الأحد، 11 ديسمبر، 2016

الولاء والبراء


إن بغض من يحاربون الله ورسوله هو معنى البراء ، وليس من خالف الله ورسوله، بل إن برّ هؤلاء والإحسان إليهم مشروع رغم مخالفتهم لله ورسوله ما لم يعتدوا، بدليل قوله تعالى {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين}[الممتحنة:8] ، وكذلك دفع الزكاة للمؤلفة قلوبهم، مع أنهم لهم دين يخالف ديننا.  قال تعالى : (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فمعنى يحادون غير معنى يُخالفون أو يختلفون، لأنها تعني العداوة والمكائد والشر والتحدي، مثلما فعل كفار قريش ومن تآمر معهم من اليهود في عداوتهم لله ورسوله وما أنزل الله على رسوله وللمؤمنين.

وأما أن يكون الولاء للأكثر تطبيقا للأوامر والنواهي الشرعية عن غيره من المسلمين، فبهذا الشكل سيكون هناك ولاء و براء بين المسلمين أنفسهم، و هم في مجتمع واحد، وسيأخذ نفس الصورة التي يأخذها مع غير المسلمين، وهذا الولاء والبراء بين المسلمين لا دليل عليه من القرآن. وهنا المشكلة والتفرقة بين المسلمين وينفتح باب للعداوات وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فإذا كنت صاحب عمل مثلا فإنك ستختار من مظهره الإسلام أكثر، حتى لو كان غيره أفضل وأكفأ، مع أنك لا تعرف ما في قلبه. وهنا سيشعر البقية بالظلم، وتعين الشيطان عليهم، وتفتح باب النفاق والتمظهر بمظاهر تطبيق الإسلام أكثر لأجل المصالح الإجتماعية والمادية، بينما السرائر لا يعرفها إلا الله، و كل هذا بحجة أن هذا المسلم ملتزم بالإسلام أكثر من الثاني، إذن عليّ أن أُعادي الثاني و أُوالي الأول، حتى لو لم يُسئ لي الثاني ! وهذه مشكلة و ظلم، وتدخُّل في شؤون الله، الذي قال (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى). الله هو الذي يعرف السرائر ويعرف من هم المؤمنون حقا، وليس نحن. والإسلام له مظهر خارجي ومخبر داخلي، وإن عرفتَ بعض سمات المظهر الخارجي فقط فأنتَ أبعد من أن تعرف الداخلي، والداخلي هو المهم. إذن هذا التفعيل والتوسُّع لمبدأ الولاء و البراء بين المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله، يؤدي إلى الشرور التي نسميها (الصناعي) ، كالتفرقة بين المسلمين، وتبادل الاتهامات، والنفاق والرياء، ويترتب عليه الوقوف في صف أحد بسبب مظهره الخارجي ضد آخر بسبب مظهره الخارجي أيضا، قبل التأكد من أيهما المخطئ وأيهما المصيب، وهذا خدش للعدالة. الولاء والبراء لا يطبّق بين المسلمين، بل ضد من يحادّون الله ورسوله ضد المسلمين فقط. لأن الله قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).

وهذا التقسيم يؤدي إلى تضييق دائرة الملتزم، فهي بهذا الشكل قابلة للتوسع والتضييق حسب أهواء الشخص، بينما دين الله واسع. إذن هذا من تضييق الواسع وهذا من التطرف. فتصبح الدائرة كأنها زوم كاميراZoom  ، فمرّة تتسع دائرة الولاء حتى تسع العالم الإسلامي كله، و مرة تضيق جدا حتى تنحصر بشيخه وزمرة تلاميذه فقط، ولو حصلت بينهم منازعات لضاقت أكثر حتى يتبقى هو فقط. لأنه أضمن الموجود. إذن ما الفرق بينها وبين العصبية القبَلية ؟ فالعصبية القبَلية تتّسع وتضيق، فالمتعصب القبلي إذا وجد آخر من قبيلته في بلد آخر أصبح كأنه أخوه، لكن في مجتمع القبيلة سيكون ذلك الشخص نفسه من أطراف القبيلة، وطالما قالوا : أنا و أخي على ابن عمي، و أنا وابن عمي على الغريب، فالزُّوم يتَّسع ويضيق حسب مصلحة الفرد وهواه، والإسلام ليس بالهوى.

السؤال المطروح : أين الدعوة ؟ هل المسألة فقط عداء وجهاد ؟ أين الدعوة بالتي هي أحسن ؟ وأين القدوة الحسنة وتأثيرها في الدعوة؟ و أين قوله تعالى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)؟ أين هذا من قبول المختلف دينيا في القرآن عندما قال (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) بينما البعض ينادي بعدائهم قلبا ولسانا ولا أدري عن يدا ! فهؤلاء وسّعوا مصطلح الولاء والبراء وجعلوه ساريا حتى على المسلمين، عندما ركزوا على الإلتزام بالأوامر والنواهي الشرعية الظاهرة. وماذا عن الواجبات الأخلاقية التي هي الأهم بموجب القرآن؟ هل ينفع الالتزام بها؟ ربما لا ينفع، لأنها ليس لها مظهر خارجي، فالمهم هو المظهر. والقرآن ضد الأخذ بالمظاهر، فقال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين}[الحجرات:6] وقال (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)، والله ذم كفار اهل الكتاب مع ان مظهرهم الالتزام بالدين والتوحيد ،و هم أحبار ورهبان وأهل علم. وقال (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)، ولم يكتف بالمظهر.

والولاء للمظهر يعني الولاء للحزب، وهناك فرق كبير بين الولاء لله والولاء للمجموعة، لأن المنافق يتمظهر بالشكل الخارجي للدين، فكيف تعرف هل أنت توالي منافقا أم إنسانا محبا لله ؟ الولاء لله مقياسه ما أمر الله به من الخلق والفضيلة وحب الخير، قبل المظهر الخارجي الحزبي. هذا الولاء بالمفهوم السائد يشبه تماما الولاء للقبيلة أو الوطن، فكونك تجد اثنان يتخاصمان، أحدهما يظهر من مظهره الخارجي أنه من بلدك، والآخر يظهر أنه من غير بلدك، فإذا كان الولاء للوطنية هو المحرك فسوف تظلم الأجنبي.

المؤمن بالله تحركه الأخلاق والصدق وليس المظاهر، والإسلام جاء ليبعّد الناس عن أفكار الجاهلية كالتعصب مثلا. بهذا المفهوم المطروح يصبح الولاء عبارة عن تعصب، فلو جاء مسلم من بلد آخر ومسلم من بلد المُوالي، فسيكون الثاني أقرب لتطبيق الالتزام وبالتالي يكون الولاء له، فقط لأنه من بلده ويلبس نفس ملابسه.

يقول تعالى عن الذين كفروا من اهل الكتاب : {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون}{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُون}[المائدة:81] والمقصود بأنهم يتولون الذين كفروا أي أنهم أصبحوا ضد المؤمنين، وليسوا فقط يوالونهم، على مبدأ تُوالي وتُعادي، فالولاية تقتضي العداوة في أكثر الأحوال، وهذا العمل لا يقوم به مؤمن، أن يوالي محاربين لله ورسوله، فيُعزَّهم على المسلمين. هذه هي ما تسمى بالخيانة العظمى، لأنه يوالي محاربين لله ورسوله. وهذا معنى الكفار في القرآن، الذين أمر الله بجهادهم، وليس أن أي غير مسلم لا يُوالى.

و في قوله تعالى : (
وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، من هم المقصودون؟ هل يقصد الذين حاربوا المؤمنين في الدين وأخرجوهم من ديارهم ؟ أم الذين لم يفعلوا ذلك ؟ أم المسلم الذي عليه بعض الملاحظات أو التقصير في جوانب تُرَى من الدين؟ لا يصح فتح الباب على مصراعيه للعداوات والشرور. و من حكمة الإسلام حصر باب الشر وليس توسيعه. وهذا من أصول الإسلام.

وأما تأكيد البعض على وجوب معاداة الكفار والمشركين وأنه لا يوجد أمر أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده، فبهذا الشكل يصبح الدين عبارة عن عداوة ليس إلا، وكأن الله لم يتكلم إلا عن التوحيد، مع أن التوحيد عبارة عن شرط للعبادة، فالشرط لا يُدخل الجنة لوحده.

و إن قيل أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله ، ولا يبغض إلا لله ، ولا يواد إلا لله ، ولا يُعادي إلا لله ، وأن يحب ما أحبه الله ، ويبغض ما أبغضه الله ، فهذا كلام عام، ولكن المشكلة في التفاصيل. من مثل التشبه بهم في اللباس والكلام، والتي يعتبرها البعض صورة من صور الولاء. من هنا بدأت التفاصيل .. الله تعالى يقول (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). إن الحضارة ملك للجميع، و بمجهودات الجميع، المسلم وغير المسلم، والإنسان حر في أن يلبس ما يشاء ما دام ساترا لعورته، واللباس مع تقدم الحضارة أصبح متخصصا، لأنه لم يعد كلبس القدماء لباسا واحدا، فهناك ملابس خاصة للعمل، بل هناك ملابس لكل نوع من أنواع العمل، وهناك ملابس رسمية وملابس منزلية وملابس شتوية وملابس صيفية وموضات وموديلات الخ، و في هذا الحكم تضييق على المسلم، هذا لا علاقة له بالموالاة، وإلا فلنحرِّم الكهرباء والسيارات والميكروفونات واجهزة التسجيل والكاميرات لأنها كلها جاءت من غير مسلمين وليس للمسلمين فيها أي يد.

مثل هذه الفكرة كأنها معاداة للحضارة. لأن اغلب الحضارة تأتينا من غير مسلمين في هذا الزمن، ومعروفين بها، فمثل ما أن البنطلون والقبعة معروف بها الأوروبي، كذلك أيضا الكمبيوتر والأجهزة عُرف بها الأوروبي أيضا، فإما أن نمنعها كلها ونعيش في الظلام وإما أن نقبلها كلها ما دام ليس فيها إثم ولا محظور. مثل هذه الفكرة تقف في طريق التقدم والتحضر وتجعل الأمم الأخرى تسبقنا ونحن جالسون نتفرج عليهم وندعو فقط وكأن الله لم يقل لنا : اعملوا. ولا أحد يتعلم لغة أجنبية بدون أي داعي ، خصوصا كاللغة الانجليزية التي أصبحت كالضرورات في بعض مواضع الحياة، كالطب والعلم والطيران والسياسة الخ ..

*كذلك من صور الولاء لغير المسلمين عند البعض : الإقامة في بلاد غير المسلمين، وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين. ولماذا الفرار بالدين؟ ربما يكون في بلاده مُضطهدا أكثر، والله يقول (
قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ). هذا تضييق لمبادئ القرآن. إن مثل هذا الكلام يضر بالمسلمين أكثر من كونه يضر بالكافرين. الولاء و البراء هو ألا توالي أناسا يحاربون الله ورسوله على حساب المؤمنين. وهذا منطقي وأخلاقي، ألاّ توالي من يعادي الله ورسوله وهو يعلم ويريد ذلك. بل إن موالاته خيانة وتطعن حتى في إيمانك. لكن لا يعني هذا ألا تلبس ذاك اللباس لأنه يلبسه أو ألا تأكل ذلك الطعام لأنه يأكله، فهذا من التطرف. هناك ميزان وهناك تطرفات في كل قضية. والتبرؤ من المُعادين لا يعني التبرؤ من حضارتهم، فحضارتهم شيء مختلف عنهم، لأن الحضارة للجميع، افرض انك حرَّمت لباسهم مثلا ، ثم آمنوا، ثم كفروا فيما بعد وقد اعتدتَ على لباسهم، فهل تحرِّمه مرة ثانية؟ هذا يدلنا على أنه شيء يستطيع الإنسان أن يقوم به وهو كافر أو وهو مسلم، إذن لا علاقة له بقضية الولاء والبراء.

الولاء والبراء له علاقة بقضية الموقف وليس بقضية الإعتقاد. نحن نعادي من له موقف ضد الدين نفسه، أو الأمة، يريد بها شرا، ولا نعادي ملابسه ولا أدواته ولا أجهزته ولا لغته، ولا حتى ثقافته، فالعاقل لا يكسر عصاه على رأس خصمه.

*كذلك من تلك الصور : السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس . وهذا الموضوع فيه نفع، ولو كان الأولى بهذا النفع بلاد المسلمين، أما التحريم فمشكلة، لكن الأفضل عندما يكون هناك أي شيء فيه بر ومصلحة أن تبحث عن مسلمين ليستفيدوا منه، فإن لم تجد فإخوانك في الإنسانية الذين لم يحملوا حقدا وعداوة للإسلام والمسلمين، والثالثة من باب الضرورة. مع أن السفر لقصد النزهة قد يكون داخل في الإسراف في بعض الأحيان.

*كذلك اتخاذهم بطانة ومستشارين . إن هذا التعميم مشكلة، فقد تكون هناك علوم وأشياء لا يعرفها إلا هم . فهل نتركها؟ مثل هذا الكلام كأنه ضد التعلم في بلادهم، وهذا فيه إضرار للمسلمين، بعبارة أخرى وكقاعدة : أي عمل تابع للولاء و البراء يكون ضرره على المسلمين أقرب من ضرره على الكافرين هو أقرب للحماقة والتخلف. والله نهانا عن الإضرار بالمسلمين حتى بالفتيا، وهي الأخطر. فالولاء والبراء المطروح بهذا الشكل، لو طُبِّق لزاد تخلفنا عن ركب الحضارة ولم نضرهم شيئا، بل فتحنا لهم الباب ليقودونا، لأننا لا نتعلم العلم الجديد ولا الأجهزة الجديدة ولا الأسلحة الجديدة، وهذا كأنه حالة استسلام على كل الأصعدة، الله لا يريدنا ان نكون متخلفين وضعفاء، اذن هذا الفهم للولاء والبراء بهذا الشكل خاطئ، بدليل تبعاته.

*هناك تصوّر أن التأريخ بتاريخهم، خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي، يعتبر من صور الولاء لغير المسلمين، بينما التاريخ الميلادي دفعت إليه الضرورة، والسنة الهجرية قصيرة، والأشهر فيها غير منضبطة على الفصول، فمرة يأتي رمضان في الشتاء ومرة في الصيف، ولا يستفيد منه المزارع ولا يُستفاد منه في معرفة تغيّر الحالات الجوية. أيضا التاريخ الميلادي تاريخ عالمي، فعزلتنا عنه سببت تخلف، ولم تضر غير المسلمين، فقد يجعلنا هذا جاهلين عن أحداث العالم والتاريخ، إذن هي من نفس الصور الخاطئة، إننا نرى أمما متعادية أو بينها تنافس ومع ذلك نجدها كلها تؤرخ بالميلادي، مثل الصين، فهي لم تؤرخ بتاريخ مختلف، مع أن لهم دينهم الخاص وثقافتهم الخاصة، فهل هؤلاء لا يحترمون خصوصيتهم ؟ مع أن تنافسهم أشد من تنافسنا مع الغرب. و لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام أن علينا أن نؤرخ بتاريخ مختلف. إذن هذا مثل كسر عصا الاعمى على رأس خصمه، فيقعد بلا عصا.

الله أمرنا بأن نتبع الأحسن من كل شيء ، وبما أنه تبين أن هذا هو الأحسن فعلينا أن نتّبعه بغض النظر عن مصدره، لأن العداوة على المصدر تعصب. والله يقول (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) فهذا من جُرم الشنآن أي التطرف في الكراهية، والإسلام ليس دين كراهية، بل دين محبة، هو دين كراهية فقط لأهل الشر المعتدين والمتآمرين. ثم إن التقويم الميلادي تقويم شمسي، والشمس ليست دينا لأحد، بإمكانك أن تغيّر الأسماء وتنتهي المشكلة . ثم إن التاريخ الميلادي مربوط بميلاد المسيح، وهل نحن نكره المسيح كلمة الله ؟ والله أمرنا ألا نفرق بين احد من رسله، أليس دين المسيح هو دين الإسلام نفسه؟ فلماذا ننفر من المسيح؟ ألسنا نصوم يوم العاشر من محرم احتفالا بنجاة نبي الله موسى واليهود من فرعون ؟ ألم يقل الرسول انه أولى بموسى منهم؟ لماذا لا نستنكر هذا؟ لماذا لا نكون نحن أولى بعيسى منهم ؟ نحن محتاجين لتقويم شمسي وتقويم عالمي حتى نتعامل مع العالم ، ولسنا في قرية معزولة عنه .

*كذلك التسمي بأسمائهم. مع أنه لا مشاحة في الأسماء ، والتسمي بيوسف وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ، أليست رموزا دينية ومقدسة عندهم ؟ والمسيحيون يسمون بهذه الأسماء نفسها، فلماذا لا نتركها كما نؤمر بترك التقويم الميلادي؟ فتبعا لمبدأ رفض التاريخ الميلادي لا بد أن ترفض هذه الأسماء أيضا ، لأن التاريخ الميلادي مؤقت بميلاد عيسى الذي يقبل رافضوا التأريخ بالميلادي أن يُسمّوا به، والحمد لله أن التقويم الميلادي مرتبط بميلاد نبي هو كلمة الله وبنظام كوني شمسي، فما بالك بتاريخ ميلاد قسطنطين أو فيليب الثاني او الثالث ؟

*ويرى البعض أن مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها من صور الولاء لهم. هنا نجد أن العداء سيخرج من عداء لأفكار خاطئة إلى عداء لأناس وشعوب، وهنا المشكلة التي ستسبّب الطائفية والإقصائية، إنهم لن يفهموا أنك تكره أفكارا عندهم، بل سيفهمون أنك تكرههم هم، ثم سيكرهونك، ويمتد حبل الشر بينكم، ويتطور الأمر أكثر. ويعادون الإسلام والمسلمين. والمسلم لا يفعل ما يسبب تأليب الأعداء على الإسلام.

عندما تبارك لهم، لاحظ أن التبريك موجه لهم كأشخاص وليس موجه للدين الذي يعتنقونه، فأنت تتمنى لهم سنة طيبة مثلا، فهل من الخطأ أن نتمنى الخير لكل إنسان حتى لو لم يكن مسلما ؟ قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}[الأنبياء:107] هم يعرفون أنك لا تؤيد دينهم، وهذه لا تحتاج إلى تكليف لتظهره لهم، ولكن المشكلة تظهر عندما يشعرون انك تكرههم هم لذاتهم، حتى لو باركت لهم بالسنة الميلادية مثلا، هم يعرفون انك تجاملهم هم، فأنت تبارك لهم ولست تبارك للمسيحية نفسها،  لكنك لن تكون مسيحيا، و عدم كونك مسيحيا يعني انك ترفض أفكارهم، فالرفض واحد لا يحتاج إلى تأكيد وتكلف. فهذا تشدد، والتشدد يؤدي لنتائج سلبية، والله يقول (فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) فإذا غيّروا هذا الموضوع ارجع لهم. مع أن الآية تتحدث عمن يستهزءون بآيات الله ويكفرون بها ، وهؤلاء قد لا يفعلون ذلك.

لا يوجد براء ونفي للآخر بالكامل. وإلا لما جلس الرسول مع قريش ثلاث عشرة سنة وهو يؤاكلهم ويعيش حياتهم، ويشاركهم بمشكلاتهم ومناسباتهم، إلا ما كان منها مخالفا صريحا للدين كعباداتهم. إن هذا التوسيع المطروح في مبدأ الولاء والبراء يقدّم أضرارا سلبية ولا يفيد بشيء. لأنه يقطع طريق الدعوة أصلا، ويجعل الجو مشحونا بالعداوة، وهذا من الصد عن سبيل الله، فالله يقول لموسى وهارون (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا) ويقول (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). لو كان المسيحيون يزورون المساجد والمسلمون يزورون الكنائس ، دون أن يتعبدوا فيها، لكان هذا أقرب للتقارب والوصول إلى الحق، أليسوا في عالم السياسة يقولون : الاجتماعات والنقاش بين المتخاصمين أفضل من عدمها ؟ ونحن على الحق، إذن الأفضل هو التقارب والتحاور معهم، لأن التحاور سيكون حول الحق، وسينكشف الحق لهم أكثر، بعضهم سوف يعاند وبعضهم قد ينفتح قلبه للإسلام، أما قطع العلاقات نهائيا فهذا قطع لطريق الدعوة نفسه، وبالتالي صد عن سبيل الله وتكريه للإسلام من خلال المسلمين. لا يمكن إقامة دعوة بدون علاقة وتواصل.

الدين المعاملة، والدعوة للدين عن طريق المعاملة الحسنة، لكن أن يمدّ لك يده ليبارك لك ثم تردّها : هل هذا تعامل حسن؟ هذا يثبت وجود عداوة لا يدري ما سببها. ينبغي إحسان الظن بالناس حتى لو لم يكونوا من المسلمين، لأنه تربَّى على هذه الديانة و يرى أنها هي الصواب والأفضل. وسوف يستغرب ويستهجن هذه المعاملة والنفور، لكن بالكلام اللطيف والتعامل الحسن قد يفهم انه يوجد ما هو أحسن مما تعلمه، بالفعل وبالعلم. وكيف سيعرف هذا إلا من خلال الاحتكاك.

*و يقال عند البعض أن من صور الولاء للكفار : مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة ، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. وقد قال تعالى (
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) والعدل يكون في القول والفعل والنقد والمدح. القرآن نفسه مدح من كان قبلنا وقال كانوا اشد منا قوة، مع أنهم كفروا بآيات الله، والله يأمرنا أن نكون شهداء لله قوامين بالقسط، لا أن نكذب ونذمُّهم ونحن معجبين بحضارتهم، هذا كذب. نعم من يمتدح عقائدهم فهنا المشكلة، ولكن هم بشر أيضا. كأن هذا الكلام يطالبنا بتغيير الحقائق لأجل اختلاف العقائد، والله أمرنا بالعدل، والرسول أثنى على حلف ابن جدعان مع أنه في الجاهلية، وأثنى كذلك على حاتم الطائي وعنترة العبسي، مع أنهم غير مسلمين. فلماذا هذا التشدد وماذا نستفيد منه؟

*كذلك من الصور : الاستغفار لهم والترحم عليهم . وهذه كأنها حرب على الاخلاق والانسانية والفضائل وتزوير حقائقها ، وكأن الفضائل فقط في المسلمين، وهذا غير صحيح، فالبشر فيهم و فيهم، من أي دين كانوا.

وقد قيل أنه إذا أردت معرفة حقيقة الإسلام عند المسلمين فأنظر إلى مواقفهم من أعداء الشريعة ومواطئتهم لهم كما يقال، وقد ضربوا ابن الراوندي والمعري أمثلة على ذلك ! إذن فلنقاطع البشرية كلها ولا نستخدم أدواتهم لأنهم لن يكونوا مثلنا على كل حال ! وما شأن شعر المعري بأفكار المعري؟ ليس كل ما يقولونه داخل في هذه الأخطاء، وحتى قراءة الأخطاء : هل الإسلام يحرّم علينا أن نقرأ شيئا خطأ ؟ بالعكس يطلب منا قراءته حتى نعرف الخطأ من الصواب، أو لكي نردّ عليها، وبضدها تتبين الأشياء. هذا حصار للذات، وهذا شيء نتضرر منه نحن أكثر من غيرنا. هنا خطأ في فهم معنى الولاء و البراء، لأنه لو طبق هذا الكلام لا تجد أحداً لا تقاطعه، كما قال بشار بن برد :

إذا كنت في كل الأمور معاتبا ، صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه . 

على هذه الحال، كل إنسان لديه أخطاء وعيوب، و قد تكون صوابا ولكن بتفكيرنا وقياسنا نرى أنها أخطاء، إذن سنقاطع أهلنا وأصدقاءنا ونكن لهم العداء والبغضاء، بحجة البراءة من أهل الإثم، الإثم يقع عند الجميع ولا أحد يخلو منه، حتى من يطبق البراء بهذا الأسلوب فسيأتي من يطبق عليه البراء، لأن عنده أخطاء أيضا. فلا احد يسلم من العيوب والأخطاء، إذن الفكرة خاطئة ومتطرفة و إقصائية وتفتح باب العداوات والشرور، حتى بين المسلمين أنفسهم.

الفهم الخاطئ للولاء والبراء جاء من إسباغه على الشخص أو الأشخاص أو الجماعات أو أتباع الديانات الأخرى، ومن هنا نتجت عداوات وخرجت إلى فكرة تدميرية لا تُبقِي في الأخير إلا الشخص نفسه، لأن هذا الأسلوب يتجه على الشخص نفسه وليس على الفكرة. والحذر من موالاتهم لا تأتي إلا في حالة وجود خطر حقيقي و أكيد على المسلمين، هنا يجوز إسقاطها على الشخص، أما في حالة عدم وجود خطر، فاللوم والنقد والاعتراض على الأفكار الخطأ والتصرفات الخطأ، لكن الإنسان يبقى محترما ونتعامل معه في أمور غير التي نستنكرها منه، وإلا وقعنا في الإقصائية والتوحد والصد عن دين الله.

قال تعالى (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ). مع أنهم مشركون ويقعون في آثام كثيرة نفس آثام أولئك الذين يقاتلونهم، لكن الفرق أن هؤلاء لم يقاتلوا ولم يعتدوا، هؤلاء لهم البر والقسط والدعوة بالحسنى ودفع الزكاة وتحمل الأذى لعلهم يهتدون، مع أنهم عندهم شرك ومنكرات، لاحظ هذا الشيء. الله نهى عن موالاة الكفار المعادين للمسلمين، لأن موالاتهم تضر المسلمين، بشكل أو بآخر، لكن الذين لا يعادون ولا يؤذون، الله يأمرنا أن نبرهم ونقسط إليهم بالعدل وندعوهم بالتي هي أحسن، وهل بعد كلام الله شيء ؟

الولاء والبراء متعلق بحالات الحروب فقط وليس بكل جوانب الحياة. إذا كان للشخص حسنات وسيئات فلا يكون هناك براء فقط منه، بل هناك ولاء لحسناته أيضا. فهل من يؤمن بوجود إله مثل من لا يؤمن بوجود إله؟ و هل المعتدي مثل المسالم؟ وهكذا .. إذا كان الإنكار والبراء على المنكر وليس على الشخص فسيكون هناك مجال للهداية والدعوة والنصح، كما قال تعالى (حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ). الهجر والنفور المستمر وقطع العلاقات والاقصائية تسبب مشاكل و أمراض نفسية و خوف و رعب في المجتمعات.

ورسول الله كان يعيش مع المشركين ثلاث عشرة سنة هو وأصحابه، ولم يعاديهم ولم يهجرهم، بل هم من عادوه وحاصروه في شعب عامر ثلاث سنين، ومنعوا البيع والشراء معه. هو لم يحاصر نفسه وأصحابه في الشعب لكي يبتعد عن الكفار ، بل هم من فعلوا ذلك، وهكذا تفعل العلمانية الدينية مع المختلف معها، وأما قوله تعالى على لسان إبراهيم وقومه (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) هذه من المتشابه، يحددها قوله (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) ولا ننس أن قوم إبراهيم آذوا إبراهيم ومن معه بل حاولوا إحراقه بالنار، وما بعد هذا التعذيب تعذيب، فطبيعي أن تبدو بينهم وبينهم العداوة والبغضاء، لأنهم كفروا وآذوا. 

إن المؤمن مأمور أن يحاور أصحاب البدع والأهواء، لا أن يتجنبهم، فهذا خنوع وانكماش على الذات. و الإقصائية بالهجر وعدم التزويج والبيع والشراء والغيبة وحتى الوشاية للحكام جاءت من فكرة عداء الشخص المرتكب للمعصية وليس عداء المعصية نفسها، لأن عداء الشخص سيمتد إلى الأهل والأقارب والأصدقاء والوالدين، بل وصل تطبيق مثل هذه الفكرة الخطأ إلى قتل الوالدين. إذا كنت ستقاطع الشخص على ذنب عنده، فهنا ستُعامل المسلم كالكافر، لأن المقاطعة واحدة، ويدخل فيها عند البعض والعوام الإنكار على أمور خلافية، مثل سماع موسيقى او شرب دخان أو إسبال ثياب، فيعامل معاملة الكافر.

وينبّه البعض إلى أنه على المسلم أن يفطِن إلى الفرق بين حسن التعامل والإحسان إلى أهل الذمة وبين بُغضهم وعدم محبتهم ! كيف يجتمع الإحسان والبغض معا ؟ هذا تناقض . العدل أن تعامل الإنسان فيه معاملة إنسانية وتعامل الأفكار الخاطئة عنده بالبراء منها، وتستمر الحياة والتعايش، و أهم شيء في الإنكار هو عدم فعل ذلك الشيء أصلا، فلا تنه عن خلق وتأتي مثله. و من أوجه النفاق أن تعطيهم كلاما لينا بينما قلبك قاسي عليهم، فهذه ازدواجية.

وينبّه البعض في موضوع الولاء والبراء أنه ينبغي أن يستحضر المسلم في قلبه ما جُبل عليه غير المسلمين من البغض وتكذيب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه إساءة ظن تلقائية بالآخر، فقد يكون قلبه منفتح للإسلام وهو لا يدري، لا يعلم ما في القلوب إلا الله، الله نهانا عن الظن السيء، والناس ليسوا سواء. وكيف يُجبلون على ذلك ؟ من يقول هذا لا يقول بالجبرية، فإذا جبلوا على ذلك، فنحن أيضا مجبولون على بغضهم وبغض معتقداتهم، فلماذا التنبيهات للمجبولين أصلا ؟

و في قوله تعالى عن إبراهيم والذين آمنوا معه : (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4). هنا نجد أن براء إبراهيم ومن معه كان من كفر قومهم، والعداوة والبغضاء هذه بدت مشتركة بينهم، والحقيقة أن قوم إبراهيم هم البادئون، بدليل إضرام النار وسجر إبراهيم فيها، ولقد منّ الله عليه وأنقذه منها. كما أن والده قال له : {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}[مريم:46] ، أي هم من بدأوا العداوة والقطيعة والتهديد بالرجم والحرق، ولم يقل إبراهيم لأبيه : أراغب أنت عن ملتي؟ لأرجمنك أو لأحرقنك ! بل يقول : لكم دينكم ولي دين. إن قوم إبراهيم فعلوا مثلما فعل كفار قريش بالرسول و من معه، حينما حاصروه بشعب بني عامر، فالقطيعة والتهاجر والبغضاء وعدم الكلام والسلام هذا سلوك فعله الكفار في أكثر من موقف، سواء مع إبراهيم وأتباعه أو مع الرسول محمد وأتباعه. فلا يليق بالمسلم أن يعمل أعمال جاهلية، نحن نقاطع الشر فيهم، لكن لا نقاطع الخير، بل نشجعه ونثني عليه، وهكذا نكون موجّهين ومصلحين وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، أما أن نكرههم ونقاطعهم بالكامل فهذا يزيدهم شرا وعداوة، لأنهم يشعرون بشيء من الظلم، ويزداد كرههم للمسلمين، وطبّق هذا الكلام حتى على إبنك أو أخيك أو والدك عندما يقع في منكر ولم يستجب لنصيحتك، فهل يعني انك تقطع الطريق بينك وبينه نهائيا ؟ لن تفعل. إذن ما فرق الآخرين عن ابنك أو اهلك ؟ المقاطعة والهجران فقط للمعادي و في حالة الحروب والاعتداءات، وهي التي نزلت فيها آيات الولاء و البراء، نزلت في بيئة حرب، لذلك حذّر الله الصحابة أن يوالوا الكفار وأن يعطوهم معلومات، لأن هذا من باب الخيانة. و كل إنسان فيه شيء حسن وشيء سيء، فعلينا أن نعطي الحسن حقه و السيء حقه، لأن المؤمن فرقان يفرق بين الحق والباطل، ولا يجمع كل شيء بحكم واحد، فنحن أمة مأمورة بالعدل والقسط، والميزان دقيق، يحتاج إلى تفريقات، لأننا سوف نوضع على الميزان يوم القيامة، وقد خاب من حمل ظلما، ولو ظلما صغيرا، حتى مع المختلف.

وأما ما يخص قوله تعالى
{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُون}[المائدة:81] . وما قيل أن هذه الآية جملة شرطية إذا وُجد الشرط وُجد المشروط، وأنه لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء، وأن من اتخذهم أولياء لم يفعل الإيمان الواجب، فالكلام في هذه الآية هنا خاص بالأعداء الكافرين الذين يديرون المؤامرات للقضاء على الإسلام والمسلمين، وليس على عموم المختلفين عنا، لأن الله أوصى أيضا أن نبرَّهم ونقسط إليهم، وهذا من القرآن أيضا، مع أنهم مشركون. وإلا لو كان الأمر بالبراء من الكفار لأنهم كفار ، فلماذا يأمرنا القرآن أن نبر الكافرين ونحسن إليهم إذا لم يكونوا معتدين؟ بل وتدفع لهم الزكاة في المؤلفة قلوبهم!

والقول أن دين الإسلام دين حب وبغض و ولاء وعداء و رحمة وسيف، فنعم هو كذلك، ولكن مع الخير و ضد الباطل، وليس ضد الأشخاص والناس، في الحياة العادية أنت تحب صديقك ولكنك تكره فيه صفات، فهل تهجره وتتركه لأنه لم يكن كاملا كما تريد؟ لن تفعل هذا، إذن عمّمها على الناس. وبهذا المعنى تستطيع أن تحب أحداً غير مسلم ولكنه يعمل أعمال فاضلة وتعطيه حقه ولكن لا تحب عقيدته، شخص مثل غاندي مثلا أحبّ أخلاقه وتصرفاته لكن لا أحب عقيدته ولا اعترف بها وانتقدها أيضا، مع انه مُصرّ عليها. تلك العقيدة التي تقوم على الطبقية والتفرقة بين الناس وعبادة آلهة متعددة، إلى غير ذلك من الأخطاء فيها، لكن سلوكه حتى مع المسلمين يستحق أن يُحترم، فأحيانا يصوم بسبب أن الهندوس اعتدوا على المسلمين، و قد حرّر الهند بدون عنف ولا دماء.

الإسلام جاء لحماية الفضيلة، ورفض الفضيلة منهم لأن عقيدتهم مختلفة هذا احتقارٌ للفضيلة، ويؤدي إلى التظاهر بالكراهية، مع أن الشعور راضي ومقتنع بذلك الفعل ، فيصير الإنسان متناقضا، لأن الإنسان مفطورٌ على حب الفضيلة أينما كانت. شخص كمانديلا مسجون لـ 27 سنة ليحرّر السود ، وينجح أخيرا ويكون هو رئيس الدولة، وليس في داخله عداء للإسلام والمسلمين، لماذا نبغضه؟ لكن بغض معتقداته هذا موضوع آخر، نحن هنا في مجال أعماله وفضائله، ولو جاء عندنا وقال : بما أنك تحبني فتعبَّد مثلي، فسأقول له لا ، وسأبيّن له أن عقائده باطلة وأن عقائد الإسلام هي الأفضل، فلكل مقام مقال، وهكذا تكون الحكمة. أن تقول للإنسان أنت أصبت هنا و أخطأت هنا، هكذا يكون الإنسان العاقل. ثم ماذا ستفعل أمام فضائل مشهورة يتغنى بها العالم؟ هل ستقول انه ينافق أمامنا؟ الله أمرنا أن نكون شهداء بالقسط، فلو أحسن شخص ولو كان من غير عقيدتنا نقول له أحسنت في هذه النقطة، لأن المسلمين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وما فعله هذا الشخص معروف، وهذا ما قاله الله تعالى . و إلا فهل كان رسول الله عندما سكن في مكة مع الكفار 13 سنة لم يكن يطبق الولاء والبراء ؟ و هو و أصحابه يعيشون معهم ويأكلون معهم ويتاجرون معهم ؟ لو طبقنا هذه الأفكار المتطرفة لوجب أن يهجرهم الرسول وأصحابه وأن يعيشوا في حارة منغلقة ولا يبيعون ولا يشترون معهم ولا يكلموهم ويعادوهم ولا يتزوجون منهم، وهذا لم يحصل.

إن هجرة الرسول للمدينة لم تكن بسبب الولاء و البراء، ولم تكن هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فالمدينة أكثر سكانها ذلك الوقت لم يكونوا مسلمين، وكذلك الحبشة عندما هاجر إليها أصحابه لم تكن مسلمة، بل كانت بسبب الحماية و وجود الأنصار، والنجاشي لم يكن مسلما عندما هاجروا إليه، بل لأنه مكان آمن وملكها عادل كما وصفه الرسول. ومتى هاجر الرسول؟ عندما تآمروا على أن يقتلوه في ليلة معينة، ففرّ في تلك الليلة، ليس ولاءً وبراءً، بل بسبب الخوف من القتل، ولجأ إلى أنصار المدينة والمهاجرين، أي كانت هجرته في آخر لحظة. فهجرة الرسول ليست خروجا من بلد الشرك إلى بلد الإيمان، وإلا لكان هاجر أول ما رأى صدود قريش عنه، وكان يستطيع أن يبني له هجرة في قرية ما يجتمع فيها هو و أصحابه ويسلمون من التعذيب والظلم، فرفضُهُم لكلامه بدأ مبكرا، ولم يهاجر إلا في تلك الليلة التي أرادوا فيها قتله، فكيف تكون الهجرة هي ترك بلد الشرك والانتقال إلى بلد الإسلام؟ ثم إن الرسول هجَّر أصحابه إلى الحبشة، فهل كانت بلاد إسلام ؟ أمرهم بذلك فقط لأن النجاشي كان حاكما عادلا، وإلا فهو مسيحي والحبشة مسيحية. والهجرة ليست فريضة إسلامية كالصلاة والزكاة، لكن هي للخائف على نفسه، أو المضطهد في تطبيق عبادته لله فقط، وإلا فالمسلم إنسان ويستطيع أن يعيش مع الإنسان حيثما كان، على مبدأ لكم دينكم و لي دين. و حتى هجرة الصحابة للمدينة كانت خوفا من القتل بعد حادثة مقتل سمية أم عمار و زوجها ياسر. فبسبب الاضطهاد أمرهم الرسول أن يهاجروا للمدينة، ولم يأمرهم بالهجرة أول ما بايعه السبعون من أهل المدينة بيعة الرضوان. ثم إن المدينة أول ما هاجروا لها لا تنطبق عليها تسمية بلاد إسلام، لأن الذين بايعوا الرسول 72 فقط من أهل المدينة وليس كل أهلها، واليهود كانوا كثيرين وأغنياء فيها وقتها.

إن الأنبياء أنفسهم عاشوا كل حياتهم بين أقوام مكذِّبين لهم، ولم يتخذوا مكانا يهاجرون إليه، ولو طُبِّقت فكرة أن من اسلم في أي بلد غير مسلم - سواء كان في أمن أو خوف - فعليه أن يهاجر، هنا سيكون تكدُّس و لن ينتشر الإسلام. هذا قطع لطريق الدعوة، لأن من أسلم فسيهاجر. وما دام الإنسان يستطيع أن يمارس دينه في أي ارض بدون مضايقة ولا عداء ولا خوف بسبب دينه فكيف يهاجر؟ ولماذا؟ ولقد عاتب الله يونس لأنه هجر قومه لأنهم لم يؤمنوا، فابتلاه الله بالحوت. ولكان نوح قد هاجر من قبل مئات السنين عن قومه، وموسى لم يهجر قومه رغم ما أبدوه من نفور وكفور و رغم النعم التي تتوالى عليهم. كل الأنبياء لم يهجروا الكافرين، بل إن نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ولم يهاجر عنهم، والله يقول لنبيه و لنا : (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) أي بالأنبياء السابقين. وقال تعالى (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر) أي اهجر الباطل ، ولم يقل اهجرهم دائما و أبدا، ولكن الناس قُم لهم وأنذرهم، ولكن الإثم تهجره، وقال (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر) أي اصبر على ما تكرهه منهم.

وأما قوله تعالى (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) لا تعني ابتعد عنهم وتخلى نهائيا، لأنه قال له أيضا (قُمْ فَأَنذِر) والهجر الجميل أي أن تهجر الباطل إذا واقعوه، ولكن لا تهجر الناس وتعيش لوحدك كما كنت في الغار. وقد قال تعالى (بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي) تدل هذه الآية على أن الهجرة بسبب الأذى وليست شعيرة دينية يقوم بها المسلم في مجتمعه الغير مسلم، أو الأقلية المسلمة في المجتمع الغير مسلم، وإلا لكان هناك تزاحم، وإن كان هناك بلدين مسلمين فستكون الهجرة من التي عددها قليل إلى التي عددها كثير ! بناء على أن البلد الاكثر مسلمين أكثر إسلاما ! وهذا غير منطقي، إذن شرط الهجرة هو الأذية والظلم الواقع عليهم، بسبب دينهم، فتكون هجرتهم لله، مثل ما قال لوط (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي). إذن الهجرة هي الانتقال من بلد إلى آخر بسبب الأذية والظلم بسبب الدين، وليست الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، وهذا بشهادة الآيات القرآنية، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) ولاحظ بعد ما ظلموا، ولم يقل هاجروا في الله لأجل أن يعيشوا بين المؤمنين و نفورا من غير المؤمنين.

يقول الله تعالى على لسان إبراهيم : {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون}{أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون}{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين}. هنا نجد الولاء للفضيلة والبراء من الرذيلة، وليس على الأشخاص، فالشخص الممارس للرذيلة أنت تكره رذيلته لا تكرهه هو ، وهذا ما يجب أن يكون، هذه الآية براءة مما يعبدون من دون الله. وقوله تعالى : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون}{إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين}{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}ينطبق عليها ما سبق.

وأما تبرؤ إبراهيم من أبيه في قوله تعالى : {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيم}[التوبة:114] فالتبرؤ منه لا يعني التبرؤ من حقوقه، قال تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) هذا مع أن أبو إبراهيم معتدي وليس مخالف فقط. لأنه قال لإبراهيم لأرجمنك، وخفف الرجم إلى الحرق. إن البراءة لا تعني العداوة. ولو شاء الله لسماها الولاء والعداء ، إن عم الرسول أبو طالب كان الرسول يواليه ولكنه لم يوالي أفكاره، وحزن لما مات مشركا، في عام الحزن. إن معنى الولاء والبراء أن تقف مع الشخص مع الفضيلة، وأن تكون سلبيا لا تشاركه في الرذيلة، تجسِّدها آية (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). ولم يقل تبرأ منهم واهجرهم او اقتلهم.

إذن المسألة ليست حزبية أو معك أو ليس معك، بل القياس على الفضيلة والرذيلة، و كل إنسان له نصيبه من الإثنين. وليس صحيحا أن يأخذك الولاء لأن تكذب وتشهد زورا لأجل من هو معك أو من حزبك.  لا يجوز ظلم الكافر لأجل المؤمن، الله أمرنا أن نقسط مع الكفار، وذلك أقرب للتقوى.

و هود عليه السلام قال الله تعالى عنه:
قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون}{مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون}{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}[هود:56]. هذا أيضا دليل على البراءة من المعبودين دون الله، وليس العابدين، لو كان مبدأ التبرؤ من الكفار صحيحا لما نزلت آية (فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا).

و في قوله تعالى : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون}[الأنعام:19]. أي بريء من الشرك، ولم يقل أنه بريء منهم. فلو كان قريبك أو صديقك إذا كان على خير ويدعوك إلى خير تستجيب له، وإذا دعاك إلى شر تترك إجابته، لا أن تعتدي عليه، فالاعتداء يأتي بالشر والمشاكل. وقد أعلن صلى الله عليه وسلم للمشركين براءته من دينهم وطريقتهم فقال تعالى : {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}{لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون}{وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد}{وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم}{وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد}{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين} ولكنه لم يقتلهم. إن هذه السورة تمثل معنى البراء، وهو السلبية من كل دين أو أخلاق تخالف ما جاء به الإسلام وأمر به وعدم المشاركة فيه.

وأما عن قوله تعالى:
{لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون}[المجادلة:22] وأن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة قتلوا أقرباءهم يوم بدر، فـ آبَاءهُمْ: نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح قتل أباه يوم بدر. و أَبْنَاءهُمْ : نزلت في أبي بكر الصدِّيق همَّ بقتل ابنه يوم بدر ولم يُقدَّر له ذلك. و إِخْوَانَهُمْ: نزلت في مصعب بن عمير قتل أخاه عُبيد بن عمير فيها. و َعشِيرَتَهُمْ: نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وفي عمر بن الخطاب قتل خاله يوم بدر. نقول أن هناك فرق بين من عقيدته غير عقيدتنا، وبين من يحمل السلاح ليقاتلنا. من عقيدته غير عقيدتنا لكنه لم يؤذينا، تنطبق عليه آية (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ..) ، أما أن عمر يقتل خاله ومصعب يقتل أخوه وغيره فهم لم يقتلوهم و هم في بيوتهم، بل قتلوهم و هم معتدون يريدون قتل الرسول والصحابة وإبادتهم، وهذا شيء طبيعي من باب الدفاع عن النفس، فحتى لو كان شخصا مسلما بنفس عقيدتنا واعتدى علينا، فهل نقف له ونقول له : هيا اقتلنا بسبب الولاء؟ يكفي أن عقيدتك مثلنا؟

وأما ما قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ الفداء من المشركين يوم بدر بينما كان رأي عمر بن الخطاب أن يُمكَّن كل أحد من قريبه فيضرب عنقه؛ ليعلم الكفار أنه لا محبة عند المؤمنين لهم، وأنه نزل القرآن الكريم مؤيداً لرأي عمر  في آية 
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم}{لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم}. والكتاب الذي سبق: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء). فإن توجيه الآية هو أنه لا يبقى أسير بمعنى إما أن يفادى أو أن يُمنَّ عليه، لا أن تُضرب عنقه! فالمن والفداء ليس فيها قتل، إذا كان المقصود بالكتاب هو آية المن والفداء. ولو فعلوا هذا الفعل لربما قتل المشركون المؤمنين الذين لم يهاجروا في مكة، ولطبقوا هذا المبدأ على أي أسير من المسلمين يؤسر، من باب المعاملة بالمثل، فإذن نكون بدأنا بمبادرة تفتح باب الشر وسوف نُعامل بالمثل، بل حتى و هم كفار قد يفعلون بهم أفاعيل ويعذبونهم ويقتلونهم، فنكون نحن من سنّ هذه السنّة التي يعود ضررها على المسلمين في الأخير. القرآن ينهانا أن نبدأ بمبادرات عدائية لئلا نُعامل بالمثل، قال تعالى (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) . ثم إذا كان الرسول نُهي ألا يعود لمثلها، لماذا عاد لمثلها و عفى عن كفار قريش ومكة جملة مع أنهم آذوا المؤمنين والرسول أشد الأذى لسنين وحاربوه وتآمروا على حرب المدينة ؟ إن أشد أعداء الرسول هم كفار قريش، وقول الرسول لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء من باب المنّ. إذن هو رجع مرة ثانية للمنّ الذي قد نُهي عنه في بدر عندما أمر أن يقتل كل أسير كما يقال، وهذا لا يصح، وهذا التناقض الذي توضَّح يدلُ على أن فهم الآية كان خطأ، فالله كان يريد أن يعفوا أو يُبادروا بتصفية مسألة الأسرى حتى تضع الحرب أوزارها، أي لكي تضع الحرب أوزارها، و في هذا رحمة لأسرى الطرفين، ولا غرابة في هذا في القرآن الذي ساوى بين المسكين واليتيم و الأسير وإطعامهم لوجه الله، لماذا اطعام الأسير ؟ لماذا لم يقتلوه ؟ و أصلا المهاجرين تحاربوا مع أقاربهم كلهم وليس فقط ابو عبيدة وعمر بن الخطاب، كلهم قاتلوا أقاربهم، وحتى الرسول قاتل أقاربه الذين اعتدوا عليه، لدفع أذاهم وليس بسبب كفرهم.

وقد يضرب البعض مثلا في ولاء المؤمنين لبعضهم ما دار بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري عندما عرض سعد أن يناصف ماله نصفين مع عبدالرحمن ويزوّجه، ولكن هنا نجد أنه إذا كان البراء واجبا، فالولاء صار سنة في هذه الحالة، لأنه ليس فرضا على الشخص ان يقول لأخيه خذ نصف مالي او بيتي.


و في قوله تعالى في النهي عن موالاة المشركين :
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون}{هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور}{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط}. هذا شيء معروف عند كل الامم، وهو ما يسمى بالخيانة العظمى، فهي موالاة الأعداء والركون اليهم، والأعداء يعني مريدي الشر والقتل والتدمير لنا، لأنه ليس كل مختلف مع الإنسان يصبح عدواً له، ولاحظ كيف انهم حاقدون على المسلمين ويعضون الأنامل من الغيظ.

وأما القول بأن كل آية محرِّمة لولاء الكفار والمشركين يدخل فيها اليهود والنصارى لأنهم كفَّار ومشركون وأنه لم يختلف العلماء في ذلك، فهذا تعميم غير صحيح، إن القرآن استثنى الذين لم يؤذوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يتآمروا عليهم، بينما هذه الآية تنطبق على من يعضّون أناملهم من الغيض مبيِّتي الشر، يعني أنهم أعداء.

إن الولاء والبراء ليس عقيدة إسلامية فقط، بل كل الاديان تطبق هذا الشيء، بل حتى الدول، ويعاقبون على الخيانة العظمى، وهي معاداة البلد وإعطاء العدو الأسرار. لأنه عندما يطبَّق الولاء والبراء على الناس المسالمين، فسوف يصل إلى المسلمين، و بعض المسلمين يوجد عندهم أشياء ليست صحيحة، فماذا سيُفعل معهم ؟ سوف يُتبرأ منهم ! ولن يُقال : يكفي انه مسلم ! و من الشخص الذي ليس فيه عيب أو نقص ؟ إذن هذه الفكرة تؤدي إلى الشر وتفريق المسلمين، وهل البراء له درجات ؟ قد تتبرأ من مسلم يمارس معصية بنفس تبرؤك من كافر معادي ! ما الفرق؟ اذن هنا أنت عاملت المسلم كالكافر. لكن ربطها بالفضيلة والرذيلة وليس بالشخص يجعلنا نفرِّق ونميِّز، فهذا إنسان مسلم و جارٌ لي مثلا، له حق الإسلام والجيرة، لكنه يمارس معصية معينة، فهل أتبرأ منه مع أني نصحته ولم يتغير؟ طبعا لا ، لكني أتبرأ من هذه المعصية، ولكن أعطيه حقه كآية الوالدين المشركين. لكن موالاة الأعداء الحاقدين علينا والذين يُديرون الدوائر للنيل منا وانتهاك بلدنا، ففي هذه الحالة لا، حتى لو كان فيهم بعض الميزات، لأن المسألة هنا فيها خطر. موالاة المعادي تضر بالإسلام والمسلمين، لكن موالاة غير المعادي وهو مختلف عنا لا تضر الاسلام والمسلمين، على قاعدة لا ضرر ولا ضرار. ولهذا وجد مبدأ البراء لدفع الضرر، مثلما وجدت الحدود لدفع الضرر عن المجتمع المسلم.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق