الأحد، 24 مارس، 2013

العقل والشعور والعلاقة بينهما



سؤال: إذا كان الشعور لا يخطئ , لماذا إذا واجهت إنسان لأول مرة وشعرت بأنه طيب , وبعد الاحتكاك به تبين لي أن شعوري أخطأ وأن هذا الشخص غير طيب ؟ كم شخص نرى أنه طيب للوهلة الأولى ويتبين لاحقا أنه العكس؟

 قد يدلك شعورك على إنسان طيب في أساسه وهذا لا يعني أن سلوكه واختياره كله سوف يعجبك , بل إنك تجد رجل في بيئة صالحة لا يعجبك ورجل في بيئة فاسدة يعجبك وتجد أن شعورك ارتاح له , فهل هذا يعني أن الشعور فاسد؟ تحديد البيئة من العقل, والإحساس بالطيب أو الخبث من الشعور, والإحساس عادة يفتقر إلى الدليل والمستند, وإن كنا نحس بتأكد داخلي, وإذا وُجدت الأدلة المنطقية والواقعية تحول إلى علم بعد أن كان مجرد إحساس, وهذا لا يكون إلا إذا احترمنا الإحساس (الشعور) ولم نهمله أو نكذبه, فالإحساس نور علينا أن نستفيد منه, ومن لا يتحرك إلا بعقله فهو يتخبط كالأعمى, مثل الأعمى الذي يعرف أبعاد الممرات وأبواب الغرف لكنه قد يصادف شيئا جديدا في طريقه ويقع فيه.

والحديث تكلم عن هذا , (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ) (إن الأرض السبخة لا تنبت) , أو قد يكون الوضع حين رأيت أنه أفضل مني شعرت بالغيرة منه فكرهته, فقلت بعد ذلك بأن شعوري أخطأ عندما مال إليه , وهذه الصور كلها تحدث كثيرا, فلا يكون حاسد إلا معجَب. والجميع يعرف كيف تغير موقف الوليد بن المغيرة بعد أن انجذب شعوره إلى القرآن وبدأ اختياره وعقله يكافح هذا الانجذاب حتى أسقطه, قال تعالى: (إنه فكر وقدر) ولم يقل أنه أحس وشعر, أي بعد أن استعمل عقله (عبس وبسر) (أدبر واستكبر), وأي شيء تستخدم له العقل المجرد وحده فهذا يعني أنك تريد رفضه, كما فعل الملاحدة باستعمالهم العقل المادي المجرد لرفض الدين, فلاحظ عندما المدير لا يريد الموظف فإنه سيستخدم كل الأنظمة والتعميمات عليه وهي عقلية جامدة, أما عندما المدير يريد الموظف فإنه سيتجاوز هذه الأنظمة العقلية ويستخدم الأنظمة الشعورية والعاطفية, فيتوقع له مستقبلا طيبا وإمكانية أن يكون سبب خير للعمل وإنجازه ويتجاوز عن غلطاته حتى لا يحبطه. العقل هو وسيلة الرفض والشعور هو وسيلة الإثبات, فالعقل يدل على أنه لابد من وجود صانع للكون لكن الإحساس هو الذي يتعامل مع هذا الخالق ويحبه ويدعوه ويناجيه ويبكي شوقا إليه وليس العقل, هيهات للعقل أن يفعل ذلك, فالعقل شك أن يكون هذا الكون صنع نفسه, والباقي عمل الشعور, لأنه يقوم على إيمان بشيء لا تدركه الحواس, والذين رفضوا المعجزات وهي أمامهم استعملوا العقل وقالوا ربما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون, فالعبادة والإيمان عمل قلبي أي شعوري, ولا تكون عبادة بالعقل وحده.   

شعور الشخص ليس هو اختياره , فقد يكون اختيار الشخص سيئا مثلما فعل الوليد بن المغيرة حين نفر من الإسلام, بينما شعوره أحب القرآن, قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}, وكذلك حصل لأبي طالب عم الرسول. لا ننسى أن الشعور غير ملزم, ولا ننسى أن الشعور لا يعرف عالمنا الخارجي الواقعي و تصنيفاتنا التي نبتكرها, فالشعور أعجمي عن الواقع, فالشعور لا علاقة له بالاختيار ولا علاقة له بالواقع كما نصنعه كنظم اجتماعية أو سياسية أو مصطلحات ...إلخ, بما فيها الأسماء.

نظريتي في الشعور ليست ضد العقل والعقلانية, فالشعور لوحده لا يقوم فلا بد من وجود العقل, والعقل أساسا منتَـج تراكمي عبر الأجيال للشعور, أي صنعته الشعورات, والشعور وحده يجعل الإنسان قريبا من الحيوان (وليس مثل الحيوان تماما), فالمصاب بحالة تخلف عقلي شديد يشبه الحيوان, فيقفل عليه في المصحات النفسية حتى لا يؤذي نفسه أو غيره.

الدوافع لأي سلوك يفعله الإنسان هي من الشعور وهي إما خوف أو رغبة وهما حركتا الشعور, ولا يوجد دافع ثالث, قال تعالى : {يدعوننا رغبا ورهبا}.

العقل السليم لا يأتي أصلا الا من الشعور ، احترام العقل يأتي من الشعور ، فالعقل اليات ومقاييس مثل أدوات الهندسة ، فالشعور هو أساس الإنسان وليس العقل ، فالطفل عنده شعور لكن عقله ناقص ، وينمو شيئا فشيئا من خلال التعليم والتجارب ، فكلمة شعور لا تعني هوى النفس فقط ، انها أساس ، فالشعور هو الإحساس ، فكلمة احساس لا تعني هوى النفس على حساب الحق ، فالإحساس هو الذي ثبت المنطق وأخذ يبنيه شيئا فشيئا ، الإحساس هو أساس التذوق والتقييم والطلبات والحاجات وبالتالي العقل وسيلة تدفعه الأحاسيس ، بدليل أن العقل يمكن أن يستعار ، كأن تستعين بعقل أكثر منك خبره ، لكن لا تستعير أحاسيسا من أحد ، وهذا يبين ان العقل أداة ووسيلة يمكن استعارتها مثل استعارة المواعين الغير موجودة لدينا ، لكنك لا تطلب من أحد أن يعطيك أحاسيسه لكي تحس مثله وأنت لم تحس ، لأنك مشغول بأحاسيسك ، العقل مثله مثل الجوارح تتحرك لأجل خدمة الأحاسيس ، وتتخلص في رغبات أو مخاوف ، إحساسك بالبرد يجعلك تفكر في وسيلة تدفئ بها جسمك ، ولولا هذا الإحساس لم يشتغل عقلك لكي يجد وسيلة تدفئه ، فالإحساس ليس عقلا لأن العقل يمكن ترجمته ونقله وتثبيته على الورق ، أما الإحساس فلا يمكن ذلك إلا أن يشاركك الآخر نفس الإحساس ، وربما تكتب خاطرة من عمق احساسك ويقرأها أحدهم ولا يعيرها بالاً ولا يفهمها ، لكنك تكتب معلومات عن جهاز معين أو نبات يستطيع أن يفهمها أي أحد ، إذا الخاطرة تعتمد على الإحساس والمعلومة تعتمد على العقل.

عملية التذكر تبين لنا العلاقة بين العقل والشعور, فتلاحظ حين تتذكر شيئا ما أنك تقول مثلا : أنا أعرف هذا الشخص لكن لا أعرف أين رأيته؟ ومتى؟ وما اسمه؟..., النصف الأول من هذه العملية آت من الشعور الذي لا ينسى, فمن خلاله عرفت أن هذا الشخص مألوف وطيب ومتفهم..إلخ, لاحظ هذه معلومات شعورية وليست عقلية, أي نعرفها بالإحساس وليس بالعقل, لا تستطيع بالعقل أن تقدم مواصفات للشخص الطيب, وإلا لطبقها أي منافق وأصبح طيبا بينما هو شرير, كثيرا ما ينخدع الناس الذين يعتمدون على العقل أكثر من الشعور لأن الكذابين يقدمون الهيئة والمظهر التي تبرمجت في عقولهم للشخص المستحق للثقة.
تقول: ارتحت لفلان, هذه نتيجة لم تأت من العقل المجرد بل من الشعور, ولاحظ أنك تقول لست أدري مالسبب, أي أن العقل ليس عنده خبر, باقي الأسئلة كأين رأيته ومتى وما اسمه هي محاولة عقلية للتذكر, يحركها التفكير, على قدر سرعته ودقته ومرانه تكون النتيجة أفضل. إذن كل عملياتنا تتكون من هذين الفصين: الفص الشعوري والفص العقلي, والله خلق كل شيء من زوجين.

ولو كان الشعور يكفي وحده إذن ما فائدة وجود العقل؟ والعقل هو الذي يعطي الشعور قيمته, فالشعور مثل الماء والعقل مثل الإناء الذي يحفظ ذلك الماء, وبدون الإناء يضيع الماء, لهذا مدح الله أهل العقول ولم يمدح الشعور وحده لأنه فطرة عند الجميع, فالشعور تحصيل حاصل وعند الجميع وبنفس الدرجة, والله مدح الذين احترموا العقل مثلما مدح الذين احترموا الشعور, فاستنكر على من لا يحترمون شعورهم {لهم قلوب لا يفقهون بها} وقال: {فقست قلوبهم فهي كالحجارة}, والعقل لا يقسو, هذه الكلمة تناسب الإحساس, بينما العقل كلما كان قاسيا وصلبا ودقيقا كان أجود, فكلما تحترم شعورك أكثر كلما تكون احترمت عقلك أكثر لأن الشعور لا يعمل بدون عقل, وإلا ابتعد الإنسان عن الإنسانية واقترب من الحيوانية, فالشعور بدون عقل عبارة انفجارات حيوانية, وهذا أصلا لا يكون أن الشعور يعمل بدون عقل مطلقا, فحتى الشخص بحالة هيستيريا تجده يتجنب الحفر مثلا, وأحيانا يعمل الشعور منفرد عن العقل وهذه هي الحالة التي يكون فيها الشخص عاطفي وهي التي فيها الجنون, فالمجنون هو مبتعد أو منحرف عن العقل. والعقل راقي ومتطور أكثر عند أصحاب القلوب المرهفة الحساسة الذين يحترمون شعورهم, ولا يوجد إنسان حساس إلا يكون ذكي في النواحي تزداد فيها حساسيته, وهذا شيء معروف يثبت ارتباط الذكاء باحترام الشعور. الشعور لا يزول عن أحد بالكامل, وإلا لتخشب وثبت في مكانه بلا أي دوافع. والشعور لا يزيد ولا ينقص ولا يتطور وهو هو عند الطفل وعند الكبير وعند الرجل وعند المرأة ولولاه لما وجدت همزة وصل تربط بين العقول المختلفة, وهذا خلاف لمن يرون أن العقل هو كل شيء, وأنت ترى أن العقل هو كل شيء وأن الشعور مجرد جزء وتقصد بالشعور العاطفة غير ما أقصده أنا, وإذا قلت أن العقل هو المشترك بين البشر فمن أين جاء العقل؟

العاطفية بمعناها الشائع هي مخالفة للحقيقة إذن هي تخالف المنطق, ولكن هذا لا يعني أن الانطلاق من حب يعني مخالفة للمنطق والعقلانية, لا وجود لأحد موضوعي بالكامل, وإلا سيكون منطلق من ماذا؟ لا توجد دوافع عقلية, العقل وسيلة للشعور, وبما أن العقل بلا دوافع إذن هو رابض , فالعقل في حالة سكون ما لم يحركه الشعور,  لذلك لما تكون في حالة رغبة لشيء أنت تفكر حتى تصل إليه, وكل حضارة الإنسان وكل ما قدمه هي بهذين الدافعين الرغبة أو الخوف, فالعقل جهاز بارد رابض تحركه متى شئت وتزيد عليه متى شئت, أما الشعور فلا يزيد ولا ينقص. أنا أتكلم عن الشعور على أنه الفطرة وليس عواطف معينة كما قد يُتصور. فالعقل لا يحس ولا ينتعش ولا يتحرك من تلقاء ذاته مثله مثل الآلة, لهذا هو مرتبط بالمخ والأعصاب كقناة توصيل, فالعقل يكسل وينشط تبعا لصحة الجسم, لاحظ كبير السن تجد ذاكرته ضعيفة بالنسبة للأسماء والتواريخ لكن ليست ضعيفة من ناحية الشعور, فشعوريا لا ينسى شيئا, فهو بهذا السن تجده يتمنى الجنة ونعيمها, وحبه لأولاده لا يضعف, وحتى وأنت مريض تجد العقل يضعف, فالعقل (أ) مرتبط بالتركيز والتركيز مرتبط بالإشارات العصبية والتي هي مرتبطة بالسكر والأكسجين. الشعور غير مرتبط بالواقع ولا بواقعك أنت, فهو جهاز فطري مركب فيك, حتى من يده مبتوره تجده يحاول أن يمد يده ليمسك, المفترض أن هذا أكثر شيء يعرفه الشعور أن يده مقطوعة مادام الإنسان مادة كما يقول الماديون. الشعور شعلة إلهية يقظة ومستمرة, ولا يتأثر بظروف الجسم فحتى وأنت نائم يعمل, وتمرض أنت وشعورك لا يمرض, وتصاب العمى لكن شعورك لا يعمى. ولاحظ بحالة الخوف أنك تفقد الذاكرة وتفقد التركيز, هذا يدلك أن العقل دائما تحت رحمة الشعور, فالشعور يؤثر في العقل أكثر من العقل يؤثر في الشعور, مع أن الشعور هو الذي بنى العقل أصلا, فأنت تعرف أمور بالحسبة والمنطق أنها لا تكون إلا كذا , ومع ذلك حينما يكون هنالك خطورة لا تثق بهذه الحسبة, فمن الذي يثق؟

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق