الخميس، 12 نوفمبر 2015

رد على شبهة أن الله ظالم (3)

حوار مع أحد زوار المدونة :

غير معرف :
"مرحبا انا صاحاب السؤال وقد قرات كلامك وشكرك على مجهودك . بالحقيقه لم تعطيني مبرر منطقي على الظلم الواقع بالحياه كل مااوردته هي مبررات لاتليق بشخص عادل فكيف تنسب لخالق لكي اعرف السعاده يجب ان اذوق الشقاء وان اردت معرفة الصحه يجب ان اذوق الالم هذه عبارات يتفوهون بها فلاسفه لايعرف لهم دين وهي اقوال لأشخاص عرفوا انهم ذو حكمه بين الناس . هل تعلم ياصديقي اشعر ان مشاكل الحياه وهمومها ليس لها حل ولاسبب معين موضوع الرحمه والعدل والكرم الالهيي يتعارض قطعيا مع مجريات الحياة واحداثها . ذات مره كنت اسير بسيارتي الخاصه فخرجت امامي قطه فدهستها دون قصد فنزلت لإزيلها من الطريق واذ بها ميته وعينها خرجت من راسها خارجا فتسائلت هل هذا من صدف الحياة لماذا لايتدخل الخالق لينقذها وينقذني من تأنيب الضمير . ان كان يملك الرحمه والقدره والعدل. يبدوا لي ان لاحل الا الموت ساقتل نفسي واستريح من هذه التسائلات لااستطيع العيش بدون خالق اركن اليه انزوي نحوه انا ضعيف امام هذه الحياه اشعر ان وجودي ذنب لم اقترفه وخطأ لم ارتكبه . للمعلوميه انا اقطن في بريطانيا من اصل عربي ومن اصول مارونيه مسيحيه وعندي تجاره واملاك عظيمه داخل بريطانيا لكن المال ليس كل شي اريد طريق يوصلني لخالقي كيف السبيل اريد امور حسيه ستشعر بهاالخالق لاتقبل الشك ولو واحد بالميه"

المشكلة ان طريقك الذي تطلبه الى ربك خاطئ ، لأنك تريد أموراً حسية وقطعية، حتى تؤمن بإله لا تراه ! لن تستطيع ان تفهم الاله حتى تقر بأنه يختبر الناس ، وان الحياة اختبار ، وان هناك حياة آخرة هي الصافية، وهي دار العدالة وليست هذه. بدون هذا لن تصل الى ربك .

ثنائيات الحياة تقول ان هناك اختبار، قال تعالى (إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوكم أيكم أحسن عملا، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا). كل موقف يحصل ، تجد أن لديك صورتين لسلوكك تجاهه، تختار انت واحدا منهما ، إما أن ترحم او تعذب ، إما ان تقسو او تلطف . انت تألمت لأنك قتلت القطة بالخطأ، لكن ربما غيرك يقتلها عمدا وهو يضحك على تعذيبها ، مثل الذين يقيمون مصارعات بين الحيوانات ويتفرجون عليها. بينكما فرق، وهذا الفرق مرصود عند الله، وهكذا الحياة. الحياة ثنائية المرور، بين طريقين تختار لا ثالث لهما ، في كل شيء. (إما شاكرا او كفورا)..

كل من يناقشون بهذا الشكل لا يقيمون للمنطق وزنا ، وواقعون تحت تأثير عاطفي أكثر من المنطق والعقل ، فمن الصعب بالمنطق أن تقنع شخصا عاطفيا. ذكرت لك بعض الحجج وقلت أنه كلام مما يقال عنهم فلاسفة ويقال انهم ذو حكمة ولا يعرف لهم دين، وتريد حلا ملموسا !

