الجمعة، 14 مارس، 2014

الرد على فرية أن القرآن أمر الرسول بالاعتداء على المسالمين من غير المسلمين

ردا على مقال لأحد الكتاب:


جَزَاءُ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ (سورة المائدة 5:33)، ولم يقتصر القرآن على التحريض بقتال الكافرين فقط، بل تعداه التحريض على قتال المؤمنين من أهل الكتاب اليهود والمسيحيين وذلك من قوله: قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِا للَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (سورة التوبة 9:29)، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (سورة التوبة 9:29)، ليس قتالهم بحسب، بل تعداه إلى نهب ممتلكاتهم وسلب أراضيهم وسبي نساءهم وأولادهم، وذلك من قوله: وَأَنْزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (سورة الأحزاب 33:26 و27)،

لاحظ قوله تعالى: {ظاهروهم} أي تحالفوا مع قريش لاستئصال المسلمين, أليس هذا سببا لحربهم؟ والبادئ أظلم, و هم المقصودون في الآية السابقة التي تتكلم عن إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون, لماذا صاغرون؟ ليس لأنهم يهود بل لأنهم تكبروا على الحق وظلموا واعتدوا وخانوا الاتفاقية التي تنص على عدم التعرض للمسلمين وعدم التحالف مع أعدائهم.

الكاتب يجتزئ ويخرج الآيات عن سياقها ليصل إلى نتيجة يريدها, مع أنه كان بإمكانه أن يأخذ رأي القرآن بعد استعراض كامل احتراما للموضوعية, فهناك آيات تحدد آيات, لم يذكر الكاتب آية مثل: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء} ولم يذكر آية من مثل : {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} وهم من غير المسلمين بلا شك, ولم يذكر قوله تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ولم يذكر: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}.

أي كلام في العالم تستطيع أن تنتقي منه منتقيات وتنظمها بطريقة معينة إذا كنت تفتقر إلى الموضوعية, ومثل هذه الكتابات الانتقائية لا قيمة حقيقية لها وهي عيب على كاتبها عند العقلاء, وقد ينخدع بها البسطاء, والبسيط يهمه البسيط ولا يهمه العاقل ولا المفكر. القيمة الحقيقية لمن يقدم نظرة لمجمل النصوص. الانتقاء عمل غير محترم ويستطيع أن يقوم به أي أحد بسهولة, حتى من أراد أن يجد دليلا على تحريم الصلاة في القرآن يستطيع أن يجد! كأن يجتزئ قوله تعالى {فويل للمصلين}. لا احترام للانتقائية ولا قيمة علمية لها.

القرآن يأمر بالعدل حتى مع من نكرههم, وهذه الآيات نزلت في يهود بني قريظة وبني النظير الذين تواطؤوا مع قريش وأكنوا العداء وحاولوا قتل النبي, ولم يفوا بمعاهدتهم مع الرسول أول ما قدم المدينة.

 ويقول الإمام مسلم: قسم رسول الله أموالهم ونساءهم بين المسلمين ء ويقول القرآن في تصوير هذا الاعتداء الظالم: هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ (سورة الحشر 59:2ء4)،

لاحظ قوله تعالى:{شاقوا الله ورسوله} وليس لأنهم غير مسلمين, فهم حاربوا الله ورسوله أي لم يحترموا حرية الاعتقاد لغيرهم ولم يكتفوا بعدم الاحترام بل تجاوزوه إلى الرغبة بالتصفية الجسدية لمن أسلم ودبروا المؤامرات والاتفاقات, فكانت هذه الحرب من نصيبهم جزاءا وفاقا. ورعب قلوبهم هو الذي أخرجهم ولم يجربوا الصمود في القتال. كفار العرب صمدوا وقاتلوا ببسالة العربي أما اليهود فولوا مدبرين لكنهم لم ينسوا الأمتعة, مثلما خرجوا من مصر يحملون الأمتعة المادية, وهذا سؤال آخر: لماذا لم يقاتلوا ببسالة؟ و ما مصدر هذا الرعب الذي أصابهم أكثر من غيرهم رغم كثرتهم وكثرة قراهم حتى أنهم لا يقاتلون إلا من وراء جدر أو في قرى محصنة, بينما العرب قاتلوا في بيداء بدر بلا حصون ولا خنادق سوى سيوفهم ورماحهم, ومن كان بيته من زجاج عليه ألا يقذف الناس بالحجارة. لم يكتب الله على اليهود أن يقتلوا أو يعذَّبوا بل كتب عليهم الجلاء كما توضح الآية, هم خربوا بيوتهم بأيديهم حسدا حتى لا يستفيد منها المسلمون بعد جلائها, ولكي ينهبوا منها كل ثمين.

لقد كان هؤلاء اليهود جيران سوء للمسلمين ويضمرون العداوة حسدا من عند أنفسهم كما أخبر القرآن, لأنهم أرادوا أن يكون النبي منهم وليس من العرب الجوييم المحتَقَرين, كما قال تعالى: {هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم} والأميين هم الجوييم عند اليهود أو الحوييم لأنهم يرون أنفسهم أنهم أهل الكتاب وحدهم, ولا يريدون كتابا لله عند غيرهم, وكانت صدمة قوية لكبريائهم بعد أن تعودوا أن يكون الأنبياء منهم حتى عيسى عليه السلام أمه يهودية, تلتها صدمة تغيير القبلة عن بيت المقدس قبلة اليهود إلى مكة مهوى أفئدة العرب, و كان في هذا إعلان لتحول الكتاب و الكلمة منهم إلى المسلمين ومن بيت إسرائيل إلى بيت إسماعيل إلى الأبد, لأن الله غضب عليهم لعدم احترامهم للأنبياء بعدما قتلوا يحيى وتآمروا على قتل عيسى السابقيَن لمحمد بعد اتهام أمهاتهما الطاهرات بالزنا, بل قتلوا أكثر كما قال تعالى: {فريقا كذبتم وفريقا تقتلون}. ومثلها صدمة أنه خاتم الأنبياء أي لن يأتي نبي لليهود مرة أخرى, لا تحلمون! فكيف يبعث الله نبيا من العرب الأميين أي الجوييم وجيران اليهود المحتقَرين؟! القضية عنصرية, لهذا حاربوا الله وحاربوا رسوله وحاولوا قتله عدة مرات, وحاربوا الله لماذا غير وجهته عنهم وأرسل رسوله من غيرهم, وهو خاتم الأنبياء حتى فلا نبي بعده, وهذا جذر عداوتهم للإسلام لأن المسلمين أصبحوا أهل الكتاب الحقيقي بدلا منهم ولم يعودوا أميين, (والمقصود هو ليس كل اليهود طبعا لا قديما ولا حديثا, لكنهم أهل السيادة والكلمة العليا فيهم مع الأسف). وفعلا قامت الحضارة حتى الحديثة منها على اساس من هذا الكتاب الذي لم ينزل على يهودي كالعادة, فنشأ الحسد في أنفسهم إلا الطيب منهم, لأنهم كان يستفتحون على أهل المدينة بقرب ظهور نبي سوف يسحق العرب وفعلا ظهر النبي لكنه ليس منهم بل من الجوييم, وكان ذلك ضربة قوية لعنصريتهم المغرورة, لأنهم اعتقدوا أنهم أبناء الله وأحبابه وأن بينه وبينهم عهد وأن هذا العهد في تابوت عندهم ينقلونه أينما ذهبوا.

ولا أدري لماذا يوجد من يتباكون على حرب النبي لليهود ولا يوجد من يتباكى على حرب النبي لقريش مثلا ؟! مع أن هؤلاء الذين يتباكون عرب! فكيف عربي يبكي على يهودي ولا يبكي على عربي! عرب مكة هم الذين حصل فيهم القتل أكثر من اليهود, اليهود أجلوا و سُمح لهم بأخذ ممتلكاتهم معهم, لكن قريش قتل منها المئات في معركة بدر, فما بالك ببقية المعارك ولم نجد عربي يتباكى عليهم! كل البكاء لليهود أصحاب حائط المبكى! الحرب العالمية الثانية قتلت خمسين مليون, ولا يُبكى إلا على اليهود فقط! فما حكاية هذا البكاء وكأن البقية ليسوا بشرا؟! شيء عجيب أن تبكي على شعب آخر ولا تبكي على شعبك! وإن كنت ملحدا عربيا فالأولى أن تبكي على كفار قريش لأنهم عرب على الأقل وأقرب للإلحاد من اليهودي الذي يؤمن بإله واحد, و ما هذه العين التي مثل عين عذاري تسقي البعيد ولا تسقي القريب كما يقول المثل, ما القصة إذن؟ ما أكثر أن تجد ملحدا يبكي على يهود مع أنه يحارب الأديان! ويطالب بحقوق اليهود الدينية مع أنه ضد الأديان, ولا يطالب لكل الأديان بل يطالب لدين اليهود فقط! و لا أدري إن كان هذا الكاتب منهم أو لا, لكن حائط مبكاه هو الذي أوقفني.

المسلمين في صدر الإسلام حاربوا الكثير ليس فقط اليهود لكن لا نجد لهم ناعيا ولا بواكيا فقط نجد لليهود اليهود اليهود, اليهود مساكين اليهود ظلموا.., وكأنه لم يُظلَم أحد في الدنيا إلا هم! نعم للوقوف ضد الظلم بالمساواة دون تفرقة عنصرية حتى في البكاء. ترى ما السر؟ و لماذا اليهود فقط مظلومون وقريش وثقيف ودوس ومضر وربيعة ليست مظومة؟! علامات تعجب لا جواب لها!


وبدون حساسية يا صديقي ألا ترى معي صعوبة تقبّل العقل والضمير معاً أن يكون مثل هذا الاعتداء الوحشي وهذا السلب هما تعاليم دينية من عند الله؟

كلا هذه ليست تعاليم دينية من عند الله, هذه حالة لها حكمها ومبرراتها وكلها مذكورة في القرآن أمام عين الكاتب, فالقتال في الإسلام ضرورة وليس تعاليم, لأن الإسلام دين السلم, قال تعالى {وإن جنحوا للسم فاجنح لها}, وقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} أي بما فيهم غير المسلمين, وقال {لا إكراه في الدين}.

هذا الكاتب يخلط بين السياسة والدين, يريد أن يسمي ردود أفعال سياسية وأمنية بأنها تشريع ديني, فقط لأنها ذكرت في القرآن, وينتقي منها صورة المعركة ويقول: انظر القرآن يأمر بالقتال فقط لأنهم غير مسلمين! تاركا بقية الآيات المحدِّدة لمن يجب أن يقاتل ومن يجب ألا يقاتل. التشريع في القرآن هو رد المعتدي وهذه حالة معتدي و رُدَّت, وبما أن اعتدائهم كان بقصد القتل والإبادة جاء جزاءهم ألطف مما أردوا وهو الجلاء, فإن كنت باكيا على أعداء الرسول فلتبك على العرب الذي قُتلوا وليس على من أجلوا بأمتعتهم! حتى البكاء يحتاج إلى منطق.

 أنت يا صديقي ادّعيت بأن الإسلام لم يعتد على أحد، ولم يسلب مال احد، ولم يسفك دماء أحد، ولم يسب النساء والغلمان، فكيف يتفق هذا مع واقع القرآن والسيرة؟ وهما زاخرين بمثل هذه الجرائم الخطيرة في حق البشرية لا شيء سوى لمخالفتهم في الدين، وهل هذا سبب كاف لسفك دمائهم ونهب بيوتهم وأراضيهم وسبي نسائهم؟

كلا, هذا اختصار مخل وغير منطقي ولا موضوعي ولا محترَم أن ترجع كل القتال لكونهم غير مسلمين فقط! لا القرآن ولا السيرة ولا التاريخ يؤيد هذا الاختصار المخل, خصوصا وأنت تقرأ الآيات الكثيرة التي تؤكد على عدم الإكراه في الدين, كيف تقول أن القرآن يقول هذا رغم كثرة الآيات التي تصرح بأن الإسلام من عدمه شأن شخصي؟! وأن العقاب على رفض الإسلام في الآخرة وليس في الدنيا.

هذا الكاتب المنصف لم يذكر ولا شيء عما ما فعله هؤلاء الذين قاتلهم الرسول دفاعا عن النفس, وكأنهم لم يفعلوا أي شيء مسالمين آمنين في بيوتهم فقط أنهم لم يسلموا! هذا ما يحب أن يتصوره! هذا ضحك على العقول والذقون, وأعتقد أن الوعي العام قد ارتفع عن هذا المستوى من الدعاية الفجة. اقرأ فقط ما فعلت قريش وكيف عذبت المسلمين الأوائل ومنهم من مات تحت السياط وكيف طردوا المسلمين ونهبوا ممتلكاتهم وتآمروا على قتل الرسول وهربوا لاجئين إلى المدينة ليجدوا عداء اليهود بالمرصاد, وهذا باختصار, بعد أن اتحد اليهود وكفار العرب على محاربة الدين الجديد كل له أهدافه الخاصة به, لكن عدوهم مشترك.

 لقد بدأ الإسلام دعوته سلمياً، ولم يكن سلاماً نابعاً من قوة، بل كان سلاماً ظاهرياً تمليه عليه حالة الضعف والوهن الذي كان عليه قبل اتجاهه للقوة والإعداد للحرب القتالي، وهذا أسلوب بشري صرف وليس له أدنى صلة بأساليب وتدابير الله الذي ليس من مشيئته قهر الشعوب بل إقناعهم ، والاقناع لا يتم بالسيف بل بالكلمة ء وقد حاول الإسلام التشبه بالرسالات السماوية فبدأ بالكلمة،، لكنه لم يأت بتعاليم جديدة تجذب الناس إليه ء وظل لمدة تزيد عن عشر سنوات دون أن يحقق أي نجاح في انتشار دعوته بين الناس ء ولولا حماية عمه أبو طالب وزوجته خديجة ما كان النبي صاحب هذه الدعوة استطاع البقاء طوال هذه السنين، وهي عوامل بشرية لا تمت للتأييد بالأمر الإلهي

لاحظ عبارة الكاتب :" ولولا حماية عمه أبو طالب وزوجته خديجة ما كان النبي صاحب هذه الدعوة استطاع البقاء طوال هذه السنين" هذا الكلام يفضح وجهة نظر الكاتب السابقة بأن حروب الإسلام كانت اعتداء على آمنين لم يسيئوا للمسلمين بشيء فقط لأنهم غير مسلمين, فغالط نفسه وفضح نفسه! هاهو يثبت أن الرسول كان يراد أن يُستأصل هو  وأصحابه رغم اعترافه بسلميتهم في تلك الفترة! إذن من المعتدي على الآخر؟! ومن الكذاب الآن؟ لاحظ هذه الكذبة انكشفت بعد أن وصف الكاتب الإسلام بالكذب! فوقع به هو! فسبحان الله هذا شيء عجيب, (هي الحنيفة عين الله تكلؤها *** فكلما حاولوا تشويهها شاهوا).

لاحظ من تلاعب الكاتب بالعبارات أنه مرة يتكلم عن القرآن ومرة يتكلم عن الإسلام, ويختار كلمة إسلام إذا أراد أن يجر كل غلطات التاريخ ليلصقها في القرآن, ويتكلم عن القرآن إذا وجد آية يجتزئها تناسب طرحه, وهذه اللعبة التبادلية بين الإسلام والقرآن لا تنم عن موضوعية فالمسلمون بشر, والقرآن كلام الله, وكلام الله لا يُحشر معه كلام البشر أو فعل البشر, بل يُدرس لوحده, هذه هي الموضوعية, ويُدرس تاريخ البشر لوحده. وما لم يجد الكاتب في كلام الله يجده من البشر ليجعل الشيئين مختلطين وكأنهما شيء واحد, فمرة يفصل ومرة يدمج تبعا للعبة الضحك على العقول.

البداية السلمية لا يعني أن الأمور سوف تستمر سلمية, لأن كل تصعيد يحتاج إلى ردة فعل والأمور على بداياتها, فالإسلام بدأ سمليا كما يقول الكاتب إذن هذا هو تشريعه فالأمور على منطلقاتها, فالرسول لم يهاجر إلى المدينة ليجمع جيشا ويقاتل مكة وهي لم تفعل له شيء, أهل مكة اضطروه للهجرة, لو كان فعل هذا لحق للكاتب الذي يعترف بأنهم تآمروا على قتله مع أنه سلمي, إذن هذا هو الإسلام إذا لم يحارَب مثلما بدأ بمكة:سلمي إلا إذا اعتُدي عليه, (إذا لم تكن إلا الأسنة مركب ** فما حيلة المضطر إلا ركوبها), والله يقول: {كتب عليكم اقتال وهو كره لكم}, وفي كل العالم تبدأ الاعتراضات والمظاهرات سلمية لكن ليس على كل حال تنتهي سلمية, فهل تقول أن كل الثوار في العالم وعبر التاريخ خائنون لمبادئهم؟ هذا غير منطقي ولا أخلاقي لأن هناك شيء اسمه دفاع عن النفس الذي يقتضي المواجهة. والكاتب أثبت أن حياة الرسول كانت في خطر من القرشيين هو وأصحابه مع أنهم سلميين كما أثُبت هو! إذا كنت أنت تريد السلمية فهذا لا يعني أن خصمك يريدها مثلك وقريش والكفار لم يبدؤوا سلميا كما بدأ المسلمون, و حق الرد في الوقت المناسب محفوظ لكل من يُعتدى عليه وهذا في القانون الدولي, فليس منطقيا أن يحارب الرسول قريش ببضعة أشخاص معه, فالحرب لها أصولها تحتاج إلى العِدد والرجال.

والرسول في مكة والقرآن معه لم يقل أدر خدك الأيسر لمن صفعك على خدك الأيمن بل قال اصبروا حتى يأتي الله بفرج من عنده, لو كانت مبادئ الإسلام المكي مثل مبادئ المسيحية لحق لك أن تقول أنه بدل مواقفه حين صار قويا, لكن أن يرد في الوقت المناسب فهذا من الحكمة لأن الله لا يأمر بالتهلكة, ولم يكن القرآن المكي يداهن عبدة الأصنام, بل كان ضدهم على طول ودون محاباة أي أن العداوة موجودة قبل الأمر بحمل السلاح, لو كان يمدحهم ويداهنهم لحق لك أن تقول أنه بدل رأيه, لكن القرآن كان ينزل عليهم كالمطارق رغم ضعف المسلمين, والذي يقول لهم القرآن هو محمد وأصحابه الضعفاء, وقول الحق هو الذي جر عليهم عداوة الأشراس المتكبرين الماديين. القرآن المدني لم يغير مبادئ القرآن المكي, وكما سماهم في مكة كفارا سماهم في المدينة كفارا وتوعدهم بعذاب الآخرة, ونهى القرآن المدني عن الاعتداء وأمر بالجنوح إلى السلم واستنكر إلزام الناس بالدين, {أفنلزمكموها وأنتم لها كارهون} لكنه أمر لنبيه أن يقاتل المتآمرين عليه وعلى أصحابه بعد أن صار لهم منعة في المدينة, قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِموا} فأذن للذين يقاتَلون أن يقاتلوا لأنهم مظلومون, وهذه الآية تبين لك مبدأ القتال في الإسلام وهو دفع الظلم المتعلق بالحياة وحق البقاء, والآية تبين أن المسلمين كانوا يقاتَلون من قبل كارهي الإسلام قبل أن يؤذَن لهم بالدفاع عن أنفسهم, لم يؤذَن لهم إلا بعد أن تبين للجميع أنهم ظُلموا وأخرجوا من ديارهم بلا ذنب حتى أنهم فروا بدينهم إلى الحبشة تاركين أهلهم وأولادهم وأملاكهم فقط لأنهم قالوا لا إله إلا الله, { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ}.

والمغالطة الأخرى التي ساقها الكاتب أنه صور أن إسلام الدعوة لم ينجح مما اضطر محمد أن يصطنع الجيوش ليلزم الناس بدين, وهي فرية غير موفقة كسابقاتها, فكيف تأتي الجيوش ما دامت دعوته فاشلة؟!! أليست الجيوش أفراد يحتاجون إلى اقناع بالدين الجديد؟! أم أنه حمل سيفه هو تحت الشجرة بعد أن حاصر مجموعة من حجاج يثرب وأكرههم على دينه وإلا قتلهم!! لماذا تذمرت قريش وضجرت وتآمرت على إخراج الرسول مادامت دعوته فاشلة ولا يريدها أحد؟ ثم الوفود التي جاءت إلى الرسول تبايعه من أصقاع الجزيرة العربية هل كانت مكرهه بالقوة رغم أنهم لم يأت إليهم جيوش؟ وأهل اليمن الذين تقبلوا الإٍسلام من أنفسهم وبلا فتوح هل كانوا مجبرين؟ وأهل مصر وشمال أفريقيا الذين تقبلوا الإسلام وغيروا لغتهم إلى العربية هل كانوا مجبرين على تغيير اللغة بالسيف أيضا؟! لماذا لم يغير الفرس لغتهم مع أن أرضهم مفتوحة؟ و أقباط مصر لماذا لم يجبروا بالسيف على الإسلام أليس يجبر الناس بالسيف؟! وهم ناس؟! وثلثي المسلمين الآن كلهم أسلموا ولم تُفتح ديارهم يوم من الأيام وما زال الإسلام ينتشر حتى اللحظة حتى في أمريكا وأوروبا التي تعاني من الإسلاموفوبيا, هل السيف وراء لك؟ أي سيف هذا؟! هل رأيت أن هذه فرية ضعيفة جدا لا يتطابق معها لا الواقع ولا التاريخ ولا تصلح للإعادة مرة أخرى. متى فتحت أندونيسيا وماليزيا وبقيادة من؟ ودول غرب أفريقيا ومسلمي أمريكا والصين والفلبين وغيرها وغيرها. هذا الكاتب مثل من يريد أن يحارب الشمس بغربال في يده, خيوطه أضعف من خيوط العنكبوت.


 كل الموضوع صحيح لو أنه بدل المواقع وتكلم عن المسلمين بدلا من اليهود أو المشركين لأنهم فعلا هم الذين قوتلوا وهم سلميون وتعرضوا لاضطهاد ديني وتآمر شرس, فكان من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم, هذه السلمية أثبتها الكاتب من حيث لا يقصد! وبالتالي رد على نفسه بنفسه. الذي وقع فيه الكاتب هو من تقليب الأمور الذي أشار إليه القرآن فالرسول وأصحابه هم الذين أوذوا وقوتلوا بلا ذنب رغم سلميتهم فلما دافعوا عن أنفسهم صاروا قتلة ومجرمين في نظر الكاتب وأمثاله من المنصفين جدا! 

هناك تعليقان (2) :