الخميس، 27 فبراير، 2014

المعتزلة : تعليقات على أبرز معتقدات و افكار المعتزلة



"أبرز المعتقدات والأفكار المعتزليّة (مقتبس بتصرف من الويكيبيديا):

1- تقديم العقل على النقل .
2- العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام بشكل تلقائي .
3- الاعتزال حدث بسبب اختلاف في بعض الأحكام الدينية كالحكم على مرتكب الكبيرة ، يقول المعتزلة ان مرتكبها في مرتبة بين المرتبتين ، ليس بمؤمن ولا بكافر.
4- في الاعتزال اصول خمسة كبيرة ، من لم يعتقد بها فليس معتزلا :
أ - التوحيد: ويعنون به إثبات وحدانية الله ونفي المُثل عنه، وقالوا أن صفاته هي عين ذاته فهو عالم بذاته قادر بذاته ... لا بصفات زائدة عن الذات، وقد درج مخالفوهم من المغرضين على تفسير ذلك بأنهم ينفون الصفات عن الله .
لمبدأ التوحيد مفهوم خاص عند المعتزلة، وهو يعني لهم:
   + التنزيه المطلق: "ليس كمثله شيء" لا تشبيه ولا تجسيم وتنزيه الله عن أن يكون مثل الأجسام أو الموجودات الحسية ونفي أي تشبيه بين المخلوقات والله، والآيات التي تفيد التشبيه لا يقبلها المعتزلة على ظاهرها بل يقومون بتأويلها مثل "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" نخرج المعنى الظاهر لكلمة (وجه) ونقول أن المقصود بها الذات.
   + التوحيد بين الذات والصفات: الله ذات ووجود وهذا الوجود يتصف بصفات ذكرها الله في كتابه وصف الله بها نفسه بأنه عالم، كبير، قدير، سميع، خالق، بصير.
ويعتبر المعتزلة هذه الصفات مضافة للذات، مثلا: الإنسان لا يولد عليم ثم يصبح عليما. المعتزلة يقولون أن هذه الصفات ليست زائدة عن الذات إنما هي عين ذات الإلهية (العلم – القدرة – الإرادة – الحياة – السمع – البصر – الكلام) سبع صفات للذات.
ويقسمون الصفات الى نوعين :

    صفة الذات: هي الصفة التي لا يجوز أن أصف الله بها وبضدها فلا يجوز أن أصف الله بالجاهل×عالم، ولا بالعاجز×قادر الخ..    صفات الفعل: يجوز أن يوصف الله بضدها مثل الرزاق فأحيانا يرزق وأحيانا يمنع الرزق، والمعتزلة يقولون أن *الكلام صفة الفعل وليست صفات الذات.
يقول المعتزلة أن صفات الله الستة لا تنفصل عن الذات وإنما هي عين الذات الإلهية. سميع بذاته، بصير بذاته وهكذا... قال أبو هذيل العلاف "سميع بسمع هو ذاته وبصير ببصر هو ذاته"، والفرق ان الأول نفى الصفة والثاني اثبت الصفة وهي عين الذات.(الملل والنحل, الشهرستاني) لأنه إذا قلنا أن الصفات ليست عين الذات فمعنى ذلك أن هناك تعدد وتجزؤ في الذات الإلهية وهذا لا يجوز في رأي المعتزلة لأنه في رأيهم شرك لأنه عندي ذات قديمة وصفات هي عين الذات ومعنى ذلك أننا نقع في الشرك. والخروج من هذا المأزق يكون بالتوحيد بين الذات والصفات فصفة العلم هي الذات نفسها. وخصوم المعتزلة يسمونهم المعطلة أو أهل التعطيل أي عطلوا أن يكون للصفات وجود متمايز. وللشيعة والخوارج والإباضية رأي شبيه بهذا المبدأ.
ويترتب على هذا المذهب بعض المواقف العقيدية مثل نفي رؤية الله لا في الدنيا ولا في الآخرة."لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، "وجوه يومَئِذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة". إلى ليست حرف جر بل تعني النعمة/ ناظرة أي تنتظر تمشيا مع مبدأ التنزيه فإذا رؤي الله بالأبصار فهو جسم.
يترتب على مبدأ التوحيد القول بخلق القرآن، فالقرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله فالله متكلم وكلم موسى تكليما وصفة الكلام هي إحدى الصفات التي يعتبرها بعض المسلمين صفات ذات (صفة الذات هي صفة يوصف الله بها ولا يجوز أن يوصف بضدها مثل الحياة والإرادة). ويعتقدون أن كلام الله مخلوق أو حادث أي أنه وجد بعد لم يكن موجودا وتكلم الله به بعد لم يكن متكلما."

التعليق :

المغالطة التي وقعوا فيها هي فصل الصفات عن الذات ، و من الصفات المفصولة : الرزق والرحمة والكلام والغضب والعقاب والشكر واللطف والود والخلق وغيرها ، لأنها كلها تجوز على الله ان يفعلها او لا يفعلها ، و بالتالي سيكون الله ليس رحيما بذاته ولا ودودا بذاته ولا لطيفا بذاته ولا محسنا بذاته ولا رازقا بذاته ، بل بفعله ، وهو الخلق ، أي خلق الرزق و قرّر ، وقد لا يقرر . و خلق الكلام وقد لا يتكلم ، وبالتالي فالقرآن مخلوق ، ورحمة الله مخلوقة ، ولطف الله مخلوق ، و رزق الله مخلوق ، وكذلك خلق الله مخلوق لأنه قد يخلق و قد لا يخلق . وبالتالي لا نستطيع أن نعرف الله هل هو رحيم و لطيف بذاته أم لا ، و هذا الفصل مشين ومعطّل لصفاته العظيمة الرائعة التي نسبها لنفسه في القرآن على وجه الإستمرار ، و التي نحن بأمس الحاجة لها . قال تعالى (وهو اللطيف الخبير) ، (و ربك الغفور ذو الرحمة) ، ولم يقل (الخالق لنفسه رحمة) ، أو (الخالق لنفسه كلاما) .

فشخص يكرم من يستحق الإكرام ويعاقب من يستحق العقاب ، الا يوصف بذاته أنه كريم ؟ مع أنه لا يكرم الجميع دائما . طبعا يوصف بذلك ، ولو لم يفعل هكذا لما وصف بالكرم ، بل سمي أبلها او مجنونا .

الله يقول (و لله الاسماء الحسنى) أي لذاته ، والاسماء الحسنى دون فصل و توزيع وتصنيف . قال تعالى (وهو اللطيف الخبير) ، فنسب كلاهما لذاته ، مع أن لطفه ليس على الجميع دائما ، و علمه بالجميع دائما . و كلاهما من صفات ذاته . ولا يجوز منطقا أن تقول أنه هو العليم لكنه خلق اللطف بنفسه ، فما دام خلق اللطف فهو لطيف ، و خلق الكرم فهو كريم ، اذا جارينا هذه الفكرة الخاطئة اصلا منطقيا .. 


فما دام خلق اللطف فهو لطيف ، و خلق الكرم فهو كريم ( ومنبع اللطف العلم ، ومنبع الكلام العلم ، والعلم صفة لازمة كما يقولون ، والنابع من اللازم لازم ، لكن في حينه المناسب ، فالله حكيم ، ومن الحكمة أن تقول الكلام المناسب في الموضع المناسب أو تسكت. الصفات تنقسم بطبيعة المنطق الى قسمين : صفات مستمرة ، ولا يأتي نقيضها، كالعلم والقدرة والحياة والعدل، وصفات طبيعها غير مستمرة ويأتي نقيضها، ولو لم ياتي نقيضها لفسدت، كالرحمة والعقاب والرضا والغضب والكلام وعدم الكلام والخلق وعدم الخلق، وهذا المنطق ينطبق على الخالق والمخلوقين ايضا. فكونها صفات غير مستمرة لا يعني أنها ليست من الذات، لكن طبيعة الصفة هكذا. ولا تكون حسنة إلا إذا كانت منقطعة ويأتي نقيضها. فلو كان الله يعطي على طول ، لتضررت صفته وبقية صفاته الذاتية حتى، وهذا يدلّك على أنها مرتبطة بالذات، فكون الصفات الغير مرتبطة بالذت تؤثر على الصفات المرتبطة بالذات أصبحت صفة من الذات وليست خارج الذات. فإذت كان الله يعطي ويدخل الجنة حتى للظالمين ، فهنا تأثرت صفة العلم الثابتة، فلو كان يعلم أن هذا الإنسان ظالم لما أدخله الجنة وأعطاه. وقد يُطرح سؤال : ما فائدة العلم ما دام أنه لا يفرّق بين الظالم وغيره ؟ اذن هذا خطأ وقع فيه المعتزلة ، وهو إلصاق صفات بالذات ونزع صفات عن الذات، متاثرين بفلسفة الإغريق النابعة من دين الإغريق.   

اذن فصلهم بين الصفات والذات خاطئ. وبالتالي القرآن ليس مخلوقا. وهذه المماحكات التي وقعوا فيها بسبب تأثرهم بالمنطق اليوناني الغربي، وهو منطق دائما يوقع في أخطاء ، بسبب جزئية العقلية الغربية. ونظرتها لكل شيء لوحده وتعميمه على الباقي، وهي من معايب الفلسفة الغربية قديمها وحديثها، وأمثلة ذلك كثيرة.مثل تعميم فكرة الإقتصاد وأنها هي المحرك الأول للحياة على يد سميث وماركس، وتعميم فرويد للغريزة الجنسية أنها هي المحرك الأول، وتعميم نيتشه أن القوة هي المحرك الأول، وإرادة الحياة عند شوبنهاور، وتعميم نظرية التطور على كل شيء وجعلها نظرية لكل شيء ، وهكذا .. جزئيات معمّمة ولا تلتفت إلى غيرها. في وجهة نظري الغرب فاشلون في الفلسفة مهما حلقوا وطاروا. ولا يستبعد أن تكون نظرة المعتزلة لصفات الله من إيحاء نظرية الفيوض اليونانية، وهي نظرية دينية تعددية ، لأن اليونان كانوا يؤمنون بإله واحد وآلهة أخرى هي فيضية من هذا الإله الواحد. فطبقوا النظرية على الله وصفاته، فجعلوا صفاتا لازمة لذاته، وصفاتاً فيضية مخلوقة من فعله، ومن ضمنها خلق القرآن، فالقرآن أحد تلك الفيوض، وهذا هو تبرير اليونانيين لتعدد الآلهة، فالإله لا يجمع الشيء ونقيضه عندهم، كالغضب والرضا مثلا، لذلك جعلوا آلهة للغضب وآلهة للرضا، وآلهة للحرب وآلهة للسلام، أما الخلق والعلم والقدرة فهي ثابتة لزيوس. لكن الله سبحانه وتعالى يثبت أنه يجمع المتناقضات، فقال تعالى (وهو الذي أضحك وابكى ، وهو الذي أمات واحيا) وقال (إن الله شديد العقاب وإنه لغفور رحيم) وهذا ليس من التناقض كما يتصورون ، بل من الحكمة، أن توضع الأمور في نصابها. وهذا موضوع مهم جدا ، لأن شخصية الإله تنطبع على شخصية الأتباع، فاي خطأ في تصور شخصية الإله، ستراه في طبائع الأتباع.

الله سبحانه اثبت الصفات لنفسه في القرآن ، فكيف نفرّقها عن ذاته وهو الذي أمات وأحيا و واضحك وابكى، وهو الغفور والرحيم وهو الشديد العقاب ، وهو الخالق الرازق وهو السميع البصير ، كلها بنفس النسبة جاءت، فكيف نفرّق ما لم يفرّقه كتاب الله ؟ هذا اجتهاد غير موفق، وهذا يكون من أقحم ثقافة على ثقافة، كل ثقافة نابعة من دين اصلاً.)


اصلا : لا يسمى الشيء صفة حتى تكون ملازمة للذات ، كأن تقول : فلان طويل ، فهو طويل دائما ، لا بد من الدوام والملاصقة حتى تتم الصفة . خصوصا الصفات المعنوية ، فلا يسمى احد كريما حتى يستمر كرمه ، و إذا لم يأته ضيف ، الا يستحق ان يسمى كريما ؟ هل زالت عنه الصفة ؟

المغالطة التي وقعوا فيها هي التفريق بين صفات الله ، ونسبة بعضها للذات وبعضها للفعل . فجعلوا صفات لصيقة بالله و صفات اخرى تحت يده ، ونسوا أن هذا التفريق لا يكون منطقيا حتى على الشخص العادي ، و الذي توّههم أنه يقع ضدها احيانا . و وقوع الضد لا ينفي الصفة .

الله كامل ، فإذا اردت ان تصفه بالعدل فلا بد ان تكون فئة لا تشملها صفة الرحمة ، و إلا لاختل الكمال . هم ارادوا أن يكحلونها فأعموها ، فجردوا الله من كرمه ومن رزقه ومن كلامه ، وجعلوها مخلوقات كما يخلق الحجر والطير والماء .. و بالتالي فهي ليست صفات لذاته ، اي لا تـُعرف بها ذاته ! وبالتالي لا نعرف الله . و بموجب كلامهم لا يمكن أن يقال أن الله متكلم أو ان الله كريم أو ان الله لطيف أو ان الله شكور أو خالق ، ولا تستطيع ان تقول لغير المسلم ان ربنا لطيف و خبير و حكيم ، وهذا سينفره من دينك !

ومثلهم من يقولون أن الله لا يوصف بأنه خيّر ، فهذا تعطيل ايضا .. حتى اي اسم حسن هو لله ، حتى لو لم يذكر ، لأن الله يقول (لله الاسماء الحسنى) ، مثل الصادق او الجميل أو الوفي او الكامل ، لكن لا يصلح أن يوصف بالشجاع ، لأنه ليس له كفؤ .

و بعض الصفات ضدها نقص ، كالعلم مثلا ، لكن بعض الصفات ضدها كمال ، كالغفران و شدة العقاب ، و هذا نابع من طبيعة الصفة نفسها . المعتزلة امسكوا بالصفات التي انقطاعها يعني نقصا ، و قالوا هي صفات الذات ، كالعلم والقدرة .. وامسكوا الصفات التي انقطاعها يعني عمل غيرها من الصفات ، اي انقطاعها كمال ، و قالوا أنها ليست صفات الذات ، و وصفوها بصفات فعل وأبعدوها عن الذات ، كالرزق والكلام والكرم ، مع أن ضدها ليس نقصا ، بل بداية لكمال آخر ؛ فالمجرمين يوم القيامة لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ، ولو نظر اليهم لوقعنا في صفة نقص .  مع أن المعتزلة اعتبروا البصر من الصفات التي لا تنقطع (صفات ذات) بينما انقطعت عن المجرمين ، و هم يحسبون انها لا تنقطع .

هذا غير أنهم جعلوا السمع صفة مستقلة والبصر صفة مستقلة و العلم صفة مستقلة ، مع أن السمع والبصر وسائل للعلم . و هذا المعروف عنها بالنسبة لنا كبشر ، فالسمع والبصر والعلم شيء واحد لأن ثمرتها واحدة . مع أن قصدهم كان تنزيه الذات من اي تشبيه بالبشر ، في حين أنهم يثبتون صفة السمع والبصر ، وهي صفات موجودة عند البشر ، و حواس يحتاجها الإنسان حتى يعلم ما حوله ، فهل الله محتاج للسمع والبصر حتى يعلم ما حوله ؟ أي انهم وقعوا فيما هربوا منه ، وهو التشبيه والتجسيم .

بينما الذي أراه أننا لا نعلم إلا صفات الله المعنوية الاخلاقية ، كالرحمة والعفو والغضب على الظالمين والعدل واللطف ، و هي مشتركة بين البشر وبين الله ، وهي التي تعطينا الأمان بأننا نعرف الله و يعرفنا ، وهي التي دعاؤنا على اساسها ، لا على اساس ان له عين او رجل او ليس له ، و هي ليست مختلفة بين الله و بين عباده ، قال تعالى (إني جاعل في الارض خليفة) اي بهذه الصفات تكون الخلافة ، لأن البشر يعرفونها ، وليس خليفة مثل الله ، لا في ذاته ولا في قدرته ولا في علمه . و خليفتك هو من ينوب عنك في صفاتك و افعالك حسب الموضوع المُستـَخـْلـَفْ عليه . فالخليفة يأخذ صفات من يخلفه ، فهل لله كفؤ حتى يخلفه ؟ طبعا لا يمكن إلا في هذا المجال المشترك . و هي صفات من روح الله اصلا ، نحن نحسها ولا نعرفها ، قال تعالى (فألهمها فجورها وتقواها) .

نحن نشعر بالرحمة دون ان ندري ماذا نفعل ولا لماذا وما هو هذا الشعور الموجود في فطرتنا ، كذلك نشعر بوجود الله في احساسنا العميق دون ان نرى الله بحواسنا او نسمعه بآذاننا . اذن هي صفات لا تزال غيبية . و ليس الدافع إليها المصلحة كما يفهم الملاحدة بسطحية ، انها الاخلاق والخير ، وهو حبل الله ، و الحبل يوصّل ، لهذا نحن ندعو الله ونحن نحس به ونعرف انه معنا و يسمعنا ، لكن لا نعرف شيء غير هذا عن الله . ولا نستطيع ان نتخيل له شكلا ولا حواسا ولا جوارح ولا يحق لنا ذلك ، لأنه ليس كمثله شيء . ولا ينفعنا هذا العلم ولا يفيدنا في شيء ، نحن لا نتقرّب اليه لا بعينه ولا بيده ، بل بلطفه وحكمته وعظمته وتسامحه ومحبته . وهي التي في داخلنا عن الله . حتى المجسمة اذا ارادوا ان يدعوا الله لا يدعونه بشكله ، بل بهذه الصفات المعنوية الاخلاقية .

المثلية غير التماثل ، التماثل مثل ان الله موجود و نحن موجودون ايضا ، وهذا لا يعني تشابه ، و مثلها ان الله حي ونحن أحياء . المثلية اي ان تكون لنا يد ولله يد ، ولنا رجل ولله رجل ، ولنا وجه والله له وجه ، ولنا عين وله عين تبصر ، حتى لو قلنا انها تختلف عن عيوننا وايدينا ، فاليد و العين نعرف وظائفها وحاجتنا لها ، والله لا يحتاج لشيء ، و فقدانها يعني التعطل . و الاسلم هو اننا لا ننفي ولا نثبت شيئا في عالم الغيب . فمجرد الذكر لا يعني الإثبات كما نفهم ، والامثلة كثيرة على ذلك .

وما دام الله خالق كل شيء ، اذن هو مختلف عن كل شيء . لكنه اودع في الانسان من روحه ، وهي الفطرة حتى يعرف بها ربه و يتفاهم ، ويكون خليفة له . لأن الله يفعلها ، ولا تختلف بين الله والبشر في النوع .

اما الصفات الحسية كالعين والبصر والسمع فنحن لا نعلم حقيقتها ، و ذكرت في القرآن ليس لإثبات الصفة بل لإثبات المفهوم ، و سيقت لأجل اثبات معنوي وليس لأجل إثبات حسي ، و هذا يردّ على خصوم المعتزلة ، فالقرآن نزل بلسان عربي ، والله يخاطب البشر بما يفهمون . فلو لم يقل الله انه سميع وبصير ، لفـُهم ربما ان الله لا يعلم ماذا يفعلون ، و هي صفات تتعلق بالعلم حسب ما يفهم البشر ، ولا يقوم العلم الا بها عندهم ، لهذا نسبها الله لنفسه ليحذ ّرهم . اذا قلت لإنسان أن هناك من يبصرك ، هنا يشعر بالمراقبة و يخاف ، وهذا لا يعني ان لله عينا تنظر مثل عيوننا ، لا نفيا ولا اثباتا ، فهذا عالم غيب .

القرآن يخاطب البشر بلغة عربية ، ولو خاطبهم بما لا يعرفون لما قامت الحجة ، لاحظ أن أسماء الله جاءت بصيغة المذكر ، فهل هذا يعني ان الله ذكر مثل الذكور ؟ هل نقول هذا لأنه ورد ؟ والذكر يحتاج إلى انثى ؟ أم ان الله هو الذي خلق الذكر والأنثى ؟ قال تعالى (قل هو الله احد) اي احد فقط ، و أحد لا تعني ذكرا ولا انثى ، فاذا قلت مثلا : لم يدخل احد المنزل ، فهذا يعني أنه لم يدخل المنزل لا ذكر ولا انثى ، لكن اللغة ليس فيها الا اسم مذكر او اسم مؤنث ، و القرآن نزل بلغة العرب ، اي ان القرآن متماشي مع طريقتها في التعبير والتسمية وبيان العناية والإهتمام ، لكن كيف نثبت ان لله يد ؟ واليد لها وظيفة ، فهل الله محتاج لليد مثلنا ؟ و هل الله ذكر وليس انثى ؟ ليس لنا الخوض في هذا ، لكن لنا المضمون . فالله ليس كمثله شيء ، و كل الاشياء من خلقه ، فهو الذي خلق الوظيفة وخلق العضو ، لكنه يكلمنا حسب مفهومنا ولغتنا .

لاحظ ان هذه الصفات الحسية لم ترد بقصد اثباتها ، لم يقل الله : إني انا الله لي يد مثل ايديكم لكنها تختلف عنها ! وقد قال (وإنا بنينا السماء بأيد وإنا لموسعون) ، اي ان الناس تفهم ان البناء باليد ، بينما امره اذا اراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وخلق السماء لا يحتاج ايدي ، فهل نقول : لا ، إن الله خلق السموات بأيديه وايدي الملائكة  لأنه قال ذلك في القرآن ؟!

وقال (والسماء رفعها ووضع الميزان) فهل رفعها بيده ام بكلمته ؟

المسألة اذن مسألة اسلوب خطابي للبشر حسب ما يفهم البشر ، ليست مقصودة بذاتها ، بل بمقصدها . هناك فرق بين عالم الالوهية وعالم البشرية ، الاله خالق كل شيء ، و اراد ان يخاطب المخلوقين ، فهل يخاطبهم بكينونته وذاته وعلمه الذي لا يعرفونه ؟ أم بمفهومهم و لغتهم ؟ هذا ما حصل .

اذا قلت ان الله اذا اراد شيئا قال له كن فيكون ، ستكون عطّلت أن الله يطوي السماء بيمينه ، وبنى السماء بأيديه و خلق ادم بيده !! فإذا تـَبعت إحداهما عطّلت الأخرى !!

ب - العدل: و يعنون به قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيرا وإن شرا ، وأوجبوا على الخالق الله فعل الأصلح لعباده ، وقالوا أيضا بأن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسنا، وما قبحه كان قبيحا، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.

و العدل مبدأ هام في فكر المعتزلة لأنهم يربطون بين صفة العدل والأفعال الإنسانية ويرون أن الإنسان حر في أفعاله وهم يقولون ذلك لكي ينقذوا التكليف الشرعي لأن الإنسان المسلم مكلف شرعيا والإنسان مسئول عن هذه الأفعال حتى يستقيم التكليف ويكون الثواب عدلا والعقاب عدلا. خلافا للجبرية الذين يعتقدون أن الأفعال من خلق الله والإنسان مجبور عليها. إلا أن المعتزلة ترى أن عدل الله يقتضي أن يكون الإنسان هو صاحب أفعاله. يترتب على القول بالعدل الإلهي بأن الله لا يفعل الشر فأفعال الله كلها حسنة وخيرّة، الشر إما أن يوجد من الإنسان، أو لا يكون شرا إنما لا نعرف أسبابها، أو لا نستطيع أن نجد لها مبرر لكنها ليست شرا.

يقول المعتزلة أن الله يفعل ما هو الأصلح لعباده ولا يمكن أن يفعل الشر لعباده. ويتمثل المعتزلة الذات الإلهية خيرا مطلقا، ويقولون باللطف الإلهي أن الله يهدي الناس إلى ما فيه الخير لطفا بهم.القول بالحسن والقبح الذاتيين أو العقليين، والمقصود بها أفعال الإنسان الحسنة وأفعال الإنسان القبيحة. مثلا الصلاة فعل حسن، التصدق فعل حسن، إطعام المسكين فعل حسن.../ الزنا فعل قبيح، الاعتداء.. أفعال سيئة قبيحة.

و بالنسبة لتحديد ما إذا كان الفعل حسنا أو قبيحا فهناك إتجاهان: الأول يقول (أن الشرع قد أخبرني ذلك) يجعل الأفعال حسنة (الشرع أخبرني عن ذلك) يجعل الأفعال قبيحة إذن الإخبار الشرعي هو المعيار وهذا مبدأ التيار السلفي النقلي الذي يأخذ بظاهر النصوص. والإتجاه آخر التيار العقلي يقول أن العقل هو المسئول.

التعليق :

اذا كان العقل هو المسؤول بذاته ، فما فائدة النقل ؟ واذا كان النقل هو المسؤول بذاته فما فائدة العقل ؟ هذا رد على الاتجاهين معا .. والقرآن قرن بين العقل والنقل ولم يفرق ، قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف : 2])  

وفي مسألة خلق افعال العباد ، فالإنسان مخير و ليس مسيّر ولا خالق لشيء ، وهذا ما يثبته القرآن ، بقوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، لكن كلمة أن العباد يخلقون افعالهم هي غير دقيقة ، فإذا ظلمتَ احدا وضربته بيدك ، فهل انت الذي خلقت يدك ؟ الأدق منها : حرية الاختيار فيما خلق الله ، تستطيع بيدك ان تمسح على راس اليتيم وتستطيع ان تلطمه بها ، واليد لم تخلقها أنت ، فالله هو من خلق اليد ، فكل فعل له وسائل خلقها الله ونحن لم نخلق شيئا ، ونسبة الخلق للبشر غير جيدة ، الاختيار هو الادق تعبيرا وليس الخلق ، و من قد يستشهد بآية (تبارك الله احسن الخالقين) فربما يكون القصد الالهة الاخرى المزعومة ، او ما درج الناس بتسميته بالخلق والابداع والاختراع ، كما يفعل الرسام او المثـّال او الصانع ، لكنه في حقيقة الامر هو لم يخلق شيئا ، هو استعمل الموجود في فكرة جديدة لكنها معتمدة على الموجود ، مسألة تركيب في داخل المخلوقات ليس الا ..

وبالنسبة لمسألة انهم يوجبون على الله فعل الاصلح لعباده ، كيف ذلك و هم في نفس الوقت ينسبون افعال العباد لأنفسهم ؟ قد تكون أفعالهم شرا ، فاين الله عنها ليصلحها ؟ هذا تناقض عقلي وقع فيه اهل العقل .. والله خلق النار ايضا ليعذب بها من عباده ، وقال أنه هو اضحك وابكى ، والله يمكر بهم ، و يخادع من يستحقون ذلك . وعذابه شديد . ومع ذلك هو خيّر .

ثم كيف يفعل الاصلح بعباده بالاطلاق بينما هو يمدّ اكثرهم في طغيانهم يعمهون ثم يخلدهم في النار ؟ هذا يشبه الراعي الذي يستصلح قطيعه ، ويبحث عن الخير لهم كلهم ، بينما الله يعذب اكثر خلقه ويرميهم في جهنم ، المستصلح لرعيته لا يفعل هذا ، ولا يلقي الراعي بأكثر غنمه في النار . القرآن يردد : (ليبلوكم) ولم يقل : ليصلحكم كلكم ! فالاختبار شيء والاستصلاح شيء آخر .. هذا المفهوم نجده بغزارة في المسيحية واليهودية ، على ان الله اب يرعى ابناءه ولا يريد لهم الا الخير فقط ، لا انه يمتحنهم ويبلوهم ايهم احسن عملا ، و هي باب للتواكل .

وعلى كلامهم فالاصلح لهم ان يهتدوا رغما عنهم ويدخلهم كلهم في جنته ! اذن هذه الفكرة خاطئة وتسبب التواكل على رحمة الله و خيريّته ، وتسبب التساهل في الدين والاخلاق اعتمادا على رب ودود مستصلح . و يستطيع العاصي ان يعصي ويقول : أأنت احكم من الله ؟ الله يريد الاصلح لي ! وقدّره علي ! و هكذا يقع المعتزلي في الجبرية التي هرب منها . الله ترك للبشر ان يختاروا الاصلح لانفسهم بعد ان بيّن لهم النجدين ، ووضع الفطرة في داخلهم والشعور ، و هذه الفكرة تخالف مفهوم التقوى الذي كرره القرآن ، قال تعالى (ويحذركم الله نفسه) .

فكرتهم هذه تجعل لله تعامل واحد مع كل الناس ، و هذا مخالف لما جاء به القرآن الي تقسيم الناس الى نوعين ، والكلام معهم بطريقتين متعاكستين . و هكذا يكون الله عادلا .

و بالنسبة لمسألة خلق الشر ، فمن خلق الشر ؟ الشيطان رمز الشر ، اليس هو من خلق الله ؟ اذن الفكرة غير دقيقة ، الادق منها : أن الله خلق الخير وخلق الشر لكنه لا يريد لنا الشر ، وارسل رسله لتحذرنا من الشر . و هذا يبعده من ان يوصف بالشر . من يحذرك من الشر ليس بشرير . المعلم يريد لتلاميذه ان ينجحوا ، ولكنه لا ينجحهم ، بل يمتحنهم . الله لم يقل : خوفوا من الشيطان ، وانا خير مطلق ، بل قال (فاخشونِ) ، لأن الضرر سيأتي من الله وليس من الشيطان .

جـ - المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة ،  إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم .

حكم الفاسق في الدنيا ليس بمؤمن ولا بكافر. فيظل على هذا الحال فإن تاب أصبح مؤمن وإن لم يتب حتى موته يخلد في النار. ينسب إلى الرواقيين التمييز بين قيمة الخير وقيمة الشر ويقولون هناك أشياء خيره وأشياء شريرة وأشياء بين البينين. وهذه هي فكرة المعتزلة بالقول بمنزلة بين منزلتين إذ تأثروا بالرواقيين وقد تشكل الاعتزال كمذهب في القرن الثاني.

وكانت حجة واصل بن عطاء في قوله منزلة بين المنزلتين ، أن الايمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمنا وهو اسم مدح والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح فلا يسمى مؤمنا وليس هو بكافر مطلقا أيضا لان الشهادة وسائر اعمال الخير موجودة فيه لا وجه لانكارها لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من اهل النار خالد فيها إذ ليس في الاخرة الا فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار.

د - الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم .

التعليق :

هذه الامور من اختصاص الله سبحانه وتعالى ، و ليس لنا أن نحكم لأحد بدخوله او خلوده في جنة أو نار ، فالحكم على شهادة بغيب ، لا من باب الايمان والكفر والنفاق ، ولا من باب دخوله الجنة او النار او كونه بمنزلة بين منزلتين ، كل هذا تدخل في اعمال الله ، والعقيدة الصحيحة الا نتدخل في اعمال الله ، ولا نحاكم احدا قبل الله . لان شؤون الله لله ، ولكن نحاكم لشؤوننا .. فمن قتل يُقتل ، و يعطى حكم الدنيا ، و اما وعود الآخرة فتترك للآخرة ..

النظرة بهذا الشكل تجعلنا نعطي احكام الاخرة اولا ثم نصدرها على احكام الدنيا ! فندخله النار اولا ثم نعاقبه لأنه دخل النار ! فيكون قد أخذ عقوبتين قبل أن يحاسبه ربه في الاخرة !

لا توجد اي فائدة من مَن سيدخل الجنة او النار ومن هو الكافر ، وهل هذا مسلم او كافر الخ .. لأن الله يقول (لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) .. وما يؤيد هذا ان الله امتدح بعض من يسمّون كفارا بموجب التعميم ، كبعض أهل الكتاب والذين لم يحاربوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم وغيرهم ، و أمر بالقسط إليهم ، وأمر ببرهم ، ما لم يصل الامر الى اعتداء . حتى المسلم اذا وصل للاعتداء يوقـَف عند حده ..

المسألة الاخرى هي مسألة السرائر ، والتي يحاسب عليها الله فقط ، وليس لنا ذلك . قال تعالى : (يوم تبلى السرائر) ، فتعليق مناط الحكم على السرائر ، والسرائر لا يعلمها الا الله ، يجعل أنه ليس لنا من الحكم شيء , فدخول الجنة او النار متعلق بالسرائر ، والسرائر لا يعلمها الا الله ، اذن الله هو الذي يعلم من سيدخل الجنة او النار . فإذا قلت لأحد انه كافر ، هذا يعني انه في النار ، ويعني – ضمنا – انك في الجنة ، كل هذا قبل قيام الساعة ، بينما الرسول نفسه يقول في القرآن : (ولا ادري ما يفعل بي ولا بكم) . هذا يعني انه لا يقطع بدخوله الجنة أو دخولهم النار ، مع أنه إمام المتقين ، و مع أنهم ائمة الضلال ..

ثم كيف نتعامل مع صاحب المنزلة بين المنزلتين في الدنيا ؟ هل يعامل كمسلم يواد ويحب في الله ، أم يعامل ككافر بكل ما يتعلق بالأمر ؟   

هـ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الأصل يوضح موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء أكانوا حكاما أم محكومين ، فهم يرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر.

التعليق :

هذا الاصل يعني انكار المنكر بالقوة ، و مع الجميع ، حاكم او محكوم ، دون أن يحددوا من سينكر المنكر ، ولا ما هو المنكر ، ولا كيف يُثبَت حصوله ، ولا كيف يُزال ، خصوصا اذا عاند صاحب المنكر . وهذا يسبب فوضى واتهامات وتجسس و بحث عن العيوب و فقدان الثقة بين المسلمين ، ويجر الى كبائر اشد . هذا عدا أن حساب الناس على الله وليس عليهم . قال تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم) ، والجهر بالسوء يعني اتهام الناس وذكر معايبهم أي منكراتهم . كأن هذا الاصل عند المعتزلة وغيرهم أيضا فيه إصلاح للآخرين بالقوة ، وعقابهم على اخطائهم قبل الآخرة ، وهذا يعني الحساب نيابة عن الله ، والله لم يوكل احدا بحساب خلقه بدلا عنه ، ولا حتى نبيه ، قال تعالى (ما عليك من حسابهم من شيء) .

أما رفض الظلم والجور فهذا موضوع آخر لم يتكلموا عنه ، بل تكلموا عن حرب الكبائر ، من ايا كانت . مع أن الكبائر بعضها أصغر من بعض ، هذا غير انه لم يتفق على تحديدها ، و بعضهم يرى ان تكرار الصغائر يجعلها كبائر ، وبالتالي تكون كل الصغائر كبائر ! و بعضها تضر الآخرين وبعضها تضر الشخص نفسه . كأنها حرب على ذنوب الآخرين ، وهذا يعني أن ينشغل الانسان بعيوب غيره قبل نفسه ، بينما نحن مأمورون بإصلاح أنفسنا ، قال تعالى (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) وقال (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقال (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ، هذا معنى الأمر بالمعروف ، ولا يعني العنف والعقاب . إنه أمر ، وليس إلزاما بالقوة . و القرآن لا يوجد فيه اي أمر بتغيير المنكر بالقوة .

اما الحدود فهي لحفظ حياة و مصالح الناس ، و ليس القصد منها منع أن يُعصى الله لأجل المعصية ، لأنه يُعصى في أمور أخرى ليس فيها حدود ، وليست الحدود عقابا لمرتكب الحد ، لأن الحساب في الآخرة ، والمكافأة والعقاب في الآخرة . والذنوب كثيرة وأكثرها خفي لا يُرى ، وهو أشدها . فالنفاق اشد الذنوب واخفاها ، بل هو اشد من الكفر . ومع ذلك لا عقوبة له في الدنيا ولا حد . فما بالك بذنوب مثل النميمة والتكبر والتفحش بالكلام الخ .. كيف سيـُنكر عليها بالقوة ؟

هذه فكرة محاكم تفتيش ، تـُنتج العنف والتجسس على الناس ، و ملاحقة اهل الكبيرة اينما وجدت . و ربما هذا ما حصل مع منكري خلق القرآن ، اذ تعرض بعضهم للتعذيب على ايدي المعتزلة كما يُذكر من باب انكار منكر عدم الاقرار بخلق القرآن . القرآن لا يحمل مثل هذه الفكرة ، والمبدأ فيه : (لكم دينكم و لي دين) ، و (ما عليك من حسابهم من شيء) ، و (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) . اذن الله هو الاخبر و الادرى بالذنوب وليس ما يظهر لنا ، والذنوب هي في حق الله ، اذن الله هو الذي يأخذ بحقه ، والله ليس بضعيف ولا عاجز .

الأساس في هذه القضية (إلا من ظلم) ، اذا كانت الكبيرة تظلم الاخرين و تسبب اذى لهم ، أما اذا كانت لا تسبّب ، فهي بينه وبين ربه . و يكون الاعتراض على الاذى وليس على المعصية . فالله يقول (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، فالله اعطى البشر حرية ، وليس لأحد أن يسلبها . والقرآن هو اساس الدين وكلام الله صاحب الشأن ، هو لم يفوضنا في إصدار التهم والاحكام وتنفيذ العقوبات بدلا عنه ، ولا في هداية الناس واصلاحهم بدلا منه ، ولا يجوز التجرؤ على حقوق الله ، وكل شيء أوكله لنفسه فهو من حقه ، كالدراية بالذنوب ومعرفة السرائر والحساب و دخول الجنة والنار ، قال تعالى (يدخل من يشاء في رحمته) ، من يشاء هو وليس نحن ، كلمة من يشاء عامة ، فلا نحدد لله من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار ، ومن سيخرج منهما ومن سيخلد فيهما . ما يهمنا هو اصلاح ذنوبنا وعيوبنا ، لأننا هي التي النعرفها ونطلع على سرائرها ، قال تعالى (بل الانسان على نفسه بصيرة) ولم يقل على نفوس غيره ، اذن اصلح ما بصرت به ، وهو نفسك ، و ادع غيرك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وذكرهم بالله ، كما قال تعالى (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ولكن ليس لك ان تحابهم في ذنوبهم على الله ، لأن هذا إفتئات على الله ودخول في حق الله ..

تصور أن احدا وأنت معلم ، يقيم تلاميذك بدلا عنك ، فينجّح من يشاء ويرسّب من يشاء ! أل تعتبر هذه إهانة ؟ فما بالك بالله الذي يعلم السر وأخفى ؟ علينا ان نهتم بالذنبو الموجهة لنا ، وليست الذنوب الموجهة لله ، فالله أدرى بعباده واقدر على الانتقام ، فهو اقوى منا معرفة وقدرة ، وليس بحاجة لبشر أن يأخذ له حقه . لكن لنا ان نحب في الله ونكره في الله ، وهذا مامورين به قال تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ، ولم يقل : عليهم أن يعاقبوا من حاد الله ورسوله ، ويزيلوا هذه الكبيرة . الله لا يكلف الانسان فوق طاقته ، لا بالمعرفة ولا بالتنفيذ . لكنه طالب بما في طاقته ، وهو أن يكره من يصر على الخطأ ، ولا يواده ويمدحه . قال تعالى (فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي اننا نعاقب لأنفسنا ، وليس لأجل الله . كما قال تعالى (العين بالعين والسن بالسن) . لا ينوب احد عن الله في التحقيق ولا في الجزاء . والتدخل في عمل الله هو بحد ذاته من الذنوب التي ينبغي التنبيه عليها .

نحن نتعامل بالظاهر ، بينما الله يتعامل بالباطن ، وشتان بين معرفة الظاهر فقط ، وبين معرفة الظاهر والباطن ، الله لم يأمر بقتال المسلمين للكفار لأنهم كفار ، بل لأنهم معتدون ، ولهذا طالب ببر وإقساط من لا يعتدي علينا من غير المسلمين . وحسابهم على الله .

القرآن يحث على الامر بالنعروف والنهي عن المنكر ، وليس على التغيير بالقوة ، فالهداية على الله ، والحساب لله . والذنب اصله في حق الله وليس في ذنب المسلمين ، فالمسلمون ليسوا هم الله ، الله حي قيوم . وهو مالك يوم الدين . والذنب في الاصل هو مع الله ، والله يقول (لا تزر وازرة وزر أخرى) ومن عصى الله فذنبه عليه وليس على المجتمع ، ولا تشمل العقوبة والضرر الابرياء ، الا ما يتعلق بحياتهم وحقوقهم ، فلو ترك السارق لتضرر الجميع وكثر السُرَّاق . لكن إذا تـُرك المنافق قل النفاق ولم يزدد . فلو بحثت عن المنافقين و جدَّيت في طلبهم لكثروا .

ومنطقيا لا يمكن تغيير كل الذنوب بالقوة ، اذن المبدأ الذي لا يُعمّم خاطئ . هل تستطيع ان تقضي على الكذب في المجتمع بالقوة ؟ أم أنك ستزيده ؟ وكيف تغيّر الكذب بيدك وهو من المنكرات والذنوب الشنيعة ؟ النتيجة سوف تغير المنكرات المادية ، مع أن المنكرات المادية اشد خطورة منها . فتقصم ظهر شخص لا يستبرئ من البول ، بينما لا تستطيع ان تفعل شيئا بمن يمشي بالنميمة !   

لا يجوز للمسلم ان يلعب دور الاله ، هذا نوع من التكبر . ولا يحاسب ويعاقب بالوكالة عن الله ، والله لم يوكله ، كل هذا افتئات ، افتئات على من ؟ على جبار السموات والارض . من طاعة الله الوقوف عند ما لم يوكله لنا ، وعمل ما طلبه منا ، بموجب كتابه المحفوظ الذي تكلم به إلينا .

اما فكرة الاستخلاف في الارض ، فكان المقصود آدم ، و آدم ليس رئيسا على احد ، لأنه كان الانسان الوحيد . و الانسان مخلوق من روح الله ، وهي فطرته ، ومن اقام هذه الفطرة بما تحمله من عدل وقسط و خير ، حقق الاستخلاف فيها ، حتى لو لم يكن رئيسا على احد . لاحظ قوله تعالى ( وهو الذي جعلكم خلائف الارض) ، وقال عن الذين أنجاهم الله مع نوح انه جعلهم خلائف ، حاكمهم و محكومهم . و كل جيل يأتي بعد جيل هو خليفة له . وقال تعالى (وجعلنا الليل والنهار خلفة) اي ياتي احدهم بعد الآخر . و منه اختلاف الليل والنهار . و هذا اصل الكلمة ، وليس المقصود بها التغير . وقال تعالى (فخلف من بعدهم خلف) .

هذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه، فمن تلك العقائد :

5 - نفيهم رؤية الله عز وجل: حيث أجمعت المعتزلة على أن الله لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله وهو منزه عن الجهة والمكان، و تأولوا قول القرآن:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} أي منتظرة.

التعليق :

القرآن اثبت رؤية المؤمنين لربهم ، (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة)، مثلما تقول : كانت المجموعة ناظرة الى ما يجري في المسرح . أما معنى الإنتظار فهو بعيد ، ثم لماذا ينتظرون ؟ و ماذا ينتظرون ؟ هل ينتظرونه أن يأتي او ان يروه ؟ الانتظار في اللغة لا يُعدّى بحرف الجر (إلى) .. تقول : انتظرت القطار ، ولا تقول : انتظرت الى القطار . بينما النظر يُعدّى بإلى ، فتقول : نظرت إلى القطار وهو مسرع . 

وأثبت القرآن عدم رؤية الله لمن غضب عليهم ، فإذا نظر إليهم نظروا إليه .. و قوله تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين : 15]) ، هذا يعني أن المؤمنين غير محجوبين عنه ، و هذه تشير إلى الرؤية ، وإلا فما معنى أن يكونوا غير محجوبين ؟ و كذلك ورد في السنة ما يثبت الرؤية . ولا يصح التاويل الذي يصرف المعنى عن ظاهره اللغوي بدون حجة منطقية .

أما حجتهم المنطقية بأن اثبات الرؤية يعني إثبات الجهة ، فهذا ينطبق على قوانين الدنيا ، والرؤية في الآخرة ، الا ترى قوله تعالى (جنة عرضها السموات والارض) ؟ اذن أين مكان النار ؟ ألا ترى أن الكفار يحيون في وسط النار ؟ بينما في الدنيا لا يمكن أن يعيش أحد في النار ! إذن هم وقعوا في مغالطة إجراء قوانين الدنيا على الآخرة . و من سيمشي على هذا الاجراء سيقع في مشكلات كثيرة . هذا من التدخل في عالم الغيب . المهم أن نؤمن بما اخبر به القرآن ، لا أن نكيفه كما هو في عالمنا . هذا غير أن الله تجلى للجبل لموسى ، ولو وضع موسى مكان الجبل لرآه . الجبل رأى الله فصار دكّا .. بينما الجبال الاخرى لم يتجلى لها الله . أي أن الله تجلى جهة الجبل . قال تعالى (فلما تجلى ربه للجبل) . هنا كانت الجهة محددة و هي اتجاه ذلك الجبل دون الجبال الاخرى . الله هو خالق القوانين وهو على كل شيء قدير .

6 -  قولهم بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.

التعليق :

ما الذي يمنع أن يكلم الله موسى أو جبريل أو آدم أو إبليس ؟ وكلها مثبتة في القرآن ؟ أليس الله على كل شيء قدير ؟ أليس هذا شيء أثبته لنفسه ؟ لاحظ الآية تؤكد تأكيدا معنويا : ( وكلم الله موسى تكليما) ، وإذا كان الله لم يكلم موسى فلماذا ذ ُكر ؟ ولماذا لم يقل أنه كلم بقية الانبياء ما دام ان التكليم ليس تكليما ؟ والقرآن نزل بلغة عربية . ولا يصح التأويل الذي لا تطيقه اللغة . حينها سيكون تقوّلا ، فكل تأوّل خارج ما تعنيه اللغة والسياق هو تـَقـَوّل ..

اذن عليهم أن ينفوا ان الله تجلى للجبل ، فلما تجلى صار دكا .. والله اثبت لنفسه الكلام ، ولم يسمه خلقا ، فلا يجوز التقوّل على الله ما لم يقله بموجب تنزيهات مبنية على منطق دنيوي . الموضوع عن إله الكون وخالق المنطق والعقل والقوانين . وليس عن بشر تنطبق عليه القوانين . وهو خاطبنا بلسان عربي ، واللغة للدلالة وليست للتاويل ، وإلا فلا فائدة لها ، بينما القرآن مبين ، والمبين لا يحتاج الى مبين ، ولو قصد شيئا آخر لذكره ، فالله ليس بعييّ لا يعرف كيف يعبّر عما يريد .

الله أمرنا بتدبر القرآن ولم يأمرنا بتأوّله ، بل ذم التأول ، قال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله الا الله) ، وهنا يجب ان نقف ، كلما اشكل على منطقنا أمر مما ذكر الله نقول كما قال الراسخون في العلم : (آمنا به كل من عند ربنا) ، لأن تأويله عند الله ، والمعتزلة وغيرهم كثير أرادوا التأويل ، والتأويل يعني الفهم على منطقنا ، أي من معرفة المآل ، بينما الله أوكل تأويل المتشابه الى نفسه .. لاحظ أنه سمى الذين آمنوا به دون أن يأولوا بالراسخين في العلم ، اي علموا جهلهم . مثلما قال سقراط للمتسفسطين : الفرق بيني وبينكم أني جاهل يعلم انه جاهل . 

و كل ما عجز عن فهمه منطقنا ، فهو نوع من المتشابه و تأويله عند الله . كأن يرى المؤمنون الله في الجنة . واقتضاء هذه الرؤية أن يكون لله جهة بموجب منطقنا . هنا تشابه ، والتشابه يعني عدم قدرة على التحديد ، اي جهل . قال تعالى (وما أوتيتم من العلم الا قليلا) . ولا علم لمن لا يعترف بجهله ، ومن العلم أن نعلم ما نجهله ، وما نجهله على نوعين : ما يمكن أن نعلمه ، وما لا يمكن ان نعلمه ، وامور الغيب من النوع الثاني .

ثم كيف يكون الكلام مخلوقا ؟ الكلام يدور حول أشياء مخلوقة . كيف يكون مخلوقا ؟ كلمة خلق و مخلوقات تشير للاشياء والذوات . كالسماوات والارض والاسان والحيوان والنبات الخ .. وإذا اثبت المعتزلي ان الله يخلق لنفسه كلاما ، فما الذي يمنع ان تقول ان الله تكلم ؟ كيف تنزه الله أن يتكلم و تثبت أنه خلق كلاما لنفسه ؟ الله يغضب و يرضى ، فهل خلق لنفسه غضبا و رضا يستعملهما متى شاء ؟ فإذا اراد ان يغضب خلق غضبا ثم يصبح غاضبا !؟ من حين اراد ان يخلق غضبا فهو غاضب ! و من حين اراد ان يخلق كلاما فهو تكلم ! هذا كلام لا يستقيم حتى في المنطق الدنيوي .

ثم أليس أمره اذا اراد شيئا ان يقول له : كن فيكون ؟ أليست "كن" كلمة ولا يتم الخلق الا بها ؟ أي ان الكلام قبل الخلق وليس العكس . أليس عيسى كلمة الله قبل ان يخلق عيسى ، ثم خـُلق عيسى ؟ أما المعتزلة فيجعل خلق الكلام قبل الكلام ! وما دام انه خلق كلاما لنفسه خاطب به لآدم وموسى و محمد ، المخلوقات قبل أن تـُخلق ، وكلاما اودع في اللوح المحفوظ . كيف يقال انه ليس من صفاته الاساسية الكلام ؟ مع أن كل مخلوقاته تبدا بكلام ؟

المعتزلة اهتموا بالمنطق اليوناني وما اضافته عقولهم اليه اكثر من اهتمامهم بالقرآن ، وهذا السبب . ,أجروا المنطق على القرآن ، ولم يُجروا القرآن على المنطق اليوناني وفلسفاته . من المفروض أن القرآن مهيمن وحكم على كل شيء . وليس مُحاكـَما ، فهو الذي يبين الامور ، والفلسفة من ضمن الامور .

التأوّل يجعل القرآن وراءنا وليس أمامنا ، ويجعلنا نقوده بدلا من أن يقودنا ، فنكون نحن الإمام وهو التابع ، بينما سماه الله إماما و طالب بتدبره ، أي بالسير دبره وليس أمامه . و ليّ أعناق النصوص يحرفها عن هدفها .      

7 - نفيهم علو الله، وتأولوا الاستواء في قول القرآن: "الرحمن على العرش استوى" بالاستيلاء. وقد وافقوا بذلك الأشاعرة وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يثبتون العُلو لله جل في علاه.

التعليق :

يبدو ان نفيهم لعلو الله من باب نفي الجهة ، والأرض كرة ، وفي اي موقع على الكرة الارضية يكون العلو عكس إتجاه الموقع الآخر ، و بالتالي لم تتحدد جهة من العلو . ومع ذلك علينا أن نتبع القرآن دون تحديد كيفية ، لأن كل كيفياتنا تتعلق بعالمنا الارضي عالم الشهادة ، وكيفيات الله من عالم الغيب .

ومثل هذه الصفات : العلو والإستواء على العرش و العرش واليد والعين ، الخ .. لا ننظر إليها نظرة إثبات كما نعلم عن اليد كما نعرفها والعلو كما نعرفه ، الخ .. ولا نظرة تأويل ، كأن تكون اليد بمعنى القوة ، واليد بمعنى العلم . بل إنها وسائل خاطبنا الله بها بموجب فهمنا ، لأن عالم الغيب غيب ، و فوق طاقة عقولنا ان تعيه ، ولم يذكرها الله لأجلها ، بل لأجل الغاية منها والعبرة ، لأن القرآن نزل بلسان عربي . كذلك كون أسماء الله أسماء مذكرة ، لا يعني هذا ان نقول ان الله ذكر ، بل هو الذي خلق الذكر والانثى ، وهو الذي خلق للانسان اليد ، وهو الذي خلق العلو والسفول والجهات .. (قل هو الله احد) أحد فقط ، (ليس كمثله شيء) ، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو . عقولنا لا تحتمل علم الله ، الله يخاطبنا بموجب قدراتنا ، والاصل ان كل شيء غيبي لا نعلم عنه شيئا ، و الا لما كان غيبا . وليست مباحثا تفيدنا بحيث نعتقد فيها كذا او كذا .. الله امرنا بتدبر القرآن ، أي نسير وراء ما ارادنا ان نعلمه ، لا ان نبحّث ونفتـّش عما لم يرد الله لنا ان نعلمه . قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) .

8 - نفيهم شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته .

التعليق :

اذا لم يشفع الرسول لاهل الكبائر ، فهل المقصود انه يشفع لأهل الصغائر واللمم ؟ مع أن الله استثنى اللمم ؟ ثم ان موضوع الشفاعة كله داخل في موضوع الرحمة ، و ليست الشفاعة بموضوع يستجلب الرحمة ؛ لأن الشفاعة مشروطة بإذن الله تعالى ، ولو لم تكن مشروطة بإذنه لتغير الامر ، لكنها مشروطة بمن ارتضى ، وبعد أن يرضى ويأذن ، وهذا يفيدنا ألا نركز على الشافعين كما يفعل الكثيرون في طلبهم الشفاعة حتى من الموتى ، بل على رضا الله ، لأنه ليس لأحد حق على الله . فلا محسوبيات ولا جاه عند الله . ولو كان هذا النداء والدعاء يوجه لله مباشرة كما أمر لكان اجدى واكرم .. لأن الله حي قيوم وسميع مجيب وغفور رحيم .. وهو القائل (ادعوني استجب لكم) ولم يقل : ادعوا شفعائكم لاستجيب إكراما لهم ولحقهم علي . فالفضل كله لله اولا واخرا .  حتى أنبياء الله لا فضل لهم على الله ، بل له الفضل كله .

و سماعه تعالى للشافع علامة رحمة ، لأن الرحمة حادثة قبل التشفيع ، بمعنى أن الشفاعة لا تغيّر الحكم ، كما قد تغيّره في الدنيا .

(من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) . فإذا اراد الله ان يرحم قـَبـِل من الشافعين ، وبالتالي فالشفاعة تكريم للشافع ليس إلا ، أما الرحمة فهي رحمة الله وليست رحمة الشافع . قال تعالى (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ، إذن الأمر كله بيد الله .  

9 - نفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي.

التعليق :

القرآن لا يثبت فكرة كرامات الاولياء ، ولا العقل حتى ، لأن الإنسان في دار اختبار ، و الولي مثله مثل غيره مبتلى و مختبر بإيمانه ، والاختبار لا يكون بشيء حاضر ، ولو جاءته كرامات لتحوّل الايمان الى يقين ، بينما اليقين في الاخرة ، والدنيا دار ابتلاء ، اي اختبار ، و لا يوجد عبد لله و ولي ، فكل عبد حقيقي لله بحق فهو ولي ، والابتلاء لا يكون بكشف النتائج . بينما مجيء الكرامات يشبه مجيء المعجزات . والمعجزات كانت للانبياء . والله وعد أوليائه بانه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأن لهم الامن والحياة الطيبة والتوفيق وسداد الرمي و الجنة في الآخرة ، وأن يرزقه من حيث لا يحتسب ، لكنه لم يذكر ان لهم كرامات ، التي هي معجزات ، فما الكرامة الا معجزة غيّر إسمها حتى لا يقارن بالنبي .

الكرامة من الممكن لله ان يكرم احدا ، لكن لا يُكشف عنها ولا يراها الناس ، وإلا تضرر الإختبار .. فإذا قدّم احدهم كرامة ويمشي على الماء امامك مثلا ، سيكون ايمانك عن يقين لا عن ايمان ، والله اراد ان يُؤمَن به بالغيب . والاختبار ثابت في القران ، والكرامة غير ثابتة ، وفكرة الكرامة تناقض الاختبار .

من الممكن ان يهب الله كرامة لعبده ، ولكن حتى العبد لا يستطيع تحديدها ، بل انه يهب الكثير لعباده المؤمنين ، و يسدد رميهم ويوفقهم ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ويبارك لهم ويجعل لهم مخرجا من حيث لا يحتسبون ، لكنها كرامات لا ترصد على الشكل الاعجازي الذي يُذكر .. أليس عباد الله وانبياؤه يعملون ويجاهدون ويكافحون ؟ فلماذا لا تأنيهم كرامات بدلا من تعبهم ؟ الله يستطيع ان يجري الكرامة من حيث لا تستطيع عيون الناس وعقولهم ان تراها ، و ما قدم الله المعجزات لانبيائه الا تحديا للكفار ، و ليس لهداية الكفار ، لانها لم تنفعهم المعجزات . والسبب ان الايمان مبني على الغيب ، والكرامة من عالم الشهادة و معجزة . ولا ينفع ايمان جاء بسبب معجزة . لانه لا مجال للايمان . قال تعالى (ولو جاء الملائكة لقضي الامر) اي يدمروكم وليس لكي تؤمنون ، ولذا لا يفيد احد ايمانه اذا راى الموت ، لانه راى الملك .

اليس الله يوفق ؟ هل يستطيع احد ان يحسب التوفيق نفسه ؟ اليس الله يرزق عبده من حيث لا يحتسب ؟ اي كرامة ، لا يمكن حسبتها ، ولكن يُحس بوجودها . اما الكرامة فهي أن يرزق الله احدا من حيث يحتسب و يرى غيره هذه الكرامة ! كأن يضع اناء ويدعو فيه وينفث فيمتلأ عنبا وفاكهة ! ويقال : جاءته كرامة ! او ان تمتد يد من ذهب فترفع له إزاره . 

أما إكرام الاولياء الذي يستحقونه فالله أجّله إلى الآخرة . هذا غير أن الاعتقاد بالكرامات يفتح بابا للكذابين والدجالين ، بل و المشعوذين ، ليدلسوا على الناس والبسطاء و يستغلوهم . هذا غير انه لا يمكن التثبت علميا من اي كرامة أدّعيت لأحد . و الاعتقاد بها يسبب الغلو في الصالحين ، والذين قد لا يكونوا صالحين بالقدر الكافي ، فيضللوا الناس . والرسول يقول (كل ابن ادم خطاء) ، و لا أحد معصوم عن الخطأ والذنب ، حتى الأولياء ، والأولياء ليسوا أناس غير عاديين ، والاصل ان كل مسلم ولي ، إذا وعى كلمة إسلام ، من التسليم ، و أسلم وجهه لله . فمفهوم الولاية تعرّض لحرف و مغالاة . الولاية بموجب القرآن هي ولاية من عبّدوا أنفسهم لله و سلّموا أنفسهم له . والله وعد ان يتولاهم ، قال تعالى (الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور)  و ليست بمعنى المنقطعين المتزهدين بمسابح طويلة وساعات نوم قليلة وكرامات خارقة للعادة تشبه معجزات الانبياء .

ثم اذا قيل فلان ولي لله ، فالله هو من يحدد و ليس البشر من يحددون من هو ولي الله ، هو ولي الله و ليس ولي الناس حتى يعرفه الناس . لان المسالة تعتمد على السرائر التي لا يعلمها الا الله . والانسان في دار اختبار ، فاذا قلنا عن فلان انه ولي فهل نضمن انه سيستمر ؟ فضلا عن اننا لم نكشف عن قلبه ؟ قال تعالى ( فلا تزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقى) اي ان الله هو الاعلم بالمتقين وليس البشر ، والحكم بان احدا ولي او ان احدا سيدخل الجنة او النار وهذا كافر وهذا مؤمن وهذا منافق وهذا سيدخل النار قليلا ثم يدخل الى الجنة ، كله افتآت على علم و حكم الله ، لانها كلها امور لله ، و بالتالي الذي يبت بها هو الله ، و مثله من يشفع ومن لا يشفع ومن يستطيع ان يشفع ، فالشفاعة ايضا لله ، و من علم الله ، (من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه) .. ليسعنا قوله تعالى (عليكم انفسكم) ..

نحن ادرى بانفسنا و ليس بانفس غيرنا . تستطيع ان تشهد لاحد بصلاح رايته فيه ، لكن ان تضعه في رتبة و درجة أو تدخله الجنة ، فهذا من علم الله ، قال تعالى (هم درجات عند ربك) اي عند ربك ، لا نوزع الدرجات و قيمة الناس عند الله .

واذا كنا نحن من يحكم ويقيم وندخل النار وندخل الجنة ونوزع الناس عليهما و نقدم درجات القرب لله ، فماذا بقي لله ؟ ما دور حساب الله في الاخرة ؟ بامكانك ان تشهد لاحد بفضيلة فيه ، لا مشكلة في ذلك ، اذا كنت على علم بها ، لكن ان تحدد مرتبته عند الله و في الاخرة فهذا افتآت على الله . قال تعالى (هو اعلم بمن اتقى) أي هو و ليس غيره ، هذه من الامور الموكلة لله وليست لنا . وهو الاعلم بذنوب عباده منا ، مثلما هو الاعلم بصلاح عباده منا .

واذا كان قال (لا تزكوا انفسكم) فمن باب اولى الا نزكي غيرنا الا بحد ما نعرف ، أي بالجزء لا بالكل ، ولا نضع له رتبة عند الله ، فالتزكية جزئية وليست كلية ولا مصيرية . نقول عن شخص انه كريم او حليم او محافظ على الصلاة ، فهذا حقه وهو واجب ، قال تعالى (كونوا شهداء بالقسط) لكن لا نحكم عليه كله ولا نحدد مصيره ولا نحاسبه بدل الله و نضع له رتبة .. (ما شهدنا الا بما علمنا) ، اما السرائر فلا نشهد بها ، وهذا هو الاساس . 

كل إنسان يستطع ان يكون مولى لله ، والمولى تعني عبد ، ولكن العبرة في تحقيق العبودية وانسحابها على كل الحياة (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ، من قال هذا قولا صادقا دخل في ولاية الله ، و كانت حياته كلها لله ، حينها يحصل له وعد الله لأولياءه ، ليس بكرامات و مشي على الماء ، بل بالهداية والطمأنينة وانشراح الصدر ، و تبدد الخوف والحزن . هذا ما وعد الله ، ولا يحق لأحد أن يتقول ما لم يقله الله عن أوليائه . قال تعالى : (لا معقب لكلماته) والتعقيب الزيادة ، سواء في اللفظ أو المضمون ، حتى التعقيب على مضمون كلام الله لا يجوز .


ثم ما الفائدة ان تقول عن احد أنه ولي وتتبرك به وتعظمه ؟ لم لا تجعل نفسك وليا وتنشغل بها بدلا عنه ؟ والباب مفتوح للجميع ، قال تعالى (بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن) وهذه يستطيعها الجميع ، العالم و غير العالم .

هناك تعليق واحد :

  1. baraka lah fik 3la ma3lomat ................ احتاج الى نتائج افكارها على المجتمع و شكرا

    ردحذف