الخميس، 8 ديسمبر، 2016

حاجة الإنسان للتوكل على الله



التوكل هو ألا تربط الاسباب بمسبباتها وتقف، بل تؤمن أن الله هو الفاعل والمدبر {وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}. والقرآن يعلمنا دائما أن الله هو الذي يوفق وهو الذي يعطي وهو الذي يمنع, والتوكل هو أوضح ميزة في الانبياء وهو علامة اليقين.

التوكل هو ربط النتائج بالله وليس بالأسباب وحدها, ولا يعني هذا إهمالا لقيمة العمل والأخذ بالأسباب بل على العكس, فالمتوكل يعمل كل ما بوسعه حتى يكون ما ليس بوسعه على الله، أي يعمل حتى يتوكل توكلاً سليما, وليس أنه يتكبر على سنن الله ويهمل ثم يقول أنه متوكل! هذا متكبر وليس متوكل, فعبادة الله تكون بالأخلاق وإهمال القوانين التي سنها الله من التكبر, و من يحترم قدر الله المقدور (سنن وقوانين الطبيعة) هو المؤهل أن يستجيب له قدر الله المتغير. التوكل يعطيك طاقة ويجعلك تعمل كل ما عليك بشكل متقن لئلا يكون منك خطأ او اهمال.. فالرسول صلى الله عليه وسلم حفر الخندق وجهز للمعركة بعمل شاق وتخطيط، ولما انتهى أخذ يدعو ربه، وفي كل سيرة الرسول نرى الاحتراز، ومن شدة الاحتراز والأخذ بالأسباب تسييره جيش لتبوك بشدة الحر حتى لا يرون من توعدوا المسلمين بالحرب أن المسلمين فيهم خوف ومهانة .

حتى تربط الله بالنتائج يجب أن يكون الله حاضر في الذهن دائما، مهما تكالبت الأسباب وتسارعت وأذهلت، لابد أن يكون الله حاضرا، لأنك لو غفلت عن الله أوكلك للأسباب.

التوكل دواء لكل متاعب الحياة وآلامها ومخاوفها, فلا يوجد حل لأي مشكلة إلا بالعبودية لله. كل الناس يعانون من القلق والخوف, ومظاهر المتعة ما هي إلا هرب وترفيه عن القلق والكآبة والضنك الذي يعيشونه. لا أحد يستمتع حقا بالحياة إلا المتوكل على الله, لأنه هو المطمَئنّ فإذا حصل اطمئنان النفس فأدنى شيء يسعدها, {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن} إذن البقية لهم الخوف, فيعيشون بخوف وهروب من الخوف، على شكل انغماس في الحياة وتهالك على المتع والتسلية, أو على شكل تغييب عن الواقع بالمسكرات والمخدرات أو بالأماني الكاذبة وأحلام اليقظة, بل بعضهم حتى بالانتحار كصورة مكثفة من الهروب عن المخاوف, فكل المتاعب النفسية هي عبارة عن مخاوف, والأمراض النفسية والعقلية هي ردة فعل تجاه المخاوف, فشعور الإنسان بطبيعته إيجابي ولا يحتمل أن يبقى خائفا وكئيبا, لهذا شدة الكآبة قد تؤدي إلى انفلات وإيجابية منفصلة عن الواقع كالشيزوفرينيا . و من هنا نعرف قيمة الأمن النفسي الداخلي, فهذا للمؤمنين بالله والمتوكلين عليه فقط.. المسلمي أنفسهم لله وليس لأهوائهم .

الله لم يعد عباده أن تكون حياتهم نعيما دائما, بل قال : {لنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص بالأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}, لكن لا يعني هذا أننا نتوقع لأنفسنا مستقبلا مظلما ونتشاءم, فالله أيضا قال :{أولئك لهم الأمن} وقال {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} وسمى نفس المؤمن بالنفس المطمئنة, فالله سبحانه هو أهل الظن الحسن. الله رحيم وهو من يكلؤنا بالليل والنهار وسلمنا حتى هذه اللحظة, هو من وهبنا أبوين يرحماننا حين كنا صغارا, وهو من وهبنا الأصدقاء, وهو من وهبنا حواسنا وصحتنا, ووضع لنا الثمار بالأشجار وأنزل الماء من السماء وسخر الطبيعة لنا, وهو من وهبنا العقل ووهبنا المعرفة, وهو من وضع فينا شعورنا الفطري الذي يحب الخير ويدفعنا إليه ويكره الشر ويخوفنا منه, وهو الذي وضع الألم فينا لكي ننتبه ونحذر الأضرار الجسمية والنفسية..., فكل خير ذقناه وكل خير نحن فيه هو من عطاء الله ورحمته, فكيف لنا أن نسيء الظن بالرحيم الكريم بعد كل هذا العطاء الإلهي؟ فعلى المؤمن المسلم لله أن يحسن الظن بربه, وإن حصل ما يكره فهو لحكمة يعلمها هو, الله يريد الخير بعباده ولا يريد بهم شرا {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}, وهذا يشمل الدنيا والآخرة, وقال سبحانه {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}, فكل ما يقدره الله للمؤمن هو خير له وإن كرهه, فالله لا يريد بعباده إلا خيرا. وإن حصل لنا عسر فدائما ما يرافقه يسر من الله {إن مع العسر يسرى}.

الانسان ضعيف ويحتاج لسند ومخاوف الدنيا كثيرة وشديدة, ومخاوف الإنسان أكبر من مخاوف أي مخلوق آخر غيره, فالحيوانات قلما تشعر بالخوف, فلا تشعر بالخوف إلا وقت الخطر المباشر, لهذا هي قوية وصحتها سليمة و خالية من الأمراض النفسية بل خالية حتى من تسوس الأسنان! لكن الإنسان عنده عقل يبعث له المخاوف غير الحاضرة ويبحث عن الضمانات لكي يطمئن ولا يجدها ولن يجدها.. فنحن بحاجة ماسة لأن يكون الله معنا, وحتى يكون الله معنا يجب أن نكون نحن مع الله ونسلم حياتنا له سبحانه ونتوكل عليه. حين تكون مؤمنا بإله خيّر وتفعل ما بوسعك ستطمئن, وهذا الشعور بالراحة الداخلية نعمة من الله, وبالأخير الله سيفعل ما يريد ولا راد لقضائه سبحانه, فلماذا القلق؟ فما قُسِم سيحصل لكن الهم والقلق زيادة ع المقسوم, كما قال الشاعر الشعبي : "ما قدر الله ما منع عنه محذور.. الهم زود وما قضا الله صاير" فلو ذهب عنك الهم بحد ذاته هذه نعمة كبرى من الله.

وكما يجب على المؤمن أن يؤمن أن التوفيق والنجاح في حياته هو من الله, كذلك عليه أن يؤمن أن توفيق غيره ونجاحهم هو من الله وليس من عملهم, قارون ظن أن ثروته جاءت بسبب علمه وذكائه {إنما أوتيته على علم عندي} وكان الناس يتمنون أن يكونوا مثله, فخسف الله به وبداره الأرض, {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر, لولا أن من الله علينا لخسف بنا, ويكأنه لا يفلح الكافرون}. وقال عن اليهود في سياق إفسادهم في الأرض مرتين {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا}. الله سبحانه موجود ويؤثر في الواقع .

من لا يؤمن بتوفيق الله وتأُثيره في الواقع سيتعرض للمفاجآت كثيرا, شدة الارتباط بالواقع والأسباب تجعل الانسان يظن أن لا شيء سيتغير وستظل الأمور على حالها، فيظنون أن صحتهم وغناهم وأصحابهم سيستمرون, لهذا إذا توفي قريب لهم ليس فقط يحزنون بل أيضا يستغربون وينصدمون, وهذا من ضعف الايمان فالأقدار بيد الله وهو يفعل ما يشاء, والعجب من الحياة وليس من الموت نظراً للأصل .

ومن لا يؤمن بتوفيق الله لن يفهم الواقع و ستكون تحليلاته غير واقعية، مثل المحللين السياسيين أو حتى الرياضيين، فلو فريقين رياضيين يلعبان بشكل جيد لكن قبل نهاية المباراة فلتت الكرة من يد حارس الفريق الثاني ودخلت في مرماه، سيثني المحللون على الفريق الفائز ويذكرون أسباب فوزه وعبقرية اللاعبين والمدرب، ويعددون أخطاء الفريق المنهزم وأسباب هزيمته، ولو كانت الغلطة من حارس الفريق الأول لقالوا نفس الشيء لكن من صالح الفريق الثاني! وهذا الخلل في الفهم سببه الاعتماد فقط على الأسباب وإهمال التوفيق الإلهي. فالدنيويون كأنهم يقولون أن ما لم يكن مستحيل أن يكون، وما صار كان يجب أن يكون! كنتيجة حتمية للأسباب! فأي دنيوي يؤمن بالحتمية, لكن لو كان كذلك لماذا لم يتوقعوا النتائج من قبل؟! لو كانت المسألة أسباب فقط فمعرفة الأسباب كافية لمعرفة النتيجة قبل وقوعها!

هذا لا يعني إهمالا للأسباب، فإهمال الأسباب إهمال للعقل, ومن لا يأخذ بالأسباب سيحصد نتيجة إهماله لها, لأن الأسباب قوانين وضعها الله في الطبيعة - مع أن رحمة الله قد تطال نتائج إهمالك وترحمك منها- , لكن الدنيا لا تسير فقط على القوانين, فكم مرة أخذنا بكل الأسباب لكن فشلنا, ومرة أخرى أخذنا بها ونجحنا! هذا من توفيق الله.. وهو ما يسمونه بالحظ الذي لا يمكن لأحد أن ينكر وجوده حتى الدنيويون, فمن لا يؤمن بالله سيؤمن بالحظ كبديل عن الله .

الحياة من دون الايمان بالله ورطة.. لأن القلق والخوف منطقي، وشوبنهاور الفيلسوف المتشائم يتحدى معارضيه أن يثبتوا خطأ نظرته المتشائمة، فيقول كم يرغب الانسان وكم يتحقق من مما يرغب! فالمنطق الدنيوي لوحده يقول لك تشاءم.. ليس هناك حل إلا الإيمان بالله.

قال تعالى عن أم موسى التي كانا خائفة على ولدها: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كانت تبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} الحياة صعبة ولا يمكن أن يستقبلها الإنسان بصدر عارٍ، لذلك نقول: اللهم اربط على قلوبنا. الإنسان مليء بالمخاوف و الفوبيات، لكن ربْط الله على قلب من يشاء من عباده يفتح الأمل ويبعث التفاؤل. الملاحدة يؤمنون بالحظ بينما التوفيق من الله وحده، والإحساس بالأمان في مواضع الخطر يأتي من الله ولا يأتي من العقل أو من طاقة كونية أو قانون جذب. كذلك الإحساس بالغنى لا يأتي إلا من الله، فهو لا يأتي بالمنطق لان الغنى - عقليا - ليس له حد، لكن يصبح له حد بالنفس عندما يطَمئنها الله لأن الغنى غنى النفس, أما بموجب العقل فيجب أن تكون طماعا وخائفا على مالك، ويجب أن تكون خائفا من كل مصدر للخطر، وهذا لا يحتمله الإنسان لأن المخاوف غير محدودة بينما قدرة الانسان محدودة، وهذا يسبب الضعف والانهيار، {ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به}. بموجب اتباع العقل والمنطق الدنيوي يجب أن تكون جشعا وبخيلا وجبانا ولا تثق بأحد، بل ويجب أن تكون غدارا وماكرا وكذابا وهذا هو العنت بعينه والحمل الأصر، وبموجب العقل يجب أن تحتاط من كل المخاطر المحتملة، فيقع الإنسان بالمخاوف الوهمية البعيدة فيتصرف بموجبها وبالتالي تنتج مخاطر حقيقية قريبة ومشاكل لم تكن موجودة في الواقع، وهذه علامة توكل الانسان على نفسه وليس على الله.

حقيقة الإنسان في سعيه في الحياة أنه ليس له إلا ما يستطيع وما يملك من أدوات فقط أما النتائج والتوفيق فليست منه, مثلما أن الشفاء ليس من الدواء وحده, وهذا يدفع الإنسان كي يعمل ما يسر الله له أن يعمل من أسباب حتى يوقفها على ما ليس له. هذا يعطي الإنسان إيجابية للعمل أكثر على عكس المُتصوَّر أنه يجلب التخاذل والتواكل, وهذا يجعله يرتبط بالله بشكل حتمي , فبعد أن تعمل ما تستطيع هنا يأتي دور التوكل لما عند الله. 

وإذا قلنا افعل ما عليك هذا ليس شيئا هيّنـاً بل شيء كثير ومترابط. أنت لا تدعو الله وتتوكل في أن تقوم أو تمشي أو تركب السيارة أو أن تخلع نعليك, لكن تتوكل على الله وتسأله التوفيق في هذه الرحلة, لأن وقوفك ومشيك وركوبك هذه أشياء ملّكك الله إياها وحقها الشكر, فهذا موضع شكر وليس موضع توكل. 

بسقوط النتائج من اعتمادك واهتمامك فإنه سيسقط عنك نصف حملك , فاعمل وتوكل على الله ولا تتوكل على نتائج.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق