الخميس، 26 ديسمبر، 2013

تعليق على تفضيل سارتر للنثر على الشعر ..


مقتبس بتصرف من

جان بول سارتر : ما هو الأدب ؟



الكتابة الادبية عند سارتر نوعان : شعر و نثر ، والنثر يصفه بأنه امبراطورية العلامات والدلالات ، بينما الشعر عبارة عن فن ، كالرسم والنحت والموسيقى .

سارتر يفضل النثر على الشعر ، ويبدو انه كان ناقما من الاخير ، ويقول مقارنا بين النثر والشعر : ان الكلمة في النثر تتميز عن الكلمة في الشعر ، فالكلمة في النثر اداة ، لكنها في الشعر ليست كذلك ، انها الهة معبودة ..

سارتر يرى ان الكلمة في الشعر لا يستطيع ان يتحكم بها الشاعر ، بينما الناثر يستطيع ان يستخدم الكلمة ويستغلها في نصّه .

ويرى أن الكلمة الشعرية عالم مصغر يحتوي عوالم جمة فيها ، و أن الشاعر فرد تائه في اراضيها ، بينما الكلمة النثرية يستعبدها الكاتب ويطوّعها لصالحه .

الرد :

لا يوجد شيء تسيطر عليه و يمشي بأحكامك دون ان تحترم قوانينه ، هذه فكرة صبيانية ، فلو لم تحترم قوانين المرور والحركة لاصطدمت بسيارتك في اول جدار ، ولو لم يحترم الطيار قوانين الطيران والظروف الجوية لسقطت طائرته ، اذن الطائرة هي من يسيطر عليه وليس هو من يسيطر عليها ، لأنه سمح لها ان تسيطر عليه استطاع ان يستفيد منها ..

فلسفة سارتر تدعو الى عدم احترام اي شيء سوى رغبات الفرد و جعلها فوق كل القوانين والقيم والمتفقات ، و هذه فلسفة رغباتية فجّة وغير ناضجة و منفلتة و تفضي الى عدم الاتقان والابداع ، ولا تعتمد على اي منطق ، لأن من يطاوع هوى نفسه لن يصبر على اي تعب ، والثمار المفيدة تحتاج الى تعب . هو لم ينظر للنثر والشعر من حيث قيمتهما وحاجة الناس لهما ، بل نظر اليهما من حيث ما يتعبه وما لا يتعبه ! وايهما اكثر راحة له وعدم سيطرة عليه !

اساس فلسفة سارتر عبادة الذات ، و جعلها محور الكون . وبما ان الذات غير معروفة صارت الرغبات محور الذات ، والذات محور الكون .

اذا كان سارتر عجز عن الشعر فليقل انه عجز عنه ، لا أن يذمه لانه عجز عنه ! وتقريره ان الكلمة في الشعر تسيطر على الشخص هذا غير قابل للتعميم ، لان الشاعر الحقيقي يسيطر على الكلمة في الشعر ، مثلما يسيطر سارتر عليها في النثر ..

وهناك نوعان من النثر : نثر عادي يومي ، و نثر فني يشبه الشعر ، اذا كان يطلب السهل حتى يكون حرا فلن يكون مبدعا ، الطفل وبائع العصير والكوّاي يفضلون النثر على الشعر في كلامهم مثل سارتر ، لانهم يسيطرون عليه أكثر من سيطرتهم على الكلمة الشعرية ، فهل هذا تعريف الحرية عند سارتر ؟

يقول المتنبي معبرا عن قدرته و طلاقته في الشعر وعدم وجود صعوبة مثل ما وجد سارتر :

انام ملء جفوني عن شواردها .. ويسهر الخلق جراها ويختصم ..

وقالوا لابن الرومي : لم لا تراجع شعرك ؟ فقال : لست بحاجة ، لأن كل ما في داخلي وضعته في هذا لشعر ، فاذا راجعته فلن ازيد عليه ولن انقص .. بل هناك شعراء السليقة والارتجال و المحاورة المباشرة ، فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه ..

سارتر خلط قدر نفسه بقدر الشعر .. و بما انه صعب عليه صار رديئا ، كما فعل الثعلب مع عنقود العنب العالي ..

انت تكتب  للناس ، فعليك ان تجعل القيمة في مدى نفع الناس وحاجة الناس ، لا أن تكون انت القيمة . و اذا كان سارتر يكتب لسارتر ، فليقرأه سارتر ، و كل وجودي مثله عليه ان يكتب لنفسه . لأنه ملتزم بقوانين نفسه وليس ملتزما بقوانين الحياة ، و نفسه ليست حياة الناس بل حياته هو ، اذن فليقرأه هو ويشاهده هو ..

وهذا ليس تحيزا ضده ، منطق الاشياء يقول هكذا .. ما دام الوجودي لا ينطلق الا من قوانين ذاته و نظرته هو للاشياء ، فهو يعترف ان الاخرين مختلفين ، وهو لم ينظر الى قوانينهم ولا رأى رغباتهم ، بل نظر الى ذاته فقط ، اذن مجهوده يصلح ان تقرؤه ذاته . و هكذا نفهم ان الوجودية هي انكفاء على الذات ، لهذا افضت الى العدمية لان ليس لها امتداد خارج الذات ، و هي نتيجة لافراط في عبادة الذات ادى الى تقوقع الذات على الذات .

هو يتكلم بطريقة موضوعية و بدافع ذاتي بحت في نفس الوقت ! لم يقل ان هذه هي قيمة الشعر عند ذاتي ، بل قال : هذا هو حال الشعر ، و كأنه يتكلم عن الجميع ! وبالتالي فالوجودية لا تحترم الاخرين ، لأنها لا تراعي حالهم ولا مشاعرهم ولا ما يريدون و لا قيمهم ولا وجودهم حتى ولا المنطق ولا العلم ، لأنها تنظر لوجود الفرد فقط و كأنه كون و اله بنفس الوقت . اذن الفلسفة الوجودية هي تطرف في فكرة الفردية ، وهي من فلسفات الرأسمالية ، لان الرأسمالي فرد او واحد في المئة يملك حقوق التسعة وتسعين ، لهذا تعظّمت الفردية في الغرب ، وتطرفت بها وجودية سارتر ، وكانت مثل لسان الافعى الذي يزيد في طوله .

هي والليبرالية والعلمانية فلسفات راسمالية ، فأي متضخم في الفردية هو وجودي ، وكأنه هو الكون والاله والقوانين والشرائع والذوق والمثل والجمال وو ، و هذا نوع من الانفصام عن الواقع والشيزوفرينيا ..

لا توجد فلسفة في الفكر الغربي السائد منفصلة و مستقلة ، كلها فلسفات مرتبطة بالراسمالية والاقلية المسيطرة تخدم مصالحها ويروّج لها في إعلامها ، و كأنه لا يتفلسف الا هم ..

ويستحق ان تـُدرس الوجودية من باب علم النفس ، لانها حالة مرضية ، لانها تخرج قيما ومنطقا غير موجودة لا يعرفها الجميع و تخص الفرد وحده ، والناس تصف المجنون بمثل هذه الصفات ، بأنه يفكر لوحده وبمنطق غير المنطق المعروف . وكثير من المرضى النفسيين الذين يعالَجون ، حالتهم حالة وجودية متطرفة جدا ، ولا يعلم الاطباء بذلك .. فبما ان الواقع لم يسر على مزاجه ، صنع لنفسه واقعا وهميا دونكيشوتيا يسير على مزاجه .. و هذا سبب العزلة الذي تنتجه الوجودية .. فالافراط في الحرية هو افراط في الرغبات ، و افراط الرغبات يؤدي الى الجنون ،

كذلك نجدهم يحبون ذاتهم و شديدي الحرص على مصلحتهم ولهم منطق غريب و تقييمات شاذة ويميلون للعزلة والفردية والكآبة . و هكذا مسالك الشيطان كلها تؤدي الى الجنون ، ومن لم يعبد الله عبد ذاته ..

الحرية المطلقة وهم من اوهام الشيطان ، لان الحرية المطلقة لله فقط وليست للبشر المقيدين بالقيود المادية والمعنوية .    

ويقول : أن وظيفة الشاعر نفس وظيفة الرسام ، فكما يمزج الرسام الألوان على اللوحة , يخيّل لنا أن الشاعر يركّب جُملاً , وهذا زيف , إنه في الواقع يخلق عوالمه الكثيرة.

ويقول : كلما عبّر كاتب النثر عن مشاعره زادها بياناً , وعلى العكس من ذلك إذا أصاب الشاعر عواطفه في القصيدة أصبح لا يتعرف عليها , فالكلمات تأخذها , وتتشبع بها , وتمسخها .

الرد :

هذا الفصل الحاد بين الشعر والنثر غير منطقي ولا واقعي ، و هناك كتابات نثرية مجنحة يصعب الامساك بمضامينها ، و هناك شعر واضح وقوي في تعبيره ومسيطر على الكلمة .. انها قدرات وطاقات واستعدادات ، وليست المشكلة في الاسلوب والإهاب والقوالب كما يظن .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق