الجمعة، 7 فبراير، 2014

الشعور و العقل و النفس و الروح : موجز خارطة الإنسان الداخلية

النظرة الشائعة والتي يدعمها الماديون ، تـُضخـِّم من حجم منطقة العقل على حساب منطقة الشعور . و أنا ارى العكس ..

إن العاطفة جزء من الشعور ، و الشعور هو الأشمل .. أما العقل فمن وجهة نظري هو شيء جامد و خالٍ من الأحاسيس بحد ذاته .. لهذا فالشعور هو الذي يسيـّرنا و ليس العقل ، والعقل يكتسب الحياة من الشعور ، فالعقل موظـّف عند الشعور ، و هو من إنتاجه أصلاً وإن كان (العقل) يتلوث أحيانا كثيرة بالأفكار الخاطئة إذا تركنا بنائه خارج رقابة الشعور ..

والعقل متعلّق بالعالم الخارجي بصورة أكبر ، بسبب ارتباطه القوي بالحواس .. و كل معلومة في ذاكرتنا تتكون من جزئين : جزء جامد و مرتبط بالعالم الخارجي ، و جزء عاطفي، أي شعوري ، و هو الذي جعلنا نحتفظ بهذه المعلومة لقيمتها الشعورية أو المعنوية عندنا ..

والشعور هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، و كأنها الكاتالوج المثالي للحياة المثالية ، لكنه غير مـُلـزِم ، إنه منظار يقدّم إنعكاساته على الروح التي تتألم و تتلذذ بموجب خريطته ، فإذا سارت عليها سعدت ، و إن خالفـتها تألمت ، بطريقة تلقائية .. أي أن ألمها وسعادتها من خلال الشعور ، لأنها فـُطـِرَت عليه .. وهو (أي الشعور) بموقع الملاك المقابل للشيطان المؤثر في الإنسان . و هو الذي نتذكر من خلاله إن نفعت الذكرى ، أي إذا اخترنا تذكيره ..

يحصل لنا كثيراً أن نتردد بين أمرين ، و هذا يعني تناقضاً في الرؤية بين الشعور و العقل ، ثم نغلـّب أحدهما على الآخر ، و لا شك أن أحدهما أفضل من الآخر ، و هنا نتذكر الآية : {فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها} ..

أحياناً نتذكر أننا نريد أن نقول شيئاً ، ولكننا لا ندري ما هو ، وبعد أن نفكر ، نكتشفه .. أو نعرف شخصاً ولكننا لا نعرف اسمه .. هذين المثالين يوضحان لنا عمل الشعور وعمل العقل .. فالشعور أعجمي لا يعرف العالم الخارجي ولا اللغة حتى ، لهذا يحتاج الشعور إلى العقل فيما يتعلق بخارج ذواتنا ، والشعور لا ينسى ولا يتعب ولا يكل ، بينما العقل هو الذي يتعب بسبب اعتماده على الطاقة المادية ..

إن الشخص المتعب أو كبير السن أو المريض يعاني من ضعف الذاكرة ، وهو يعرف ذلك ! ما الذي جعله يعرف ؟ إنه عدم قدرة عقله على مجاراة شعوره .. فهو يعرف أشخاصاً أو أشياء لكنه لا يستحضر أسماءها بسهولة .. هذا الفصل بين العقل والشعور ، هذه العُجمة الشعورية نعمة من الله جعلت هذا الشعور (كبرنامج فطري) محفوظاً و سالماً من التغيير ..

العقل دائماً مرتبط بالخارج ، أي بعالم المادة ، و مرتبط بالآخرين (المجتمع) ، و لو سار الإنسان على العقل المادي فقط لأصبح ملحداً وغير مؤمن بأي قيمة مثالية ، وهذه مشكلة الماديين .. و ربما يفعل أشياء سيئة بناءً على المصلحة المادية و المجتمع ..

العقل عبارة عن : مقاييس (منطق) + معلومات محفوظة متعلقة بكل الحواس + رموز للاختصار والنقل (هي اللغة) . و ما سوى ذلك فهو شعور .

الشعور من وجهة نظري هو القلب ، {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ، وهذا يعني أن التذكر يكون بالقلب أولاً ، مع أن العقل والحواس تدل على الحقيقة أيضا لمن أراد أن يشهد بهما ، أي بعد اختيار القلب .

الشعور مشترك بين الجميع ، لا يزداد و لا ينمو و لا يكبر ولا يصغر ، ولا فرق بين شعور الطفل وشعور الكبير ، لكن الفرق هو في القدرة العقلية على الوصف و التعبير ..  و الشعور طاقته مطلقة ، أما العقل فطاقته محدودة و مرتبطة بالقدرة و بالمادة .. لو لم يكن هذا المشترك بين الناس ( الذي هو الشعور) ، لما  حصل تفاهم بينهم ، بسبب اختلاف بيئاتهم ومعلوماتهم ، وبالتالي عقولهم ..

كل الشعوب و في كل الازمان تتفق على مشتركات شعورية أكثر من اتفاقها على مشتركات عقلية ، كالمحبة والسلام والفضيلة والجمال ووجود إله يرعى الفضيلة ومبدع للكون .. ولا تجد شعباً يفضل شخصية الشرير على شخصية البطل ، و لا تجد أحداً يفضل الروائح الكريهة على الروائح الطيبة ، و لا تجد أحداً يحب القبح أكثر من الجمال ، و يفضل الطيش على الحكمة ، إلخ .

و مع ذلك تجد الكثيرين ممن يضعون أنفسهم في شخصية الشرير ويتصرفون بطيش و يختارون فعل الرذيلة على الفضيلة و القبح على الجمال ، فهذا يدل على أن شعورهم أحب الفضائل المشتركة بين الناس ، لكن تغليبهم للأنانية و المصلحة العاجلة هو الذي حرفهم عن الفطرة (الشعور) ، أي دسّوا أنفسهم كما هو تعبير الآية : {وقد خاب من دساها} ، أي أخفى الفطرة من نفسه التي فيه ، أي أنهم غـَلـّبوا العقل الخارجي على العقل الداخلي.. 

إن كل البشر يحترمون الفضيلة ، و لكنهم يختلفون في تجسيدها ، و هنا يبرز دور العقل في الاختلاف  و دور الشعور في الاتفاق ، فالكرم الكل يتفق عليه ، ولكن صور الكرم بين الشعوب والقبائل تختلف بل احيانا تتناقض ، و كذلك الجمال والفن و المحبة والوفاء ..

كذلك الشعور يتكون من دوائر (مجالات، أو أفلاك) ، من أعلى إلى أسفل ، فالدوائر العليا تدور حول القيم العليا ، والدوائر الدنيا تدور حول حاجات الجسد ، ويمكن تسميتها أيضا بغرائز شعورية عليا ، و غرائز شعورية دنيا ..

الماديون لا يعترفون بالغرائز العليا ، إنهم يعترفون بحاجة الانسان إلى الأخذ ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى العطاء .. يعترفون بحاجته للطعام ، لكن لا يعترفون بحاجته الى الفضيلة ، و يعتبرونها دخيلة جاء بها الفكر الديني والاجتماعي ، و يعترفون بحاجة الانسان إلى البقاء ، ولكن لا يعترفون بحاجته إلى الخضوع والعبودية والبحث عن موجدها .. لا يعترفون بها ، مع انهم يعترفون بالمشكلة الوجودية والفراغ الروحي .. وما هذا إلا لنقصان ذاك ..

النفس هي منطقة وسطى بين العقل و الشعور الصافي ، و هي التي يرتبط فيها الداخل بالخارج والخارج بالداخل ، وهذا العقل الوسيط او (النفس) هو الذي يجعلنا نقوم باعمالنا الآلية التلقائية ، وهي مكمن العادات .. و تزكية النفس تكون باحترام الغرائز العليا في الشعور ، وتفضيلها على الغرائز الدنيا اذا تعارضتا ، وهنا دور العقل السليم في توجيه دوائر الشعور ، فاحترام الشعور بكل دوائره قدر الإمكان يكوّن عقلا جيدا ، ومنهما (العقل و الشعور) تـُصنع نفس طاهرة زاكية ..

لا تستطيع ان تعلِّم أحدا إلا من خلال الشعور والعقل معا ، وكذلك نفسك تحتاج إلى نفس الشيء ، فالفقير مثلاً يرى مالا مغريا للسرقة ، وعنده غريزة الجوع ، وعنده غريزة الفضيلة ، فأيها سيختار ؟ إذا اختار الجانب العقلي فقط ، فسوف يسرق ، لأنه محتاج للمادة و هذه المادة امامه ويستطيع ان يَسْلـَم الى حد كبير ، وإذا اختار شعور الفضيلة فقط ، فقد يموت من الجوع اذا لم يفعل شيئا ، هنا دور العقل السليم بحيث يحل المشكلة دون ان يؤذي المشاعر العليا ، ويبدأ يـُعـمـِل إحساسه وعقله وذاكرته وتفكيره ليبحث عن حل سليم لا يؤذي اي جزء في شعوره .. فشعوره لم يقل له : اسرق ، ولكن قال له : كـُل .. و غرائزه العليا لم تقل له : لا تاكل ، بل قالت : لا تظلم ..

وهكذا نعرف ان الشعور هو الذي يصنع العقل السليم الذي سوف يشير على صاحبه بأن يعمل على ما اعطاه الله من قدرات و يطورها ولا يأخذ رزق غيره .

النفس مطلعة على المكون المادي وعلى المكون الشعوري ، والشيطان يحاول العزف على قيثارة النفس وعلى أوتارها المادية فقط ، ويحاول أن يحرفها إلى المادية على حساب الشعور لكي يجرّها الى فعل الشر . ليس شرطا ان يدخل الشيطان مباشرة الى النفس ، فقد تكون أفكاره وصلت إليه قبله من خلال الناس {الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس} ، فشخصٌ أخذ من الناس كلمات مثل : "ولّى زمن الأخلاق" ، "الأخلاق لا تؤكـّل صاحبها" ، "اللي اختشوا ماتوا" ، و صدّق بهذه الأفكار ، سوف تؤثر هذه الكلمة في سلوكياته ما دام مؤمناً بها ، وهي فكرة شريرة أساسها من الشيطان ، وتناقلها الناس .          

بقيت المنطقة الرابعة في معرفة الداخل الانساني ، وهي الروح ، التي تـُعـرَض عليها معطيات الشعور ومعطيات العقل من خلال النفس ، و تختار بحرية كاملة من أيـّها ، وهي التي تتألم و تتلذذ وتشعر بالخوف وتشعر بالسعادة ، و هذه الروح لا يمكن معرفتها ، فنحن نتألم و لكننا لا نعرف ما هو الالم بحد ذاته ولا أين يوجد ..

الشعور و العقل ومادة اجسامنا ، كلها مُسخَّرة لهذه الروح التي لا يمكن دراستها ، و كل شيء حي يريد أن يحيا لكن لا يعرف لماذا ، لأن الروح لا يمكن معرفتها ، حتى الملحد إذا سألته هذا السؤال فسوف يتهرب عندما تقول له : مادمت عقلانيا فما الجدوى العقلية من استمرارك في الحياة و التي ألمها أكثر من سعادتها وأشد تأثيراً؟

بينما الشعور كعقل داخلي ، و العقل كعقل خارجي ، و النفس كمنطقة وسطى بينهما ، كلها قابلة للدراسة واستخراج القوانين .. {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ..

العقل و النفس بالإمكان تغيير ما فيهما تبعاً للأفضل ، أما الشعور و الروح فلا يمكن تغييرهما .. لا بحذف ولا بإضافة ..

يضعون كلمة "عاطفة" في مقابل كلمة "عقل" ، و يفصلون بينهما فصلاً حاداً . ومن يقال عنه أنه إنسان عاطفي يعني أنه غير عقلاني و يـُلمز بالجنون ، هكذا يـُتصَوَّر .. و يبدو أنها من أفكار الماديين للتقليل من شأن الشعور وغرائزه العليا ، فالرحمة و حب الخير يصنفونهما كدوافع عاطفية ، مثلها مثل البكاء او الخوف ، و يعتبرونها علامات ضعف في الشخصية ، بينما يحددون العقلانية فقط بالمادية وما تقتضيه ..

يقولون للشخص : "فكر بمصالحك ولا تذهب بك العواطف بعيداً" ، بمعنى : أهمل مشاعرك العليا واحترم مشاعرك الدنيا؛ لأنها هي التي لها علاقة بالمادة ، بمعنى : خذ الأدنى و اترك الأعلى ، وهذا ما يريده الشيطان .. لاحظ أن عقلانيتهم لا تستطيع استيعاب العواطف مع أنها جزء لا يتجزأ من الإنسانية ، إذاً هي عقلانية ضيقة مرتبطة بالمادة فقط .. و هذا نقص في العقلانية ، إذ يجب أن تشمل عقلانيتنا عواطفنا ، ولا نخطط لحياتنا في معزل عن عواطفنا ومشاعرنا حبنا ، لأنه سيكون تخطيطا ناقصا ، تنفتح ثغراته فيما بعد . و لنا في قصيدة المتنبي في رثاء جدته عبرة ، فهي تدمي قلب من عايشها بوجدانه :

لَكِ الله مِنْ مَفْجُوعَةٍ بحَبيبِها
 قَتيلَةِ شَوْقٍ غَيرِ مُلحِقِها وَصْمَا

أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها
وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا

بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِها
وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْمَا

ولوْ قَتَلَ الهَجْرُ المُحبّينَ كُلَّهُمْ
مضَى بَلَدٌ باقٍ أجَدّتْ لَهُ صَرْمَا

عرَفْتُ اللّيالي قَبلَ ما صَنَعَتْ بنا
 فلَمَا دَهَتْني لم تَزِدْني بها عِلْمَا

مَنافِعُها ما ضَرّ في نَفْعِ غَيرِها
تغذّى وتَرْوَى أن تجوعَ وأن تَظْمَا

أتاها كِتابي بَعدَ يأسٍ وتَرْحَةٍ
فَماتَتْ سُرُوراً بي فَمُتُّ بها غَمّا

حَرامٌ على قَلبي السّرُورُ فإنّني
أعُدّ الذي ماتَتْ بهِ بَعْدَها سُمّا

تَعَجَّبُ مِنْ لَفْظي وخَطّي كأنّما
ترَى بحُرُوفِ السّطرِ أغرِبةً عُصْمَا

وتَلْثِمُهُ حتى أصارَ مِدادُهُ
مَحاجِرَ عَيْنَيْها وأنْيابَها سُحْمَا

رَقَا دَمْعُها الجاري وجَفّتْ جفونها
وفارَقَ حُبّي قَلبَها بَعدمَا أدمَى

ولم يُسْلِها إلاّ المَنَايا وإنّمَا
أشَدُّ منَ السُّقمِ الذي أذهَبَ السُّقْما

طَلَبْتُ لها حَظّاً فَفاتَتْ وفاتَني
وقد رَضِيَتْ بي لو رَضيتُ بها قِسْمَا

العقلانية الطبيعية والسليمة هي التي تعطي كل ذي حق حقه و تـُواءِم بين نوازع الانسان ، ولا ترمي جزءا مهما واساسيا في الانسان في سلة المهملات .. فمثلا شخص مادي سوف يستجيب لأي عرض عمل يقدم دخلا اكبر ، ولو على حساب ارتباطاته العاطفية والاخلاقية ، ويعتبر التفكير في هذا الجانب ضعفا واعاقة للطموح ، مع ان هذا التفكير الجزئي هو الضعف ، لأنه لم يشمل كل حاجاته والتي قد تثورعليه فيما بعد بشكل لم يتصوره .. 

هذا ملخص شديد الاختصار لرؤيتي حول خارطة الإنسان الداخلية .. وهو محاولة لوضع المصطلحات الداخلية في مكانها ، لأنه يجري الخلط بينها دائما ويعبر عن بعضها بالبعض ، فأحد يقول "نفسي" وآخر يقول "عقلي" ، وآخر يقول "إحساسي" ، وآخر يقول "شعوري" ، و ربما يستعملونها كلها لشيء واحد .. إنها محاولة لتحديد المصطلحات وهي محاولة قابلة للمداولة لوضع أسس ثابته لعلم نفس إسلامي قد تقدم للبشرية معطيات أكثر إصابة للحقيقة مما يقدمه علم النفس المادي المعتمد على فرويد ..

وهذه الأسس تستطيع أن تستوعب واقع النفس البشرية بكل صورها وبالتالي تقديم الحلول الحقيقية لإصلاح النفس على ضوء القرآن الكريم .

هناك 4 تعليقات :

  1. أشكرك على هذا الموضوع الشيّق وانتقائك لأبيات المتنبي الممتلئة حزناً وأسى

    ولكني رأيتك تبخس العقل حقه فما أنصفته....
    العقل والشعور والله أعلم من نفخة الروح في الانسان فالروح مرتبطة بهذين المكونين الانسانيين والنفس مرتبطة بالجسد المادي.
    العقل مكون غير مادي في الانسان وهناك الكثير من الشواهد، فالعقل يمكنه معرفة الرياضيات مثلاً وهي حقل معرفي لا ينتمي إلى الكون المادي بل يسبقه، فمثلاً الخوارزمي وضع طريقة لحل معادلة من الدرجة الثانية بمجهول واحد وهي بالأساس طريقة صحيحة ولا غبار عليها ولكن ما معنى هذا؟؟
    ربما احتاج الأمر مئات السنين لتكتشف البشرية أننا يمكننا معرفة سرعة وتسارع جسمٍ ما بعد حل المعادلة من الدرجة الثانية
    أي أدرك العقل الحقيقة المجردة بغض النظر عن وجودها المادي من عدمه، جميع مسائل الرياضيات تأتي قبل أن ندرك حقيقتها الفيزيائية، فكيف يدرك العقل الحقيقة؟؟؟
    العقل مكون غير مادي في الانسان وإليك المثال التالي الذي هز أستاذ الفلسفة في القرن العشرين والملحد العتيد الذي آمن بعد إلحاد امتد لأكثر من ستين سنة لهذا المثال:
    أراد بعض الباحثون البريطانيون معرفة فيما إذا كانت قردة الشيمبانزي تستطيع كتابة قصيدة لشكسبير تدعى السوناتا أو حتى كتابة بعضها فجاؤوا بستة قردة مع ست من الآلات الكاتبة ولمدة أسبوعٍ كامل كتبت القردة خلاله خمسين صفحة لم تتمكن القردة من كتابة كلمة واحدة من القصيدة.
    من هنا يتبين أن أقرب الكائنات إلى البشر -حسب زعمهم- يخضع للعشوائية -كما الكون كله- ويمكن حساب احتمال تمكن القردة من كتابة القصيدة حيث تبلغ 488 حرفاً و30 رمزاً لغوياً (26 حرفاً انكليزياً مع المسافة وعلامات الترقيم المستخدمة في القصيدة)
    لحساب احتمال كتابة نصٍ ما وليكن كلمة بسيطة مثل كلمة "على" فإن احتمال مجيء حرف العين في البداية هو 1\28 ومجيء الحرف اللام هو 1\28 وحرف الألف 1\28 ويكون احتمال تكون الكلمة هو 1\28 * 1\28 * 1\28 وهو واحد مقسوماً على عدد الرموز اللغوية مرفوعاً إلى أس عدد حروف النص
    هذا الاحتمال ضئيل جداً جداً، أما في حالة قصيدة السوناتا القصيرة فهو مستحيل إذ يبلغ واحد مقسوماً على ثلاثين أس أربعمائة وثمانٍ وثمانين
    قام الباحث والفيلسوف ويليام ديمبسكي بحساب أصغر احتمال كوني ممكن فوجده مساوٍ لواحد مقسوماً على عشرة أس مائة وخمسين وأي احتمال أصغر سيساوي الصفر المطلق وهو غير ممكن منذ نشوء الكون لنهايته وهذا مبرهنٌ عليه حسابياً.
    السؤال الآن: كيف استطاع العقل كتابة قصيدة السوناتا أو قصيدة المتنبي (تبلغ احتمالية المجيئ بمثل قصيدة المتنبي التي أتيت بها واحد على تسعٍ وعشرين أس تسعمائة وواحد وأربعون!!!) إذا كانت المادة لا يمكنها بقوانينها العشوائية الاتيان بمثلها ولو عملت كامل جزيئاتها بأقصى سرعة طيلة حياة الكون؟؟
    كيف يستطيع العقل وكيف تطور ليدرك المعاني من هذه الأحرف والأصوات وكيف ينظمها ضمن نسق محدد إذا كانت المادة غير قادرة

    هذا سؤال كبيرٌ جداً يواجه الانسان وسيقوده حتماً لمعرفة مدى قدرة ربه وحكمته وعطائه

    في النهاية تقبل تحياتي على هذا الموضوع

    عبد الرحمن
    ar_86_m@hotmail.com

    ردحذف
    الردود
    1. مرحبا بك اخي عبدالرحمن في مدونة الاستاذ الوراق .. تشرفنا زيارتك وتعليقك ..

      اسمح لي باقتباس فقرات من ردك على الاستاذ ، اذ وجدت فيها ما اود ابداء رأيي وتعليقي حولها ..

      >>>>>أشكرك على هذا الموضوع الشيّق وانتقائك لأبيات المتنبي الممتلئة حزناً وأسى

      ولكني رأيتك تبخس العقل حقه فما أنصفته....
      العقل والشعور والله أعلم من نفخة الروح في الانسان فالروح مرتبطة بهذين المكونين الانسانيين والنفس مرتبطة بالجسد المادي.<<<<<<

      الرد :

      اهلا وسهلا بك عزيزي في مدونة الاستاذ الوراق ، وارجو ان تتقبل مداخلاتي ..

      نعم كلامك هنا صحيح ، وهو الذي اشار اليه الاستاذ الوراق في موضوعه وفي مواضيع اخرى ، فالعقل والشعور والنفس كلها من تمظهرات الروح التي بثها الله عز و جل في الانسان ، ولكن دور الاستاذ الوراق كان في تحديد وتصنيف هذه التمظهرات الروحية في الانسان بدلا من أن تكون المصطلحات والمفاهيم عائمة في الاذهان ، فقام جزاه الله خير الجزاء بتحديدها والأهم من ذلك تحديد دورها وما تقوم به من أعمال ، فصرنا نعرف اين يكمن التفكير واين تكمن العادات واين تكمن العقد النفسية الخ ..

      وما قام به الاستاذ الوراق لم يسبقه احد إليه في نظري ، إلا إن استطعت إثبات ذلك بالدليل الواضح ، أو أن تستشهد بأحد قام بالتوضيح العقلي المفصل اكثر من الاستاذ الوراق واكثر صوابا منه ، فدلنا عليه اذا سمحت ، وأرجو رجاءً حاراً ألا تقول لي : كثيرون قالوا كذا .. ، او : عدة علماء اثبتوا كذا ... ، الخ .. بدون تحديد شخص معين أو مدرسة نفسية معينة ، لأن هذا لا يفيد ولن ينفع في حوارنا ..

      يتبع ..

      حذف
    2. ===============================

      >>>>>العقل مكون غير مادي في الانسان وهناك الكثير من الشواهد، فالعقل يمكنه معرفة الرياضيات مثلاً وهي حقل معرفي لا ينتمي إلى الكون المادي بل يسبقه، فمثلاً الخوارزمي وضع طريقة لحل معادلة من الدرجة الثانية بمجهول واحد وهي بالأساس طريقة صحيحة ولا غبار عليها ولكن ما معنى هذا؟؟
      ربما احتاج الأمر مئات السنين لتكتشف البشرية أننا يمكننا معرفة سرعة وتسارع جسمٍ ما بعد حل المعادلة من الدرجة الثانية
      أي أدرك العقل الحقيقة المجردة بغض النظر عن وجودها المادي من عدمه، جميع مسائل الرياضيات تأتي قبل أن ندرك حقيقتها الفيزيائية، فكيف يدرك العقل الحقيقة؟؟؟<<<<<

      الرد :

      عزيزي عبد الرحمن ، قلت في هذا الاقتباس أنه لولا معرفة حل المعادلة من الدرجة الثانية ، (هذه السابقة العقلية) ، لما تمكنا من معرفة سرعة وتسارع الجسيمات ، (الظاهرة الفيزيائية) ..

      اخي الكريم : ان حل المعادلات من الدرجة الثانية وما شابهه جاء مبنيا على خلفية و تراكم من المنطق الرياضي والعقلي ، وهذا المنطق جاء اساسا من مشاهدات في الطبيعة (الوجود الخارجي) ، فلا يمكن لعقل منعزل عن الطبيعة ان يأتي بقوانين منطقية صائبة ، فلا بد من الاحتكاك بالطبيعة ومعرفة قوانينها ..

      بالتالي ، اصبحت المعرفة الخارجية (الطبيعية) هي مصدر من مصادر العقل في بناء قوانينه ، وبالتالي فالعقل هو "عالة" فيما هو عالة على العالم الخارجي الفيزيائي فيما يتعلق بالقوانين الطبيعية المادية ، وايضا هو عالة على غيره كالشعور ..

      ولتوضيح المسألة اكثر ، انظر لهذا الخط الذي يوضح كيفية بناء قوانين العقل من الطبيعة :

      (الطبيعة المادية) (1) >>>>>>> تستقبلها الحواس الى العقل ، و مع التفكير تنتج >>>>>>> (القوانين المنطقية الرياضية) (2) >>>>>> التي يستفاد منها في حل مشاكل >>>>>>>>> (الطبيعة المادية)(3) مرة أخرى .

      مما يعني يا اخي الكريم انك هنا وقعت في مغالطة ، وهي مشاهدة نصف المرحلة من (2) إلى (3) .. ولم تنظر إلى المرحلة كاملة (1) إلى (2) إلى (3) ..

      وهذا ايضا يعني أن الخوارزمي لم يستخدم عقلا مجردا في اصله وذاته في حل المعادلات من الدرجة الثانية ، اذ هناك العديد والعديد من التطبيقات الواقعية التي تحتاج الى معرفة حل المعادلة ، وما اضطرار الخوارزمي لذلك الا لوجودها في زمنه ، كل ما هنالك أن الخوارزمي استخدم عقله المبني على القوانين المنطقية القادمة من الطبيعة نفسها لحل مشاكل الطبيعة .. هذا كل ما في الامر .. وقد أدرك العلماء الذين احتاجوا الى معرفة سرعة وتسارع الجسيمات ، أنهم بحاجة الى صيغة رياضية تساعدهم في ذلك ، فاستخدموا المعادلات من الدرجة الثانية للتعبير عن حركة وسرعة الجسيم التي سبقهم بها الخوارزمي .. هذا كل ما في الامر ..

      ان العقل يستخدم القوانين ذاتها لحل الكثير من المشاكل التي تواجهه في حياته .. كحل المعادلة من الدرجة الثانية الذي ذكرتها ، احتاجه الخوارزمي قبل مئات السنين ، واحتاجه العلماء في العصر الحديث ..

      ان وضع العقل بمفرده وقطعه من ترابطاته وكأنه يحمل قيمة بحد ذاته ، هذه النظرة جزئية ومتطرفة بنظري ، فلا شيء يحمل قيمته الحقيقية الا بعد ارتباطه بكل شيء ، ولا يوجد شيء له قيمة بحد ذاته .. انما قيمته بترابطاته ..

      ===============================

      يتبع

      حذف
    3. >>>>>العقل مكون غير مادي في الانسان وإليك المثال التالي الذي هز أستاذ الفلسفة في القرن العشرين والملحد العتيد الذي آمن بعد إلحاد امتد لأكثر من ستين سنة لهذا المثال:
      أراد بعض الباحثون البريطانيون معرفة فيما إذا كانت قردة الشيمبانزي تستطيع كتابة قصيدة لشكسبير تدعى السوناتا أو حتى كتابة بعضها فجاؤوا بستة قردة مع ست من الآلات الكاتبة ولمدة أسبوعٍ كامل كتبت القردة خلاله خمسين صفحة لم تتمكن القردة من كتابة كلمة واحدة من القصيدة.
      من هنا يتبين أن أقرب الكائنات إلى البشر -حسب زعمهم- يخضع للعشوائية -كما الكون كله- ويمكن حساب احتمال تمكن القردة من كتابة القصيدة حيث تبلغ 488 حرفاً و30 رمزاً لغوياً (26 حرفاً انكليزياً مع المسافة وعلامات الترقيم المستخدمة في القصيدة)
      لحساب احتمال كتابة نصٍ ما وليكن كلمة بسيطة مثل كلمة "على" فإن احتمال مجيء حرف العين في البداية هو 1\28 ومجيء الحرف اللام هو 1\28 وحرف الألف 1\28 ويكون احتمال تكون الكلمة هو 1\28 * 1\28 * 1\28 وهو واحد مقسوماً على عدد الرموز اللغوية مرفوعاً إلى أس عدد حروف النص
      هذا الاحتمال ضئيل جداً جداً، أما في حالة قصيدة السوناتا القصيرة فهو مستحيل إذ يبلغ واحد مقسوماً على ثلاثين أس أربعمائة وثمانٍ وثمانين
      قام الباحث والفيلسوف ويليام ديمبسكي بحساب أصغر احتمال كوني ممكن فوجده مساوٍ لواحد مقسوماً على عشرة أس مائة وخمسين وأي احتمال أصغر سيساوي الصفر المطلق وهو غير ممكن منذ نشوء الكون لنهايته وهذا مبرهنٌ عليه حسابياً.
      السؤال الآن: كيف استطاع العقل كتابة قصيدة السوناتا أو قصيدة المتنبي (تبلغ احتمالية المجيئ بمثل قصيدة المتنبي التي أتيت بها واحد على تسعٍ وعشرين أس تسعمائة وواحد وأربعون!!!) إذا كانت المادة لا يمكنها بقوانينها العشوائية الاتيان بمثلها ولو عملت كامل جزيئاتها بأقصى سرعة طيلة حياة الكون؟؟
      كيف يستطيع العقل وكيف تطور ليدرك المعاني من هذه الأحرف والأصوات وكيف ينظمها ضمن نسق محدد إذا كانت المادة غير قادرة<<<<<

      الرد :

      اخي الكريم ، اشكرك على القصص التي ذكرتها ، فهي جدا جميلة ورائعة وتنبّه وتذكّر من كان له قلب و عقل واعي ..

      لكن اعتقد ان هناك تصور أو لفظة هي التي سببت لك كل هذا الإشكال ، وهي كلمة الاستاذ الوراق (العقل المادي) ..

      إن مقصد الأستاذ ليس كما تصورته ، مقصد الأستاذ أن العقل في أغلب احواله متعلق بالمادة ، اذ انه خالي من المشاعر ، فهل أنت تقول مثلا : عقلي يحب ؟! أو : عقلي يكره ؟! أو : عقلي مشتاق إليك ؟! طبعا لا بالتأكيد ، فهذا كله قادم من الشعور ، ولا يجادل في هذا إثنان ..

      المقصد هو أن العقل بطبيعته نافذة على العالم الخارجي (اي المادي) وبالتالي فهو يتطبّع بطباع ما يلامسه ويحتك به كثيرا ، فيحمل صفات المادة مع أنه بحد ذاته ليس مادي .. مثلما لو أخذنا طفلا صغيرا و وضعناه مع الحيوانات ليعيش معها لسنوات ، سنجد هذا الطفل الصغير يتطبع بطباع الحيوانات مع انه ليس حيوانا .. وربما سميناه (الطفل الحيواني) .. هذا هو المقصد من كلمة "العقل المادي" ..

      و إلا ، فالعقل كما قال الاستاذ يحوي على المنطق وقوانينه ، فهل القوانين المنطقية مادية ؟ لها وجود مرصود في المخ و تكتشف بالأشعة السينية او تحت الحمراء !!؟؟ هل قانون (الجزء أصغر من الكل) له كتلة في عقولنا ؟ طبعا لا ، العقل وما يحويه من اقيسة منطقية ليست مادية بحد ذاتها ، بالرغم من أنها مأخوذة من المادة والطبيعة ..

      ارجو ان يكون اللبس قد زال في هذه النقطة ..

      ===============================

      >>>>>هذا سؤال كبيرٌ جداً يواجه الانسان وسيقوده حتماً لمعرفة مدى قدرة ربه وحكمته وعطائه

      في النهاية تقبل تحياتي على هذا الموضوع

      عبد الرحمن
      ar_86_m@hotmail.com<<<<<

      الرد :

      اهلا وسهلا بك اخي عبد الرحمن ، وأتمنى لك كل خير وتوفيق .. :)

      حذف