الخميس، 29 مايو، 2014

عن العلمانية ، و رد على سيد القمني ..



العلمانيون يسقطون نظرتهم العلمانية على الدين ، ولا يحددون ما الذي يجب ان يتغير في الدين ولا لماذا، ولا الذي يجب ان يبقى ولا لماذا، المهم غيّر فقط، وعينه على الغرب و يداه تـُغيّر ، "إعمل كده و كده، تـِبأى زي كده و خلاص" .

ليس المهم التغيير بقدر القصد وراء التغيير والدافع اليه، والعلماني يعلنها صريحة : اللحاق بركب التقدم والحضارة، اي : مثل المجتمع الغربي، بعد أن اعطى علامة الصح لكل ما يفعله المجتمع الغربي دون تمحيص، ويربط الحضارة بالدين من عدمه . ويربط الحضارة بالعادات الاجتماعية، و هذا شيء غريب : الحضارة مرتبطة بالنظام السياسي والتعليم والأمن والامكانات الاقتصادية، وليست مرتبطة بالمايوه والبكيني . هناك دول تنتشر فيها الرذيلة اكثر من غيرها ولم تتقدم ولم تصنع محطات الفضاء .

الحضارة الاسلامية يشهد لها التاريخ ولم تتصف بعادات المجتمع الغربي ، كذلك الحضارات القديمة كالصينية واليونانية. ثم ان البداية الحقيقية للحضارة الغربية لم تكن عاداتهم مثل عاداتهم الان، اذن ليس بصحيح ان اي مجتمع يريد ان يتحضر عليه ان يكون مثل المجتمع الغربي و إلا فلا . هذه بديهية عند العلمانيين فقط ، يريدون ان يسقطوها على الجميع .

ليس كل الناس يرون المجتمع الغربي ناجحا و جميلا وممتازا كما يراه العلماني العربي ، حتى الغربيون ينتقدون انفسهم . لم نرَ علمانيا عربيا ينتقد نقطة في المجتمع الغربي ولا في التاريخ الغربي، الا ما يتعلق بالدين كمحاربة الكنيسة ، بل حتى استعمارهم لنا صار بسببنا و ليس اعتداء وظلما منهم !

العلماني العربي وهو بهذه الحالة من الاستقطاب الشديد: كيف له أن يؤثر في الناس و هم لا يرون فيه اي حياد ؟

فكرة مسايرة الواقع لأنه واقع، هذه هي روح العلمانية. والاسلام دين ، والعلمانية ضد الدين، وجاءت لتخرجه عن الحياة بكل صورها، ليس فقط من السياسة بل حتى من المدارس. و الدين يعني ثوابت، والثوابت تغيّر اتجاه ما يقف في طريقها. ليس كل الناس إلههم هو الواقع، فالجميع يعرف الواقع، ولكن ليس الجميع يقبله كما هو. نعم هناك واقع حياتي نعيشه، وهناك موت ينتظرنا، وهو واقع أيضا ، لماذا لا يوضع في الحسبان ؟

إنا لو قبلنا الواقع كما هو، لكنّا كقشّ في تيار ماء، يذهب به أين يشاء. إن كانت هذه هي العلمانية فلا يقبل عاقل ان تتقاذفه امواج الواقع دون ان يكون له اي اثر. بل حتى العلم و الاختراعات كلها خالفت الواقع، حتى فكرة التطور نفسها لا تتم الا بمخالفة الواقع والثورة عليه، وهذا تناقض في الطرح العلماني : يطالب بالتقدم و يطالب بالواقع !  

أحد شقّيّ المجتمع يريد ان يبحث عن المثالية ليسقطها على الواقع، والآخر يريد ان يستمتع بالواقع كما هو بخيره و شره، وهذا ديدن كل المجتمعات. العلماني معجب بالواقع ويريد الاخرين ان يعجبوا به مثلما هو معجب، بخيره و شره. هذه النظرة الأحادية بحد ذاتها مخالفة للدين الذي جاء لإصلاح العيوب، لا لتقبّل العيوب كما هي لأنها واقع .

نحن بين تيارين متطرفين : تيار يريد ان يجعل انه ليس بالامكان احسن مما كان، و أنه لا صلاح الا بالعيش في الماضي، وتيار مسافر لا يرى صالحا للعيش الا السفر إلى الغرب او تسفير الغرب الينا . 

ابتلاع المجتمعات بالكامل حتى القديم منها بثقافاتها هذا خطأ، فهو فقدان شخصية وعدم مراعاة ظروف الواقع التي يتكلم عنها العلماني نفسه. فنحن لسنا غرباً، فلا تاريخنا تاريخه، ولا عمقنا الديني عمقهم، أما العلم فللجميع .

الرحلة الى إلقمر لا تبدأ بمايوه . لكنها تبدأ بذلك و تنتهي عند العلماني و الليبرالي العربي مع الاسف و الذي يهمه تغيير المجتمع وليس تقدّم المجتمع، والقمر يبدو أنه بالمعنى "الشعري" عندهم و ليس الواقعي .

إنهم لا يحددون ما الذي يجب تغييره حتى نكون على فهم، فقط غيّر و جارِ الحياة ، وفي الاخير ما الحياة المقصودة ؟ الحياة المقصودة هي حياة المجتمع الغربي، والغربيون لا يحتاجون للتغير من وجهة نظر العلماني العربي، بل نحن فقط بحاجة ، بل و تغيير جذري ، بل لدرجة أن يُقرأ النص بالمعكوس.

نحن معنا رسالة السماء وعلينا أن نغيّر، والمجتمع الغربي يتخبط في الشهوات والمصالح وليس عليه ان يتغير اطلاقا ! مثلما يضع "سيّد القمني" لوم الاستعمار على الشعوب المسلمة و ليس على الدول المستعمرة، فلأنكم متخلفون أستـُعمرتوا ، فالذنب ليس ذنب المستعمر بل المتخلف ! و كأنهم لم يستعمروا أمما غير المسلمين كالهند برمتها و أمريكا وأفريقيا! وهل تلك الأمم خلّفها تمسكها بأديانها ؟

كل شيء عندنا يجب ان يتغير من وجهة نظر العلماني، و أي شيء قادم من الغرب يجب أن يثبّت ! نعم نحن مع التغيير لكن على بصيرة وهدى، لا على تقليدٍ لمجتمعات أجنبية فقط لأنها غنية. قبلنا الاسلام لأنه دين الحق، ونقبل التصحيح في المفاهيم لأجل الحق.

العلمانية والليبرالية غزت المجتمعات الغربية قبل أن تغزونا، فلما غسلتها جاءت إلينا ، بعد أن فرّخت ملاحدة هناك جاءت للمسلمين لتعمل نفس الخطوات التي عملتها في المسيحيين. و يؤيدها البعض إما بقصد أو بغير قصد.  

فساد المفاهيم الداخلة على الدين لم يكن سببها إلا علمانيون قدماء يهمّهم المصلحة والواقع، إذن ليست العلمانية طبيب الدين بل مرضه. ولا يُصلح فساد الدين إلا المخلصون الذين أحبوا الدين بقيمه الأخلاقية أكثر من حبهم للواقع بقيمه المصلحية .  و القمني حين انتقد صورا عن الفساد الخلقي عند المسلمين، هو ينتقد علمانية داخلة في الدين دون أن يقصد. مثل استحلال الزنا والربا والتقية و زواج العرفي الخ .. ولماذا يلومهم بينما هم يفعلون نفس ما تقره العلمانية؟ الفرق فقط أنه باسم الدين !

ما الفائدة من الدين اذا كان الواقع والمجتمع و متغيرات الحياة هي المرجع ؟ و يبالغ العلمانيون في أن الدين على حياة الرسول والوحي كان يتغير و يجاري الواقع ، مع أنه جاء ليغير الواقع لا ليجاريه ، فقد كان الواقع مستمرا قبل مجيئه.

و يفترضون ان التغير والتطور العشوائي هو قانون الكون الثابت، وهذا كله بلا دليل . و اي تغير عندهم يعتبرونه تطورا، مع انه قد يكون موضة قديمة رَجعت . وأفكار العلمانية ما هي إلا نفخة من نَفَس الإلحاد ، فالإلحاد هو الذي يرى ان الحياة هي التي تتخبط وتتطور عشوائيا ، والعلماني والليبرالي  يفكران بعقل الملحد، حتى لو لم يلحدا . والصلة الحميمة بين الليبرالية والعلمانية والإلحاد، هؤلاء الإخوة الثلاثة، واضحة للعيان. فالإلحاد رفضٌ صريح، والعلمانية إبعاد وتنحية ، و الليبرالية تحرر شخصي .

هل كل تغير يعني الى الاحسن ؟ ألم يقولوا (لا جديد تحت الشمس) و (لعمركَ ما في الزمانِ جديدُ) ؟ هؤلاء يعتقدون أن كل الحياة في رحلة، وكل خطوة تخطوها لا تعود إلى الوراء أبدا، وكلها من النوع الجديد، وكل شيء سوف يتغير، حتى الأصابع قد تكون مائة، والأخلاق والقيم والعقل و حقائق العلم تتغير ! وكل شيء تغيّر في تغير ، لأن كل شيء ممكن ! والعلم لا حدود له ! كل هذا من أجل ان يتغير الدين عن ثوابته ، فيحل الزنى أو شرب الخمر أو الربا مثلا ، فحينها يخفّ التغير في الدنيا وتتباطأ دورة الارض ويقولون : لا جديد تحت الشمس .

المطالبة بالتغيير هي الرفض بأسلوب لطيف. كما قال تعالى : (إئت بقرآن غير هذا او بدله) ، حتى يتناسب مع واقعهم .

يقول القمني في كتابه "انتكاسة المسلمين إلى الوثنية" حول السرقة :

{قطع يد إنسان ليس شأنا بسيطا حتى تختلف المذاهب السنية الأربعة حول مستوى القطع : هل هو من الأصابع أم من الكف ام من الكوع أم نخلعها من الكتف خلعاً. وهي آراء المذاهب الأربعة في مستوى القطع، ناهيك عن القصور الشديد في هذه الشريعة عن مواكبة الزمن، وهذا قول لا يشين الشريعة ولا يقلل من قيمتها فقط ، دون إغراق في المثالية التي يعتبرها في كثير منها كانت صالحة لزمانها وحده، و مما لا يتوافق مع زماننا كمثال واحد : كانت الشريعة تعاقب بالقطع على السرقة إذا كان المسروق في حرز، أي في مكان مغلق، لكنها لا تعاقب بالقطع على سرقة السائبة، فهي ليست سرقة تستحق القطع، كالسوائم الهائمة في الطرقات أو في البراري، و بتطبيقها اليوم ستكون سرقة السيارة غير مستوجبة للقطع لأنها سائبة، بينما ستكون سرقة الكاسيت الموجود داخلها هي العقوبة التي تستحق القطع، لأنها في حرز حسب شريعتنا. المهم أن ذلك إنما يعني استحالة تطبيق العقوبات البدنية بشكل نضمن فيه العدل التام وعدم ارتكاب الإثم في الحكم، وهو ما يعني أيضا أن الشريعة كما هي عليه الآن هي وضعية كأي قانون وضعي، من وضع فقهاء لم يكن يأتيهم جبريل بالوحي.} اهـ.

هذه التفاصيل هي اجتهادات قابلة للتغير، وما دام نقد القمني لهذه القضية من ناحية العدل، فالإسلام أولى بالعدل، والإسلام ليس يساوي الفقهاء كما يعتقد القمني، وأمر الإسلام بالعدل بالنص الصريح دون أن يفصّله، والعدل ليس محددا و ثابتا ولا جامدا كما يفترض البعض بأنه ليس في الإمكان أفضل مما قاله الفقهاء، فالمعبود هو الله و ليس الفقهاء، والنص المقدّس هو نص الله و ليست نصوص البشر .  

قطع يد السارق ليست عبادة بحد ذاتها، لأن الله أمر بالعفو ، وهو العبادة ، قال تعالى (وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم) ، ولم يقل : أقطعوا ايدي السارقين ليعفو الله عنكم .. الله لم يرتب جزاءا و شكرا على تنفيذ الحدود ، بل رتب على العفو عنها، و بيّن فائدتها للمجتمع من حيث الفائدة الأمنية له. اذن القصد هو أمن المجتمع ، ولو تحقق بطريقة أخرى فلن يعارضها الإسلام، لأنه يحث على الأفضل، وقال (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ، وقال (إن الله يحب المحسنين) . والاحسان هو اتباع الاحسن . افرض وجود طريقة تجعل يد السارق تتحول الى يد عطاء و بناء و توبة دون أن تـُقطع ، هل يجب أن نقطعها وإلا فسيغضب الله علينا ؟

افرض ان المجتمع لا يسرق فيه احد او ان جميعهم يعفون عمن سرق منهم، فهل سيغضب الله لأن الأيادي لم تقطع أو لأن الرؤوس لم تقطع ؟ إذن هي ليست عبادة، لإمكانية عدم وجودها ، لكن الصلاة عبادة لإمكانية استمرار وجودها. و كذلك الزكاة. وقال تعالى (و لكم في القصاص حياة) أي أمن، و لم يقل أن لكم في القصاص أجر، بل جعله في عدم القصاص أو التنازل عنه. وكيف يُتعبد لله في شيء تركه أفضل عند الله ؟

الاية واضحة في القطع و لكن الفقهاء فصلوا بخصوص حصول السرقة التي تسمى سرقة في العرف، والمقصود من وجهة نظري بالسرقة : السرقة الضارة، لأن السرقة الخفيفة مشتبه فيها، إذ تأخذ شيئا فتحسب انه غير مهم، و لكنه مهم عند الاخر، و جعلوها بربع دينار في حرز . والآية تقول (فاقطعوا أيديهما) فهي تخاطب الجمع ، والجمع هو من سيحدد تسمية السرقة وهو من يحدد ثبوتها.

الله قال (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) ، والله انزل القطع والقصاص وأنزل العفو، والعفو أجمل. وأنزل التوبة والإصلاح ، فإذا تاب السارق وأصلح وأعاد ما سرق وإن لم يستطع وعدَ بأن يقدم كل ما يستطيع لتعويض الضرر، ولو ان يخدم بنفسه، فهل تـُقطع يده ؟ ولو تاب من قبل ان يُقبض عليه، فهل تقطع يده؟ هكذا ستقطع ايدي كل الناس ! فلا بد ان كل واحد منا سرق شيئا في يوم من الأيام ولو بسيطا، والبسيط يضاف للبسيط حتى يصل لربع دينار .

تعبُّد الله يتم من خلال العفو، والله رتب الجزاء والشكر على العفو وليس على العقوبة . وقال عن القاتل : (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ، و اذا كان القطع نصّاً فالعفو نص أيضا ، وإذا كان القطع شرعاً فالعفو أيضا شرع، وكأن مراد النص أنه اذا استوجب الأمر العقوبة وتـُحقـِّق من العدل فهذا اقصى عقوبته .

ولو وجدت طريقة افضل تردع السارق فلا يعارضها الإسلام الذي يحث أصلا على العفو والتسامح، حتى عن السارق، ليس شرطا ان تقطع يده إذا سُمح عنه، بل القاتل وهو اشدّ يُسمح عنه. لو كانت العقوبات تعبُّدية لما كان العفو فيها أفضل. فهي الحد الاقصى والعفو عنها أفضل والتثبت والعدل واجب، ولا تتم إلا به، ومعيارها هو الضرر ومنع الضرر.

هناك تعليقان (2) :

  1. فساد المفاهيم الداخلة على الدين لم يكن سببها إلا علمانيون قدماء يهمّهم المصلحة والواقع، إذن ليست العلمانية طبيب الدين بل مرضه.
    كلام سليم جدا يؤيده التاريخ

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على هذا الكلام الاكثر من رائع ..

      حذف