الجمعة، 23 أغسطس، 2013

رد على مقال : بين العلة الاولى والله، ، اي منهم هو الخالق؟



بين العلة الاولى والله، اي منهم هو الخالق؟ 

المقال قديم ولم ينشر من قبل في المدونة  وتم الرد عليه  ..

هل يمكن للعلة الاولى ان تكون عاقلة، تنطبق عليها مواصفات الله الاسلامي، فيكون الله هو العلة الاولى او لايكون؟
دعونا للنظر للامر بروية..

يقول القرآن ان الله هو "الخالق" وبهذا التعبير يقصد خلق كل ماهو موجود من اسماء وصفات، وكل ذلك من العدم. (دعونا نستخدم العدم هنا بالمعنى الفلسفي واللغوي والديني وليس بالمعنى الفيزيائي الحديث).

والقرأن ايضا يشير الى ان الله يخلق مايشاء، وبالتالي فهو صاحب مشيئة حرة قادر ان يحولها الى فعل بالذات طبقا للمشيئة وليس خضوعا لقوانين خارج ذاته. في هذا سيكون الخلاف بينه وبين علة اولى غير عاقلة.

ولكن دعونا نتساءل، ماذا يعني ان الله " يريد"؟ ان يقرر المرء مايريده لابد ان يكون بالمقارنة مع مالايريده، وبالتالي فعلى الدوام تحكمنا المقارنة بالاضداد، وتحكم الله ايضا. وهذا بالذات الذي يجعل الله مسير وليس مخير، وبالتالي لايمكن ان يكون علة اولى عاقلة التي خلقت الكون.

مثلا لنفترض ان الله اراد خلق شئ حسن، ذلك لايمكن ان يكون الا بوجود شئ مضاد له غير حسن، حتى يمكن ان يكون الاول حسن والا فهو لاشئ. عنده لابد لله من ان يخلق الغير حسن ليتمكن من خلق الحسن والا لاتتم ارادته. غير انه في هذه الحال يكون قد " اضطر" الى خلق الغير حسن ايضا وهذا يتناقض مع الوهية عاقلة
.

الرد : الله لم يقل أنه يخلق شيئا أحسن من الأسوأ, هو قال أنه يخلق من العدم, أنت تستطيع ان تكتب قصيدة مثل قصيدتي وتكون قصيدتك هي الأحسن وتستطيع أن تكتب بنمط جديد لا أعرفه أنا ولا غيري فهذه القصائد لا تقارن بالقصائد الأخرى التي لا تشبهها بالشكل والمضمون وكلاهما إبداع, فلماذا الإبداع هو النموذج الأول للقصيدة والآخر ليس إبداعا؟ لماذا حصرت الخلق بإيجاد شيء أحسن من الموجود؟ فقط ؟ إذن من أبدع أسلوبا أدبيا جديدا لا تسميه مبدعا لأنه لم يقارن بأسوأ! والا يجوز أنه يعلم السيء ولا يخلقه؟ هل نسيت أن الله يعلم كل شيء؟ أما نحن بعقولنا فحتى نصنع الأحسن فلا بد أن نعرف الأسوأ والأحسن, فأنت الآن تتكلم عن بشر.

ثم من يحدد الاسوأ ؟ الأسوأ بالنسبة لك كبشر ، لا يجوز تعميم علم البشر او تقييمهم على علم خالق البشر ، اي لا يقيَّم الخالق حسب تقييم المخلوق . والاختيار بين اثنين لا يسمى اجبارا ، منطقيا ، بينما أنت سميته جبرية . بل ان ارادتنا الحرة هي دائما وابدا بين شيئين ، ولو تعددت الاشياء سيكون الفصل بين آخر شيئين تم ترجيحهما .  


هذا الامر يعكسه القرآن تماما ليس فقط في مسرحية خلق الشيطان ليكون ممثل الشر، من حيث ان لاخير بدون شر، ونحن نعلم ان الخير والشر من عند الله، ولكن ايضا في إعلانه عن خلق " الموت والحياة، النور والظلام، الايمان والنكران، والخلق ازواجا". في ذلك يكون الله قد اعلن انه خالق ليس الاشياء وحسب وانما المجاز ايضا.

والسؤال: هل كان الله قادر على عدم خلقهم اضدادا، ام ان وجود الاضداد كان بنتيجة " مجبرا اخاك لابطل" من حيث ان رغبته بخلق الخير لايستطيع تحقيقها الا بوجود خيار الشر، ورغبته بالنور لايستطيع تحقيقها الا بالمقارنة مع الظلام ورغبته بالايمان لاتتم الا بوجود النكران.. الخ


الرد : انت بشر وترغب بالخير لانه يفيدك ! هذا الكلام لا ينطبق على الاله ! فتخيلت انه يرغب بأن يخلق الخير فيضطر الى خلق الشر ! هو أراد ان يكون خير و شر ، الذي تسميه مجازي ، وتستغرب ان يخلق المجازي مع انه خلق الانسان والشيطان ، هذا تحصيل حاصل .

هو خلق الاضداد دفعة واحدة ، ولم يخلق احدهما ثم اضطر لخلق الآخر . (الذي خلق الموت والحياة والظلمات والنور) وفي هذا اعجاز ، لان علمنا البشري يرى ان الظلام هو فقدان النور ، وأن الموت هو فقدان الحياة ، وبالتالي نحن نعتبر ان الحياة هي الموجودة والموت غير موجود ، وأن العدم هو الاصل ، وأن النور هو الموجود ، وأن الظلام غياب الموجود . هذا حسب علمنا ، لكن ما الذي يجعلنا نجزم بذلك ؟ ليس الا المشاهدة .

وما الذي يمنع افتراض ان يكون ضد الحياة شيء آخر غير الموت ! و أن ضد النور ليس الظلام بل شيء آخر ! أو لا ضد ! لا شيء يمنع فلسفيا ، لكن علميا يمتنع . اذن الضدين مخلوقان دفعة واحدة ، وكلاهما مخلوق وليس الله فقط خلق الحياة ، لو قال كذلك لكان كلاما بشريا ، بل قال : خلق الكون ، اي شاء ان يكون الموت هو عكس الحياة ، مثل ما ان الابيض عكسه الاسود ، قد يكون عكسه شيء آخر ، ولكن الواقع يقول ذلك .

لكن القرآن يثبت خلق الشيء وضده . وهذا كلام اله طبعا ، لكن لو كان كلام بشر لقال : الذي خلق الحياة والنور والخير ، لأن ضدها سالب وهو الاساس بالنسبة لعقولنا ، الله غير مُلزَم بشيء ، ولكنه كتب على نفسه الرحمة والخير . وهذا يثبت نظريتي بحتمية التوازن للوجود (الذي خلق فسوى) ، خلق اولا ثم وازن ، فالتسوية تعني التوازن. (واغطش ليلها واخرج ضحاها) اي بعد الخلق ، اي هو من خلق القوانين ، لا أنها تـُلزمه ، فنحن نعرف حتمية القوانين ولكن لا ندري لماذا . من الممكن ان توجد نفس المخلوقات ولكن بقوانين اخرى ، ولهذا فصل القرآن التسوية عن الخلق ، وهذا اعجاز علمي .

الكون عبارة عن اشياء وعلاقات بينها ، هذا تعريف الكون . (والذي قدر فهدى) ، فالقدر هو الموازنة ، ثم هدى كل شيء الى سبيله ، مثل ما خلق النحل وجعلها تتخذ من الجبال بيوتا .. ومثل حركة الاجرام السماوية كلها ، ما الذي يجبرها على الحركة ؟ دفعة واحدة ؟

انت مثل من يستغرب ايجاد الشعر ولا يستغرب ايجاد الشاعر !

وإذا كان الله مسيرا، محدودا في قدرته على تحقيق مشيئته، فلماذا هو إله؟

ولو ازداد مجال التساءل ليصل الى الوجود والعدم، فهل خلق الله العدم ام ان العدم قديم قدم الاله، ومن العدم يخلق الله الاشياء بقوانين العدم نفسه، من حيث لاعدم الا بمقارنته مع الوجود، وبالتالي فالوجود قديم قدم العدم .. فهل الله هو العدم، العلة الحقيقية الاولى؟
................................................................................

الرد :

الله هو العلة الحقيقية للوجود وليس العدم ، وبالتالي العدم مخلوق ، وليس هو الاساس . والعدم الذي نعرفه لا يكون الا بوجودٍ مفقود يجعله عدما ، اي اننا نعرف العدم بالوجود من خلال فقدانه ، فنسميه عدما ، الله خلق الاضداد معا . منطقيا لا يكون العدم هو الاساس ، فالمنطق لا ينطلق الا من وجود ، ومن يقول ان العدم هو الاساس ، هو يغرد خارج المنطق . المنطق لا يسمي الشيء عدما الا لفقدان موجود يكون على البال ، فالعدم نسبي وليس كلي ، فيوجد عدم شيء ما ولكن لا يوجد عدم كل شيء . اذن الوجود هو الاساس في المنطق . اذن نظرية العدمية تغرد خارج المنطق . ومن الخطأ ان تنسب الى العقلانية . بل هي مذهب غير عقلاني ، اي ان العقل لا يؤدي اليها ولا يقر بأساسها . فالله هو الاول والآخر .  

من قال لك أن الله يريد أن يخلق الحسن فقط ولا يريد أن يخلق السيء؟ أنت تتكلم عن الله وإذا بك تتكلم عن إنسان دون أن تدري! فالله قال (ألهمها فجورها وتقواها), أي هو من خلق الفجور والتقوى وهو الذي خلق الشيطان وخلق جبريل ، وابقى وجود إبليس مع أنه يستطيع أن ينهيه.

هذه المتضادات خلقها الله لنا وليست له.

وهو الذي خلق الموت والحياة والصحة والمرض؛ لأن الشر سيفيدنا كثيرا في معرفة الخير, وجعل الأرض دار اختبار لنا بين الخير الواضح والشر الواضح ، وبضدها تتبين الأشياء, بينما أنت تريد أن تبقى الحياة ولا تريد الموت ، وهذا تفكير البشر بأن الموت سيء, الذي تراه سيء الله يراه شيء آخر نحن لا نعرفه, بل حتى بعض الأشياء السيئة نراها كذلك ثم تنكشف لنا بعد ذلك أنها حسنة.

أنتم تأخذون فهم كلمة الله من ملاحدة الغرب ذوي الخلفية المسيحية واليهودية, والغرب خاضعون لاسقاطاتهم التراثية حول هذه الكلمة وغيرها, وتطبقونها على الله المذكور في القرآن دون أن تنظروا ماذا قال عن نفسه, اعتمادا على أساتذتكم في الغرب الملحد الذي تترجمون مقالاتهم ليل نهار, فأنتم تهاجمون الله في الإسلام من خلال الصورة الذهنية للإله الأضعف في الغرب, الذي أضعفت قيمته سيطرة البشرية على المسيحية واليهودية فهو إله بشري من السهل الوقوف في وجهه وليس هو الله الحقيقي الكامل. هذا الإله الذي يقتل نفسه فداء لذنوب البشر ، بل إنه إله معجب بذنوب البشر, أي معجب بالمتكبرين والمجرمين ويضحي لأجلهم, لأجل من لا يضحون بمصالحهم لأجل أحد وهذا ليس من حقهم, فليس حق النذل أن يكرّم, ورغم أنه إله مدّجن ولا يطالبهم بشيء ويضحي لأجلهم لم يسلم من كفرهم وتمردهم,لأنها صورة غير حقيقية عن الإله, ولا يربّي بل يدلّل مثل الأم التي تتحمل خطأ طفلها وتدفع ثمن ما يكسره من زجاج المحل, وهذا ما يريده البشر لهذا نقول انه من تحريف البشر،  لأن البشر كلما صنعوا شيئا فهو لأجل راحتهم ورفاهيتهم ومزيدا من الحرية لهم, وليس من أجل الخير أو الشر.

والحضارة صنعت لهذا الدافع ليس لأجل الخير بل لأجل المصالح, وهذه علامة تميّز ما هو من خيال البشر وما هو وحي غير البشر وهذا ما يفرق بين وحي البشر ووحي السماء, فإذا كان الدين يعمل على راحتهم فقط ويهمل قضية الخير والشر فهو يشير إلى أصابعهم في صنع هذا الدين أو تحريفه . البشر يريدون أن يرفهوا ويدللوا أنفسهم دائما, والإله اليهودي نفس الشيء من تحريف البشر لأنهم يحبون مصلحتهم وعصبيتهم, لكن إله المسلم ليس كذك , فالمسلم عليه مثلما هو له ويعرف أنه ربما يقذقه في النار نتيجة أعماله, فهذا هو الإله النزيه و لم تتدخل رغبة البشر في صنعه ، فهو لا يدلل أتباعه كما يفعل إله المسيحية المحرفة الذي يعذب نفسه لأجل الناس, وإله الإسلام يعذب الفاعل لأجل أفعاله ونيته ، ويكافئ المحسن لأجل أفعاله ونيته, ولم يجعل خاصية لقريش أو للعرب أو للرجال على النساء في موضوع الحساب والعقاب ولا حتى للنبي نفسه : {ولو تقول علينا يعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}. وهذا الانصاف لا يتمتع به البشر الذين يعيشون على شكل تجمعات, يحبون تجمعهم ويكرهون التجمعات الأخرى, ويكيلون بمكيالين, وإذا تدخلوا في الدين جعلوا إلههم يفكر مثلهم. 

وهذا مجال للمقارنة بين الأديان بل حتى المذاهب, فكل ما يحابي المجتمع فهو من صنع المجتمع. وفي هذا ما يجعلك تتأمل الفرق بين كل الآلهة وبين الله المذكور في القرآن ، فكلها تحابي أتباعها وترفع من قيمة شعوبها على عكس القرآن الذي ينتقد حتى نبيه, ولا يستطيع أحد أن يواجه القرآن وأفكاره وجها لوجه, إلا  إذا بحث عما يراه تناقضات لفظية أو مستعينا بواقع المسلمين المتردي في هذا الزمن ، لكن لا يصدمون الفكرة بالفكرة. هم ينظرون في تراثهم المسيحي واليهودي للإله بأنه أب لهم وأنه لا يصنع إلا الخير, فاليهودي يقول يا ابانا يا ابا الشعب ، والمسيحي يقول : ابانا الذي في السموات ، اما المسلم فلا يقول يا ابانا ، بل يا رب العالمين ، اي كل العالمين .. وهذا فرق في بشرية النص وعدم بشريته اذا تأملت .

إن اباهم المسيحي يخصّب الأرض لهم ويعالج مرضاهم فقط  , أما اليهود وهم أساتذة الغرب فإن الله خاص بهم أصلا وأب لهم وهم أحباؤه وأبناؤه وشعبه المختار الذي لا يدقق على أخطائهم مكتفيا بشجرة النسب والجينات وليس على النية والعمل كما هو في الاسلام ، ويسخّر الجوييم لهم , لهذا ألحد كثير من اليهود لأن الله تخلى عن شعبه في المحرقة النازية. والله كما يعرفه المسلمون حاكم بالقسط لا يحابي أحدا وليس أبا أحد وليس له شعب مختار بل يزن بمثقال الذرة ما نعمل من خير أو شر.

أرجوكم ان تكفوا عن النقل الغربي وتفكروا بعقولكم وهذا القرآن أمامكم, ولا أرجوكم أن تكونوا مسلمين فقط بل كونوا أنتم, لأنكم الآن تخلطون بين الثقافات وأنتم لا تدرون, عندما تتكلم عن المسيح بموجب قراءتك لملحدي الغرب ، فالمسلمون يعرفون المسيح لكن غير المذكور في تلك الثقافة . إذن كذلك الشأن مع الله, صحيح أن الأديان تتفق على أساسات الألوهية مثل الخلق وطلب الخير ، لكن تختلف الديانات في تصور هذا الإله وعلاقته باتباعه.  

أنتم ملحدون ذوي خلفية إسلامية وتتكلمون من خلفية مسيحية بموجب ترجماتكم , وتذكروا أن هذه هي مشكلتكم الأساسية التي أرجو أن تفكر بها ويفكر بها بقية النقلة المقدسين للغرب, أنتم  ترون أنه علم ، بينما هو مغطس في ثقافة أجنبية التي لها ميثولوجياها وتاريخها الديني.

انت لست ملحد عربي بل عقلك بعقل ملحد غربي من خلفية مسيحية .. نريد ملحد عربي على الأقل, ولا مرة تكلمتم عن الله كما يعرفه العرب والمسلمون ، بل تتكلمون عن الله صاحب الخلفية المسيحية, وعن محمد كما يروه أصحاب الخلفية المسيحية من الملاحدة والمستشرقين , بل حتى عن الإنسان والدار الآخرة ، وأنتم لا تعلمون وتحسبون انفسكم ملحدين وأنتم تتمتعون بخلفية مسيحية وعبرانية لا بأس بها, لهذا أنا جاد في كلامي عندما أطلب ملحدا عربيا أتحاور معه.

من الممكن أن يكون الكون أزلي ، لكن كوننا هذا خلقٌ مخلوق, القرآن حين تكلم عن الخلق {كانتا رتقا ففتقناهما} أي كانتا وجود ، {استوى إلى السماء وهي دخان} , فمثلا أنت أمام أرض بيضاء ، البيت فيها عدم ، وعندما تأتي بقوالب وحجارة وترصها مع بعضها بنمط معين يصبح البيت وجود من عدم . هو من عدم وجود بيت لكن ليس من عدم وجود أرض . فيكون كلام الله صحيح ، فهو خلقنا من عدم مع أنه أخذ من تراب الأرض وسواه طينا , فالمادة الخام كانت موجودة ، ومع ذلك أوجدنا من عدم. 

الأصل وجود وليس الأصل عدم, العدم هو ظل الوجود, فنحن لا نقول عدم إلا بالنسبة لوجود, والله هو الأول والآخر ، فكل شيء خلقه الله هو بالنسبة لوجوده هو لأنه هو الأول, وإذا أزال وجود شيء أو حياة أحد ، فهذا يعني أنه صنع عدما , فهو الذي يصنع العدم والوجود ، لأنه هو العلة الأولى, فالله خالق كل شيء حتى العدم بكل صوره لأن العدم نسبي , لماذا أنتم تتصورون أن العدم هو الأقدم؟ العدم معك حتى في الجديد, إذا أحرقت الشجرة أو أزلتها نهائيا أنت حولت مكانها عدما بالنسبة لشجرة في ذلك المكان ، إذن مثلما يخلق الوجود يخلق العدم, العدم الكامل هذا غير موجود ، لأن الله هو الأول, فكل العدم الذي نعرفه نتيجة لموجودات ، إذن الوجود هو الأصل وليس العدم, فبشهادة العقل : الوجود أقدم من العدم .

الآن أقيمت مدن في أماكن لم تقم عليها مدن ربما من الأزل ، وجاء وجود مدينة وابتلع عدم وجود مدينة الأزلي, لاحظ أننا نستعمل كلمة عدم مضافة إلى شيء آخر : مثل عدم وجود بيت , فهي مضافة إلى موجودات ، فهذه الكلمة لا تقوم لوحدها ، بل لا بد ان تتكئ على كتف الوجود،  لأن العدم ظل الوجود, وأحيانا يُحذف المضاف إليه للعلم به كأن أقول لك : ألا يوجد أحد في القاعة؟ فتقول "عدم" أي معدوم وجود الناس ..

وهذا اللفظ الذي تستخدمونه في فلسفة العدمية على اعتبار حذف المضاف إليه, هذه الكلمة لا تصح في العقل إلا بذكر مضاف إليه أو تقديره, لأن العقل يعتمد على الموجودات وليس على المعدومات, كلمات أخرى غيرها تستخدم على تقدير ضدها ، فإذا قلت صحة حتى تفهمها لا بد أن تلتفت في بالك للمرض, وحتى تفهم كلمة موت تحضر في بالك كلمة حياة ، فموت يتم فهمها عن طريق الضدية ، وعدم عن طريق المضاف إليه ، اي شيء معين ,  تستطيع أن تفهمها على حسب العكس وهو الوجود ، لكنها تحتاج للمضاف إليه حسب استعمالاته كأن تقول عدم النوم او الأكل او السهر.

نحن نقول أن العدم دليل على وجود ، وأنتم تقولون أن الوجود دليل على عدم, العقل البشري مبني على الوجود وليس على العدم ، ونحن نتحاور بالعقل ويكفيك هذا دليل ضدك أنك تتحاور بالعقل المعتمد على الوجود ، فهل في عقلنا معلومات معدومة؟  وهذا يقضي على جدلكم في العدمية بل يقضي على فكرة العدمية كلها من جذورها الغربية البائسة, لأنكم تستعملون العقل, والشيء لا يثبت بضده .. أم أنك تنكر أن العقل يعتمد على الموجودات وليس على المعدومات؟ , العقل العدمي هو الذي ليس فيه أي معلومة, فهو عقل فارغ لأنه عديم من المعلومات ، والمعلومات تعني موجودات . فالمجادل العدمي يريد ان يهزم عدوه مستعيرا منه الأسلحة, اي الموجودات, لأنه يعتمد على العقل, ففكرة أن كل شيء قادم من العدم فكرة خاطئة, ماهو الشيء فينا القادم من العدم؟

جيناتنا قادمة من سابقينا، و أجسامنا من تراب الأرض, ثم إذا متنا لا نذهب إلى العدم بل نذهب إلى الوجود, فالعناصر التي في أجسامنا تذوب في التربة ، وتكون موجودة في أوراق الأشجار وثمارها الموجودة وليست المعدومة, أفكارنا و جيناتنا تنتقل إلى الآخرين وتعيش في الوجود, وليس في العدم, وأرواحنا تذهب الى بارئها ، إذن تبقى أرواحنا ، والحياة : هل هي الوحيدة التي تذهب إلى العدم؟ ما دام كل شيء يذهب إلى الوجود ؟ إذن أين الفناء والعدم النهائي ؟ هل تستطيع أن تحوّل نقطة ماء إلى عدم؟ كل شيء موجود ومرتبط بالموجود ويذهب إلى الموجود إذن هو قادم من الموجود وهو الأول وذاهب إلى الموجود وهو الآخر سبحانه وتعالى, إذن الموجودات تثبت وجود الله والمعدومات تثبت وجود الله, فالعدم والوجود يؤديان بك إلى موجود واحد في الأخير. وهنا سقطت فكرة أن العدم هو أصل الوجود. وأن الوجود يذهب اليه ويبتلعه .
كل شيء يدل على الوجود كأصل, لأن الموجودات قادمة من موجودات سابقة, والمعدومات قادمة من معدومات سابقة, فأين العدم كأصل؟ وهذا منطقي, هذا ما تعرفه عقولنا , إذا كان الحوار بالعقل ، أما إذا كان بالهوى والرغبات فهذا موضوع آخر. العقل يذهب بك إلى الموجودات وليس إلى العدم, وبهذا تكون فكرة العدم كأساس مستحيلة عقليا, هذا العقل إذن لا ينفع للعدمية, يجب أن يبنى عقل آخر بطريقة فراغية لا نعرفها.

وهكذا تشرق النفس البشرية بدلا من ظلام العدمية, بنور الحقيقة, بنور الوجود الجميل, وانهزام الظلاميين العدميين القانطين .. إحساس الإنسان لا يعرف العدم ولا يحبه, وهي فكرة بحد ذاتها تسبب الكآبة ولا شك أن واضعيها كانوا على درجة متناهية من الكآبة, والله لا يحب القانطين ، ولا عقولهم تعرفه , إذن هو فكرة صفر, فلا أحد يستطيع أن يتخيل نفسه ولا حتى ميتا ، لأن العقل مبني على الوجود, { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب والميزان}.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق