد وتحدّد. من يرفع شعارا منطقيا سيطالب بالتفسيرات, أما من يرفع شعارا غير منطقي - كالصدف العمياء وملايين السنين- يستطيع أن يتملص من المطالبات والإثباتات. كل شيء كثير وغير محدد كلٌّ يستطيع أن يحدد جزءا منه ويعممه ويطالب الآخرين بإثبات العكس وإن لم يثبتوا فهو صحيح, مثلما قال جحا عندما سألوه عن خط منتصف المعمورة فقال انه يقع تحت ذنب حماره! وقال أثبتوا العكس وإلا فكلامي صحيح! فوجود الأحياء والحياة بهذا التنوع جعل من يقدم نظرية يقول أنني سبقت إلى شيء لم يسبقني إليه غيري، وعلى غيري أن يثبت بديلا أفضل وإلا فأنا الأفضل! بينما العلم لا ينظر الى الافضل وغير الافضل، بل الى الحق والباطل، الافضل يقع في مجال الادب، والفلسفة من مقام الادب، فما دام قدموا ما يرونه انه الافضل، فهم لا يزالون في اطار الادب والفلسفة، حتى يقدموا الحق المثبت علميا، حتى لو لم يكن الأفضل. في هذه النظرية خلطٌ بين الفلسفة والعلم. كان حقها أن تسمى النظرية الفلسفية العلمية على الاقل، بدلا من النظرية العلمية، هي و كثير من شاكلاتها التي تسمى علمية، ولا يذكرون أصلها الفلسفي. إن ما قدمه التطوريون يخالف المنطق حقيقة, فمخالفة المنطق كافية لإسقاط النظرية حول أي ظاهرة حتى لو لم يقدم غيره بديلا أفضل لتفسير تلك الظاهرة.

ما هو قانون داروين؟ لامارك قدم قانونا منطقيا وفشل قانونه في الاحتواء, لكن داروين لم يقدم قانونا, بل يقدم شيئا يشبه القانون من حيث التسمية وهو الانتخاب الطبيعي, بينما هو ليس قانونا, أين وجوده؟ أين منطقيته؟ ما حدوده؟ أين مثيلاته ؟ ما هي الحقائق التي يعتمد عليها؟ لا شيء! افترضَ شيئا سماه الانتخاب الطبيعي لا وجود له في المنطق ولا وجود له في الواقع, ليكون بديلا عن الإله، لأن له صفة الاله لكنه ليس بإله، فهو ينتخب الافضل ويقضي على الاضعف ويبتكر الحلول، كل هذا وليس له عقل ! فكِّر في هذه الاحجية، لاهوت داروين قدم إلها عاقلا بلا عقل، هل يوجد شيء في الطبيعة يقدم عقلا وليس له عقل حتى نقيس عليه؟ اذن نظرية داروين ساقطة بالمنطق والواقع، لأنها تنسب الوعي الدقيق المنظم إلى لا وعي ولا تنظيم ولا دقة ، فكيف يكون هذا ؟ هل شاهد الناس شيئا يشبه هذا ؟ حتى الكمبيوتر لا يقدّم إلا عقل مبرمجه، هل احدا رأى صدفا عمياء تعمل عملا عاقلا وغائيا ومفيدا ؟ اذا احدٌ رأى مثل هذا سيكون قياس الانتخاب الطبيعي عليها صحيحا. اذن داروين قدم فكرة لا يوجد مثيل لها في الطبيعة حتى تقاس عليها. اذن هو كسر المنطق واخرج الانتخاب الطبيعي الذي لا وجود له وحمّل كل نظريته على شيء لا وجود له ولا لمثله. هكذا نرى أن لامارك كان أعقل ، لأنه قال ان الوظيفة تطوّر العضو، وهذا ممكن لكن لا يمكن قياسه على البقية، وهكذا انتقال العلم من العقل على يد لامارك الى اللاعقل على يد داروين سيكون مؤشر سوء سيصيب العلم في سنينه القادمة، لهذا اتجه الادب والفن والعلوم التفسيرية الى هذه الفوضى التي ابتدأها داروين، معتمدين على فكرة الفوضى الخلاقة التي اخرجت هذا الانسان وصنعت عقله العظيم، من فوضى ولا شيء، و في الحقيقة لا توجد فوضى خلاقة، فالفوضى مدمرة، والكل يعرف ذلك، حتى الخطأ والنسيان يسببان دمارا لأي عمل نعمله. ولقد رأينا رسامين مشبعين بهذا الفكر الفوضوي يريدون ان يخرجوا ابداعا من الجنون والفوضى بضربات الفرشة بغير وعي، لكنهم لم يخرجوا الا هراء، وقتلوا الفن. نفس الضربات المجنونة صارت في علم النفس وعلم الاجتماع والادب الروائي و كل العلوم التي تأثرت بجنون الانتخاب الطبيعي. فشملت القبح والتناقض واللامنطقية واللااقناع واللااخلاق. حتى الشعر الحداثي الذي يقول رواده : اذا لم تربط بين كلمتين ليس بينهما رابط فلست بشاعر، أي ربط مجنون، والنتيجة ضبابية وفوضى و بُعد عن الفهم، والذي يتبنى هذه الافكار يظهر امام الناس انه عبقري وفاهم، طبعا مع الدعم، والصادق مع نفسه الذي يحترم عقله يظهر بمظهر الغبي والمجنون امام هذا التيار الهادر، بل ويشك في عقله. لهذا صاروا يفكرون بنفس هذه الطريقة المجنونة، فالشاعر يقول : لماذا اتقيد بالعقل وحدوده بينما الفوضى صنعت كل هذا الكم الهائل من الابداع في الأحياء ؟ وكذلك الرسام يقوله وغيرهم، اذن داروين سبب لوثة عقلية عمّت العالم. وبنظرة الى اللوحات الفنية المتأثرة بهذا الجنون واللوحات التي قبل هذا التأثر، نجد الفارق الهائل، مثل الفرق بين جمال اللوحات عند دافنشي ومايكل انجلو ، وبين قبحها عند رامبرانت وبيكاسو ومن لف لفّهم. وكذلك الرواية وجمالها عند شكسبير والكسندر دوماس الاب وغيرهم، وفجاجتها وبعدها عن الذوق في الادب الواقعي مثل اميل زولا والبير كامو وغيرهم، اولئك احترموا الفن والعقل والذوق، وهؤلاء احترموا الفوضى والانتخاب الطبيعي المبني على الفوضى. 

وهكذا نرى كل النظريات التي يقدمونها تحارب المنطق، حتى صار المنطق هو عدو العلماء في هذا الزمن. ولا علم أصلا إلا بمنطق. اذن نحن في زمن الهلوسات المدعومة بقوة الاعلام والتزييف، والويل لمن أراد ان يفهم، خصوصا بعقله، اذن نحن في زمن لاهوتي ديني لكنه ضد الاديان السابقة فقط. لهذا نرى كثيرا من النظريات والافكار ولا نجد لها تطبيقا واحدا. على العكس مما كان في السابق، اذ كان الكلام قليلا والتقنية كثيرة. اذن جاء زمن سحرة العلم فقط، هذا الزمن الذي بشّر به العبقري - كما يقولون - داروين. مع ان العبقرية في واد والسحر في واد آخر. التطوريون هم سحرة فرعون الجدد ، والسحر عدوه المنطق.

ابتكار الانتخاب الطبيعي اعتراف ضمني اصلا بالحاجة لوجود ارادة واعية لكي تنظم الحياة، لكنه لا يريد ان تكون الله، فسماه الانتخاب الطبيعي. اذن اضطر داروين للقفز للاهوت المحوّر عن الله، اذن داروين قدم لاهوتا طبيعيا ولم يقدم منطقا واقعيا كما قدمه لامارك. قدّم ألوهية بدون إله، وهذا بحد ذاته اثبات لوجود الله، لأنه لم يستطع ان ينزع صفة الله الألوهية عن الخلق، فقدّم إلها سماه الانتخاب الطبيعي يفعل ما يريد وبحكمة وانتخاب للافضل وترك للأسوأ وموازنات بين الجميع، هذه مهمة اله عاقل واعي. اذن نظرية التطور اثبتت وجود الله من حيث ارادت ان تنفيه، من حيث حاجتها لدوره. والتطوريون يرجعون عظمة داروين لاكتشاف هذا القانون الذي أنقذهم من الوقوع في قانون لامارك المحرج, مع أنه ليس قانونا! الإحالة على الصدف لا تسمى قانونا بل هي عكس القانون تماما, وعكس المنطق والعقل والعلم, فإذا سألت الطفل مثلا: من عبث في الغرفة؟ وقال لك: هي من نفسها! هل قدم لك شيئا علميا أو منطقيا؟ ستقول له: لا يعقل أن تفعل كل هذا بنفسها! يقول لك: سبب هذا طول الزمن وتيار الهواء من النافذة وربما شيء آخر لم أكتشفه بعد! هذا ما تقدمه نظرية دراوين! تفسر كل شيء باللاشيء وهو ما تسميه بالانتخاب الطبيعي, وهو لا شيء, فالطبيعة لا تعقل نفسها وليس لها هدف تعيه وتبحث عما يناسب له. وما هي الطبيعة نفسها؟ هل هي الحجر أو الهواء أو الهيدروجين...إلخ؟ أم ماذا؟ إنها إحالة على مجهول. إذن الانتخاب الطبيعي خيال علمي وليس علما. فكرة التسخير الالهي فكرة اكثر منطقية لأنها تثبت ان الطبيعة لا تستطيع ان تفعل شيئا بنفسها، وتحتاج الى من يسخّرها. وهذا شيء مُشاهد.

أقول هذا وأتقبل أن أوصف بالجهل بأكبر حباته, وعلى من عنده علم أن يرد علي ويفحمني بالحجة والمنطق وليس بالتجهيل أو الإحالات فقط. وإذا لم يحصل هذا فيحق لي أن أدعي مثل داريون أن رأيي ما يزال هو الأفضل لأنه لم يأت من يسقطه وليس من يسخر به, فالساخرون كثر, والمجادلون الموضوعيون قلة, وربما أقل من "الندرة" الذين يفهمون التطور!

إذا كان العلم قوانينا، فإذن داروين لم يقدم علما ولا قوانين , بل قدم استدلالات تعتمد على التشابه ليس إلا, لنظرية قديمة قبله وأحالها على الصدف بعد أن قدم اسما فخما للصدف: "الانتخاب الطبيعي". وبالتالي داروين ليس عالما بل هاويا يتلمس تشابهات تعزز نظريةً تكلم عنها جدّه وغيره مرورا بابن خلدون ومن قبله. ابن خلدون قدم أساسات النظرية جاهزة عندما قال: "بداية الإنسان من نهاية الحيوان" وقال أن القرد نهاية الحيوان ومنه بدايات الإنسان, وهذه هي نظرية التطور مع محاولة تمييع كلمة قرد بـ"أصل مشترك". اذن هي نظرية ابن خلدون وليست نظرية داروين، وهي ليست عند ابن خلدون فقط، بل هي أسطورة عربية قديمة ومتكررة, وبعضهم فسر بها آية: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}, وسموهم بالنسانيس, وإلى الآن يسمى نوع من القرود بالنسانيس.

من عادة علماء عصر النهضة والتنوير الأوروبي النقل عن العرب دون ذكر المرجع ليحصلوا على أمجاد شخصية وقومية, كما فعل كوبرنيكوس مع ابن الشاطر, وديكارت مع أبو حامد الغزالي, وداروين مع ابن خلدون، وكولومبوس مع بحارة العرب وخرائط الإدريسي وخرائط المستكشفين العرب ورحلاتهم في الأطلسي, وكما فعل نيوتن في قوانينه مع الرازي وغيره, وعلماء البصريات وأخذهم فكرة الكاميرا (القمرة) من ابن الهيثم, وكما فعلوا في فكرة كروية الأرض وهي فكرة عربية إسلامية, كما قال ابن خرداذبة (ت:272هــ):"إن الأرض مدورة كدوران الكرة موضوعة كالمُحَّة في جوف البيضة", وربما أخذوا من هذا فكرة لب الأرض و نظرية الأثير التي منها جاءت نظرية الزمكان. كما كتب ابن رستة (ت: 290هــ):" إن الله وضع الفلك مستديرا كاستدارة الكرة أجوف دوارا والأرض مستديرة أيضا ومصمتة في جوف الفلك" ماذا بقي؟! و ابن عبد ربه في سياق رفضه لفكرة أبو عبيدة مسلم بن أحمد الفلكي الأندلسي -من علماء القرن الثالث الهجري-, يعترض على قوله بكروية الأرض وأنها نقطة في الفلك وأن النصف الشمالي من الأرض إذا كان صيفا صار النصف الجنوبي شتاء والعكس في هذه الأبيات:

"وقلتَ أن جميع الخلق في فلك ** بهم يحيط وفيهم يقسم الأجل.
والأرض كورية حف السماء بها ** فوقا وتحتا فصارت نقطة مثلا.
صيف الجنوب شتاء للشمال بها ** قد صار بينهما ها وذا دولا."

وينقل ابن حزم الفقيه إجماع أئمة المسلمين على كروية الأرض مع أنهم كانوا مخالفين لتصورات العامة. هذا الفقيه يمثل رجال الدين.

وقياس خطوط الطول ومحيط الأرض ليس فكرة أوروبية كما يعتقد الجميع, بل أنشأ لأجلها الخليفة المأمون فريقين علميين وجاءت النتائج دقيقة لدرجة أن نسبة الخطأ بينها وبين قياسات الأقمار الصناعية لا تتجاوز 3%! إذن خطوط الطول ودوائر العرض ومحيط الأرض اكتشفها العرب! وثلاثة من علماء المسلمين في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري) هم من اقترحوا فكرة دوران الأرض حول نفسها وربطها بظاهرة الليل والنهار, و هم أول من اكتشف هذا في التاريخ البشري وكوبرنيكوس تلميذ عليهم بالكامل وليس فقط تأثر بهم.

(راجع مقال: إسهامات علماء المسلمين في الجغرافيا-موقع قصة الإٍسلام).

كل هذا وغيره كان يعرفه العلماء المسلمون! 

يبدو أن كل الأساسات في النهضة الغربية عربية الأصل ولا شيء منهم, إلا التوثيق والتطوير والإعلام. عصر النهضة وما بعده كان عبارة عن قراءة وتطبيق لما في كتب العرب, فليسمى عصر النقل والترجمة وليس عصر النهضة، فقرؤوا عن منابع النيل عند الإدريسي والبحيرات الاستوائية فذهبوا فيما بعد ليكتشفوها، بعد أن أخذوا البارود والارقام والمدافع عن العرب، بل والبوصلة ايضا، وهكذا استعمروا العالم. عصر النهضة وما بعده نسميه عصر التطبيق والتأكد والتطوير لما في كتب العرب بعد احتلال الأندلس والاستيلاء على الكتب والمخطوطات. وطبعا لا نغفل حقهم فهم دفعوا هذه العلوم إلى ابعد مدى تصل إليه، بل واضافوا علوما جديدة لم تخطر على بال العرب، لكن الاساس والدفعة الأولى والمنهج العلمي الاستقرائي الوصفي الذي لم يكونوا يعرفونه : من قدَّمه ؟ وما يزال هذا المنهج هو المحترم علميا، وإن كان بوبر و اشكاله تآمروا عليه، لكن لا يعني هذا ان التحايل يُسقِط الحقيقة. فعلوم اوروبا مدينة لهذا المنهج في وصف الظاهرة كما هي وطرح الاستنتاجات وتجريبها، مع الاستقراء حولها. و حسبك بقوم حتى اسم السكر والليمون والموز والقطن والقهوة أخذوه من العرب، بل حتى الصفر والارقام، فما بالك بالعلوم! في مقابل هذا الجحود للعرب نجد الامتنان الطويل العريض لليونان واليهود والرومان من خلال ايطاليا ! مع ان عصر النهضة بدأ عند التحقيق في اسبانيا والبرتغال وليس في ايطاليا ، لأن الكشوف الجغرافية التي ظهرت في الغرب كباكورة للعلم الغربي بدأت من اسبانيا والبرتغال وليس من ايطاليا التي لم يذكر عنها الا رسومات كنائسية وأسر تجارية ، والرسومات موجودة في كل كنائس اوروبا وليس فقط ايطاليا. هذا شيء عجيب! بعد هذه الكشوفات الجغرافية تلتها الثورة الصناعية بعد غرق الارامادا الاسطول الاسباني من قبل الانجليز لمع نجم بريطانيا وفرنسا والمانيا، وابتدأ عصر النهضة الصناعية بصناعة النسيج والخياطة. النهضة لا تبدأ من رسومات رسام، بل بقوة عسكرية ومدافع واكتشافات لقارات وجزر وخرائط، عصر النهضة اذن بدأ باكتشافات جغرافية، أول علم نهض بالغرب هو علم الجغرافيا، لهذا يقولون الجغرافيا ام العلوم، وليس الرسم. ومنها ظهرت الجمعيات الملكية الجغرافية في اوروبا لاستكمال الكشوف، وهي التي كانت ترسل البعثات الاستشراقية للعالم لاكتشاف ما فيه من ثروات. لقد ظهرت قبل ان يظهر أي مركز ابحاث علمية في الغرب. والنهضة تحتاج الى مال، والمال جاء من الاستعمار وليس من الرسومات. يكفي ان اكتشاف الاسبان لامريكا واستعمارها كان في نفس العام الذي سقطت فيه الاندلس. ويقال ان اكبر حدث علمي في العصر الحديث هو اكتشاف قارتي امريكا.