الدليل على ان طرحك عاطفي هو انك تقول لم يقنعني ، دون ان تحدد اين الخلل ، كأنك تقول : أنت اقنعني من دون ان ارغب بالاقتناع وإلا فأنت فاشل ! كأنك تطلب معجزة إقناعية . أنا احترم تساؤلاتك حقيقة، وقد ذقتها وتألمت منها كثيرا، لكني استطعت أن اتخلص منها ، من خلال العقل والمنطق الذي يبدو أنك لا تعيره بالا ،

العجيب أنكم لا تقولون أبدا : لماذا الموت موجود ؟ مع أنه عام على الكل ، لكن اذا مات احدهم او احداهن بطريقة فاجعة، جاء هذا الصراخ على الله، الذي تعهد بإماتة الجميع أصلا ! هل تتفق معي ان الموت حل ، وأنه بسببه ازدهرت الحياة ؟ أم تريد ان تتراكم المخلوقات على بعضها ؟ إذا اتفقنا انه حل سليم، لماذا نتألم إذا مات شيء أو أحد و نسخط على الله ؟ نعم نتألم من الفاجعة، لكن لماذا نسخط من الله ونزيد الطين بلة ؟ قال تعالى عن المؤمنين (الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وإنا إليه راجعون) أي يعرفون أنهم راجعون كلهم الى الله أصلا، وليس فقط من مات، والمسألة مسألة وقت ليس الا . اذا اردت ان تسخط إسخط من وجود الموت اصلا ، لا ان تسخط من موت قطة أو شخص ..

الحياة تسير بالفناء، لو لم تفن اللحظات لما اشرقت الشمس ولا تغيرت الفصول، ولو لم تموت وتتحلل الكائنات لما اورقت الاشجار واينعت الثمار . الحياة تجدد نفسها من خلال الموت، فهو سنة الحياة. وهذا السخط كله يأتي من نظرة علمانية لا تؤمن ولا تنظر الا لحياة واحدة، اذا نظرت لحياة واحدة فقط ، فمباشرة ستأتيك مثل هذه الافكار .

وجود الموت حل ، و له وجه آخر مشرق وليس مظلما دائما . تخيل احدا يعيش في قهر وتعذيب ولا يموت ابدا ، هذه القطة هل تريدها أن تخلّد ؟ إلى متى ؟ وما دام انها سوف تموت حتما ، شاءت الاقدار ان تكون تحت سيارتك . أنت لم تخطئ في دهسها لأنك ربما لم تسرع، والقطة لم تخطئ ايضا، ، فلماذا يتعذب ضميرك ؟ القطة نفسها تدخل تحت السيارة بسرعة فائقة. والقطة كائن حي أليس كذلك ؟ تخيل كم عدد الكائنات الحية التي تدوسها سيارتك ، بل ربما يديك وقدميك ، وأنت لا تدري ، هذا غير البيئة التي تساهم أنت بإتلافها كغيرك، خصوصا وانك رجل اعمال .. كم نملة دهست ؟ كم صرصارا ؟ كم من الاحياء الدقيقة التي يقتلها عادم سيارتك ؟ لماذا القطة فقط ؟ هل رأيت انك عاطفي ؟ لماذا نرحم الكائنات الكبيرة ولا نرحم الصغيرة ؟ لأن الكائنات الكبيرة تشبهنا او تعيش معنا ونرى عواطفها، وهذه انانية بحد ذاتها، لأننا جعلنا انفسنا مقياس، فالخنفس لا نرحمه، بينما القطة او الكلب نرحمهما ، بدافع الانانية قبل ان يكون الرحمة .

جمعية حقوق ورحمة الحيوان هي فقط للحيوانات الكبار ، ولم يشملوا الصغار حتى يكونوا دقيقين ، مثل الحشرات التي يتعاملون معها باقسى درجات العنف والاسلحة الكيماوية. صائدة الذباب الكهربائية التي تصعق كائنات حية لا ذنب لها ولا يهتم أحد لذلك ، ولكن لو نأتي بقط وكلب ونصعقه لقيل هذا توحش. إن هذه تخاف وتلك تخاف ايضا .

الأساس والمهم هو الا تخطئ .. إن الكثرة عموما في الحيوانات الصغيرة أو الكبيرة ، الهدف منها التخلص ، لذلك هي تهاجر بشكل جماعي كي تقدم فرصة حياة اسهل لمفترسات وأحياء تنتظرها هناك، لكي يقل عددها وتتخلص من الحيوانات الضعيفة، وتمرن عضلاتها اثناء هذه الرحلات الطويلة، وتجد طعاما اوفر او دفئا.

التعامل يجب ان يكون على حسب الشعور، وهذا قانون ، ممكن أن تضرب طفلا ما، لكن طفلا اخر لا تستطيع ضربه ، لأن الآخر حساس جدا، بينما الأول لا يحس  بالكلام لكنه يشعر بالألم. يوجد احد يؤدبه الضرب ، وآخر يهلكه وربما يؤذيه جدا ، لا عاقل يعطر المكان للكلب بينما هو يحب الدود والجيف . لكن هذا لا يعني أن تؤذيه فيما يحس فيه شعوره ، لا يعني هذا ان تضرب الكلب او تمنعه من الاكل او الحرية ، مثلما ان لا داعي لتعطير المنزل له لأنه لا يحس بهذا الشيء المقدّم له.

موضوع الرحمة الخاطئة منتشر في اوروبا والحضارة الغربية، جنبا إلى جنب مع قسوة لا ترحم، مسببا ازدواجية في الثقافة الغربية، مثل النباتيين الذي يحرمون اكل لحوم وحتى بيض الحيوان ، والمتشددون منهم لا يأكلون دهون الحيوان ، مع أنهم يستعملون البترول ومنتجاته بكل سهولة وهو دهون حيوان كما تقول النظرية.

ومن قال لك أن النبات يسمح لك أن تجتث جذوره وتعبث بأوراقه ؟ أليس كائنا حيا ؟ هذا يُدعى تميُّع في العواطف ، مثل سجن القاتل 20 سنة حتى لو قتل 70 طفلا بريئا كما حصل بالنرويج ، مع فرصة التقليل من المدة ـ بينما هم يدفعون الاموال ليشاهدوا افلام الرعب والتعذيب في السينما ! هذا غير دفع الضرائب لبناء اسلحة فتاكة لقتل الانسان. يبدو ان الكلاب مقدسة في الغرب اكثر من المسلمين والسود، قياسا بنسبة الاجماع .. هذه المشكلات جاءت بسبب العواطف وعدم تحكيم العقل في العلمانية ، وإلا فالدين ، خصوصا الاسلام ، يحدد أن الحيوانات والنباتات مسخرة للإنسان ، لكن لا يؤذيها ، ويستخدمها بأحسن الطرق، ولا يقتلها بدون حاجة، فيكون من المفسدين في الأرض. لا يسمحون للقاتلين ان يقتلوا وهو مجرم ، بينما يسمحون للزناة ان يجهضوا (أي يقتلوا) اطفال ابرياء ، إنه الهوى والعواطف وليس العقل.

هذا الطرح العاطفي تريد به أن تضع اللوم على الله وليس على نفسك. أصدقك لو كنت مهتما بتصفية نفسك من الظلم ، لا أن تأتي لتحاكم الخالق . الأَولَى أن نُحاكم انفسنا. هل أنت نصرت الحق في كل شيء في حياتك ؟ هل ساهمت بأموالك في سبيل الرحمة التي يبدو انها ضاغطة عليك الى هذه الحد ؟ أم أن رحمة الله هي التي تزعجك وتريد صياغتها، وهي التي تشغلك دون رحمتك الخاصة ؟ لنكن واقعيين ، هذا أسلوب شماعات. مثل ما قال الكفار (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه). انت رجل غني، كم تكفل من يتيم ؟ ما مساهماتك في جمعية الرفق بالحيوان ؟ ما مدى نصرتك للقضايا العادلة لأمتك وأنت تقيم في الغرب ؟ و و إلخ .. هل رايت أننا في اختبار ؟ وان النعمة والرزق اختبار ؟

الطرح الاسلامي اكثر ايجابية من الطرح المسيحي ، الاسلام يقول انت تُختبر ، في النعمة وفي الضررـ وهذا يدفع للإيجابية. في الطرح المسيحي يكفيك ايمانك بيسوع ليكفل عنك ذنوبك ! مطلب سهل . هذه المصائب هي اختبار لنا ، هل نفعل اولا نفعل ، هل نواسي ام لا نواسي ، ام نرمي الكرة على الله ونتخاذل ، ونقول كما قال الكفار (لو شاء الله اطعمه) ونتخلص من المسؤولية ..

هذا الكلام قد لا تأبه له لأنه لم يقدم حلا حاسما ملموسا واضحا لا يعتَوِره أي شك ، لكن هناك من يستفيد منه إن شاء الله . وشكرا لك .

الأحد، 8 نوفمبر 2015

فلا تضربوا لله الأمثال




الأستاذ العزيز الوراق ، السلام عليكم

لو سمحت ما تفسير قوله تعالى (فلا تضربوا لله الأمثال) ؟ وهل لهذا النهي علاقة بهذا الموضوع ؟



قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74)

هذه الآية جاءت بعد أن وصف الله حياتنا، بأن جعل لنا بنين وحفدة، وبعد أن تكلم عن اتخاذهم آلهة مع الله، فقال لا تضربوا لله الامثال، واعقبها بقوله (إن الله يعلم وانتم لا تعلمون) .

إنها تعني ألا تضربوا لله امثالا خاطئة، قياسا على افكاركم البشرية، فالله ليس له مثيل، قال تعالى (ليس كمثله شيء). الملاحدة يضربون امثالا لله ويشبهونه بالبشر ، فيشبهون الله بملكٍ من البشر يريد أن يصلح ويهدي الناس ولكنه لم يستطع. وكما فعل مشركو العرب وغيرهم اذ كانوا يضعون له اصناما بحجة انها تقربهم إليه زلفى، على طريقة الواسطة عند البشر، بما أنه ملكٌ و بعيدٌ عنهم . واللادينييون ايضا يقولون ان الله اكبر من أن يهتم بأوضاعنا وبما نفعل وما لا نفعل ، لأنه هو خالق الكون ونحن أجرام صغيرة جدا لا تقارن بالمجرات العظيمة، وهكذا كلٌ يقول و يتخرص ، لكن هي في الاخير امثال قياسا على افكار بشرية، وبالتالي هي بلا علم، (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) .

في الاخير الله هو من يعرّف بنفسه، لا أن نعرفه بالمماثلة مع ما نراه عظيما في عالم الشهادة، و من هنا حصل الضلال الكبير في اكثر الديانات والمذاهب الا من رحم الله. الله غيب ، وليس من عالم الشهادة، و أي جرأة على الغيب ستحمل نفس الطابع البشري، مثل الخلل الذي اصاب المسيحية، واضح أنه بطابع بشري، اذ جعلوا لله ولدا ، مثل ما أن لهم اولاد ، وينتحر لكي يحمل ذنوبهم ، وجعلوا له أمّا وهو إله.

لا نستطيع أن نخرج الا بأفكار بشرية، لأننا لا نعرف الا حياتنا البشرية. لا نستطيع كبشر ان نتخيل شيئا خارج نطاق معرفتنا. لهذا جاء القرآن لإنقاذ البشر من الضلالات البشرية التي لحقت الاديان السابقة. فمن تقيد بالقرآن نجا، ومن تركه وبحث عن غيره، فسيذهب الى افكار بشرية.

ومن أمثلة ضلال البشر من يشبه الله بالبشر، بالجسم والحركات، ومنهم من يشبهه بحيوانات قوية، ومنهم من يتصور انه إله متعصب لشعب معين، ومنهم من يتخيله كأنه محاسب او رئيس شركة كبرى، على طريقة خذ وهات ،ولا يبالي بالنية. ومنهم من يتخيل انه وزّع مهمات على الهة اصغر منه، فيعبدونها لكي تقرّبهم إليه، وهكذا . ومنهم من يتصوره محتاجا لعملنا، ومنهم من يتصوره جلادا مولعا بتعذيب البشر ، ومنهم من يتصوره رحيما متسامحا حتى مع الظالمين مهما ظلموا . العجيب انها تصورات متناقضة، كأن يأخذ واحد منهم (الغفور الرحيم) ويستمر بها ، وآخر يأخذ (شديد العقاب) ويستمر بها.

وهذا ما يظهر واتضح لي ، وشكرا لسؤالك ..

حول وهم السحر, وحفظ الله لفطرة الإنسان من الضلال


"مسائك سعيد استاذ الوراق
http://alwarraq0.blogspot.com/2012/12/blog-post_8459.html?m=1 …
ممكن أسألك شنو معنى السحر بالوهم في هذا المقال في سحر المحبة مثلاالمسحور لا يعرف بأنه مسحور في حب أحد مثلا فكيف يحدث الوهم"

الرد:
نجد في القرآن أن السحر عبارة عن وهم وليس حقيقة, فنجد آيات مثل {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} ومعنى هذا أنها لا تسعى حقيقة وليست أفاعي حقيقية، وقوله تعالى {إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} وكون الساحر لا يفلح أي أنه لا يقدم حقائق لأن من يقدم حقائق قد يفلح أحياناً أما الكاذب فلا يفلح أبداً، وقوله تعالى {ما جئتم به السحر إن الله سيبطله} وهذه كلمة تحقير للسحر أي أنهم لم يأتوا بحقائق وإنما بأكاذيب سيبطلها الله لأنها باطلة.

أما ما ذكر في الآية {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } فسياق الآية حول ما تعلموه من الملكين هاروت وماروت وليس عن السحر نفسه، وإلا لما اقتضت الحال للعطف لو كان شيئاً واحداً هو السحر والشيء لا يعطف على نفسه إلا بسياق التعظيم مثل {تلك آيات القرآن وكتاب مبين}, أما هنا فلا تعظيم للسحر ولا لعلم الفتنة. ثم إن الملكين قالوا عن أنفسهم أنهم فتنة ولم يقولوا أنهم سحرة، وإشعال الفتنة نوع من الفنون، فهناك من هو بارع أكثر في إشعال الفتن، هذا غير أنهم لم يعلموهم كيف يجمعون بين المرء وزوجه وإنما فقط التفريق.

لو كان السحرة يقدمون حقائق فلماذا يشنع عليهم في القرآن والأحاديث؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. فهذا يعني أن ما سيخبره باطل؛ لأن الحق واحد والأباطيل متنوعة.

سحر الوهم كثير جدا ومتنوع وفي كل مجال فهو الذي يوجد في الإعلام والسياسة والفن والعلم...الخ، فهو ليس عملاً خاصاً بأحد.. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن من البيان لسحرا. فيؤخذ الإنسان باللهجة والكلام والتأثير والصور فيفعل مالم يكن يفعل، ويقبل مالم يكن يقبل، ويرفض مالم يكن يرفض، فالساحر يزيف ليصنع مثل الحقيقي، فالألعاب السحرية بالنسبة لمن لم يكتشفها يصدقها ويراها حقيقية، لو كان الساحر يعلم الغيب لاستكثر من الخير ونفع نفسه قبل غيره ولدفع عن نفسه الضرر، لكن لا يعلم الغيب إلا الله.

ثم إن المتوهم لا يدري أنه متوهم وإلا لما كان يسمى متوهماً، وكل إنسان واقع في وهم أو أوهام يعرفها إذا اكتشفها وإلا لن يعرفها، لكن السحر كعمل ينتج محبة ويجعل أحدا يحب آخر فلا أستطيع أن أفهمه إلا إن كان فيه مؤثرات وأكاذيب وخداع وسوف يكتشفها الشعور في يوم ما، لأن المحبة الحقيقية مرتبطة بالفضائل، والفضائل مرتبطة بالله، فكيف يجعل الساحر أحداً يحب آخر غير مرتبط بالفضائل؟! هذا طريق إلى الله، وطريق الله محفوظ من تلاعب السحرة وغيرهم، لأن الطريق إلى الله هو طريق المحبة أصلاً، وأتكلم عن الحب بمعناه الواسع وليس حباً بين زوجين فقط، فالقرآن ذكر لنا الأنبياء لكي نحبهم على فضائلهم لنقتدي بهم ليقبلنا الله فنكون ممن أحبهم الله ويحبونه.

السحر والشعوذة أعمال غير محترمة حتى عند غير المسلمين. ثم لماذا لا يجعل الساحر الناس يحبونه؟ أليس هو أولى؟ فمن يحب ساحراً؟ من يحبه وهو كذاب واستغلالي؟! وكونه يستطيع جعلنا نحب أناساً لا يستحقون الحب فهو يخلّ بمقياس الشعور الذي يدل على الله، والله يحفظ كل شيء يدل عليه، فكما حفظ القرآن فقد حفظ شعور الإنسان من التيه والضلال، فيتيه عقل الإنسان ولا يتيه شعوره، والشعور من الآيات الدالة على الله، ونحن نعرف الله بالعقل وبالإحساس وهو الفطرة، لهذا يتعذب الإنسان كلما ابتعد عن طريق الله، فكيف يتعذب وهو يتمتع بشهواته؟ فهذا يدل أن عقله شيء وشعوره شيء آخر.. قال تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}.

الشعور -وأقصد دوائره العليا- هو جانب فطري حفظه الله لمن أراد أن يستقيم، كما قال تعالى {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} وهو الذي سمى فجورها بالمنكر وتقواها بالمعروف أي متعارف عند كل الناس، إذن هو موجود عند كل الناس، والشعور نفسه لا يستطيع الشخص نفسه أن يتحكم به فكيف يتحكم غيره به؟ فإذا كان يتحكم به بهذا الشكل فليجعله يحب الشيطان أو يحب الباطل، والله لا يسلّم هذه المنطقة للناس، فهذا هو السراج الوحيد في داخلنا، وهو النور الداخلي الذي يكتمل بالنور الخارجي الذي هو القرآن، لأن كل ما حول الإنسان سحر وأوهام وظلمات بعضها فوق بعض والمُضلات كثيرة، فلابد من وجود شيء ثابت لا يتأثر بالأوهام.

وجهة النظر هذه أقرب إلى إفراد الله بأمور الغيب وجعل الضر والنفع بيد الله وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وتزيل المخاوف والهواجس من غير الله، فالله هو الضار وهو النافع وحده بالغيب وهو المستحق للخشية وحده في أمور الغيب، ولا يضر بالغيب ولا ينفع إلا الله، والله قطع الطريق عندما قال {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} والغيب هو ما سوى الشهادة، والشهادة هي الواقع الذي يحكمه القوانين ويمكن أن يتعلمه الإنسان. إذن يكفينا قوله تعالى {ولا يفلح الساحر حيث أتى} وقال {كيد ساحر} ولم يقل سحر ساحر، فالكيد هو الذي يضر وليس السحر نفسه، مثلما قال {ومن شر النفاثات في العقد} وليس من شر ما في العقد، وهذا يدل على قوة تأثير الساحر أو الساحرة وليس قوة السحر نفسه.. فإذا قلنا ساحر فيعني دجال أو موهِّم أو مخيِّل كما أخبرنا القرآن. والله أعلم..


رد على شبهة أن الله ظالم (2)


اعتذر عن الاطاله ولكن لدي ملحوظه انتم تؤمنون بعدل خالق وانه لايظلم ونطالبكم بالدليل تقولون هذه ان الله لايظلم مثقال ذره ! مهما نريكم الظلم الواقع بالارض ونعايشه بكل اشكاله والوانه الا انكم تصرّون انه عادل مهما تروا من ظلم لاتعترفوا به اطلاقا لانكم مؤمنين بهذا الشي ولايقنعكم ماتراه اعينكم وتصبغون عليه صبغة انه تطهير للذنوب او ان الله له حكمه في هذا وعندما نسألكم ماهي الحكمه تقولون الله اعلم اذن كيف علمتم انها حكمه من الاصل ؟ خلاصة الامر ان الظلم واقع مشهود وملموس وكتب عنه الشعراء ولامسه المقعدين والمصابين والاطفال المشردين والفقراء المسساكين والحيوانات ايضا وقع الظلم عليهم ولو كانت تتكلم لنطق لسانها لتخبرك بالظلم الذي ذاقته من الحياه وان هذا لايذهب عن اثنين اما انه لايوجد متحكم بهذا الكون او ان المتحكم ظالم لااقول هذا الكلام لمجرد العناد والتكبر بل تساؤلات لم اجد لها اجابات.

الرد:
شبهة ظلم الله يرددها الملاحدة كثيرا, إما ظلم بالإيجاد أو ظلم بالأقدار أو ظلم بالعقاب الأخروي. هم يرون الله ظالم على كل حال, لكن لا يستطيعون أن يقدموا البديل, أي كيف يجب أن يكون الله حتى يكون عادلا وترضون عنه وتؤمنون به؟ يتهربون من الجواب! إذن خطابهم دعائي أكثر من كونه فلسفي, لأن المتفلسف يطرح بدائله. في الأخير هم يكرهون الله فقط لأنه عادل ويحرم الظلم ويعاقب الظالمين.

سؤالهم لماذا خلقنا الله دون اختيارنا؟ -رغم عنايتهم الشديدة بأنفسهم حذر الموت!-, فهذا السؤال من شأن الله وليس من شأننا, ولكن الله لم يظلمنا لأنه فتح لنا طريق النجاة, وهذا هو المهم بالنسبة لنا كبشر. نحن لا نقول الله ظلمنا بحيث جعل النمر أسرع منا, فلماذا نسأل ذاك السؤال ونترك هذا؟ نحن راضون عن خلقتنا فكيف لا نرضى عن وجودنا؟!

الجزء الثاني من هذه الشبهة هو ما يصفه الملحد بظلم الأقدار, وهو ما يسأل عنه المتفضل. الله يختبر عباده: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}, فكل نفع أو ضرر يصيب أي أحد هو فتنة له ولغيره وتنبيه له ولغيره. وحصول الآلام لا يعني الشر ولا يعني كره من الله, والخير لا يعني المحبة دائما, هذا غير أنه لا يوجد شر مستمر ولا خير مستمر {إن مع العسر يسرا}, حتى من يتعرض لإصابة أليمة لن يستمر يتألم بل سيتكيف. والكل يعرف عن معاقين بلغوا أعلى الدرجات في العلوم والثقافة بل حتى في المهارات, وعندما ترى المعاق تشفق عليه لكن هو لا يحس بمعاناته لأنه متكيف ومتعود على وضعه, وهذا من لطف الله. من عدلك أنت أن تذكر كلا الأمرين: الألم والقدرة على التكيف مع الألم. وأيضا التعويض, فلن تجد أحدا عنده إعاقة أو مصيبة إلا وعنده تعويض, لاحظ المصاب بشلل برجله تجد الأخرى قوية جدا, وهكذا, من فقد البصر يكون حاد السمع, الفقير لا يخاف من اللصوص بقدر ما يرتعد منهم الغني ولا ينام ليله, وكل هذا من المشاهد. الله ليس عادلا فقط بل رحيم ولطيف, هذا مع الكل فما بالك بمن قرب إليه وصار عبدا له وتولاه الله بعنايته؟ ستخف عنده المعاناة لدرجة هائلة ويحل محلها الاطمئنان حتى في أحلك المواقف. فأقدار الله تجرح وتأسو, هذا من ناحية.

من ناحية أخرى, الآلام الشديدة والقاسية فعلا هي من فعل البشر الأِشرار وليست من فعل الله. قارن بين ضرر يأتيك بقصد سيء من أحد وبين ضرر يأتي عن طريق خطأ, أي التأثيرين أشد و أكثر ألماً مع أنه نفس الخطأ؟ الأول من الناس والثاني من الله, الأول فيه ألم في الجسم + ألم في النفس, الثاني ألم في موضعه فقط مع أنه يزول و يعوَّض في الدنيا والآخرة إذا صبر. دائما ما كان من الله فهو لطيف وما كان شرا من الناس فهو خسيس ودنيء. نشرات الأخبار مثلا لا تذكر لك من ماتوا في المدينة الفلانية بطريقة عادية لكنها تذكر من ماتوا بفعل البشر مع أنهم أقل.

الملاحدة لا يريدون وجود شر في الدنيا, والشر عندهم هو الضرر لذاتهم وليس سوء الأخلاق, إذا كانت الدنيا بلا شر كيف سيُعرف الخير فيها؟ إذا كنت لم تعرف الألم لن تعرف اللذة, وإذا لم تعرف سوء الأخلاق كيف ستعرف حسن الأخلاق وكيف تميز بين الناس؟ بل كيف سيكون للأخلاق قيمة إذا لم تتألم أو ترى من يتألم بسبب معاملة سيئة وجهت له؟ بضدها تتبين الأشياء, لولا وجود القبح لما عرفت قيمة الجمال وشعرت به. وعلى هذا لو زال الألم لقال الملاحدة لماذا الله يخلقنا ويجعلنا لا نحس بشيء؟ إذن الله ظالم! هذا غير أن الألم منبه للناس يدل إلى طريق الصواب ووجود خطر, ولا يوجد تعلم بدون ألم. كثير من الناس استفادوا من أوقاتهم في وقت مصائبهم, بل إن بعضم كتبوا أفضل كتبهم وهم مساجين ولو لم يسجنوا لما كتبوا, والشعراء يقولون لك ذلك أيضا اقرأ لهم, فهذا أبو تمام الشاعر حبسه الثلج عن إحدى رحلاته فاستفاد من هذا الوقت بأن ألف كتاب الحماسة في الشعر. أديسون طرد من المدرسة –بالنسبة لسطحي الفكر شكلها مصيبة- لكن كانت خلوته في بيته وفي مختبره الصغير وتفرغ للابتكار والأبحاث وسجل باسمه مئات الابتكارات وهو لا يحمل شهادة ابتدائية لأنه مطرود منها.

إذن كلام الله صحيح {الله يعلم وأنتم لا تعلمون} والخيرة قد تكون خفية. وكم من مصيبة جلبت نفعا و ذكرا, وكم نعمة جلبت مصائب, هل هذا مشاهد أم غير مشاهد؟ اقرأ للشعراء والكتاب والتاريخ, لم نعهد في الناس العاديين أن يقتل ابن أباه أو أخاه إلا في حالات جنون, لكن بين الأباطرة وكبار القوم هذا كثير, فنيرون مثلا قتل أمه, والشكاوى بين الأقارب نجدها بين كبار المجتمعات وأغنياءهم أكثر من الناس العاديين, قال تعالى: {عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم}. مثلا افرض أن إنسانا غنيا أصيب بمرض أو فقد إنسان عزيز عليه بمرض معين قد يحركه هذا ليفتح مستشفى يعالج به الفقراء, هل ما أصابه هذا شر أم خير؟ إذن ما يؤدي إلى الخير بالأخير هو خير.

هل تغير موقفك من الألم أم مازال شيئا بغيضا يجب أن يزال من الحياة وواضعه ظالم؟ الآلام في منتهى أمرها رحمة من الله, حتى تتصور الشيء كما هو تخيل الحياة بكل جوانبها بدونه (قانون).
  
والسؤال لك ولكل من يتهم الله أنه ظالم, ماذا تريد أن يفعل الله؟ كيف تُحقق لنا فكرة أن يكون الله عادل؟ ضع بديلك مع اعتراضك, هل يعطي الجميع دون أن يختبرهم؟ ألن تتناقض طلبات الجميع ومن ضمنها تدمير بعضهم بعضا؟ قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}. إذا منع الله وجود الأمراض و بقي الموت ستقول أنه ظالم لماذا يميتنا؟! وإذا أزال الموت ستقول لماذا يشيخنا؟ وإذا زالت الشيخوخة ستقول لماذا يجعلنا نولد أطفالا؟! وإذا زاد عدد السكان ستقول لماذا يخلق غيرنا؟ هذا غير أن فيه معاملة للجميع بدون اختبار فيأخذ الفاجر مثلما يأخذ البَر وهذا ظلم للأبرار, أن يعامل الأنذال الكافرين بالنعم مثلهم, إذن سيكون الله ظالم! أي في الأخير وفي المحصلة ستكون أنت إله مع فقدان الإله الحقيقي لقدرته على اختبار عباده! هل هذا هو العدل الذي تريده؟! آدم كان في الجنة ومع ذلك عصى ربه ليحصل على ما لم يعط إياه.

والنوع الثالث من هذه الشبهة هو قسوة الله على الكافرين الظالمين بأن يخلدهم في جهنم, بحجة أن عذاب النار أليم جدا لماذا يفعل بهم هذا؟ يقولون لماذا يسمح لهم بالظلم لأن الآلام سببوها لغيرهم شديدة, وبنفس الوقت يقولون لماذا يعاقبهم على ظلمهم لأن الآلام شديدة! تناقض مضحك! إنها ورطة الحياة, فالأمر جد وليس لعب, وستنتهي الحياة سريعا ليأتي دور كشف الحقائق والعدل الإلهي. ولا تنس أن أهل النار لو رجعوا للحياة لعادوا إلى نفس ما كانوا يفعلون, فانتماؤهم للشر خالد إذن يستحقون الخلود في النار, لأن الشر بالنسبة لهم مسألة اختيار وليس أمرا عرضيا .