الأربعاء، 28 أكتوبر، 2015

تمثيلية الحياة ..



الدنيا غرارة.. تشعرنا بالضمان وهي ليس فيها ضمان, تغرنا ثم ترجع تعطينا وعودا ونصدقها.. نمرض ونقول سنشفى, وإذا شفينا نقول لن نمرض.. نتعب وإذا زال تعبنا نقول ارتحنا ولن نتعب, وهكذا هي الدنيا غَرور.. تعيش اليوم في رخاء وإذا بك بعده تعيش في شدة, تضحك مع صديقك اليوم و تفجع بوفاته غدا.. تصور حياة لا يمكن ضمان أي شيء فيها ويعيش الناس على أنها مضمونة..!

شيء ما فينا يشعرنا أن هذه الحياة ليست هي الحياة وليست نهاية المطاف, كأنها ليست حقيقة بل تمثيلية, ما يشعرنا بهذا هو شعورنا الفطري, فالشعور يقول لو كانت هذه هي الحياة لتحقق فيها الذي أحسه, فما نحسه بداخل أعماق الشعور لم يتحقق في الواقع وبعيد عنه.. فكأن الحياة تمثيلية تقول لك أنه لا شيء إلا الواقع الذي تراه ولا يوجد شيء جميل مما تحسه ممكن أن يتحقق و {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ولا يهلكنا إلا الدهر}, وأن الحياة ليست إلا مصالح يظفر بها الأقوى, و هذه المصالح من الماديات أما المعنوي ليس له قيمة, فلا أحد يحب وهو جائع أو يشعر بالبرد هذا كلام فارغ, هكذا تقول لنا الدنيا, لأن الشيطان هو صاحب الصوت الأقوى فيها..

فعلا الدنيا مصممة لتكون دار اختبار وليست داراً للعيش والسعادة.. مثلا تريد أن تصنع لحظات سعادة وتحضّر لها وإذا جاء موعدها تفاجأ بشيء لم تضعه بالحسبان كأن يؤلمك ضرسك أو اتصالا ينكد عليك أو تهب عاصفة..إلخ, فتفسد لحظات السعادة.. لماذا الحياة لا تراعينا؟ ولماذا دائما تعاكس ما نريد؟ الخير الذي نريد أن يتحقق في الأرض أكثره محبوس في داخلنا لم يستطع أن يخرج وليس له مجال, إما أن يُردّ أو يُستهزأ به أو يُحتقر, هذا غير دورنا نحن في قمعه, لهذا تحس أنها ليست هي الحياة, وترى الأيام تمر بسرعة وناس تحيا وناس تموت فتشعر أنك بجو تمثيل حياة..

هو فعلا اختبار, تأتي مواقف معاكسة لما تريد دائما حتى يتبين ما هو موقفك وماذا ستفعل. كل إنسان جنى في هذه الدنيا مواقف اختبار أكثر مما جنى سعادة, فالإنسان يذهب لمكان ما ليستمتع وإذا به يواجه مواقف اختبار أكثر من لحظات سعادة, فهي مصممة لتكون اختبارا وليس للعيش والاستقرار, هي تستمر بالحركة والدوران ولا تتوقف لأحد, الكواكب تدور والأحداث تدور والزمن يدور والشباب والشيخوخة والمرض والصحة, كنت في مسرح وإذا به يُنظف و إذا بك في مسرح آخر. كلمة حياة تعني استقرار وهذا غير موجود في الدنيا, حتى في داخلك لا تستقر, فتفكر بفكرة جميلة وخيّرة ثم تظهر فكرة سيئة ومزعجة ويلقي الشيطان وسوساته, فلا شيء مستقر, وهل هناك حياة بلا استقرار؟!

الحياة بلا استقرار بلا معنى, مكافحة عدم الاستقرار هو لطلب الاستقرار وكل حلول الإنسان وحضاراته هي لأجل الاستقرار الذي لا يصل له أحد, أصلا لا يوجد استقرار داخلي حتى يكون هناك استقرار خارجي! ففي داخلك جسد وروح, شيء يقول لك اقدم وشيء يقول توقف, شيء يقول صح وشيء يقول خطأ, شيء يشجعك على عمل لكن إذا فعلته شيء فيك يشعرك بالندم... وهكذا..

لا نريد أن ننغر بالحياة كما انغر غيرنا, نريد أن نحس بكل لحظة أنها موقف للاختبار وهزات وليست حقيقة.. مشكلتنا أننا نصدق, اعتبر الحياة مثل الكاميرا الخفية, مواقف من أجل أن تتبين ردة فعلك.. والعجيب أنه لا يتكرر أي موقف بل في كل لحظة موقف جديد..

كمية الصراع في الحياة أكبر من الاستقرار, بل أين الاستقرار؟ كل شيء يتغير, التاريخ يقول لك أن اليوم 17 وغدا يقول أنه 18! متى نستقر؟ لا يوجد, وأنت في مرحلة عمرية لن تستمر بل تسير لمرحلة عمرية أخرى! لماذا اخترعوا السفينة البخارية مثلا؟ من أجل يحلوا مشكلة الاعتماد على الرياح المتغيرة في السرعة والاتجاه وتكون الحركة مستقرة, وهكذا كل حلولنا طلب استقرار على وضع يناسبنا, لكن تجد أن الدنيا تعاكس ولا تريد استقرارا, و دائما تضعك باختبار وقلق وترقب, حتى أحيانا لو يمر عليك بضعة أيام مستقرة تستغرب, ولو يستمر أحد سنوات طويلة بلا مرض يستغرب الناس..

الماضي أين ذهب؟ أين اهتمامنا فيه؟ أين خوفنا وبخلنا وطمعنا؟ صارت الآن مضحكة, والماضي يصل إلى درجة اللحظة, فبالأخير نحن نعيش لحظة والحياة لحظة, لأن كل لحظة نفارقها ذهبت إلى عالم الماضي, فصارت منسية بعدما كانت أهم شيء.. لاحظ أنه أحيانا يأتيك ألم شديد في جسمك مثلا ويستحوذ على تفكيرك, لكن حين يزول غدا تنسى ذلك الإحساس المؤلم وكأنه لم يكن موجودا وتعيش بشكل عادي, فالنسيان يأتي حتى يعود المسرح من جديد و يبدأ مشهد جديد.. ولا يبقى إلا العقل, لهذا يقول الله {لقوم يعقلون}, فالعقل يقول لك أنك مررت بآلام وخطر, فإذا لم تستمتع للعقل فكأنك لم تمر بتلك التجربة.

العجيب أن الدنيا لا تتركك على جو واحد أبدا, تقول مثلا أريد أن أعيش بشكل فلسفي ثم تفاجأ أنك أحيانا تحتاج للغباء, وتقول أريد أن أعيش بشكل روحاني وإذا بك تشعر بالجوع أو أن اسطوانة الغاز تحتاج لتبديل أو أن سيارتك تعطلت فتتحول للنظرة المادية مرغما! ازدواجية الروح والجسد هي التي صنعت عدم الاستقرار, شعورك ينحو للمعنوي لكن المادي يجرك, هذا غير تأثير الآخرين وتأثير الأفكار الخاطئة... . انظر للآثار كيف أن الأمم كانت مخدوعة بالاستقرار والآن لم يبق إلا حجارة, أين كانوا؟ وأين كانت قوانينهم ومخاوفهم وحكامهم وأقوياؤهم؟ كلهم ذهبوا هم ومتعهم ومخاوفهم . المتعة نفسها مثل الألم لا تستطيع أن تسيطر عليها و لا يمكن التحكم بها, فتتعب من أجل أن تحصل على مال لتسعد وإذا بك تبكي حين حصلت عليه, وأحيانا لا يكون عندك مال كثير لكنك أسعد, فالمتعة نفسها لا نستطيع إمساكها, كأنها خيال يمر يسحرنا ويذهب. وأنت بالمتعة لا تدري أنك تستمتع إلا إذا زالت فتبدأ تبكي على الزمن الجميل - ذلك الزمن الجميل الذي نصفه دموع!-..

المسألة تتطلب موازنة صعبة, لأنه لا أحد يستطيع أن يفهم الحياة دائما, ففهم الحياة يتطلب أن تخرج من دوامتها وتتأملها من الخارج وهذا لا تستطيعه إلا للحظات بسيطة ثم ستسحبك الحياة إلى داخل مسرحها.. الحياة تمثيلية لكن العجيب أنه لا أحد يستطيع أن يكتشف أنها تمثيلية, في اللحظة التي تقول فيها هذه اللحظة تمثيلية يأتي شيء يصدمك ويسحب تركيزك ويدخلك مرغما داخل المسرح, لو اعتزلت الحياة لن تعتزلك الحياة ولو اعتزلت الناس لن يعتزلوك.. إذن ما الحل؟

الحل أنه لابد أن يكون هناك تواؤم بين المادي والمعنوي, لابد أن ينسجما مع بعضهما, وإذا لم ينسجما هنا الفشل.. لا بد أن تدرك أنها كلها تمثيلية وأنك لا بد أن تسير بالطريق الأفضل الذي ينجحك باختبارات الحياة.. مسألة أنك ستخرج من الاختبارات هذا مستحيل, ستصدق مرغما أنك في الحياة, مع أنك لو تتأمل ستدرك أن هذه ليست هي الحياة الحقيقية لكنها ستسحبك للتصديق.. فمادت حيا أنت في الحياة.. {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}..  إذن لا نستطيع أن نعيش الحياة الصوفية الروحانية الكاملة التي يبحثون عنها في الأديرة وفي عزلة المتصوفين, فهي وهم, و أيضا لا نستطيع أن ننخدع بالدنيا بتلك الدرجة التي انخدع بها الماديون, فمن الغباء الشديد أن يكون إنسان فاسد ملاحق لغرائزه وشهواته وهو يرى الموت يتخطف من حوله, ويجمع ويغامر ويكذب ويظلم ويطمع ويغش وكأنه سيعيش ألف سنة! وضعه مضحك فهذا مخدوع جدا بالتمثيلية.. {قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا} وهم الاستقرار في الدنيا من أوهام الشيطان..

الوضع السليم أن يكون المعنوي فيك هو المسيطر حتى على المادي فيكون هناك توازن وتابع ومتبوع, فتكون تابعا للأفضل وهو المعنوي, ولا تتخلى عن المادي حتى تمثل أنك خارج من مسرح الحياة, أي لا ننقسم قسمين كما يفعل بعض الناس ساعة للمعنوي وساعة للمادي, لا بد أن يتبع أحدهما الآخر إما أن المادي فيك يتبع المعنوي أو أن المعنوي فيك يتبع المادي.. وهذا هو الحاصل, أكثر الناس إما أنهم منشطرين بحيث أن له خلوة روحانية يتعبد فيها والباقي تابع للمادي, أو أن المعنوي تابع للمادي بحيث يستخدم مشاعره وعواطفه للكذب والطمع والتزوير..إلخ. نحن نريد العكس أن يكون المادي تابع للمعنوي, وهذا هو طريق الاطمئنان {يا أيتها النفس المطئمنة}, فالاطمئنان داخلي ولا يوجد اطمئنان خارجي مادامت الدنيا تحور وتدور, {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}, هذا ما نبحث عنه..

حين تكون مطمئنا ومستقرا من الداخل لا يعني هذا أنك مستقر من الخارج, فقد تحتم عليك الظروف والواجب أن تتنقل في أماكن عملك أو سكنك وتعمل أعمال متنوعة لكن هذا التنقل دافعه خدمة المعنوي وتحري الخير وليس ملاحقة المادي, فتكون داخلا في مسرح الحياة المادي لكن أعمالك فيه كلها صالحة لأنها خاضعة للمعنوي.. وحينها لن تخاف من الموت لأنك تعمل لله.. مع أنه قد يأتيك الشيطان و يقول: كيف تقول أنك تعمل لله وأنت تدهن غرفتك أو تطبخ عشاء أو تنظف فناء منزلك؟ أتعمل أعمال مادية وتقول أنك تعمل لله؟! نعم تعمل لله, وإلا فكيف يعمل الإنسان لله ويجعل حياته له؟ فقط يصلي ويصوم؟ من ينفق عليه ويغسل ثيابه ويؤكله؟ أيكون عالة على الناس؟ هل الناس بحاجة إلى مزيد من المشاكل حتى يكون واحدا منها؟!

أن تكون حياتك لله ليست إلا عملية إخضاع أفكار لأفكار, أفكار مادية أخضعها لأفكار معنوية وستكون حياتك لله, فالإنسان المسلم لله يعمل الصواب حسب ظروفه وقدرته, أليس الله يريدنا أن نعمل الصواب؟ ها هو الإنسان المؤمن بالله يعمل الصواب إذن هو يعبد حتى بهذه الأفعال المادية. لو كان العمل خاصا به وحده لكان أنانية لكنه يعمل الصواب أينما يراه وعلى قدر استطاعته, مع أنه يرى أخطاء كثيرة لكنه لا يستطيع تغييرها ولو استطاع لفعل, إذن {عليكم أنفسكم}, فأصلح ما تستطيع و ما تحت قدرتك, هذا طريق الصلاح.. طريق {الذين آمنوا وعملوا الصالحات}, فالصالحات كلمة عامة وليست فقط صلاة, ويجب أن تصلي لكن لا تقضي العمر كله تصلي, هذا باطل..

هكذا نكون نعيش الحياة بالشكل السليم وهي الحياة التي يريد الله لعباده والله أعلم.. لا تقل ماذا أنجزت وتحتقر عملك الصالح فأنت أيضا محكوم بظروف وبقدرات محدودة, وعليها سيكون الحساب.. هناك أناس ظروفهم مثل ظروفك و لم يعملوا ما عملت من الصالحات مع أنهم كانوا يستطيعون, هؤلاء إما أنهم فصلوا بين حق الله وحق الدنيا أو أنهم أخضعوا حق الآخرة للدنيا. حتى اللهو في حياة المسلم لله لا يكاد يوجد.. أليست الحياة الدنيا لعب ولهو؟ و أليست تفاخر وتكاثر بالأموال؟ هذه صفات الدنيويين, المؤمن يعيش في الدنيا ويعمل وينتج ويكسب مثل الدنيوي لكن ليس فيه صفات الإنسان الدنيوي كاللعب واللهو والتكاثر, لماذا؟ لأن المادي عنده خاضع للمعنوي..

هذه هي المغالطة التي وقع بها الزهاد أنهم فصلوا بين المادي والمعنوي وحرّموا المادي وابتعدوا عنه مع أنهم لم يغيروا أجسامهم المادية, فلو كانوا فقط أرواحا حينها يحق لهم أن يعتزلوا عالم المادة.. هذا غير أن الله هباهم قدرات مادية يستطيعون أن يفيدوا بها غيرهم لكنهم يمنعونها عمن يحتاجها بحجة أنهم يعيشون للتبتل! هذا عمل منكر وليس صالحا.. هذا غير أنه يعيش عالة على غيره وهم يعملون ويصرفون عليه..

المسلم لله أيضا مادي لكنه محكوم أما غيره فالمادي فيهم منفصل عن المعنوي. الأعمال المادية للمسلم الحقيقي كالقراءة والثقافة أو الزراعة أو الصناعة تدور في فلك المعنوي وليس المادي, المعنوي الذي عرف به الله وهو حاكمه, إذن كل عمله المادي هذا لله, لهذا يشعر بالاستقرار ويزول عنده الخوف من الموت, لأنه يعلم أن عمله المادي هذا هو عبادة حتى توفيره وإنفاقه على عياله, لأن كلَّه يخدم بعضه وما يقوم الواجب إلا به فهو واجب.. وهكذا تكون كل أعماله صالحة وليس فقط عباداته, فمن الخطأ في التفسير الظن أن الصالحات التي ذكرها الله في القرآن هي فقط في العبادات, وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه أنه حتى اللقمة يضعها المؤمن في فيّ أهله تحسب له صدقة..

من علامات الحياة لله البعد عن اللهو والتكاثر والفخر, وخفة وقع الموت, لأن صاحب الدنيا يكره الموت و ذكره, لكن من يعمل ينتظر الراحة والجائزة, وإذا كانت الجائزة مرتبطة بالموت إذن الموت دخل في الجائزة.. إذن المؤمن الحق يعمل لكن صاحب الدنيا يلهو ويتكاثر ويفخر, ويعمل أيضا لكن لأجل هذه الأشياء, ولذلك اللعب واللهو شيء جميل ومهم بالنسبة له لأنه تعب وعمل من أجله, والموت بالنسبة له عبارة عن بعبع خطير وكبير وهادم للّذات.. المؤمن لم يعش أصلا للّـذات لكنه لا يمنعها أن تدخل على حياته وليست عدوة له كما يتصور بعض الزهاد.. بل إذا زادت عليه المتاعب يبدأ الموت يحلو في عينيه ولا يغدو شيئا كريها, بل يعزي المؤمنون بعضهم بعضا في أوقات المحن بقول "هانت" تفاؤلا بقرب الموت.. هذا إنسان لا يرى الدنيا دار استقرار.. وهذا أفضل أسلوب تعاش فيه الحياة.. دخول في الحياة بسيطرة المعنويات..

الحياة محكات واختبارات مستمرة تكشف كل الناس, مهما حاول أحد أن يتحايل على الخير والدين ويلوي النصوص لصالح الدنيا ستكشف اختبارات الحياة دنيويته وأن خيريته ليست أصيلة, فمهما كانت قطعة الذهب مزيفة ببراعة ستكشف الاختبارات أنها مزيفة, ومهما كانت الاختبارات صعبة سيظل الذهب الأًصيل أصيلا وستثبت أصالته أكثر.. تجد أحدا يقول أنه مؤمن بالله ومتدين لكن تراه سعيدا بالدنيا ومطمئن لها ومفتون بالصراع ويبحث عن الإثارة ومعجب بالأقوياء..., هاهي المواقف كشفته! ودقيق الملاحظة يرى كيف أن اختبارات الدنيا تكشف الناس.. في الحقيقة لا يوجد أحد يتغير لكن هي فقط مواقف الحياة وحوادثها تكشف الناس وتظهرهم على حقيقتهم.. الدنيا فضاحة لا تترك أحدا حتى تكشفه كما هو.. {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ, وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}..

أيضا من علامات المؤمن الذي عبادة الله تتحكم بحياته أن وقع الخسارة والتغيرات التي تحصل له أخف على نفسه, لأنه يقول إنا لله وإنا إليه راجعون, فإذا ابتلي بخسارة كبيرة كأحد عزيز عليه لا ينهار ويشقق ثيابه, هو عارف أن الله هو الذي أحضره وهو الذي أخذه, فالمسلم مجرد عبد لله وليس سيد الدنيا و مالكها.. والدنيا ليست لأحد ولا تستقر لأحد, هناك رب يقدر ويدبر ويرزق و يمنع.. إن المسلم لله يهون عليه الموت فما بالك بباقي الخسائر الدنيوية؟ فالموت أكبر خسارة..

كل هذه من علامات الذي يعيش للدار الآخرة ويعيش الدنيا للآخرة, ويزرع الدنيا للآخرة, ويعمل في الدنيا ويكدح للآخرة, قال تعالى: {ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}, وهذا قانون عام. قارون رزقه الله ملايين الأموال, وأنت آتاك الله أيضا عقلا وجسما وحواسا وقدرة على الكتابة والبحث والكلام والمساعدة والبناء والإصلاح, ابتغ به أيضا الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا.. فأكثر عملك المفترض أن يكون لغيرك, مثلما ما مالك المفترض أن أكثره لغيرك.. ولا يعني هذا أن توزع مالك في الشارع لكن الظروف والمواقف ستأتيك وتبين نيتك.. لا تخف على الدنيا بصنع الأحداث.. ستأتيك أحداث تضعك بموضع غيرة وحسد.. ومواقف تضعك في موضع بخل أو كرم, وموضع صدق أو كذب, ومواقف تكشف هل أنت جبان أم شجاع, مواقف إما أن تقول الحق أو تصمت أو تقول الباطل أو تسكت.. وهكذا الحياة تصنع مواقف..

العجيب أن المواقف التي تصنعها الدنيا كلها مواقف معنوية, فعالم المادة تغيره بطيء, كل المواقف التي تصنعها الدنيا للمسلم والكافر الحاصل منها معنوي, تظلم أو لا تظلم, تكذب أو لا تكذب, ترحم أو لا ترحم, تبالغ أو تقول الحقيقة..إلخ. أكثر شيء يجمعه الإنسان هو المواقف, أكثر من المال والسعادة وكل شيء, ففي كل لحظة أمامك ثنائيات واحدة تلو الأخرى.. فكيف يقولون الحياة مادية؟ أليس الشيء نعرفه من نواتجه؟ كل نواتج الحياة معنوية ليست مادية! مثلا حين تريد أن تبني بيتا ستجد أن المواقف المعنوية التي صارت لك أكثر من عدد الطوب! موقفك من جارك.. ونظرتك لمن مر بالشارع.. وتعاملك مع العامل.. وهل تبالغ وتسرف أو تأخذ المعقول.. وهل تضع المال في أشياء غير ضرورية أو تساعد فيه أحد...إلخ, كلها مواقف معنوية تُختبر, بل حتى حين تضع طوبة على طوبة يحصل بينها عدة مواقف.. لا يوجد مواقف مادية خالصة ليس فيها أي معنوي, قد تكون يوميا تجلس في نفس المكان مع نفس الأصحاب, أي ماديا لم يتغير شيء لكن المواقف هذا اليوم كلها جديدة, قس على هذا بقية الحياة, ذلك المحل أو البنك أو المكتب هو نفسه لكن انظر للأحداث التي تحصل فيه كل يوم, هذه الأحداث تنتج مواقف للجميع هل تغضب أو لا هل تكذب أو لا هل تستغل هذا الساذج أو لا ...إلخ, فهو مليء بالمواقف بينما الأحداث المادية قليلة, انظر للسوق مثلا أحداثه المادية أكثرها متكررة لكن المعنوية الجديدة كثيرة, إذن الحياة ليست مادية.. الحياة اختبار للمعنوي..

العجيب أن هذه المواقف النفسية –الأخلاقية- هي التي تسجل في الذاكرة, فلو ترى صديقا قديما لك أول ما يتبادر إلى ذهنك مواقفه المعنوية الأخلاقية, مثل أنك تصرفت معه تصرف خطأ أو رأيته يهين أحد, فتتحدد قيمته من المعنوي.. لو يأتي أحد مادي التفكير يعرفك به أن اسمه فلان ابن فلان وشهادته كذا ويملك كذا, لكن نظرتك له مختلفة, فتتذكر منظره حين ظلمته وطردته أو منظره وهو يتعالى على فقير أو تتذكر موقفه حين اعتذر منك على خطأ فعله..إلخ, هذه المواقف لا تُنسى, وهي التي تجعلنا نعرف أن فلانا طيب أو سيء لكن قد لا نذكر اسمه, أي نذكر مواقفه ولا نذكر اسمه لأن الاسم مادي..

في الحقيقة الأشياء المادية ليس لها وجود حقيقي لأنها لا تدوم, فتتعب وتبني بيتا لكنه في الأخير سيتحول لتراب, فمنزل ورثه مجموعة من الإخوة وتخاصموا وتفرقوا بسببه, أصبح المنزل مع مرور السنين ترابا لكن المواقف التي صارت بينهم حوله موجودة عندهم وعند كل من احتك بهم, بينما البيت زال.. وهكذا الدنيا يتخاصمون عليها وهي زائلة..

كون الناس لا تنسى المواقف الأخلاقية هذا دليل أنها هي الأهم, وإلا لماذا لم تُمسح من ذاكرة الناس بينما المادي مُسح كالاسم؟ بينما مواقفهم الأخلاقية تظل تردد حتى بعد موتهم, إذن الموقف أهم من الشخص. والموقف ليس الأهم فيه هل دفع أو لا وكم المبلغ الذي دفع بل موقفه هو وردة فعله المعنوية, أقصد السلوك الأخلاقي, فمثلا رأيت منظر أحد جاءه فقير يطلب مساعدته فرده وأهانه, ستستمر تكرهه مع أن الفقير ذهب والزمن تغير وربما وجد ما يأكله, لكن لماذا لم يزل من عندك ومن عند الفقير موقف ذلك الذي يهينه؟ مع أن طردته للفقير كانت خيرا لأنها جعلته يذهب لشخص آخر أعطاه مال كثيرا, ومع ذلك يبقى الفقير يكرهه.. لو كانت الدنيا مادية لما ظل يكرهه, إذن الدنيا معنوية.. إذن القيمة للمعنويات, ولو أنها ليست ذات قيمة لنُسيت كالماديات. لماذا تنسى رقم هاتف أحد أصدقائك لكن مواقفه معك لا تنساها؟ والموقف نفسه ليس مرتبطا بالمادة حتى, فصديقك الذي لجأت له طلبا للمساعدة وبكى من أجلك ولم يستطيع أن يساعدك هو نفس الموقف لو أعطاك, بل أحد دفع لك بتكبر تنساه وتذكر هذا اللي بكى لك, فأين المصالح التي يقولون أن الدنيا مبنية عليها؟ الدنيا مبنية على المواقف المعنوية, وبالتالي الحساب مبني على هذا الأساس, بدليل قوله تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى}.. إذن الدنيا معنوية لكنهم يحسبونها مادية..   

إذن الدنيا مادية المظهر معنوية الهدف.. وأتحدى أي شخص مادي أن ينكر هذا الشيء.. أتحدى المادي أن يحب كما يشاء ويكره كما يشاء.. وأن يصنع قيمه الخاصة كما يشاء.. لماذا الحب والنفور مرتبطان بهذه الأخلاق؟ أليست الحياة مصالح مادية؟ لماذا الحب ليس مرتبطا بالمصالح؟ الشخص المادي نفسه هناك أناس ينفر منهم مع أنهم ينفعونه وأناس يحبهم مع أنه هو من ينفعهم, إذن الحب لا يمكن التحكم به لأنه مرتبط بالسلوكات الأخلاقية, والدين تابع للسلوكات الأخلاقية والحساب مبني عليها.. والذاكرة مرتبطة بها ومبنية عليها فنحن نحاكم الناس ونحاسبهم بداخلنا رغما عنا.. إذن كل شيء يصدر أحكام على هذه المواقف, إذن من الطبيعي أن الحكم يوم الحساب تابع لهذا, والنصوص الصريحة تبين ذلك..

إذن توصيف الدين على شكل عقيدة مادية جامدة هي محاولة لإخراجه عن هذا الميدان والمحور, و الأمر بالحب والكره لأفعال وارتباطات مادية أيضا من المحاولات الفاشلة, يريدونك أن تحب أحدا تعلم أنه ينفق لكن لأجل الخيلاء وتكره أحد صادق لكنه فقير وينفق القليل, فمن يدفع أكثر يُحَب أكثر, أي يريدونها عوجا, يريدون أن يعوجوها عن مسيرتها لكنها لا تنعوج, الله مدح المطوعين ودافع عنهم بينما الماديين كانوا يسخرون من صدقاتهم البسيطة, الله غني أصلا عنهم ويرصد المواقف..

الماديون أنفسهم مغرمون بالقصص والحكايات والروايات وهي تدور حول المعنوي, والمعنوي ليس إلا أخلاق وفضائل, يقولون نحن ماديون ويستمتعون بالقصص البعيدة عن المادية! ويحبون الكرماء ويكرهون البخلاء, ويحبون الصادق ويكرهون الكذاب حتى لو كان معهم! أي شهدوا على أنفسهم..

هناك تعليقان (2) :

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    .. ذكرني كلامك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :

    وذكر مالك: أنه بلغه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

    ..

    بداية .. جزاك الله خير الجزاء لما تقوم به من إيضاح ومشاركتنا بما يجول بخاطرك من تساؤلات ، وحتى إجابة أسئلة الزوار ..

    ما أخفيك .. أحمد الله الذي رزقني زيارتي لهذه المدونة .. والتي كنت أبحث عن أجوبة لأسئلة شغلت تفكيري منذ زمن .. وبفضل من الله وجدتها ها هنا ..

    ..

    وأنا أقرأ إما لأجوبتك .. أو حتى مقالاتك .. أقرأ وكأني في عالمٍ آخر .. لطالما وددت أن أتناقش مع شخص يفهم لمثل هذه التساؤلات .. وبحكم قلة قرائتنا واطلاعنا ، وكذلك المجتمع المحيط بنا .. فأصبح غالبية اهتماماتنا ماديات .. متناسين ما خُلقنا من أجله .. حتى أصبحنا نعيش كالآلات ..

    ..

    لذا آمل إذا كانت هناك طريقة للتواصل معك .. وإمكانية معرفتك عن قرب أكثر .. فيسعدنا ذلك .

    ردحذف
    الردود
    1. أنا يسعدني ايضا التعرف عليك والتواصل معك، وأشاركك نفس اهتماماتك وهواياتك، وافرح بمن يحب النفاش لأجل المعرفة لا لأجل النقاش نفسه، وهذا بريدي الالكتروني سأكون مسرورا بتلقي رسالة منك حول أي موضوع أو تساؤل لنتناقش فيه ونبحثه ، فانا طالب علم مثلك ابحث عن الحق، وأريد ان اخرج من تفاهات الحياة إلى عالم الحكمة والفهم والبصيرة، أهلا بك ويدي بيدك معاً إلى ربنا ، عن طريق الحكمة والوعي والبصيرة، فما هذه الحياة الا سويعات قصيرة ثم ينقلب الناس إلى ربهم فجأة وكأنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم ..

      هذا بريدي الإلكتروني : alwarraqblog@gmail.com

      حذف