(الدقيقة 45 : الثانية 20) يقول الدكتور عدنان إبراهيم أنه لن يعبر عن رأيه في نظرية التطور إلا في السلسلة الثانية وسيبقى موضوعيا محايدا في هذه السلسلة.

الرد : الدكتور أشبع نظرية التطور تعبيرا وإعجابا وسخرية بمعارضيها ومدحا مفرطا لداروين ووصفه بالحنان والرقة وكرهه للدماء, مع أن هواياته عنيفة! إما كلاب أو صيد فئران أو إطلاق أعيرة نارية, وطبعا لن تطلَق على فراغ. يبدو الرابط ضعيفا بين الصفتين. هذا غير أن داروين فاشل في دراسته وغير مهتم بالعلم, وكان مربيا للحمام يبيع ويشتري فيها ويقوم بالتهجين بين أنواعها كما يفعل الهواة في كل مكان, (وهذه يسميها الدكتور: "جمع عينات"). ربط داروين هوايته بكلام جده عن الأنواع وتطورها، فاعتبر أن نواتج التهجين تطور! هذا هو الذي أدخله بموضوع التطور, وأراد أن يجمع ملاحظات أكثر لإثباتها لمّا لقي دعما وسُخِّرت سفينة بكاملها لأجله. يبدو أن داروين ليس الا الواجهة الامامية لدعم وصناعة في الخلف، لأجل تحقيق ما يشبه الاثبات العلمي لهذه النظرية. بدليل أنه بعد أن نشر كتابه انقطع عن الناس لأربعين سنة حتى توفي، أي ان مهمته انتهت. أين حضوره ومشاركاته العلمية خلال اربعين سنة ما دام انه رجل شغوف بالعلم؟ كيف انقطع عنه وعن الصحافة والاعلام ولا يزوره الا شخص واحد بعد ان حقق كل هذه الشهرة؟ اين دوافعه وحماسه؟ لا توجد. لأن المهمة تولاها من بعد نشر كتابه هكسلي كلب داروين. بحيث انه اذا اصاب هكسلي احتسب لداروين، وان اخطأ هكسلي فقد اخطأ هكسلي وليس داروين. اقتضت المسرحية ان ينحى داروين عن الواجهة والاسئلة السريعة والمباشرة حتى لا تهتز صورته التي يحاولون رسمها.

هناك تعليقان (2) :

  1. عدنان ابراهيم به مرض العجب هذا المرض يحول الداعيه الى ملحد او على الاقل الى مدافع عن النظريات الالحاديه كما حال القصيمي المرتد، بخصوص ماورد في مقالك هو جميل وانتظر من هم افضل مني بهذا الامر للرد عليه ، متابع من بعييد

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لك، وبانتظار هؤلاء المُقيّمين حتى نستفيد منهم. ليس هدفنا تقييم الدكتور عدنان ، إنما الهدف هو نقد وتقييم النظرية التي ليست نظريته أساسا، بالأدلة والبراهين والمنطق والمشاهدة، ولا نستغني عن المساعدة.

      حذف