الأربعاء، 24 أبريل، 2013

تأملات في اللا مادية ..


الحكمة تعني الإحاطة ، والنظرة المادية جزئية ، والمادة كلها جزء أو نصف المعرفة البشرية ، وعندما نتكلم عن العلم ، فمن الذي تعلم ؟؟ و ما معنى التعلم ؟؟ هل هو الدماغ ؟ 

لنحلل الدماغ ، ونبحث عن العلم في داخله ! هل العلم مادي ؟ هل الحكمة مادية ؟ نحن لا نعرف مادية الذي عرف المادة ، فكيف نقول عنه أنه مادي لأنه عرف المادة فقط ؟ هل هذا دليل؟ هل كلما عرفنا شيئاً أصبحنا مثله ؟؟!!

تتذوق طعم العصير ، و تقول أن طعمه رائع أو حامض .. العصير موجود مادياً ، و لكن الذوق نفسه أين هو ؟ مع أن اللسان موجود و الحلمات الذوقية والموصلات العصبية موجودة و المخ موجود ، مع العلم أننا نعرف الطعم أكثر من معرفتنا باللسان والموصلات ! 

هل أحد غير الإنسان يستطيع أن يثبت للعصير لوناً أو طعماً أو رائحة ؟ إذن طعم العصير : هل هو في العصير أم في الإنسان؟

إذن نحن نعرف غير المادي فينا أكثر من معرفة المادي فينا !! و هذا يدل على أننا لسنا ماديين في وجودنا بشكل كامل ، و لما احتجنا لطبيب يخبرنا عن أجسادنا و يبين صفاتها التشريحية التي لا نعرفها !! 

السؤال : لماذا نعرف غير المادي أكثر من المادي؟ لماذا نعرف المشاعر أكثر من الأفكار و أوضح ؟ لماذا نشك في أفكارنا ومعلوماتنا ولا نشك في مشاعرنا ؟ 

الغاضب لا يشك أبداً أنه غاضب ، والخائف لا يشك أبداً انه خائف ، لكننا نشك أن هذا أطول من ذاك ، ونشك أن هذه الفكرة حقيقية أو غير حقيقية ، و نشك في تشخيصنا لأمراضنا .. 

أليست المعرفة الكاملة هي التي "بلا شك" ؟ معرفتنا الأكيدة صارت في شيء غير مادي !! بينما الأشياء المادية حتى أجسامنا تطرّق لها الشك ! فلو كنا ماديين في حقيقة وجودنا ، لكان الأمر على العكس : لتأكدنا من المادة و شككنا في غيرها .

لو سألتك عزيزي : من الذي يقرأ الآن؟ ستقول : أنا !! .. من أنت ؟ 

هل أنت أصابعك أم عيونك أم قلبك أم دماغك أم رجلك أم يدك .. أين الوجود المادي لكلمة (أنا) فيك ؟؟ هل هو انت الآن أم قبل 10 سنوات او عندما كنت طفلاً ؟ رغم التغير المادي الكامل؟ 

و إذا قلت أنها مجموعي ، فهناك من بـُترت أطرافه ولا يزال يقول (أنا) ، رغم نقص ملايين الخلايا .. كلمة مجموع تتأثر بالزيادة والنقص ، و أما (أنا) فلا تزيد ولا تنقص ، فالكل يقولها : الطفل و الكبير والذكر والأنثى في كل اللغات ، بل يقولها النائم ويتعامل مع ماديات وهو نائم ! مع انه لا وجود للمادة و هو مستلق في فراشه !

الأشياء المادية التي نتعامل معها موجودة في ذاكرتنا ، فهل تشغل حيزاً من الفراغ هناك و لها جرم ؟ مع أنها هي هي ! ولا يمكن أن يكون الشيء نفسه في مكانين في وقت واحد .. 

في ذاكرتنا مُدُن بكاملها ، فأين وجودها المادي "هناك" ؟ مع أن إدراكنا لها و هي في ذاكرتنا بنفس إدراكنا لها و هي في حيزها المادي ! 

وإذا قيل انها موجودة في خلايا الذاكرة ، فسنقول ان الشخص المثقف أكثر يحتاج خلايا أكثر في دماغه حتى يعبّئ ذلك المستودع الصغير بتلك الأشياء الكبيرة لأن لها جرم مادي بناء على النظرية المادية ! وهذا غير صحيح.

إذن : كل شيء مادي هو جـُزر في بحر المتافيزيقيا ، ولم أقصد بها ما بعد الدنيا ، بل في هذه الدنيا ! نحن نعيش في الميتافيزيقيا ونتعلمها ، و في اللحظة التي تقول فيها : فهمت هذه المسألة ، فما الذي جرى؟ ما هو الفهم؟ 

كل شيء ميتافيزيقي ، و لا وجود مادي إلا للمادة فقط التي تسبح في بحار الميتافيزيقيا مؤذنة بسقوط الفلسفة المادية لأنها تنطلق من الجزء لتحكُم على الكل ، والمادة جزء وليست كل .. 

إذن نحن نفهم بطريقة غير مادية ، فعلينا أن نحترم هذا العالم ولا نكون كالماديين الذي لا يحترمون إلا ذوات الأجرام ، وإذا سألتهم كيف رأيتها ، تكلم عن العين وعدساتها وشبكيتها الخ !! 

العين وسيلة ، ولكن ما هي الرؤية ؟؟ هنا نكون خرجنا إلى الميتافيزيقيا ، و هنا يتهرب الماديون كالعادة ويذهبون ليتكلموا عن المخ ومركز الرؤية فيه .. 

الرؤية شيء والجهاز البصري (من العين إلى المراكز) شيء آخر ؛ بدليل أنك تستطيع أن ترى في ذاكرتك وأنت مغمض العينين! مثل الرؤيا في الأحلام ! أين الجهاز البصري هنا ؟ 

وكيف يستغرب الماديون بعد هذا أن يـُقال ان للإنسان روح؟ إذن ما هو الذي يرى فينا و أعيننا مغمضة ؟ أحيانا تمر الأشياء أمام عدسة العين ولا نراها !! 

إذن الرؤية ليست تساوي العين ومركز البصر في المخ ، بل حتى قد ثبت أن مراكز الحواس بينها تواصل بل وتناوب في العمل ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق