السبت، 27 أبريل، 2013

هل الاخلاق تختلف من مجتمع لآخر ؟ (نقد النظرة المادية للأخلاق) ..


الأخلاق لا تتغير في دوافعها ، بل تتغير ملامستها وإخراجها للواقع ، فدافع الكرم وقيمة الكرم هي واحدة لكنها تأخذ صوراً مختلفة بحسب البيئات،  بل وبحسب الظروف ، فشخص يعطيك جالون ماء في الأوضاع العادية لا يعتبر كرماً كبيراً ، لكن إذا تصورنا قافلة من العطشى و أعطاك أحدهم جالون ماء ، أليس كرماً فياضاً ؟؟

الفلسفة المادية تعاني من السطحية ، فهي تتصور أن الأخلاق تتغير ، ولو سايرناها لتصورنا شعباً يتقزز من كرم حاتم الطائي ، وشعباً آخر يستهجن شخصية البطل اليوناني "أخيل" ويفضل الجبان عليه ، وشعباً آخر يكره قصة قيس وليلى ويراها من الأدب الرخيص وأن الدعارة أنبل منها ، ولوجدنا الإنجليز بعد أن تقدموا وتغيرت أخلاقهم يتمنون أن ريتشارد قلب الأسد لم يكن منهم يوماً من الأيام بسبب أخلاقياته التي أصبحوا يكرهونها ، ولأصبحت شخصية "شايلوك" معظمة ومبجلة عند  الإيطاليين..!! وهذا تسطح يصعب تحمله .

صور الأخلاق هي التي تختلف ، لكن الشيء نفسه واحد ، فأن يطلق أحدهم الرصاص فوق رأسك دون سبب.. أمر فضيع أخلاقياً ، لكنه من صور الكرم عند بعض القبائل! بل حتى عند بعض القبائل النائية في الغابات من صور كرمهم أن ينام الضيف مع زوجة المضيف! في حين أن هذا العمل يعتبر دناءة عند شعوب أخرى ، فالخلق نفسه لم يتغير وهو الكرم ، لكن طريقة ترجمة هذا الكرم والتعبير عنه هي التي تختلف تبعاً للظروف والأوضاع الاقتصادية والبيئية ، فلا يحق للعقل المادي أن يقول أن الأخلاق تختلف من  مكان لآخر وأنه لا يعول عليها وليست ثابتة . فيجب التدقيق قبل القول. لأنهم يخالفون الحقيقة بوجه بارد ببرودة المادة ويظلمون الإنسان .

ولو كانت هذه النظرة الغريبة هي الحقيقة لسقطت كل الآداب القديمة لأن العالم تغير عنها ، فلماذا يُقبل الناس على الأدب الكلاسيكي بشغف ويتفرجون على الأفلام التاريخية ويستمتعون بشعر الأقدمين الذي يتغنى بالفضائل بل ويحفظونه ويرددون أسماء أبطال الأساطير مع أنهم يعلمون أنهم أساطير ؟؟ لكن الفضيلة ليست أساطير، لماذا؟ أليس زمنه ولى؟!

ولم يشكك أحد بالأخلاق إلا الماديون بعد القرن الثامن عشر، وهي نظرة غريبة على العالم.
الأخلاق ثابتة لأنها مرتبطة بدوافع الإنسان العليا والباقية بقاء الإنسان ، و التي لا يؤمن بها الماديون، و لهذا عجزوا في تفسير الأخلاق ، يريدون أن يفسروا الأخلاق بناء على الدوافع الدنيا ومن هنا تظهر الصعوبة . إنها بنفس صعوبة من يريد جر القطار بالحصان ، ويدخل الجمل في سم الخياط ، فالزمن سوف يتجاوز مرحلة الفلسفة المادية ، وحتماً سيكون ذلك عاجلاً أو آجلاً ، لأن دخولها في التفاصيل هو الذي سيسقطها ، وهي ملزمة أن تدخل في التفاصيل وهي لا تحب ذلك ..

لا قيمة للصور طالما أن الأخلاق لم تتغير ، و لا يمكن لها ذلك ، و هي ثابتة منذ وجد البشر ، فلماذا بذلُ المجهود وراء الصور ؟

وانظر اليها بالنسبة للفرد نفسه ، تجد أن صورة الكرم عنده تتغير أكثر من مرة في حياته ، وكذلك بقية الأخلاق ، ولكن الدوافع أبداً لا تتغير .. بل تتغير صور الكرم مع الفرد عندما ينتقل من بلد إلى آخر ، فإذا كان في قرية بدوية ، تجده يكرم ضيوفه مثلاً بأن يذبح لهم خروفاً ، لكن لا يستطيع أن يفعل هذا في اليابان مثلاً ، سيكون ذلك أمراً غريباً و لن يعطي نفس شعور الكرم إلا إذا استطاع أن يفهّمهم الصورة .. ولكن الدافع لا يحتاج إلى أن يفسره لهم .. كل ما في الأمر أن يربط الصورة المجهولة بالنسبة لهم بالدافع المعلوم عند الجميع والمشترك الفطري ..

الماديون يسعون إلى ما ليس له قيمة حقيقية وهي الصور المتغيرة ، ويريدون ان يؤرّخوا للأخلاق من خلالها ، على أساس أن لها بداية مفترضة كأي موضة من الموضات . هذا هو التسطح ، والتسطح يعني الاكتفاء بالصورة المادية للشيء دون البحث عن مضامينه و مفاهيمه ودوافعه ، أي: نصف الحقيقة أو أقل ..

 الفلسفة المادية إذن هي التسطح بعينه ، و هذا ليس سباً او شتماً ، بل حديث منطقي أدافع عنه .. نحن نصف أي شخص بالسطحية إذا اكتفى بالقشور المادية و ظواهرها دون النظر للدوافع المعنوية ، كما أننا لا نرضى أن يقيِّمنا أحد بموجب ما نلبس فقط ، فلماذا يقيِّم الماديون الأخلاق بموجب لبسها وصورها فقط ؟ هذا من صور التناقض ..
بعبارة اخرى : المادي هو الشخص الذي يقيّم غيره بما لا يرضى ان يقيـَّم به هو .   

هناك تعليقان (2) :