السبت، 12 أبريل، 2014

الاخلاق والمصلحة والدين والليبرالية والعلمانية والإلحاد : حوار -2-



أهلاً وسهلاً بك،


سألتني عن دافع أو دوافع اﻷخلاق الإنسانية التي شطرتها إلى نصفين، فإما أن تكون مصلحةً أو تكون محبةً و حباً للخير، أنا أقول لك في إجابةٍ مقتضبة أن العلاقات والأخلاق الإنسانية تقوم على هذين العنصرين أي "المصلحة و حب الخير".

الرد :

كيف ؟ اجمع بينهما بطريقة علمية مفهومة و مزودة بالأمثلة .. ثم : إذا تعارضت المصلحة و حب الخير ، فأيهما السيد ؟ و كثيرا ما تتعارض المصلحة مع حب الخير و الحق . نحن لسنا أمام شيئين منسجمين مع بعضهما حتى يكون حكمهما واحداً كما تتمنى بهذه الطوباوية المادية !

لم يقتل الناس ولم تنتهك الحقوق  ويمارس الكذب والظلم إلا بدافع المصلحة التي تتعارض مع الخير ، فكيف تقول أنهما يعملان سويا ؟ المصلحة و الخير ؟ نعم من الممكن ان يلتقيان في بعض الصور البسيطة ، لكنه ليس لقاء تطابق ، بدليل : عندما يتنازعان ، فأيهما المرجع ؟ المصلحة أم الخير ؟

محاولة جمعك بين المصلحة و الاخلاق ، مثل محاولة جمعك بين العطاء و الأخذ بنفس الوقت . فالأخلاق عطاء و المصلحة أخذ ، و بينهما تناقض ، و المتناقضين لا يجتمعان على طول الخط . 

أولاً، ماهي المصلحة؟ مثلاً، في بحثك عن وظيفة في مؤسسة لتعمل بها فأنت تبحث عن مصلحتك الشخصية، كما هو الحال عند المؤسسة فهي اﻷخرى تبحث عن مصلحتها الشخصية, أغلب علاقات البشر قائمة على المصالح الشخصية أو غير الشخصية. إذاً أين المشكلة؟ المشكلة تكمن عندما تكون هذه العلاقات والمصالح مجردة تجريداً تاماً من العنصر الآخر ألا وهو المحبة وحب الخير. أي أن هذه العلاقات محكومةً بالفشل إذا لم تكن قائمةً على الحب و متضمنةً لمكارم اﻷخلاق.

الرد :

كيف يا عزيزي ؟ إلا إذا كنت تعتبر أن الاخلاق فن و مهارة كما يفعل التاجر ! أنت تتكلم عن شح و طمع ، و تريد أن يكون ذلك في إطار محبة ! أنانيات تنتج محبة ! كيف ؟ إنك لا تجني من الشوك العنب ! هل المحبة غلاف مثل غلاف الهدايا أم ماذا ؟

نحن نريد كلاما مقنعاً ، لا نريد رصف كلام جميل ، كي يكون الكلام مقنعا لا بد أن يكون مبني على منطق ، و المنطق يقول : لا يأتي الشيء من ضده ، وأنت تريد أن يأتي رغما عنه ، وتريد من الشح أن ينتج أخوة و إلفة ، ومن الطمع أن ينتج محبة و تفاهما و تعاونا ! ومن الصراع تقارباً و ألفة ! و من عبادة المصالح والانانيات ، تريد أن تنتج روحانية ومجتمعا فاضلا غير أناني !

مثل هذه التقريبات ، لا تستطيع أن تفرض وجودها في عالم العقل ، فقط عند عالم العواطف عند الماديين . و فقط من يريدها يقبلها لهوى في نفسه ، اما العقل العام فهو لا يقبل الا المنطقي .

و هذه المقدمة التي قدمتها كلها غير منطقية ؛ لأنها تريد أن تؤلف بين الأضداد . أنت تتكلم عن الوظيفة و كأنها حاجة من حاجات الشعور الإنساني ! بينما الوظيفة قيود و استعباد و ضد الحرية ، و تجبرك على أناس تتمنى ألا تراهم طول حياتك ، و تجبر أن تبتسم لهم و تقابلهم كل يوم ، و تضطر أن تهدي إليهم أو تدعوهم إلى مأدبة ، و قد لا تكون سعيدا بهذه المناسبة ، لكنه مدير رُزق بمدير صغير ! ماذا تفعل ؟ أنت نظرت إلى مشهد المؤسسة من الخارج وأنا نظرته إلى الداخل ، هذا الفرق بيننا .

هذا و أنت ترى في عيونهم الكذب والأنانية و الطمع اللامحدود ، و لا أقول كلهم ، فقد تجد في الوظيفة من يكون أعز أصدقائك ..

هذا الوضع فرضته متطلبات الحياة المادية ، و إلا فلماذا يفرح الجميع في الإجازة ما داموا في حالة إنسجام و محبة ؟ حتى مدير المؤسسة ؟ فلا تأخذ الشكل الظاهري و تقول أن هذا ما يريده الإنسان ! الرأسمالية فرضت ذلك .

الإنسان يكره العلاقات المصلحية و لا يحبها ، و لكنه يجبر عليها . و ليس صحيحا ان اكثر علاقات الناس علاقات مصلحية ، تقضي الساعات الطوال مع اصدقاءك مثلا ، و أحيانا لديك مصلحة تتثاقل ان تقولها وتعرضها عليهم حتى لا تفسد الجو بإقحام الماديات المصلحية ، وغالبا تؤجلها في آخر الجلسة ، فتمسك جانبا من له علاقة بمصلحتك ، و الناس يتثاقلون من يتكلم عن وظيفته في جلسات الصداقة ، مع أنها مصلحة ، و الناس يهربون الى الويكإند لينسوا وقت المصلحة الكريه . و الطالب يكافح سرحانه الجميل كي يركز على المصلحة الكريهة عند نفسه ، لكنه مجبر عليها في أغلب الأحوال . و لماذا يحسدون الناس الأغنياء ؟ إلا لأنهم يعتبرونهم أكثر حرية من قيود المصلحة التي تلزمهم أن يقوموا مبكرا و يكدحوا وو .

وأكثر الناس يحسدون من ورث الملايين لأنها جعلته يعيش متحررا من قيود البحث عن المال . و ما يقتضيه ذلك من مشقة وعنت ومعاكسة لشعوره الإنساني ، أيهما ألذ للإنسان : أن يتصفح قصيدة جميلة أم يتصفح فواتير مليئة بالارقام ؟

و ليس الإنسان يعيش لأجل المصالح ، بل هو مجبر على طلب المصالح ، كل انسان يتمنى لو ان جسمه لا يحتاج لغذاء ولا دواء ولا وسيلة نقل ولا سكن ، حينها إبحث عمن يبحثون عن وظائف .. سيضحكون عليك .

النقطة التي يجب الانتباه لها ان المصالح ليست نابعة من عشق الإنسان ، بل هو مضطر لها ، فالجوع يقتل والبرد يُمرض . لكن المحبة يستطيع الإنسان أن يعيش بدونها كجسم ، و لكنه يبحث عنها وعن الخير بدافع الحب . و ليس كل إنسان ينطبق عليه هذا الكلام . هناك من طمست فطرتهم و تصوروا أن المصالح المادية هي هدف الوجود في الحياة ، كما تتصور الدودة .

ارجوك دع الامور تتضح بدون تلبيسات . أنت تنظر الى الموظف و هو حريص على وظيفته و يخاف ان يطرد ويبتسم في وجوه الموظفين . تتصور أنه يعشق هذا الشيء بدافع من فطرته ، لا بدافع الخبز والفطير الذي لو فقده لمات .

 ثانياً، عندما تحدثتُ عن اﻹنسانية على أنها إنسانية بحتة قصدتُ بها أن العلاقات و اﻷخلاق بين البشر بما تتضمنه من صفات إنسانية كالصدق والإيثار واﻷمانة والحب والحس والضمير المتوقد ينمي عند الانسان شعوره وإحساسه وحبه لكل ماهو مادي و مرئي من حوله كالنبات والحيوان وحتى الجماد، لا حظ أنني لم أذكر الخالق؛ لأني كما قلتُ في السابق أن اﻷخلاق عقلية وليست إيمانية أو دينية، أي أنها لاتذهب بذهاب الدين أو الايمان. نحن لا نستطيع أن نجبر أحداً على اﻹيمان بشيٍءٍ لا يستطيع أ ن يقيم له برهاناً عقلياً ولا قلبياً، وهذا يعني أننا لانستطيع أن نؤاخذه بهذا أو نقول بأنه لا إنساني أو لا أخلاقي.

الرد :

كيف تكون الاخلاق مقنعة عقليا ؟ هل تستطيع الإثبات ؟ أم أنه رصف كلام جميل ؟ مع أن باطنه ليس جميلا ، مع إحترامي لك . كيف ان العقل هو من اكتشف قيمة الأخلاق ؟ و أنت لا تلوم ذلك الشخص لأنه لم يبحث عن ربه ، بينما تلومه لو ترك الأخلاق !؟ مع أن الدين أخلاق مع الرب و شكر له ! كيف تقول عن هذا الذي لا يهمه هل خلقه رب أم خلقه اللاشيء أنه عقلاني !؟ و يطالب بدليل يقنعه على أن له خالق ؟ يريد أن يعرف الخالق قبل ان يعرف نفسه و إلا فلن يقبله ! مع أنه لا يستطيع أن يبيّن كيف وُجد هو ! كيف نسميه عقلانيا وهو ينكر وجود رب يدل عليه العقل ، بينما لا يستطيع أن يبيّن كيف وُجد هو حتى نستطيع أن نحذف كلمة رب ؟ كيف إقتنع بالأخلاق إذاً ؟ مع أن الأخلاق أساسها عكس المصالح ؟

لولا المشقة ساد الناس كلهم .. الجود يفقر والإقدام قتال ..

اذكر اسم ايديولوجية قامت على الاخلاق بدون الدين ؟ لا يمكن ، أنت تنطلق من ايديولوجية قائمة على المصلحة المادية . الدين مرتبط بالأخلاق ، بل هو أخلاق أصلا ، لوأنا بدلنا كلمة دين ، لا نجد أفضل من كلمة أخلاق . بينما أنت تقف على أرضية نفعية مادية ، يحق للإنسان أن يدعي ما يشاء ، لكن إن صدقناك فعلينا أن نصدق إمكانية ان تمشي السفينة على اليبس ! احتراما لك و تقديرا لمشاعرك الإنسانية !

قل مُقنعا حتى نصدقك ، لا نريد أن نغشك و نظهرك بمظهر المُقنع وكلامك غير مقنع ! لأنه غير منطقي ولا عقلاني ، رغم إدعاء العقلانية فيه ، العقلانية تحقيق وليست إدعاء ، لأن الإدعاءات كثيرة ولم نعد نصدق بسهولة كل من إدعى العقلانية أو العلمية أو فهم الدين حتى . و ما نقوم به هو عمل عقلاني بحت ، لان العقل يبني على الشك ثم اليقين .

انا اشك في ادعاءاتك حتى تقدم دليلا عقليا ، البرهان من متطلبات العقل . فقدّم برهانك على أن الأخلاق يُوصَل إليها بالعقل ، وأنها مصلحة في اساسها . و برهانك على أن الخير و المصلحة دائما في وئام ، و برهانك على ان الملحد عقلاني في إلحاده . كل ما تقدمه هو تأصيل للمصلحة ! فما الذي حشر الأخلاق في عالم المصلحة الذي لا يعرف الأخلاق أصلا ؟

الفكر الماديّ لا يريد أن يظهر أمام الناس بمظهر المادية القاسية التي تكرهها النفوس ، فيريد أن يغلف قضيته بالأخلاق ، و لكنه لا يستطيع أن يؤصلها بفكره ، فقط يدّعيها ، محتجاً بأن الاخلاق لا علاقة لها بالدين ، دون أن يؤصل الدين ما هو ، إذا لم يكن أخلاقا ، و دون أن ينطق بحقيقة مذهبه ، و أنه لا علاقة له بالأخلاق ، و جاء لنسفها . يجب أن نخرج من عالم الإدعاءات المبني على التكرار و الدعاية و ليس على المنطق ، نريد أن يُحترم العقل ، فنمشي بموجبه و نقف بموجبه . نحن نريد تأصيلا فكريا ، مع ملاحظة أني لا أتكلم عن شخصك الكريم (ارجو أن تنتبه) أنا أتكلم عن هذه الدعوى ..

كل يوم نرى ماديا او ملحدا ، ولا همّ له إلا أن يتلحف بلحاف الأخلاق ! نقول له : أصّل الأخلاق في فكرك ، فيتهرب ! بينما نحن كمسلمين نستطيع أن نؤصل الأخلاق في فكرنا بنصوصها ، و لكن لا ندعي أننا قائمين فعلا عليها ، بسبب لوثة العلمانية الداخلة فينا . هي من الفكر الآخر الذي تتبناه ، هي ما جعلت أخلاقنا كمسلمين تهتز ، إلا من رحم الله . قديما و حديثا ، فالعلمانية قديمة ايضا ، بروحها لا كمصطلح حديث . حتى عيوب المسلمين محسوبة على العلمانيين ، لأنهم يتاثرون بها ! والشيطان واحد .

كيف تتلحف بشيء لا يوجد له أي تأصيل بفكرك ، بل المفهوم من فكرك المادي : الإستهانة بالأخلاق و اعتبارها ضعفا وحجر عثرة في وجه المصالح ، وهذا ما نجده واضحا عند الكثيرين من أرباب هذا المذهب ، كنيتشه وغيره كثير من الذين كانوا شجعاناً في طرحهم .

نيتشه هو اوضح الملحدين و أشجعهم ، وهو إمامهم في الحقيقة ، و إن كانت شجاعة في الباطل . لكنه لم يتلحف بالأخلاق كما تفعل و يفعل ملاحدة اليوم . بل قالها صريحة : الأخلاق هي أخلاق عبيد ، و على السوبرمان أن يتخلص منهم وأن يتخلص من كل الضعف والضعفاء ، لأنهم لا يستحقون الحياة ، والبقاء للاقوى ، والرحمة ضعف . هذا ما تفضي إليه الحسبة المادية .

كل ملحد هو نتشوي ، شاء أم لم يشأ . نيتشه تكلم عن الجانب المظلم في الإلحاد لأنه كان صريحا و شجاعا ، رغم جنونه (رحمه العقل) ! بينما أنت تريد ان تزيّن هذا الجانب المظلم وترسم عليه لوحة أخلاق !

ويجدر بمن تخلص من الدين أن يتخلص من النفاق أيضا . (أكرر : لا أقصدك ، اقصد هذا الفكر أو الكفر ، الذي قد تكون تبنيته مُزيّناً لك بشكل آخر) .

أنتَ تقُول أن الأديان تدعوا إلى اﻷخلاق وأن العلمانية والليبرالية والإلحاد تقدس المنفعة الشخصية ولا تهتم لأمر العامة، وهذا هو رأيك،

الرد :

هنا إستنتاج خاطئ ، فالمصلحة العامة من متطلبات المصلحة الخاصة في احيان كثيرة و تابعة لها ، و الاهتمام بالمصلحة العامة ليس كافيا لتجميل عبادة المصلحة الخاصة ، لأننا ما زلنا في إطار المصلحة النفعية المادية الحسية ، التي تنظر الى الانسان من ناحية جسمه فقط و شهواته . و لا تعترف بروحه ، بل تنكر وجودها .

ولكن ما أستغربه هو ربطك عدم إيمان الإلحاد بالدين هو حرب على الأخلاق وهدم للمبادئ الإنسانية، أنا أقول إذا لم يؤمن الإلحاد بالخالق فهو بالضرورة لن يؤمن بأي شيءٍ ينسب إليه. اﻷديان بماتتضمنه من شرائع وأحكام تنسب إلى الخالق، لذا لن يؤمن بها. لاحظ أنا لم أذكر اﻷخلاق، لماذا؟ لأن الأخلاق عنصر عقلي، أي أنه إذا استبعد الدين بكل ما جاء به فلن تذهب الأخلاق لأنها ليست إيمانية بقدر ماهي عقلية كما قلتُ سابقاً.

الرد :

هل يكفي أن تقول فقط ؟ أنا اقول و أنت تقول ! أثبت ما تقوله ! ألست عقلانيا برهانيا ؟ إلا إذا أنت تعتبر كلمة (أنا اقول ..) دليلا و برهانا قاطعا بحد ذاتها ! لأنك أنت قلت ؟ (على رأي عادل إمام : "الدليل : آلو له !" ) ..

أنا لن أبتلع بديهياتك بمجرد أن ترميها ! من حقي أن أناقش ، كيف أن الأخلاق عقلية مصلحية ؟ و قد وضحت لك اعتراضاتي بالمنطق ، و كيف أقبل مسلمة اخرى ان الملحد عقلاني وهو لا يحترم العقل ويشكك فيه ؟ و كان ردك أنك قلت لي أكثر من مرة أن الأخلاق عقلية و كفى ! ارجوك لا تغضب ، نحن نتناقش ، من حقي أن أعترض على البديهيات المرمية جزافا بلا أدلة ، و لك الحق أن تعترض على أي مسلمة اقولها أنا ، وسوف أشرح لك بالتفصيل المقنع إن شاء الله .

لقد قالوا : الشيطان في التفاصيل ، و أنا اقول : الشيطان في المسلّمات و البديهيات .. و أطالب كل من يحترم العقل أن لا يبتلع اي بديهية حتى تتضح و يتبصر بها . حتى لو كانت من فم امه التي تحبه . القرآن هو من أمرنا بهذا التبصر .

نأتي إلى مفهوم العلمانية و الليبرالية وسأوردها لك في نقاط متتالية:

الرد :

من هنا نفهم أنك لا تستطيع أن تثبت عقلانية ونفعية الأخلاق ، واتجهت الى موضوع آخر ..

- العلمانية ليست ضد الدين أو تحاربه.

الرد : بل العكس هو الصحيح . بل هي عدو الدين التقليدي ، و ليس له عدو غيرها ، مع فرخها القادم وهو الإلحاد الذي تحمله في بطنها كما تحمل الدجاجة البيضة .

- قضية العلمانية مع رجال الدين وتأثيرهم على القرار السياسي وتسييرهم لأمور الدولة.

الرد : حتى تقوم هي بتسيير شؤون الدولة بدلاً منهم ! إنها دين معاكس للدين يصارع الدين بأوجه مختلفة ، من ليبرالية او علمانية أو إلحادية أو البقية . و هي تعارض الناس في حرياتهم ، و تكره إلتزامهم بأديانهم التي اختاروها بأنفسهم وتفصلها عن حياتهم بالقوة ، و تكره أن ينكروا المنكر و لو باللسان ، و تعتبر ذلك تعديا على حرياتهم ، ناسية اعتداءها هي على حريات الناس في ممارسة اديانهم و ضغطها المستمر عليهم ، و تلقـّط اي زلة من احد المتدينين لتعميمها على الدين كله بدون اية موضوعية ، و اي ممارسة للدين خارج المعبد يعلنون الحرب عليها ، و تطاردهم إلى اضيق نقطة حتى تـُدخلهم في المعبد فلا يخرجون منه ، ويظل الدين محاصر .

أليسوا يحاربون الدين في المدارس ؟ و يحاربون رفض الشذوذ الجنسي (الهوموفوبيا) ؟ لا تجد علمانيا إلا و يُرجع المشاكل كلها لأسباب دينية ، ولو تعسفا ً . هذا ما يفعله المحارب ، يرجع كل شيء إلى خصمه ، ويجعله مسؤولا عن كل شيء سيء .

فإدعاء المسالمة ليس إلا غلاف مؤقت . و كل شيء يعود إلى اصله . كل هذا و تقول انها لا تحارب الدين ؟ بل ما هي العلمانية إلا فكرة حرب الدين و إخراجه ، فإذا ذهب الدين لم تبق العلمانية ، مثلما الجيش لا يبق في الجبهة اذا انهزم الخصم . و ما العلمانيون الا جبهة حرب للاديان طويلة النفس تعتمد على استراتيجية حرب الاستنزاف والحصار . و كل شيء يُعرف من منطلقه ، فالعلمانية لم تنطلق لأجل العلم ، بإعترافكم ، ألستم تقولون أن العلمانية قامت لتنحية رجال الكنيسة ؟ لماذا فقط الحزب الديني هو المطلوب تنحيته ؟

هذه نقطة بدايتها : حرب الدين و إبعاده عن الحياة و التضييق عليه الى اقصى نطاق ، و محاربته في الاجيال القادمة . كل شيء يقيّم من بدايته و اساس وجوده ، و اساس وجود العلمانية هو غايتها ، بدأت بحرب الدين و ستنتهي بالانتصار على الدين و إماتته بالكامل . لاحظ انها تضيق على اتباع الاديان ، لكنها لا تضيق على اتباع ديانة الالحاد وعبادة الشيطان ، وتقف معهم ضد من ينتقدهم . و يكفي أنها دخلت في السياسة ، و السياسة تقوم على الإلزام . مثلما فعل رجال الدين ارادت ان تحل محلهم . العلمانيون رجال دين دنيوي ، و رجال الاديان رجال دين أخروي . و احيانا مع جواز المزج بينهما في اكثر الحالات .

- العلمانية أو الليبرالية ليست بحثاً عن المصلحة أو المنفعة الشخصية بل على النقيض تماماً من ذلك فهي تبحث عن مصلحة كل شخص وهذا يصب في المصلحة العامة.

الرد :

اذن وزّع مالك على كل شخص لأنك علماني و تريد مصلحة كل شخص ! أرايت أنها فكرة طوباوية من عواطف علمانيين متدينين ؟ أليست تدعم الرأسمالية و تنادي بالإقتصاد الحر ؟ هل هذا يخدم كل شخص ؟ ام انه يخدم الـ 1% فقط ؟ أما الـ 99% فخدم وعبيد ؟

يا عزيزي لا تلعب علينا بالمسلمات .. لا تستخف عقولنا برمي المسلـّمات بلا إثبات ولا حتى منطقي .. كل أدلتك : (العلمانية ليست ..) ، (إنما الليبرالية هي .. ) ..

لا تحتكر التعريف .. نحن أيضا نعرّف العلمانية و الليبرالية ، من واقعها الفكري و الايديولوجي ، و نقيم الأدلة التي لا تستطيع ردّها . ألأنك صرت علمانيا صار لك حق أن تعرّف العلمانية و ليس لغيرك حق أن يعرّفها ؟ بينما لك حق أن تعرّف الدين كما تشاء ؟ كما يفعل الكثير من الملاحدة و العلمانيين بتعريفات سخيفة مضحكة ، كتعريفهم أن الدين هو بسبب الخوف من مظاهر الطبيعة كالبرق والرعد . و كأن مظاهر الطبيعة توقفت عن التخويف فانتشرت العلمانية !

- العلمانية تبحث عن الحرية الشخصية لكل شخص حيث يكون له أن يعتقد ما يشاء ويقول ما يشاء و يفعل مايشاء ما دام أنه لم يصطدم بحرية غيره.

الرد :

هذا كلام خلّب و تحايل ، مثل هذا الكلام ، هو كلام الاقوياء ، الذين أوجدوا العلمانية و الليبرالية ، فعندما تكون قويا اقتصاديا ، لك الحق ان تطالب بحرية الاقتصاد و ان تطالب بإزالة القيود عن رجل الاعمال ، و تقول : أنا اطالب بحرية الجميع ! لأنك تعرف أنك أنت المستفيد من هذا الشيء . منطقيا : كل قوي يطالب بالحرية . و حسبك أن العلمانية و الليبرالية أوجدها الاقوياء ! ماذا تفهم من هذا ؟ شيء يقرره الاقوياء : هل سيكن في صالح الضعفاء ؟ انظر الى امريكا ، فنسبة الفقر بازدياد ، حتى وصلت الى اربعين مليون تحت خط الفقر في بلد الحرية والاقتصاد الحر .. و مظاهراتهم لا تظهر على الاعلام في بلد الحرية .. و ماذا فعلت شرطة نيويورك في حركة وول ستريت في بلد الحرية ؟

اي نقد لسياسة اسرائيل – وهي دولة اخرى - يعتبر تهمة ، فيحق لك ان تنتقد اوباما و لكن لا يحق لك ان تنتقد نتنياهو .. فاين حرية التعبير ؟ بينما اي نزع للسراويل لن يعتبر تهمة ، و اي تدنيس للدين لن يعتبر تهمة . أو شذوذ جماعي ، و حتى ممارسة جنس مع الحيوان ، حتى لو كان ذلك الحيوان لا يحتمل ، لا يعتبر مشكلة ، و لو تنصحه تعتبر تحت طائلة القانون ، مع ان النصيحة تعبير عن الراي في فعل أجمعت الشعوب على بشاعته ، و لكنهم يرونه حسنا و جميلا ! و كل هذه المضايقات في التعبير غير موجودة في الشرق . حتى إن الإنسان ليضحك مستغربا ايهما أسوأ في انتهاك حق التعبير : الشرق ام الغرب ؟

ألا تلاحظ ارتباط الاعتراض بالعري ؟ كما في الحركة النسوية ؟ لأن هذا هو المجال الوحيد للحرية الحقيقية في الغرب : نزع الملابس ، التي لا يعترضها أحد .

بل ان قيود الكلام في الغرب اكثر منها في الشرق في مجالات كثيرة ، والمحاكم بالمرصاد لاية زلة لسان . فكلمة "يا قزم" ممنوعة و يعاقبك القانون عليها ، بينما "يا قصير" لا يعاقبك عليها . و اي استشهاد بأي عبارة قد يدفعك لدفع غرامات بمئات الالوف ، حتى لو كان بيتا من الشعر .   

هذا عكس كلام نيتشه الذي قال أن الأخلاق والدين اخترعها الاقوياء ليستغلوا بها الضعفاء .. فالعلمانية والليبرالية والالحاد هي اختراع الاقوياء لاستغلال الضعفاء .. والرابح واضح . لأن هذه الافكار تخدم الراسمالي اكثر ، اذن الراسمالي هو الرابح الأكبر ، اذن هو من سنّها و اشاعها بإعلامه المملوك .

إنها خدعة الاقوياء على الضعفاء . و إذا أتينا للواقع لم نجد من هذا شيئا سوى حرية سب الدين او نزع الملابس .. و الغرب خير مثال . مما يعني أنها ضد الدين والاخلاق والذوق .

- العلمانية لست إنكاراً للأخلاق بشكل عام ولا نفياً لها بحثاً عن المصلحة. أي أنه ليس لأحد أن يقول أن العلمانية تدعوا إلى الكذب لتسيير المصالح.

الرد :

بلى ، هل تستطيع أن تثبت العكس ؟ إذا كان الكذب يخدم المصالح فلا بأس. لأنها تنظر الى الاخلاق نظرة نسبية ، اي بالنسبة للمصالح . فأنت يحق لك ان تشنّع على خصمك إذا كذب ، لكن يحق لك ان تكذب ما دام الكذب يخدم مصلحتك او بلدك أو فئتك . العلمانية لا ثوابت عندها الا المصلحة ، و هي تعلن ذلك صريحة ، فلماذا تكحّلها لنا بكحل لم تعرفه عيونها وهو الأخلاق ؟

العلمانية هي : إفعل ما تشاء ، ألم تقلها أنت قبل قليل ؟ ما معنى إفعل ما تشاء ؟ أليس من ضمن ما تشاء احيانا سوء الاخلاق ؟ و هل هذه الكلمة اخلاقية اصلا حتى تقولها لأحد ؟ (افعل ما تشاء) ؟ اليست الأخلاق قيود ؟ و (افعل ما تشاء) لا تعني اي قيود ؟ اذن هي عكس الأخلاق  و كلمة غير اخلاقية ، من البداية ..

ثم انظر الى الحد الذي وضعته أنت : (ما لم تضر بمصالح الاخرين) ، لاحظ : مصالح ، وليس اخلاق ، ولاحظ : آخرين ، و ليس : ضمير أو قيم . و يتضح أيضا أن ما تشاؤه هذا هو مصالح لذّية مادية ، من التعريف .

اجمع بين كلمتي : (افعل ما تشاء) و (ما لم تضر بمصالح الاخرين) ، الاولى تريد الانطلاق الكامل بالصواب او الخطأ ، و الثانية حزام أمان جبان من غضب الآخرين على فعلك ما تشاء ، ثم لاحظ : أن هذا الاحتراز لم يقف الا عند مصالح الاخرين ، التي هي حرية الآخرين ، و الحرية ليست الا مصالح كما يرونها ، لأن اصحاب الفكرة رأسماليين تجار ، و يعرفون كلمة مصالح جيدا .. مما يعني ان الاخلاق ليست كافية للردع ، و الآن انفضحت العلمانية من تعريفك بأنها لا تقيم وزنا للأخلاق ، و لو كانت تقيم اي وزن للاخلاق لقالت : (افعل ما تشاء ما لم تضر بالاخلاق و مصالح الاخرين) ..

الآن انكشفت .. فلا تكحّل عينها الرمداء و تزوّر حقائقها علينا ، أو اعتمد هذا التعريف الجديد لعلمانيتك حتى يحق لك ان تتبجح بأن العلمانية تقيم وزنا للاخلاق . أو اعلنها أنت لتكون رائدا لعلمانية اقل قبحا من العلمانية الرمداء العوراء ، التي لا تنظر الا للمادة . اذن لا تكرر مرة اخرى ان العلمانية تحترم الاخلاق ! لأني سأحاجك بتعريفك ! (افعل ما تشاء ما لم تضر بمصالح الاخرين) !!

إما أن تغيّر التعريف او أن تـُوقف التزييف ..

أرأيت ان الدين وحده هو الذي يهتم بالأخلاق ؟ هل خلصنا الى هذه النتيجة ؟ أم بقي ان نقحم الشيوعية لننظر موقفها المعادي علنا للاخلاق ؟ اذن من بقي يهتم بالاخلاق ؟ انه الدين فقط ، و خصوصا الدين الإسلامي ، وبالذات القرآن ، اذا استبعدنا المـُقحمات اللااخلاقية في الاسلام وذهبنا الى القرآن مباشرة .. هو الكتاب الوحيد الذي يهتم بحقوق الإنسان كاملة . و يحفظها حتى من الاستغلال المادي . اما منظمة حقوق الانسان فلا تحميه من استغلال الاقوياء . ولا من نفسه كما يفعل القرآن حينما يحرم القمار والخمر والربا .

لم تستطع العلمانية ان تضيف هذه الكلمة في تعريفها نصرة للاخلاق ، بينما انظر لأسوأ دين تجده مليء بالنصوص الاخلاقية . اذن اسوأ دين هو اكثر اخلاقية من العلمانية . بالأدلة .. و بموجب التعريف . لا تهجـُّما من عندي .. اذن ماتت فكرتك .

ارجو الا تفتخر بهذا التعريف مرة اخرى لأنه فضيحة و عار على العلمانية ، وابحثوا عن تعريف آخر .

ثم لماذا حد (ما لم تضر بحرية او مصالح الاخرين) في فكرٍ يبحث عن الحرية المطلقة ؟ الجواب ببساطة : بسبب الجبن ، خوفا من ثورة الاخرين لأجل مصالحهم ، و بالتالي خوفا على مصالحك ، اذن غضب الاخرين هو الخطر الوحيد الذي يراه العلماني دون خطر الضمير ولا الاخلاق ولا القيم ولا اي شيء آخر .. اذن انت لا تنتهك مصالح الاخرين خوفا منهم على ان ينتهكوا مصالحك فقط ، اذن : اذا زال هذا الخوف : هل ستتوقف عن انتهاك مصالح الآخرين ؟ دستورك لا يوجد فيه نص بذلك . بدليل انه يقول افعل ما شئت ، وبدليل أن انتهاك مصالح الاخرين دون ان يقنصك القانون أو اولئك الآخرون مسموح به ولا عيب فيه !

انظر الى الدعايات : مسموح بها و تأخذ عليها الدول مبالغ ، مع انها تزييف للحقائق على الجماهير في كثير منها ، تقدم المنتج على انه الادوم و الافضل ، ثم ترميه في أقصر مدة . و يضعون في المنتجات نقاط ضعف معروفة وممكن اكتشافها ، حتى يضطر المستهلك للشراء مرة اخرى ، غير مبالين بمتاعبه وخسارته ، و دولهم تعرف ذلك ، لكنها تستفيد من الاقوياء اكثر من الضعفاء . يكفيك ان امريكا تديرها شركات ، و هذا عكس الاسلام تماما الذي نظر الى الضعيف قبل القوي ، و فرض الزكاة له والكفارات له والصدقة له ، أما الضرائب في العلمانية فيستفيد منها الجميع ، حتى الاقوياء بل هم اكثر من يستفيد منها و ليس الضعفاء ..

أما العلمانية الدنيوية البشرية فتنظر الى الاقوياء و تنطلق من عندهم ، و بالتالي تعود اليهم ، فكل شيء يعود الى منطلقه . تطلق أفكار الحرية لترغّب الناس ، ثم تبدأ بتقييد كل ما يخمّش على نوافذها من اغصان الحرية .

وهذا ما يفرق القرآن عن المذاهب العلمانية البشرية التي تتمحور حول الاقوياء منذ وجد الاقوياء ، بينما القرآن يقول : (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم) . و لهذا حرم الربا الذي يبني الراسمالية على حساب الضعفاء . فلله ما اعظم هذا القرآن وما اقل اتباعه الحقيقيون ، ولو كان بشريا لما اهتم بالضعفاء .

الشيوعية لم تتجه الى الضعفاء كما يتوهم البعض ، بل اتجهت إلى الاقوياء ، ولكنهم غير ملاّك ، و هم العمال . أما القرآن فاتجه الى اليتيم والمسكين والارامل و ابن السبيل والعبد المملوك و الاسير والوالدين الضعفاء وكبار السن . انه كتاب الرحمة بالبشرية (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .  

- قد يعتقد البعض أن العلمانية تسعى لهدم اﻷخلاق ﻷنها تسعى لتحرير المرأة مثلاً وتطالب بحريتها التامة والكاملة في إدارتها لنفسها وشكلها وزيها دون تدخل أحد في شأنها، أو لأنها  تدعوا إلى كسر الحاجز بين المرأة والرجل وتقريب المسافات بينهما، ووجهة نظري في هذا أنه ليس هدماً للأخلاق، ووجهات النظر في هذا تختلف فما تراه لا أخلاقياً قد أراه أخلاقياً لأن هذه ليست صفة انسانية مجردة بل هو حدث قائم. "اﻷخلاق هنا أقصد بها اﻷخلاق الإنسانية العقلية أي المنطقية التي يحددها العقل وتخضع لثوابته فيقبلها أو لا يقبلها وليس أي شيءٍ آخر"

الرد :

أنت تقول أن العلمانية تطالب ، السؤال هو : لماذا تطالب ؟ لماذا لا تترك الناس و شأنهم ؟ هذه هي حرية الناس ! من يريد للناس الحرية يتركهم و شأنهم ، و أفضل حرية هي أن تترك الناس و شأنهم ! أليس كذلك ؟ لا أن تعمل من تحريرهم مما إلتزموا به بحريتهم هم بأنفسهم و ثقافتهم ، كالعفاف والحجاب والدين وغيره .

هذا تدخل في موروثات الناس وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم  حتى يكونوا على النمط الغربي ليبتلعه الراسمالي الغربي فيما بعد ، و استعمال كل وسائل الضغط والاعلام و التأثير التي تصل الى حد الإلزام في بعض الحكومات العلمانية ، كحملة نزع الطرابيش في تركيا اتاتورك العلماني وتحريم الكتابة باللغة العربية , و استبدالها بحروف لاتينية رغما عن الناس ، و حملة تحسين الهندام على النمط الغربي في تونس ايام سيطرة العلمانية ، وكما نرى في منع الحجاب في فرنسا وهدم المآذن في سويسرا ، وشواهد الحروب العلمانية كثيرة جدا ، فكيف تقول أنها محايدة بينما تاريخها طويل في حرب الاديان وإجبار الناس على قيم النخبة في الغرب الغريب عن ثقافتهم ؟

ومطالبات العلمانيين لا تقف عند حد ، فالدول السابقة في العلمانية مطالبهم غير مطالب الدول الجديدة على العلمانية ، و أخف منها ، حتى وصلت عند المتقدمين في العلمانية في الغرب الى المطالبة بمنع أن يُخبِر الأهل إبنهم بدينهم ، والمطالبة بتلقينهم الإلحاد من الطفولة ، و من يخالف يتعرض للقانون ، هذا بعد أن طردوا الدين في المدارس ، ارادوا ان يطاردوه في بيت أهله ! أرأيت انها حرب طويلة النفس على الدين و الفضيلة لصالح المادية والالحاد ؟ وبالتالي خدمة لأفراد رأسماليين متحكمين بإقتصاد العالم ؟

بينما علمانيو بعض الدول العربية و الاسلامية يطالبون بحد أدنى كمطلب مرحلي ، اذن العلمانية ليست كما يصورها اتباعها بأنها جناح دافئ يضم الجميع ، إنها نسر محارب ، لكنه طويل النفس ويعمل بطريق التدريج ، خوفا على مصالحه ، لا حبا في حريات الآخرين .

ومساحة الحرية التي تقدمها العلمانية بالنسبة للدين والاخلاق او السياسة ، سوف تعبيها بالقيود من الناحية الأخرى . فإذا سمحتْ بشتم يسوع ، ستـُصدر قوانين في انتقاد رئيس وزراء في اسرائيل ! واذا سمحت بانتقاد الرئيس وحكومته ، لن تسمح بانتقاد الرأسماليين او الـ 1 % أو ملاك البنوك .. و إذا سمحت بشتم الأديان ورجالها ، فلن تسمح بشتم المتلاوطين أو انتقادهم ، وهكذا ..

اذن هي عملية تغيير وغسل ديني و خلقي بالكامل وبطريقة منظمة و مجربة ، تـُنقل التجربة من مجتمع الى مجتمع ، تماما كما حصل في اوروبا يُراد له أن يحصل في العالم ، وما حصل للمسيحية يراد له ان يحصل على الاسلام ، وبنفس الخطوات ..

العلماني ليس مشغولا بنفسه ، بل هو مشغول بتغيير المجتمع ، أي مشغول بغيره ، اي متدخل ومتطفل على شؤون الغير و ثوابتهم . كل علماني هو سياسي وناشط اجتماعي ، وله أجندة .. تـُعرف بدايتها لكن لا تعرف آخرها .. فانظر للعلمانية في الغرب الى اي حد وصلت : إلى حد الدفاع عن الاجهاض وقتلة الاطفال احتراما للزنى .. مع أنهم يحرّمون قتل القاتل بدوافع إنسانية ! لكن لما كان الامر فيه زنى ، توقفت الإنسانية ! فأين إذاً هذه الاخلاق العقلية التي تتحدث عنها يا استاذ ؟

أليس المنطق إذا كنت تحرّم قتل النفس بالنسبة للقاتل المجرم أو الارهابي الخطير ، منطقيا يجب ان تحرّمه بالنسبة لطفل بريء جنين لم يرتكب اي اثم في هذه الدنيا ؟ لكنها الشهوات ومنطقها الاعوج . داوكينز العلماني الاكبر يقول ان الجنين اقل قيمة من الخنزير !

العلمانية لا تعترف بالعفاف ولا بستر العورة ، مع أن الشعوب كلها اجمعت على ذلك . اذن لها دين مختلف ، و جذره إلحادي يعارض كل ثقافات الشعوب . وبالتالي العلمانية لا تحترم إرادة الشعوب ، ولها اجندة إلحادية طويلة الاجل تعمل لصالحها . فهي تشنّع على اي مظهر ديني يتعلق بالعفاف ، ولكنها تصفق لعبدة الشيطان وممارسي الجنس الجماعي الذي تنفر منه أذواق الشعوب كلها .. والشعوب تمثل الانسانية ، اذن علمانيتك يا عزيزي لا تحترم الانسانية ..

العلمانية عامل غير محايد في أي مجتمع ، ضد ديانة و أخلاق اي مجتمع . وهي داعية و ممهدة للعولمة ، ولا تحترم ثقافات الشعوب وأديانها ، ولا تقف في صفها ابدا ، حتى في الجوانب الجيدة في الاديان ، لم نر العلمانية تقف لتساعدها .  و لم تشكر دينا يوما من الايام . لكنها مسرورة بأي شيء ضد الدين . و أكثر مشاهيرها الذين تطبل لهم وتلمّعهم ممن قاموا بثورات على الدين او الحجاب أو على الملابس ، وأبطالها من المتعرين والمتعريات .

لو كانت العلمانية محايدة كما تقول ، اذن أجبني : لماذا تزدهر في ظلها كل حركة ضد الاديان ، بينما تنحسر الاديان مع العلمانية ؟ لو كانت جانبا محايدا لازدهر الجميع .. العلمانية عدو منافق للإنسان والفضيلة ، وممهد للمادية والإلحاد و سيطرة الرأسمالية على مقدّرات الشعوب ، و تحويلهم الى عبيد يُسمح لهم بالجنس الجماعي حتى يلهّوا أنفسهم عن حقوقهم الحقيقية والإقتصادية .

الليبرالية والعلمانية والالحاد والرأسمالية شيء واحد ، و مكعب له عدة وجوه ، بينما هو شيء واحد .   

لماذا العلمانية مشغولة بدمج الجنسين ؟ الشعوب أدرى بأوضاعها . أرأيت انها تحمل اجندة و تريد ان تلزم بها المجتمعات ؟ اذن هي لا تسعى للحرية ، بل تسعى لأجندة تريدها بإسم الحرية . المرأة لم تطالب بأن تحرّر ، لكن العلمانيون هم الذين يطالبون بدلا عنها ليل نهار ، و شيء مضحك أن حقوق المرأة يطالب بها رجال ! ..

الحرية هي ان تدع الناس و شأنهم . العلمانية تسعى لتحرير المجتمعات من الدين ، وتسعى لتحرير المرأة ، من طالبها بهذا ؟ من خوّلها ؟ هذا تدخـّل في الشعوب ! لاحظ أنها تركبْ دائما مع السلطة ، اذن هي تـُلزم الناس من خلال السلطة ، و كلمة علمانية هي مصطلح سياسي سلطوي . إنها حلّت محل الكهنوت الديني المُساند للسلطة . حتى تتدخل في الملابس كما قلت أنت ، مثلما كان الكهنوت يتدخل فيها !

هي دين مناقض للدين ! اذن لا  يجب ان تتكلم عن الحرية و أنت تحمل اجندة تريد ان يفعلها الناس . ولا ينجيك أن تقول أنني اطالب بالحرية ، كان يجب ان يكون من ضمن اجندتك - اذا كان همك حرية الناس - أن تكون المطالبة ببقاء الدين لمن يريده ، لكن ليس هذا موجود في مطالب العلمانية ، بل المطلوب هو فصل الدين عن الحياة .

اذن هي عملية موجهة ضد الدين . اذن العلمانية مُغرضة وليست بريئة ، ولها اهداف وأجندات ، ما علاقة هذه الاجندات بالاخلاق ؟ حتى التي تسميها عقلية ؟ هل توجيه الناس للمادية يعتبر أخلاق عقلية وإنسانية ايضا ؟

العلمانية تحمل اجندة ليس فيها شيء يسمى الاخلاق ضمن الاجندة ، فكيف تقول أنها مع الاخلاق العقلية ؟ نقطة بداية العلمانية هي محاربة الاديان القائمة و سحب البساط من تحتها للتمتع بما كان يستفيد منه الكهنة ، فهل هذا عمل اخلاقي ؟ هل قتل الاجنة عمل أخلاقي ؟ وهل حماية ما رفضته أذواق الشعوب كالبغاء و الشذوذ واستغلال جسد المرأة عمل أخلاقي أو ذوقي ؟ و غير هذا كثير و كثير . 

- العلمانية لا تدعوا إلى إلغاء أو فصل الدين عن حياة الفرد وإنما تهدف إلى فصله عن المشهد السياسي.

الرد :

لماذا ؟ من سيحل مكانه ؟ هـُم طبعا ! "أخرجوا لندخل" ! هل هذا مبدأ سليم و أخلاقي ؟ "لن تحكمونا و سنحكمكم نحن العلمانيون ونمرر أجندتنا عليكم ونغير ثوابت مجتمعكم و نربطكم بأخلاق و مبادئ نخبة رأسمالية في الغرب ، غريبة عن دينكم وتراثكم" !  

- العلمانية التي تهدف إلى الحرية تضمن لك آداء طقوسك و مشاعرك الدينية  بدون ضغوط ولا إجبار وهذا مما لا شك فيه أنه هو اﻷفضل للإنسان.

الرد :

هذا كلام مموه ومزين وغير منطقي . العلمانية قامت ضد الدين ، فهل يرعى الخصم خصمه ؟ ولماذا حددت الدين على طقوس ؟

هذا يعني ان العلمانية لاتسمح بغير الطقوس ، وهذا تدخل في الدين ، تحذف منه ماتشاء وتبقي ماتشاء ،آفمن خوّلها ؟ وهل هذا الحذف لاتعتبره تدخل ؟

اي دين اذا اقتصر على الطقوس فقط : مات من الداخل . انه اعتداء على روح الدين تقوم به العلمانية . الدين رؤية كاملة للحياة ، هل يقبل العلماني ان يحذف شيء من علمانيته ، خصوصا الجوهر ؟ فلماذا يحذف من الدين مايشاء بينما لايسمح ان يحذف احد من اجندته شيء ؟ ثم يتبجح بأنه لا يتعرض للدين ويحترم الأديان ! و إبقاء الدين على الطقوس ليس الا عملية تحنيط بعد سحب روحه و ابقاء جسده .

من خوّل العلمانية للتدخل بحريات الشعوب فتفصل ما تشاء و تحذف ما تشاء ؟ الدين لا ينفع الا ككلّ ، مثله مثل اي بنية فكرية ، كبنية العلمانية مثلا . ثم ما موقفك من هذا الدين وهذه الطقوس : هل هو حسن ام سيء ؟ اذا كان حسناً فعليك ان تدعمه ، و ان كان سيئاً عليك ان تقف بوجهه .

هذا المبدا الذي تفخر به ، مع انه ليس واقع حقيقي ، هو في الاخير مبدأ لا يهتم للصواب او الخطا او الحق او الباطل . و كيف يـُنصِف الدين من كانت حربه على الدين لإخراجه عن الساحة ؟ و ما قيمة شيء أُخرج عن الساحة ؟ سيكون على الهامش .

لماذا لم تكن صريحا وتقول أن العلمانية هي أن يكون الدين على الهامش حتى تكون واضحاً مثل وضوح نيتشه ؟ تـُريد ان تـُخرج الدين من الساحة و تقول انك لا تعادي الدين !! تناقض عجيب ! أين هي الاخلاق العقلية و أين تطابق الكلام مع الفعل و المواقف ؟

العلمانية لم تطالب بتهذيب الدين ، و ليتها فعلت ذلك ، بل تنظر اليه كحالة ميؤوس منها و يجب تنحيتها عن الساحة والتأثير ، مع السماح المليء بالغيظ المبطـّن لممارسة الطقوس داخل معابد لا تزعج الغيرة الدينية للعلمانية بحيث لا يراها أمامه .

- الليبراليون لهم نظرة مختلفة للمسلمات الدينية حيث أنهم يطمحون لاعادة تفسير النصوص الدينية التي لا تقرها عقولهم ولا يقبلها منطقهم لطريقة تفسيرها فيما يخص الشرائع والأحكام بل ويرفضون مالا يتوافق مع العقل و المنطق.(إعمال العقل قبل النقل).

الرد :

وهذا اليس تدخل في شؤون الدين الذي لا يريدونه؟؟ ، إذا سقطت دعوى إرادة الحرية للناس عند الليبرالية والعلمانية ، لا تريدهم أن يكونوا كذا وعليهم أن يكونوا كذا ويجب أن يحذف من دينهم كذا ويبقى كذا ، ثم تقول أنا لا أتدخل لأني احترم حرية الناس وهذا تناقض مضحك، من يحترم حرية الناس لا يضع اجندة للناس بل يتركهم وشأنهم ، أليس هذا من يحترم حرية الناس بالمعنى الدقيق ؟


الخلاصة: العلمانية والليبرالية والإلحاد ليست هدماً للأخلاق و العلمانية والليبرالية ليست هدماً للدين، بل هي بيئة أفضل لممارسته.

الرد :

هذه لوحة دعائية لا تقدم ولا تؤخر ولا تصمد للنقاش العقلي ولا التاريخي ولا الواقعي ، ومنذ وجدت العلمانية والليبرالية و هي تحارب الدين والأخلاق والجميع يعرف ذلك ، بل تحارب مسلمات أخلاقية كستر العورة وقتل الأجنة ، البشرية بحاجة الى طرح أفضل وأرقى من هذه الأطروحات التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها كالليبرالية وأخواتها ، فالمطلوب فكر أرقى يحترم الثوابت حقيقة ويبرر لماذا هي ثوابت ويستطيع أن يميز بين الحق والباطل ، لا أن يجمع الحق والباطل في سلة واحدة كما تفعل أفكار الماسونية وبناتها الليبرالية والعلمانية ...الخ ، البشر يبحثون عن الأفضل ولا زالوا في بحثهم عن منهج يرضي العقل والضمير ويجمع بين المادة والروح وليس فقط المادة .

وآسف جداً على الاطالة، وشكراً لك،

الرد :

شكرا لك ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق