الخميس، 16 أبريل، 2015

العلمانية : بذرة الإرهاب وباقي الشرور

رد على فقرات من مقال (القول الفصل بين الدين والإلحاد) لـ /هادي بن رمضان .

القول الفصل بين الدين والإلحاد : العنف والقتل

هادي بن رمضان
2015 / 3 / 23

في هذا المقال, نفكك موضوعا شائكا معقدا, هو القتل بين الدين والأصولية وبين الإلحاد والمذاهب المادية

هنا خلط بين الدين والأصولية ، الدين كأساس إلهي يدعو إلى الخير وحرية الاختيار ، والأصولية كفهم بشري ، يجب التفريق بينهما. لأن الأصولية مذهب من المذاهب . والمذاهب تعني طرق بشرية لفهم الدين من زاوية معينة.

لأعرضهما في مقارنة تكشف من المهدد الأكثر عنفا وشراسة للإنسان, إن كان القتل من وجهة نظر مادية, أم القتل من وجهة نظر دينية .

جيد أن الكاتب يعترف أن المادية والإلحاد تدفع للقتل ، فغيره يعتبر المادية والالحاد حمامة سلام تفرد اجنحتها البيضاء على الارض ..

وأحاول عرض هذا الموضوع من كل جوانبه للرد على المتدينين الذين وقفوا حائرين أمام رفض وإستنكار الإرهاب الديني الذي يضرب اليوم كل العالم بلا هوادة, وقد تحول ذلك إلى سكين حادة يطعن بها الدين والفكر الديني في عمق وصلب عقيدته

هذه نظرة سطحية لما يجري في العالم . الكاتب ينظر لغمد السيف ولا ينظر الى السيف نفسه. فالمصالح والسياسة هي المحرك الحقيقي للنزاعات، والمصلحة تلبس ألفَ لبوس  ليس فقط الدين وحده . فشعوب الارض أذلت وقُتلت واستُعمرت ليس باسم الدين، بل بإسم نشر الحرية والعدالة وتخليص الشعوب من الدكتاتورية، الخ .. و راح ضحية ذلك الملايين من البشر، وهل قتل مليون ونصف من الجزائريين على تراب ارضهم كان دافعه الدين ام الاستعمار المادي الجشع؟ هذا الرقم يبتلع كل الاعمال الارهابية الفردية من افراد وجماعات إسلامية ، ربما إلى ألف سنة قادمة، و كما قيل : كل الصيد في جوف الفرا .. هذه هجمة مادية واحدة من بين المئات . فأي مجال للمقارنة هذا ؟

أكبر هجمة إرهابية دينية كانت 11 سبتمبر، قتل فيها 3 آلاف .. و كم قتل في احدى الحربين العالميتين ؟ عشرات الملايين .. إن المحرك كان المادية والسيطرة، وليس الدين. لأن أوروبا لها دين واحد تقريبا .

فأراد الأصوليون والمبررون للقتل العقائدي التملص من هذه الشبهة بعشرات المقالات والمؤلفات التي تزعم الكشف عن حقيقة الإلحاد وتعرضه كمذهب محرض على القتل الأعمى . ولا يريد المتدينون بطعنهم هذا أن يعرضوا أنفسهم كنقيض للعنف والإرهاب, إنما يريدون أن يقر العالم بأن القتل العقائدي سلوك لا شبهة عليه, قد مارسته كل الحضارات والأمم والمذاهب, ويريدون بهذا التهرب من تهمة إحتكار أكثر أساليب القتل عنفا وهمجية ولاعقلانية . وإن من يزعم بعد هذا القول أن للأصولية الدينية وجها أمام الإلحاد فقد وقع في الهذيان والمكابرة والعناد .

بل كلاهما سيء ، الإسلام الحقيقي يأمر بالدفاع فقط، ولا يلزم الناس بدخوله، والمرجع في هذا هو القرآن ، أساس الإسلام المعصوم المحفوظ، أما أخطاء الأتباع فلا تُنسب إلى الدين، لان هذا خلل في الموضوعية التي يجب ان يتحلى بها الباحث. العلمانية هي اساس الشرور كلها، بما في ذلك العلمانية الداخلة في الأديان، والتي تستغل الدين للمصلحة الدنيوية . والمتدينون ليسوا سواء حتى يعطيهم الكاتب حكما واحدا، كذلك مفهوم الارهاب - مع أنه سيء - إلا أنه مطّط و وسِّع ليشمل حتى حركات المقاومة العادلة.

والمصطلح أصلا جاء من الغرب، أي من الأقوياء الذين يحاسِبُون ردة فعل الضعفاء المضطهدين، مستغلين ضعفهم وضيقة حيلتهم ليصنّفوا كل ردة فعل لظلم الغرب واضطهاده على أنها إرهاب، وينسبونه للإسلام اوتوماتيكيا . مع أن الطيور في اعشاشها تقاوم وتدافع عن نفسها وصغارها ، فهل هي إسلامية ؟ لا ينبغي أن تسبح عقولنا مع التيارات الإعلامية، بل يجب ان تقف في مكان أعلى وتراقب، وإلا فكيف تسمّى عقولا ؟ نريدها عقولا، لا نريدها حقولا يزرع بها الاقوياء ما يشاءون !


نشرت مقالا كمقدمة لسلسة أخطط لكتابة بقية فصولها مستقبلا تحت عنوان "كيف يتحول الدين إلى شر-مقدمة" تبعته بمقال اخر بعنوان " شبهات ضد الإلحاد والمادية : القتل " ..

الدين ليس دائما يتحول الى شر، مع أنه يتحول أحيانا كثيرة، والسبب هو الاتباع وليس الدين، خصوصا الإسلام. مثله مثل أي ايديولوجية ممكن أن تستغل للخير او للشر .

وكان أن تلقيت رسالة على مقالي فحواها أنه " مادياً و إلحادياً , لا مانع من إبادة 99% من البشر طبقًا لـ(لإنتخاب الطبيعي) و (البقاء للأصلح)، بل إن الإبقاء على الغير و البحث عن حقوقهم هذا يتعارض مع كل أسس (الإلحاد المادي)، بل لو كان الإنسان ابن الطبيعة فلن يشعر بـ(الخطأ) و لا (الشبهة) و لن يفهم معناهما، لأن (الحتميات المادية) تُحرك كل شيء، و لا يوجد في العالم المادي (خطأ) و لا (ظلم) و لا (خير) و لا ( شر) . "

وقد رددت على الرسالة في مقال "شبهات ضد الإلحاد والمادية - القتل" وأعيد الرد في هذا المقال بشكل أوسع وأكثر عمقا, حتى لا يبقى كما قلت لتهافت الأصولية الدينية وجها أمام الإلحاد .

القتل هنا هو إنهاء حياة كائن اخر عن قصد , رافق هذا الفعل أسلافنا الأوائل في صراعهم من أجل البقاء وكذلك الكائنات الحية الأخرى . فلا حياة بلا قتل, فالقتل إذا هو قانون الطبيعية أو الغاب الذي تمارسه الكائنات لتوفير إحتياجاتها الطبيعية من طعام وشراب وصد لعدوان الكائنات الأخرى . كان في البدايات الأولى للحياة فقط هذا الصنف من القتل , ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "القتل الطبيعي" أي القتل لأجل إحتياجات طبيعية هي أساس وجودنا . ثم جاء الإنسان ليضع دوافع جديدة للقتل تخرج به عن سياق توفير الإحتياجات الطبيعية, فكان ما نسميه "بالقتل العقائدي" . هو القتل لأسباب عقائدية بحتة, كقتل المتهجم على الالهة, أو قتل الكفار والمرتدين تنفيذا للتعاليم الالهية . فلما حاول البشر البدائيون فهم الكون والطبيعية ونظروا للالهة التي وضعوها بعين التقديس والإجلال, رأوا أنه من الواجب لهذه الالهة العظيمة أن تعامل بإحترام و وقار . فهي التي منحت البشر هبة الحياة, وهي من صنعت أجسادهم وسخرت لهم الأرض وما عليها وما بينها وبين السماء . فكان البديهي أن تكون هذه الالهة المسيرة للشؤون الكونية هي أيضا من تقف خلف المجاعة والجفاف والأوبئة , فكان من البديهي أيضا أن يوجد سبب قاد الالهة للغضب والإنتقام وبالتالي وجوب معرفة ما قد يثير غضب الالهة وحنقها تجنبا للمصائب ...

فوضعت صفات بشرية للالهة تجعل منها دائمة الغضب والعقاب, ثم نظر الناس إلى من عبر حدود الصفات الالهية الواجب توقيرها بعين الكره والخوف ... كرها لهؤلاء الذين هم السبب في ما قد يحل من مصائب . تغيرت أوصاف الالهة بتغير الزمان والمكان وتطور بعضها حتى إمتلكنا هذا التنوع الديني اليوم بين أديان وثنية وأخرى توحيدية ... وإختلفت الشرائع والصفات الإلهية لتنتج ما هو مسالم وما هو عنيف مدمر ... وكان ذلك الطابع التدميري نتيجة لمفاهيم لاهوتية كالجهاد والشهادة وفرض التوحيد والولاء والبراء ومعضلة المقدس والنظرة العنصرية للاخرين التي تشكل الشخصية الدينية النرجسية الناتجة عن مفهوم التفوق على كل الأمم والناس الكفار والضالين الذين مهما صنعوا من تفوق مادي وأخلاقي فالعذاب الأبدي ينتظرهم بعد البعث والحساب .

لقد فتحت هذه العقيدة -التوحيدية بالخصوص- المتعصبة المصورة لله كطاغية هائل يريد ان يكون الواحد بلا شريك, والمشرع الأحق بالحمد والثناء بلا شريك, والمعبود الملك المهيمن بلا شريك, فتحت هذه العقيدة بما يحمله الدين من بذور للعنف حربا ضروسا بلا نهاية تعمل خارجة عن أسباب الحروب التقليدية بل لأجل تحقيق "الحاكمية"(1) أي فتح حرب ضد كل العالم والأفراد مادموا عقبة أمام "الحاكمية" أو أشخاصا مشركين طعنوا بكفرهم وشركهم في مذهب التوحيد .

إذا, وبهذه المنظومة العقائدية تقام الحروب الانهائية والتي لا تعترف بالهدنة أو السلام أو التفاوض فإما نصر وإبادة وإحتلال أو "شهادة" ... فيضرب الإرهاب الديني مستهدفا التجمعات البشرية من المدنيين دون الأهداف الإستراتيجية القابلة للزوال والتغيير, بل لمجرد الإنتماء العقائدي للضحايا . لقد كشف الدين عن وجهه القبيح في الحرب الطائفية الكبرى بالعراق التي تلت تفجير ضريحي الإمامين العسكريين ومقتل وجرح المئات مما أدى إلى إندلاع حرب طائفية كبرى أطلقت العنان لما يحمله الدين من نزعة تدميرية لا تشاركها فيها أي عقيدة أخرى ... فإشتبك السنة والشيعة في كل أنحاء العراق وسيرت المفخخات والإنتحاريون داخل الأحياء والأسواق وقتل الأطفال لمجرد حملهم لأسماء تحيل على إنتماء طائفي ... وهوجمت المنازل والشوارع في كل مكان لممارسة القتل الأعمى , أي القتل دون حاجة لممارسة القتل . إبادات جماعية ضد أشخاص لم يشاركوا يوما في أي نشاط مسلح بل لمجرد كونهم "نواصب" ... يقابله قتل أعمى من الطرف الاخر ضد مدنيين لمجرد كونهم "روافض" ... هذا النوع من القتل, الذي لا يعترف بالأهداف المادية كالسيطرة على الأرض أو الموارد, يضع الأفراد كهدف مباشر بينما تضع الحروب الادينية الأخرى الأفراد خارج أهدافها ولا تستهدفهم ولا تهتم لأمرهم إلا إذا شكلوا عائقا أمام تحقيق الأهداف الإستراتيجية للحرب .

الكاتب يتكلم عن عالم متخيّل يتناسب مع الطرح الإلحادي، لكنه لا يتكلم عن الواقع كما هو واقع، خصوصا عندما يقول أن هذه الحروب الدينية لا تعترف بالأهداف المادية كالسيطرة على الارض او الموارد. وهذه مبالغة عجيبة، وهذا يجعلنا نتأمل كيف يفكر الكاتب. أليس صراعهم على الأرض وإقامة دول ؟ خصوصا ذات البترول والثروات؟ هذه حروب مادية وليست معنوية، أي هي في الأخير حروب "علمانية" بإسم الدين ، ليس إلا ..

بل إن كل الحروب الدينية عبر التاريخ تدور حول الارض والنفوذ والسلطة والتوسع. و حتى الحروب الدينية الشرعية، و هي دفاعية، ايضا تدور حول المصالح، دفاعا عن الأرض و العرض و النفس من المعتدين. اما الدين فهو لا يؤخَذ ولا يُسرق حتى يُخاف عليه .. حتى حروب الرسول عليه الصلاة والسلام حروب لحماية النفس والمصالح المرتبطة بها، وليست لفرض الإسلام على من لا يريده !

السؤال : ما الفرق بين الحروب العلمانية و الحروب الدينية ؟ صاحبنا الكاتب يتخيل ان المقاتلين الدينيين لا تهمهم المادة ولا الغنائم ولا الأرض ولا السيطرة ولا اقامة دول ! فقط أن يقتل من يختلف عن دينه أو أساء لدينه ! و يتركه مجندلا لا يعبأ حتى بماله ! لأن هذا يشغله عن قتل كافر آخر ! وهكذا .. على طريقة الخيال العلمي .. مع أن أغلب البشرية مخالفة لمذهبه، و على بال الكاتب أن كل مؤمن يريد قتل كل البشرية إلا من هو على دينه ! هذا كلام خيالي غير واقعي .. لو كان كلام الكاتب صحيحا لأفنت البشرية نفسها في الحروب المتواصلة لأجل الدين منذ آماد طويلة، ولا وجدت أصلا اقليات دينية بين أكثريات دينية، وإلا لأنهوهم بالقتل منذ زمن ..

إن كل شيء يعود إلى أصله ، العراك الأساسي بين السنة والشيعة هو عراك سياسي بحت، والسياسة هي ما أنشأت الاختلاف المذهبي، وليس العكس . ولهذا تجد مذاهب دينية متعايشة مع بعضها، والسبب أنه لم يوجد من يثير صراع مصالح بينهم، فيستغل الخلاف الديني. والاختلافات تُستغل حتى لو لم تكن دينية. اكبر حرب حصلت في التاريخ – الحرب العالمية الثانية - لم تكن واجهتها دينية ، بل قومية، والمحرك الأساسي لها هو صراع مصالح سياسية مادية و نفوذ، وليس محركها القومية حتى، لكن الدين والقومية والوطنية يُستفاد منها في التحميس وصرف الناس عن الأسباب الحقيقية المادية الجشعة إلى اسباب معنوية ذات عمق و سمو.  وبالتالي كل الحروب نرجعها إلى فكر الكاتب، أي إلى الفكر المادي. ولا حروب الا بدافع مصلحي مادي.

الاديان اصلا قناعة ، والقناعة لا تُفرض بالقوى، لهذا كل الأديان تبشيرية، أي عن طرق الترغيب والإقناع تريد كسب الأتباع، ولو كانت تُلزم الناس لما احتاجت للتبشير والدعوة. وهذا ما نجده في القرآن بشكل واضح : (ادع إلى سبيل ربك) ، (لست عليهم بمسيطر) ، (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) .. بل إن المسيحية لا تؤمن ولا حتى بالدفاع عن النفس، مع أنها دين. أما المادية والعلمانية فتستوجب الحروب الاستباقية لأجل صراع القوى والبقاء للأقوى، أي تحارب من لم يحاربها خوفاً من أن يَقوى. ولا حرب بدون سلاح، أليس كذلك ؟ فلينظر الكاتب الى من يهتم بصناعة وانتاج السلاح الخطير المدمر، هل هم دينيون ام علمانيون ؟ وفي هذا تتضح الصورة، هم يصنعون الاسلحة ويستغلون الدين لصنع حروب تسيّر مصانعهم .. و هذا يعني عدائية العلمانية بطبعها . "كل من هو غيري يستحقون الاعتداء بشكل أو بآخر، إلا إذا تبع لي" ، تبعا لهرم البقاء للأقوى المادي الرأسمالي. لينظر الكاتب الى امريكا كيف تتجسس على حلفائها على سبيل المثال، فما بالك بأعداءها ؟

لاحظ أن كل دين ومذهب مشهور وراءه دولة، حتى تعرف من يحرّك من. وعندما تكون الدول ذات ديانة واحدة، فبموجب الكاتب لن يكون بينها حروب ، لكن الحربين العالميتين وهما أكبر حربين في التاريخ، دارت بين ابناء دين واحد. ومن هنا نفهم ان محرك الحروب هو صراع المصالح الذي يقوم على الالحاد اصلا، وبالتالي الالحاد هو ابو الشر كله. اما الدين فمؤسس أصلا على المحبة، فالمؤمن يحب الاله ويحب الفضيلة، ولم يؤمنوا بالإله إلا لأنه خيّر ومتسامح. والتسامح والعدل والعفو هي صفاته في كل الديانات. اذن من أحب الإله حقيقة سيحب هذه الصفات، وهي ضد الشرور والحروب .. أما المصالح المادية فهي لا تعرف قريب ولا بعيد ولا اخلاق ولا فضيلة، تعرف أرقاما فقط .. و هذا يفسر جنون الغرب الاستعماري و الصراعي بعد أن انتشرت الافكار المادية الملحدة فيهم. لم يكونوا هكذا في العصور الوسطى، باستثناء فترة الحروب الصليبية القصيرة، والتي دفعت الأطماع البابا الى تغيير في الفكر الديني نفسه، ليتواءم مع الاطماع العلمانية. لا حروب بلا أطماع.

الكاتب يريد أن يصوّر الإله بصورة الجلاد الظالم، ولو كان هكذا لما أحبه الناس ودخلوا في دينه. هو يَنْظِمُ من خياله سيناريوهات بسيطة وغير معقدة لقضايا كبرى.. على طريقة الملاحدة في تبسُّطِهم العقلي .. يتضح عقل الملحد عندما يحلل قضية تتعلق بالإنسان ..

لا يوجد دين ليس قائما على الفضيلة أيا كان، الا دين الالحاد ، فهو لا يعترف بالفضيلة بل بالمصلحة والتفوق المادي والبقاء للأقوى ، فأيهما أدعى للقتل : البقاء للأقوى أم الفضيلة، التي من ضمنها الرحمة والصدق والتعاون والعفو والدعوة بالتي هي أحسن ؟

كل دين يقدّم نفسه على انه هو الأجمل ليكسب اتباع، فبالتالي لا يصلح أن يظهر أمامهم بمظهر العدو الكاره لهم والذي يريد إزالتهم، لن ينتشر مثل هذا الدين، وسيتحد الكل على حربه والقضاء عليه. الدين لا يُفرض على الناس بالقوة، لكن البقاء للأقوى هو الذي يفعل هذا، ولا يبالي، رضوا أم سخطوا، لأنه غير محتاج للإقناع، فيستعمر بالقوة ويقتل بالقوة ويفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة. وهو شعار الالحاد الذي يجعل الحياة حلبة صراع ولا يؤمن بقيم الرحمة ولا التسامح ويعتبرها ضعفا يُعيق عن السوبرمان الذي لا يرحم، كما قال نيتشه وغيره من الماديين . أما الدين فهو يحتاج للإقناع وكسب المحبة.

وطالما أستُغِل الدين بروح علمانية تريد استغلال طاقة الدين وتعويض الخسائر من خلال الدار الآخرة، أي يستغلون الدار الآخرة لأجل التعويض عن الخسائر التي تلحق بجنودهم، أي يوظّفون الآخرة لخدمة الدنيا, وإلا فليس في الدين إلا الحرب الدفاعية ضد طامع معتدي بروح علمانية مادية .. لا يصلح أن يكون الدافع واحدا بين مؤمن وغير مؤمن ، وإلا فلا فرق !

السياسة والمصالح تستغل الاختلافات والفروقات، سواء كانت قَبلية او عرقية او دينية او وطنية أو ايديولوجية ، الخ .. اذن الدين ليس الا واجهة من واجهات الحروب العلمانية الكثيرة، لكن روح الحروب مادية علمانية. وهناك نجد الالحاد قريبا، الا ما كان منها دفاعا عن النفس. فهو حق، لكنها ايضا تدور حول المصالح المادية، وبالتالي لا توجد حروب دينية ولا قومية ولا عرقية ولا قبلية الا على هيئة واجهة، يُراد منها تحميس الناس على الصراع. بدليل : التجاور لمئات السنين بين اعراق مختلفة او اديان مختلفة او مذاهب مختلفة او قبائل مختلفة، لكن فجأة يخرج من يريد مصلحة، فيستغل هذا الاختلاف، ويكبّر صورة هذا الاختلاف، ويفتن بين الطرفين حتى يضرب الخصم بالخصم. كما قال الشاعر :

وكلّ أناسٍ سوف تدخل بينهم .. دويهيةٌ تصفرّ منها الأناملُ ..

و كل البشر يختلفون ويقرّون بوجود الاختلاف، حتى في الدين. ولا يعتبرون الاختلاف مبررا للعداء والقتل .. اذن ما الذي يحدث؟ يحدث أن تكون هناك مصالح تريد أن تستغل الاختلاف .. هذه هي الحكاية .. سواء كانت هذه الجهة من أحد الطرفين أو من جهة خارجة عنهم تريد أن تضربهما ببعض، أو بهما معا .

الاختلاف شيء لا بد منه، لأنه ينتهي بالأخير بالفرد نفسه مع أخيه، فهو مختلف مع أخيه، فما بالك بأبناء العم، وما بالك بأبناء المدينتين، وما بالك بأبناء الدولتين، والدينين، والشعبين، والعرقين ، الخ .. كلها قابلة للإستغلال إذا وُجدت الظروف المناسبة والارواح الشريرة الفاتنة. لو كان اختلاف الاديان سببا للحروب لما بقيت بعض الأديان بسلام مع بعضها ربما لألف سنة أو اكثر، مع أن الدين في وقت الحرب هو نفس الدين في وقت السلام. لو كان الدين هو السبب لاستمر في العمل ولم يتوقف لمئات السنين ثم يثورُ رفض الآخر فجأة ! ولو كان الهدف تغيير دين الآخر، لسجنوه حتى يقر بدينهم.

اذن ارادة القتل دوافعها علمانية مادية ، تريد ازالة الاخر واخذ مكانه وممتلكاته تبعا "للحق الطبيعي" كما يفكرون. وهو حق الأقوى بسحق الأضعف، لأنه لا توجد عدالة الهية ولا حقيقة للقيم في الفكر المادي الملحد . اذن هو الفكر الخطير وهو اساس الاعتداءات كلها ، قال تعالى (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) ، فالالحاد يعتبر ترك الاعتداء اذا أوجبت المصلحة تفريطا وغباء، بينما الإسلام يحرّم الاعتداء حتى لو كان فيه مصلحة. ويستعمل اسلوب المحبة و ضدها، لأن المؤمن يحب الله، الله يقول انه لا يحب المعتدين، اذن من اراد ان يحبه الله عليه الا يعتدي .. وهذا الاعتداء مع المخالف طبعا، انظر وقارن بين الإسلام والالحاد أخلاقيا.

كذلك القرآن يقول : (فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) اما الالحاد يقول : اسحق خصمك وارتفع على جمجمته، فالسحق شيء ، و ردّ الاعتداء شيء آخر . ما يقوله القرآن تحريض على السلام وليس على الحرب ..

انظر الى نيتشه، من أئمة الالحاد ، لماذا يهاجم المسيحية؟ لأنها لا تدعو إلى أفكاره الشريرة في السيطرة، ويسمي الدين "أخلاق العبيد" لأنهم لا يميلون الى الصراع كما يميل الالحاد، الذي يريد ان يصنع الأسياد بل الآلهة عندما وصل الجنون حده عنده .. و في هذا مثال واضح : نيتشه يحارب الدين لأنه يحارب الحرب. وانظر تأثير افكار نيتشه في الالمان حيث أدخلتهم في حربين مجنونتين. ومن يتبع المجانين يُجَنّ.

إن الالحاد يعتبر الاعتداء حقا بموجب القوة، فالقوة عنده مبرر للسحق. فيسحق الانسان الآخر وهو يرى صورة الأسد وهو يسحق غزالا، وكأنه يقول : ليقف هذا الاسد عن الاعتداء حتى أقف ! مع الاختلاف الجذري بينه وبين الاسد ، فالأسد يقتل لكي لا يموت، بينما الفكر المادي الملحد يقتل ليتفوق، وبينهما فرقٌ في الرشد.      

قد يقتل المتطرف الديني صحفيين او اطفالا او يحتجزهم، لأنه لا يستطيع ان يقتل الضباط، وإلا لترك هؤلاء و شأنهم . كلها وسائل ضغط وتخويف لكي يفرّ الاعداء ويحتل ارضهم. واذا كان بعضهم انتحاريون، فالقادة ليسوا انتحاريين ، بل يريدون إقامة دول . لا توجد حروب دينية لا علاقة لها لا بأرض ولا باقتصاد ! اذا وجدت مثل هذه الصنوف فيحقّ للكاتب أن يكتب مثل هذا التحليل . ولو كان كلام الكاتب صحيحا لكان القادة هم الانتحاريون في المقدمة، لأنهم هم الأكثر حماسا و هم الذين يحمِّسون على الجنة ..

كان الشيعة والسنة يعيشون و بينهم زواجات وسلام منذ مئات السنين، أين دور الدين ليتقاتلوا؟ هل نسي الدين نفسه وتحريضه ؟ بل حتى داخل الأسرة الواحدة تجد أحدهم سنيا والآخر شيعيا . الحقيقة لا وجود لحروب دينية أصلا ، إلا ما كان فيها دفاع عن النفس. والقتل في الإسلام له مبرران فقط : قتل النفس بغير حق، والاعتداء والبغي على المسلمين، فقط.


هل يمكن أن يقع إستهداف المدنيين بشكل واسع دون أن يقف الدين كمحرض ؟

نعم , في الحرب العالمية الثانية, قامت طائرات التحالف الأمريكية والبريطانية بقصف عمق الدولة النازية مستهدفة المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة سعيا لتدمير القدرة البشرية لمجهود ألمانيا الحربي والإقتصادي ... قصف مكثف ليلا نهارا ضد المدنيين كلف الشعب الألماني قرابة ال 800 مائة ألف قتيل وملايين الجرحى والقتلى ... توقف القصف فور عزل الجيوش الألمانية ومحاصرة برلين وتعطيل الة الحرب النازية ... وكان سيتوقف قبل ذلك لو أعلنت ألمانيا النازية إستسلامها . لم يكن الهدف من حملة القصف الإستراتيجي ضرب الشعب الألماني لمجرد كونه ألمانيا ولا إستهدافا للأفراد لأسباب عقائدية ... بل لأجل تحقيق إنتصارات إستراتيجية تحقيقها يضع نهاية للقصف والحرب .

إن القتل الواسع ضد المدنيين ليس حكرا على العقيدة الدينية بل هو ممارس حتى من قبل الجيوش والأنظمة العلمانية التي لا يقودها الوازع الديني . والفرق هنا هو الفرق بين الأهداف المادية للحرب وبين الأهداف الدينية ... وهذا الفرق هو أن العقيدة الدينية لا تضع في حسبانها الأهداف الإستراتيجية بل تضع الأفراد كأهداف وليس تحقيق الأهداف الإستراتيجية إلا وسيلة لإستهداف الأفراد لأسباب عقائدية .

هذا تحليل مجنون ، يكذّبه الواقع .. عدنا إلى افلام الخيال العلمي مرة اخرى .. هذا غير صحيح : الحروب الدينية مثل غيرها تماما : تعتمد على الاستراتيجيات والحصار والكر والفر وقطع خطوط الامداد وضرب القدرات الدفاعية والحرب الاعلامية .. هي حروب علمانية مثل غيرها تماما، لأن دوافعها هي نفس الدوافع العلمانية : تدور حول السيطرة على الارض والقوة والنفوذ والتوسع، تماما كالحروب العلمانية، و ليت الكاتب يقدم أمثلة على خياله العلمي من الواقع ومن التاريخ ..

شيء مضحك : لا تهمهم الاهداف الاستراتيجية و يهمهم الافراد ! يتركون قاعدة جوية تقصفهم ويذهبون إلى اسواق شعبية ! مع أنهم كانوا يستطيعون قصفها ! هذا شيء مضحك ولا يصدقه عاقل فضلا أن يقوله ..

يريد الكاتب ان يجد فرقا في الواقع فلم يجد، فاخترع من خياله ! العلمانية المادية هي التي فعلت هذا. ألم تُعِد أمريكا ثمان قنابل نووية لثمان مدن يابانية آهلة بالسكان ؟ هم تركوا الاهداف الاستراتيجية والسفن والمطارات واتجهوا الى هيروشيما وناجازاكي ! ليبيدوا حتى الدجاج التي تبحث عن الحب في الأرض ! حتى يرهبوا الشعب الياباني ليضغط على حكومته لتستسلم ، ما الفرق ؟ لو كانوا دينيين ماذا سيقول الكاتب بحق نيتشه والشيطان ؟! مع أن امريكا ليست مثل الجماعات الارهابية، عندها القدرة على دك المواقع الاستراتيجية في اليابان، لأن لديهم سفن وطائرات وصواريخ، لكنها تركتها واتجهت الى إبادة المواطنين ، بعد أن فجعهم اليابانيون بشجاعتهم عندما دمروا في ساعتين ميناء بيرل هاربر وهو ميناء عسكري امريكي بكامل سفنه، ولم يضربوا مدنا امريكية آهلة بالسكان، كانت أخلاق الساموراي ارفع من اخلاق الكاوبوي العلمانية الغربية التي يسيطر عليها اليهود و هم اساتذتهم . هكذا جاءت ردة الفعل العلمانية على مواطنين ابرياء ..

كاتبنا المنصف يردد نفس كلام الامريكيين في تبرير قتل المواطنين دفعة كاملة بالمدن، بأنه كان سببا في صنع السلام ! يستطيع خصومه الدينيون ان يحتجوا بنفس الحجة ! أنّا نقتل المواطنين لصنع السلام ،ونشرُ الرعب يسبب الاستسلام وبالتالي يقلّ القتل ! مثلما قتلت امريكا اليابانيين العزل باسلحة الدمار الشامل دون ندم ولا حتى من الطيارين، مُلقو القنابل، من اجل صنع السلام (الاستسلام) ! العلمانية المادية لا تعرف الرحمة وليست في قاموسها الالحادي ، بل تسخر منها ، بينما الدين يعظّمها ويأمر بها ..

إن الكل بعد الاستسلام يوقف الحرب، حتى الدينيون ! هل تستمر مدافعهم تضرب على مدينة استسلمت لهم ؟ هل يقول هذا عاقل ؟! هل يقوله احد غير الكاتب ؟

المادية هي سبب الارهاب الديني وليس الدين نفسه، إلا ما كان دفاعا عن النفس، وفي هذه الحالة لا يسمى ارهابا.

العلمانية لا اخلاق لها، والدين يأمر بالأخلاق. لاحظ الفرق وانتظر النتائج .. العلمانية عندها اهداف يوضع عندها اشارة صح او خطأ فقط، بطريقة آلية لا إنسانية.. وهذا نتيجة طبيعية للبعد عن الدين مصدر الاخلاق والمُكافِئ عليه .. بدون دين يتحول الانسان الى الة قتل او جمع مال، من خلال قتل الخصوم تجاريا .. لأن الأساس العلماني هو البقاء للأقوى، والغاية تبرر الوسيلة. المهم الاهداف وليس المهم الطريق، لأنه لا يوجد دين يمنع عن شيء، والتحايل سهل .. وميكافيللي يعبر بصدق عن حقيقة السياسة العلمانية..

العلمانية اذا دخلت الدين افسدته وجعلته مثل العلمانية او اسوأ ..

وهنا يتجلى بوضوح خطر الفكر الديني إذا ما تحول إلى عنف ليقف على صرح التحريض على القتل والعنف بلا منازع . وهذا ما كانت عليه الجيوش الدينية القديمة والتنظيمات المسلحة اليوم ... فهي تضرب الناس لكونهم يهودا أو مسيحيين أو مسلمين أو يزيديين حتى وإن لم يشاركوا في أي نشاط مسلح وأعلنوا إستسلامهم ولم يظهروا أي قدر من المقاومة . وهذا لأن الدين يحمل في بنيته العقائدية دوافع القتل والعنف ضد المخالفين لكونهم مخالفين, مهينين للذات الإلهية عقبة أمام تحقيق التوحيد و"الحاكمية" .

ولو كانت جيوش التحالف ذات دوافع دينية لما إهتمت لإستسلام ألمانيا ولتورطت في مذابح بلا حدود, كما تفعل اليوم التنظيمات المسلحة باليزيديين والشيعة والمسيحيين ...

إذا فلا بد الان أن نعود للشبهة التي أثارها المتدينون حول الإلحاد في الرسالة التي عرضتها في البداية كرد منهم على قولنا بخطر الفكر الديني ... والقارئ المطلع على عقائد الأصوليين يعلم أن ما أرادوا إثارته بشبهتهم ليس الإستدلال على كونهم مسالمين ... بل إصرارا منهم لعرض الحد الأقصى من تحريض على العنف والقتل لمعتقدات أخرى ليعلنوا بذلك أن الإسلام ليس وحده الممارس للقتل والعنف بشكل واسع وليطالبونا حينها بالتوقف عن نعت الإسلام بإحتكار النشاط الإرهابي الواسع اليوم لأنهم يمارسون ما مارسته كل الأمم والمعتقدات وبالتالي نفي الشبهة عن القتل الطائفي !

الدين ليس الا احدى الاوراق التي تلعب بها المصالح العلمانية وترسم عليها استراتيجيتها، مثلما لعبت على اوراق حقوق الانسان والحرية وتطوير الشعوب والقومية الخ، حتى تسوق لاستعمارها، الى غير ذلك. العلمانية ليست شيئا جديدا، العلمانية تعني الاهتمام بالدنيا على حساب الاخرة، والعلاقة مع المال اكثر من العلاقة مع الله ، وهذا مصاب بها أكثر الناس منذ التاريخ، قال تعالى (وقليل من عبادي الشكور) ..

الدين بحد ذاته ليس مصدرا للعداء، بدليل تعايش الشعوب اليزيدية والشيعية والسنية منذ الاف السنين .. ليجبنا الكاتب : لماذا لم يبيدوا بعضهم بعضا من قرون ما دام الدين موجود من قرون ؟! هذا الجواب فقط ، ان استطاع عليه فكلامه صحيح . وان لم يستطع فكلامه كله خاطئ. والصحيح ان اختلاف الدين يُستغل علمانيا كأي اختلاف، من جهة خارجة عن الدين، او من جهة داخلة في الدين ، او بالتنسيق بين الاثنين . وكلاهما بروح علمانية دنيوية مصلحية عاجلة.

حضرة الكاتب يعرف بوجود اسرائيل، ويعرف ان من مصالحها ومصالح اليمين العالمي اقامة حروب طائفية في المنطقة بين العرب والمسلمين، والحروب الطائفية تعني مصلحة الخصم، لان الطائفية تجعلهم شيعا وتذيق بعضهم بأس بعض، وهذا من صالح عدوها . والسياسة تلعب على المفارقات، سواء قبلية او مذهبية او دينية او عرقية. وحروب التاريخ شاهدة بهذا، وليس بكلامه.

حربين عالميتين لم تقم باسباب دينية ، بل لاسباب علمانية وبلباس قومي ، وهذا بحد ذاته يسقط اتهامه ان اكثر القتل والتدمير والتصفيات العرقية تمت في هاتين الحربين، وليس للدين دخل، واسمع صيحات اليهود عن الهولوكوست الذي يُقدم على انه ابادة جماعية ! هل كان الدين هو السبب ؟ ام العرق ؟ والعرق ليس الا واجهة، لأسباب اقتصادية وسياسية .

بعبارة اخرى : اختلاف القوميات واختلاف الاديان واختلاف المذاهب والاعراق ليست اسبابا للحروب، لو وقف اليهود مع المانيا التي يعيشون فيها لما عاداهم هتلر. بدليل تعايش الاديان والمذاهب والاعراق مع بعضها البعض لفترات سلام اكثر بكثير من فترات النزاع ولا مقارنة، وهذا دليل كافي لاسقاط فكرة ان الاختلاف يسبب الحرب ، سوءا كان دينيا او غير ديني ، اذن يبقى مسبب واحد وهو الذي تنطلق منه العلمانية ، أي المصالح، التي تلبس نفسها بما يناسب من هذه الملابس، سواء عرقية او دينية او قبلية او مذهبية في الدين الواحد أو اقليمية او وطنية الى غير ذلك .

اما اتهامه الاسلام بحد ذاته ان في بذوره قتل المخالف، فهذه تهمة ساقطة، يسقطها القرآن نفسه، المرجع الاساسي للاسلام، والذي تكثر فيه ايات حرية الاختيار، بل وحسن التعامل مع المختلف اذا لم يعتدي ، وهو يعرف ذلك، اما من خالف القرآن وجاء بدين من عنده، فهذا لا يُحسب على القرآن ولا يُحتج به عليه، ليس أي خطا يفعله مسلمون يكون الاسلام هو المسؤول عنه ! القران يقول (لكم دينكم ولي دين) .

الكاتب يثبت أنهم مسلمون، لكنه لم يبحث هل هم علمانيون في داخلهم ام لا ؟ وكأن ليس لهم من مؤثر إلا الإسلام ، مع أن الدنيا مليئة بالمؤثرات الاخرى، خصوصا في هذا الزمن .. ولو تفحصت اكثر فكر ديني متطرف ارهابي ستجده قريبا جدا من العلمانية ، ويذكرك بحروبها الإبادية و رغبتها بالسيطرة الكاملة . وهذا ينم عن جشع ورغبة ، خلافا للدين الذي يدعو للصبر والزهد، اذن روحها علمانية. والمذاهب الدينية المسالمة ابعد عن العلمانية واقل شبهاً بالروح العلمانية من المذاهب الدينية المتشددة، وهذا دليل واضح . فهي تشبهها في فكرة البقاء للاقوى وان الغاية تبرر الوسيلة ، وان المختلف هو المشكلة ، وتشبهها في فكرة الجنة الارضية واصلاح الدنيا ، والسيطرة المطلقة ، والثراء المادي . وايضا تشبهها في فكرة التخويف والارهاب ، مثلما خوفت امريكا اليابانيين بإبادة مدينتين في يوم واحد بالقنابل الذرية ، كذلك قد يقتلون مسالمين من اجل ان ينتشر الخوف ، تماما مثلما فعلت امريكا العلمانية مع الشعب الياباني.

اذن الارهاب (وليس المقاومة) فكرة علمانية في الاساس وليست دينية . تبعا لاقل الخسائر والغاية تبرر الوسيلة، وما صنعت العلمانية اسلحة نووية تبيد بشكل جماعي الا لتستعملها يوما من الايام لقتل البشر بشكل جماعي . وقد استعملتها. ويسمونها (اسلحة دمار شامل) ويفتخرون بذلك ، أي تقتل ابرياء ، ولا مشكلة عند العلمانية مقابل تدفق المصالح .

اذن هل عرفنا من هو منبع الارهاب ؟ الارهاب الذي يأتي على شكل دول هو الارهاب الذي يأتي على شكل جماعات . نفس الروح والنكهة .. الحرب العالمية الثانية قتل فيها 55 مليون ، هل كان هؤلاء كلهم عساكر ام اكثرهم مدنيون ؟ هل بكت العلمانية عليهم وندمت على ارهابها ؟ أليس هذا ارهاب على مستوى ملاييني ؟ هل كل اولئك القتلى كانوا مشاركين في الحرب ؟ والكاتب يعترف ان المدنيين استهدفوا في الحروب العلمانية ، ويقولها ولا يخجل ، اذن ما الفرق ؟ اذا كان الارهاب عنده استهداف المدنيين، فالحروب العلمانية تستهدفهم بشكل واسع وسلاح اقوى ، وباعداد تصل لملايين ، اذن عليه ان ينعى الارهاب الاكثر تأثيرا، ثم يلتفت الى ارهاب الجماعات القليلة ، مع أن روحهم واحدة ومحسوبة على العلمانية وليست على الدين . فالقرآن يقول (وادخلوا في السلم كافة) ويقول (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) .

بعد أن توطدت العلمانية في الغرب اشتعل العالم حروبا ، افظع واكثر قتلى من كل حروب التاريخ ، لماذا لا يقول المادي ان العلمانية مسؤولة عن الحروب والارهاب ؟ العلمانية خارج الدين قتلت من الابرياء اكثر بكثير ما قتلت العلمانية الداخلة في الدين . الإرهاب داخل من العلمانية على الاسلام ، وليس من صميم الاسلام . مثلما دخلت العلمانية على البابا اوربان الثاني فخالف سلمية المسيحية و حوّل المسيحيين الى معتدين . هل كانت اسبابه دينية ام استعمارية ؟ هذا هو السؤال . ارجع الى اساس المسيحية حتى تعرف انها ضده ، اذن ما الذي دفعه ليغري ملوك اوروبا بالغنائم ؟ اطماع دنيوية توسعية ألبسها لباسا دينيا ، اكثر من مزاعمه الدينية، فلم تكن القدس مضطهدة ولا المسيحيين في زمنه، ولم تُمنع زيارتهم لأماكنهم المقدسة ، اذن ما الذي طرأ على ذهنه ؟ انها افكار علمانية .

العلمانية مبنية على الجشع وعدم الشبع، والراسمالية هي رأس هرم العلمانية حيث يتخم 1% على حساب 99% .. العلمانية والقناعة ضدان لا يجتمعان، بينما الدين يدعو للقناعة. (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا) ، العلمانية تريد العلو في الارض بأي وسيلة ، ولا تفرق بين الصلاح والفساد .

اذا جاء احد يخالف القرآن ويقول انه مسلم ، هل يمشي هذا على عقل العاقل الفاهم ؟ اذا كنت مسلما فاتبع القرآن الذي حرّم الاعتداء والذي قال (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وقال ( لكم دينكم ولي دين) . والذي قال ايضا (الا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدءوكم اول مرة ) .. إذن الحرب في الاسلام دفاعية ، اما التدين بالاسلام فالغصب عليه شيءٌ لا يريده الله ويأنف منه ويكرهه ، (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ( لست عليهم بمسيطر) . هذا هو الاسلام الحقيقي غير المعلمن . والكاتب يعرف ، لكنه يريد أن يلصق به ما ليس منه .  

دفاعي عن الدين لا يعني ان ادافع عن المذاهب والفرق الاسلامية، ففي بعضها ارهاب وظلم وتجاوز للقرآن ، لكن ما مصدر هذا الارهاب : هل هو القرآن ام علمانية داخلة في الدين تريد أن تملك الارض ومن عليها ؟ هذا هو السؤال المنطقي . القرآن هذا رأيه و هو واضح، والقرآن هو اساس الاسلام ، اذن لماذا يفعلون هذا ؟ هنا فتش عن المصالح المستغلة للدين .

وكم من الدماء أريقت والظلم الواقع بسبب حجة العلم الدارويني الذي يعطي الاوروبيين التفوق العرقي بناء على الجينات المتطورة أو حجم الجمجمة ، حتى ان بعضهم يفصل بين الاوروبيين والافارقة على ان هؤلاء جنس وأؤلئك جنس آخر ، ولا يوجد جنس بشري إلا هم (أي حيوانات في سلم التطور) ، والحيوانات تُملك .. و كان يجعل الافارقة في ادنى سلم البشرية ، متهما الزنوج بصغر حجم الدماغ مقابل الاوروبي، وكان الداروينيون يصنعون حدائق بشرية لأفارقة اقزام وملونين ، انظر الى التفرقة العنصرية لا تزال موجودة في امريكا باعتراف الرئيس الامريكي نفسه، وكله بدوافع علمية عنصرية، فهل هذا يخوّلنا لرفض العلم على انه يصنع التفرقة ويبرر للحرب على الضعفاء والسيطرة عليهم ؟

اتهام الدين بالحروب تهمة واهية، لم تقم حرب الا لأسباب دنيوية ومادية في كل التاريخ ، المسلم يعرف أن اكثر سكان الارض ليسوا مسلمين ، وقرآنه يثبت ذلك ، فهل في ذهنه ان يقتل هؤلاء كلهم ؟ وماذا يستفيد اذا قتلهم مع ان دينه يأمر بترغيب الناس اليه والدعوة له ؟ اذا كان سيقتلهم  فلمن الدعوة ولمن التذكير ولمن التبشير ؟! هذا تجديف خارج العقل تفرزه احقاد الملاحدة .

وعلى طول تاريخ الاسلام كانوا المسلمون يتعايشون مع غير مسلمين . في كل زمان ومكان الا ما قل . الاقباط اقلية في مصر، منذ اكثر من الف سنة والاسلام موجود في مصر، لماذا الاكثرية لم تُبِد الاقلية بناء على بذور الدين المزعومة ؟ ولماذا يمرّون بفترات من التعاضد والتعاون مثل ما رأينا في الثورة المصرية حين كان المسيحيون يحمون المسلمين وهم يصلون ، والعكس ؟ ويرفعون الصليب والهلال ؟ اين اختلاف الدين ؟ لماذا لم يجعلهم يتقاتلون ؟ مع ان الدين حاضر في ميدان التحرير ؟ من الذي يفرّق ويفجّر هنا و هناك ؟ ويضرب الخصم بالخصم ؟ هل هو رجل دين ام علمان ؟

فكرة التطهير هي فكرة مادية دنيوية وليست دينية ، لأن الدين دائما يخبرنا باختلاف الناس كما في القرآن (اما شاكرا وإما كفورا) ، وهذا الإخبار تقريري ، أي إقبلوه ، كما قال لنبيه (لعلك باخع نفسك على اثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا) وقال (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) ولم يقل : اقتلهم حتى لا يخوضوا ولا يلعبوا !

و جنة الدين في الآخرة وليست في الارض، اما جنة العلمانية والالحاد فهي على الارض فقط، و كلٌ مشغول بجنته وتنقيتها من الشوائب والموانع. لذلك ينشغل الدنيوي بتطهير جنته الأرضية من المخالفين الذين يعكرون صفوها، وينشغل المؤمن الحق – وليس المؤمن العلماني - بإصلاح نفسه ومن يستجيب له لأجل آخرته ..

ألم يطالب الملحد هاريس بإبادة المسلمين بلدا بلداً بالقنابل الذرية ؟ حتى المسالم منهم و هم الاكثر ؟ وفكرة الكاتب نفسها تدعو بشكل غير مباشر لابادة المسلمين، لانها لا تفرق بين اسلام معتدل ولا اسلام متطرف، وتجعل كل  مسلم يحمل بذور الارهاب مع وقف التنفيذ ، وكأن الاعتدال لا قيمة له ، والذي لا يقبل الاعتدال متطرف في ديانته العلمانية . وبالتالي سيكون الافضل ازالتهم هم و بذورهم معهم . التي قد تخرج يوما من الايام وتعكر صفو العلمانية .

هذه الفكرة بحد ذاتها فكرة ارهابية ضد مليار مسلم ، لأنها تصف دينهم بالارهاب وليس فئة منهم . اذن هي فكرة شمولية تطهيرية تريد اقامة جنة ارضية بدون اسلام ولا مسلمين ، والاسلام لا يزول الا بزوال المسلمين ، اذن فكرة الكاتب تؤدي إلى ارهاب جماعي على المسلمين في العالم والمطالبة بإبادتهم ومحو جماعي لوجودهم كما قالها هاريس بشكل صريح، بينما الكاتب قالها بشكل غير مباشر، المسالم منهم وغير المسالم، بحجة حمل البذور الارهابية . لأنه مسلم ، هذا كل ما في الامر ! كل من يعتقد ان الارهاب سببه القرآن فسيخرج الى نفس النتيجة، وهي طلب ابادة المسلمين بشكل جماعي.

وهذا لا يعني طلب ابادة العلمانية ،مع أنها تحمل بذور الارهاب، وذلك لان جنة المؤمنين في الآخرة وليست في الدنيا، ولم يطلب الله من المؤمنين ان يصنعوا من العالم بأكمله جنة ارضية خالية من الكفار .. والاسلام نهى عن الإكراه في دخول الدين، واخبر و كرر وجود الثنائية بين شاكر و كافر، وطالبنا ان نقبلها كحقيقة، واصلا لا تتميز الامور الا بضدها ، فوجود الكافر هو ما يبين وجود المؤمن، فلا بد من الثنائية حتى يتضح الفرق ..

ان الله يختبر عباده في جو من الحرية على الارض، ولو لم يكن ذلك لما امهل ابليس الى يوم يبعثون واعطاه الحرية في اغوائهم. لو كان يريد ان يصلح البشر بالقوة لما خول ابليس ليغويهم .. (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا) ، الله لم يلزم إبليس بالإيمان فكيف يلزم اتباعه ؟ اذن هذه تهمة باطلة تجاه الاسلام الحقيقي، وهي انه يريد تصفية الاخر المختلف ولا يقبل بوجوده بدافع من القرآن. بل العكس هو الصحيح، القرآن يريده أن يبقى ليختار بنفسه حتى تقوم الحجة عليه، فالمُكرَه لا حجة عليه ولا ميزة له ، لذلك قال (ذرهم) .. إلى متى ؟ حتى يوم القيامة .. هل بعد هذا وضوح موقف ؟

القرآن يكتفي بأن الإنذار والتبشير حقٌ على المسلم للمخالف ، وهنا ينتهي الامر ، وبعدها (لست عليهم بمسيطر) ، وقال تعالى (وان احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) .. هذا هو موقف المسلم من المخالف باختصار ، وليس المسلم مسؤول عن ذنوب غيره، ولا يلحقه أي اذى في دينه من ضلال غيره، (لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) ، (وأن ليس للانسان الا ما سعى ) (ولا تزر وازرة وزر اخرى ) ، بعد هذا كله ما الذي يدفع المسلم للرغبة في ابادة المختلف ؟ ماذا يستفيد ؟ سيكون خالف دينه اذا فعل هذا ! وسيكون من المعتدين، وسيخرج من القسط والعدل الذي أُمر به وسيقع في الإلزام الذي نهى القرآن عنه، وسوف يلغي دور التبليغ الذي أمر القرآن به .. هذا غير أنه سيكَرِّه الناس بدين الله ، وبالتالي سيقع في الصد عن ذكر الله ، لان التشويه من أسوأ صور الصد عن ذكر الله .. والله استاثر لنفسه بهداية البشر، فالذي يهدي هو الله وليس البشر .    

إن دين المؤمن الحقيقي يأمره بالتبليغ بالحكمة والموعظة الحسنة، أي باحسن الاخلاق ، لا بالتشويه والاعمال العنيفة الالزامية، ولم يطالبه بابادة المختلف . اما جملة "قتال الكفار" المذكورة في القرآن فهي تدور حول الكفار المعادين المعتدين الشرسين الذين يريدون تصفية وجود المسلمين بدافع علماني . والرسول جاء بشيرا ونذيرا ولم يأت مسيطرا، وهو قدوة المسلمين لمن شاء ان يقتدي ويترك عنه العلمانية التطهيرية ..

اختلاف الاخر عن العلماني يفسد خطته ويعكر صفو اللذات التي يعش لاجلها ، ويشكل خطرا على امنه العلماني وتدفق ملذاته، لماذا حارب كفار قريش والعرب واليهود المسلمين الاوائل؟ ومن قبلهم لماذا اضطهدوا الانبياء واتباعهم مع انهم لم يسيئوا لهم ؟ انها الروح العلمانية التطهيرية المبنية على رعب و فوبيا تجاه مصالحهم . ولذلك هم يقتلون من يأمرون بالقسط والعدل من الناس كما قال القرآن،  خوفا أن ينبهوا الناس فيفسدوهم عليهم . (وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربه اني اخاف ان يبدل دينكم أو ان يظهر في الارض الفساد) لاحظ الفوبيا الفرعونية ، إنها الإسلامفوبيا تعيد نفسها في كل بيئة علمانية تعبد الدنيا ويسيطر عليها سادات المال . خوف في اوهام في خوف ، تُنتج اضطهاد وتصفيات .. هل عرفنا منبع الارهاب اين هو ؟ (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ابناء الذين آمنوا واستحيوا نساءهم) . أي فعل ارهابي كامل، ضد الاطفال والنساء بدافع علماني دنيوي تطهيري مبنية على اوهام و فوبيا ، أليس هذا ظلما وتصفية حتى لنسل الآخر المختلف ؟ كل هذا استباقي لم يأت منهم أي ضرر على الواقع ، لهذا قال تعالى (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) .. (أرايت الذي ينهى ، عبدا اذا صلى) .. ماذا فعل ؟ رجل يدعو ربه ، لم يمس تجارة قريش ولم يقطع طرقهم ولم يخفض الاسعار ولم يقاتلهم ولم يسرق منهم شيء ، انه الشيطان يخوف اولياءه (ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه). اذن كل الانبياء واتباعهم اضطهدوا في عمليات ارهابية قبل ان يبدر منهم أي ضرر "خوفا" من مخاطر متوهمة غير محددة ، على اعتبار انه شيء جديد ومخالف .

اذن المحصلة هي ان العلمانية لا تحتمل المخالف الحقيقي وليس المخالف في صورة من صور العلمانية نفسها .. هي تقبل ما تحت مظلتها ، ولكنها لا تقبل اطلاقا ما يخالفها حقيقة، حتى لو لم يسئ إليها .

وهذا لا يعني ان العلمانية اجواء سلام بدون دين، لانها في داخلها مبنية على الصراع، و اشرس الحروب قامت بين علمانيين من الطرفين ، لأن البقاء للاقوى في منطقهم الدنيوي. و زوال الدين يعني ازالة الاخلاق وبقاء المصالح . والمصالح تنتج الصراع والحروب، لأن المصالح دائما اقل من الاطماع . لو كان التراب ذهبا والذهب ترابا لتقاتلوا على التراب. هذه حكمة الله . مع ان المصالح والموارد تكفي للبشر وتفيض لو وُجدت الاخلاق و زال الجشع . هذا الجشع الدنيوي هو قلب العلمانية النابض .. و في الاخير يموت الجميع ويبقى الذهب بعد المآسي والجراح والظلم والاستغلال والقهر .. لهذا الله ارسل الانبياء رحمة للعالمين ، لو أُستجيب لهم حقيقة ..

الحياة العلمانية تماما كتصفيات كرة القدم، وان كانت على وتيرة ابطأ ، في الاخير فريق واحد ياخذ كاس الذهب والبقية يخسرون ، لهذا الراسمالية نبتة طبيعية في الاجواء العلمانية ..

لا توجد علمانية الا ومعها راسمالية ، ولهذا فشلت الشيوعية العلمانية لانها تنادي بالاخوة والتعاون والمساواة في فكر علماني خالي من الاخلاق ، ورجعت للراسمالية ، أي اصلها .. الاجواء العلمانية تعني حروبا باردة مستمرة ، اساسها بارد وان كانت تغلي وترمي بالشرر احيانا ، لكنها بيئة صراع مزمن باشكال مدنية او عسكرية او اقتصادية او اعلامية او دينية ، الخ .. لا علمانية بلا صراع .. ولا علمانية بلا راسمالية، ولا راسمالية بلا ضحايا .. اذن كيف يقال ان العلمانية نهاية التاريخ ؟ هي بداية التاريخ .. قال تعالى (كان الناس امة واحدة ) أي علمانية . يتحدثون عنها و كأنها اكتشاف جديد، بينما هي الاقدم على الارض ، نزلت مع نزول الشيطان .  

قال تعالى : (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، أي اقرار على كونهم مختلفين دون التعرض لهم الا اذا اعتدى احد منهم، فهذا موضوع دفاعي ينسحب حتى على المسلمين اذا اعتدى بعضهم على بعض، ولذلك قال (كنتم خير امة اخرجت للناس) ، ولم يقل انكم الامة الوحيدة التي يجب ان تبقى على الارض ، واذا لم يكن الا هم ، فعلى من يشهدون ؟ ولا يكون الاختبار بالالزام ، اذن الوضع طبيعي بالنسبة للمؤمن ان يجد مخالفين له ، بل ان يجد أن الاكثر مخالفون له ، كما قال تعالى (وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .

الكاتب فضح نفسه بأنه هو من يحمل بذور التطهير بالكامل ، لأنه وصف الاسلام بأنه مصدر ارهاب، وبالتالي يُفهم بكل بساطة ان المسلم يحمل ارهابا ، وبالتالي اذا دمرتَ المسلمين دمرتَ بذور الارهاب .  ولا يمكن تدمير الاسلام بدون تدمير المسلمين ، لأنه في صدور الذين آمنوا .. وهذا اكبر ارهاب متخيل يقع على الارض ، نكتشفه ببساطة من الخطاب العلماني المتطرف .. أي عملية ابادة لثلث سكان الارض بلا ذنب .. حتى لو كانوا هم ضحايا ارهاب ديني ! بحجة البذور المزعومة !

هكذا يُبنى الارهاب العلماني الذي لا يفرّق بين مسلم ومسلم ، مع انهم بشر ومختلفون . ولا بين معتدل ومتطرف . ومن قاموا باعمال ارهابية لا يقدَّرون بواحد على مليون من المسلمين ، و اكثر ضحاياهم من المسلمين انفسهم ! هذا التعميم هو اساس الارهاب في العلمانية ، انها تصدر احكاما عامة سلبية على دين او عرق بكامله .

إن ملاحقة بذور الشر المُحتمل تؤدي الى حصاد الشر الاكيد . وهذه من الافكار العلمانية التطهيرية الاصيلة في المذهب. ومن هنا صارت العلمانية تصدّر الحروب والارهاب وتزرعه وتستغل أي اختلاف سواء ديني او عرقي او مذهبي ، فارهابها يُبنى على فوبيا، مثل فكرة الاسلاموفوبيا التي كل يوم نسمع عن اثارها من خلال جرائم ضد ابرياء في الغرب ، والسبب هو شيطنة الاسلام التي تؤدي الى شيطنة المسلمين حتى لو كانوا مسالمين، فهاريس ودوكينز مثلا لا يعترفان باسلام معتدل ، مثل الكاتب ، يرى ان ارهاب الاسلام في بذور الاسلام نفسه ، لهذا طالب هاريس التطوري الدارويني بإبادة المسلمين جميعا حتى تقوم الجنة الارضية العلمانية الملحدة الداروينية الخالية من الارهاب الديني كما يُخيِّل له خياله المريض . و كأن الارهاب لا يقع الا من المسلمين ! مع انهم الاكثر اضطهادا ، والغرب يعتدي عليهم في بلادهم .

أسوأ الشرور أساسها خوف مبالغ فيه، سواء كان حقيقا ام مفتعلا . اذن ارهاب العلمانية ياتي باسم الخوف . لاننا نخاف ان تنبت بذور الارهاب فيك نقتلك او نحتجزك او نعتبرك عدو ! وكأنك تحمل فيروسات قد تثور فجأة ! كما يسميه الملحد المتطرف الحاديا دوكينز . و كل من يأخذ ما ليس له يُصاب بحساسية الخوف المرضي، و كل علماني مصاب يحمل هذا الفيروس بنسبة ، لان حياته مركزة على الدنيا وملذاتها فيصاب بالهلع لاي شيء يخشى ان ينكد عليه صفو مشربه. اذن الارهاب اساسه نظرة دنيوية بحتة تدفع مرضاها لتصفية المخالف خوفا من شر محتمل . ولأنها لا تقيم للاخلاق وزنا ولا للرحمة فلا يهمها من يُباد في سبيل تحقيق الامن المرضي، من خوف وهمي مريض . ولو رجعنا لاكثر الحروب سنجد مقدماتها مخاوف مبالغ فيها تشاع في الناس تجاه الاخر ، حتى تحرّك خوفهم على مصالحهم . ولهذا السبب تبني العلمانية الترسانات الهائلة من الاسلحة الفتاكة والخطيرة والتي تقتل بشكل جماعي . تطمينا لهذا الرعب . ولا يصاب بالرعب بدون سبب الا من يعرف انه اخذ ما لا يستحق .

كل خوف مبالغ فيه يسبب خطرا حقيقيا على شكل ردة فعل ، مثل ما ان خوف احدهم من ثعبان في منزله، قد يجعله يقفز من نافذة المنزل ويضر نفسه او يحرق المنزل. وهذا ما يؤدي الى الهجوم الاستباقي في الروح العلمانية نفسها ، بناء على مخاوف قد لا تكون حقيقية، مثل ما حدث في العراق ، دمروا العراق بحثا عن اسلحة دمار شامل لم يجدوا منها شيئا . كم مات من الابرياء بسبب هذا الخوف العلماني المريض دائما ، على سبيل المثال ؟ وعلى ذلك فقس ..

عبادة الدنيا تضعف العقل ، والنظرة الى الاخرة ثم الدنيا تصنع عقلا متوازنا ، يعرف ما يُخيف وما لا يخيف .. العلماني سعادته مرتبطة بالآخر ، والمتدين سعادته مرتبطة بالآخرة ، وبين هذا وذاك فرق .. لهذا نجد شعار الماسونية العلمانية العالمية "العين" التي على راس الهرم الراسمالي ، تراقب و تتوجس ولا تنام خوفا على مصالحها . والخائف لا تنام عينه ..

الخائف كثيرا ما يصنع مخاوف ليست حقيقية ، وقد يحارب الطواحين، فقد يرى الاشجار اشباحا تتحرك ، و ردود افعاله عنيفة تطهيرية ، هذا تحليل نفسي للنفسية العلمانية وكيف تحمل بذور التطهير الشامل، وبالتالي الارهاب كإحدى حاجات التطهير . الخائف والمذعور ليس في قواه العقلية دائما ..

قال تعالى (يحسبون كل صيحة عليهم ) لأنهم دنيويون حراس مصالح . ومصالحهم جاءت بطريق البقاء للاقوى والغاية تبرر الوسيلة ، منطقي ان تحتاج الى خوف يحميها. و الى اصطناع الاعداء والعقاب الجماعي . اما الاسلام فلا يحمل هذا الرعب ولا حتى على المصالح، لانه يدعو الى التوكل وان الله هو الذي يرزق وليس فقط جدنا واجتهادنا ، ان هناك اخرة سيأخذ كل فيها جزاءه ، لهذا لا يضركم من ضل اذا اهتديتم، والدنيا ليست نهاية المطاف عند المؤمن كما هي عند العلماني، هي مجرد ممر الى الحياة الباقية .  وقد اعد الله لهم عقابا للكافرين بدلا من عقاب المؤمنين لهم ، وهي نار جهنم خالدين فيها ابدا ، وهذا يكفي لازالة الحقد، فالدنيا قصيرة .

الأمن عند العلماني هو اهم شيء ، حتى لو انتهك العدالة بسبب تحقيقه ، بينما المسلم يأمره القرآن بالعدل حتى لو كان على حساب نفسه ، وحتى في حال الخوف . (يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) هذا كسر مصالح لاجل العدالة . العلمانية قائمة على مصالح وليس على اخلاق . المؤمن الحق يخاف على اخلاقه اكثر من مصالحه ، بل ويضحي بها لأجل الاخلاق، لأن الاسلام الحقيقي اخلاق مع الخالق والمخلوقين والمخلوقات والنفس،   حتى ولو ظُلِم ، ولو كان خائفا ، لأنه مطالب بالتثبت والعدالة وقول الحق حتى لو كان لصالح من يكرهه ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا ) .. اما من قلبه للدنيا فقط فيتحول الى وحش اذا احس بالخطر او ظلم ، لأنه حارس ملذات يتهددها الزوال، بينما المسلم مأمور ان يعاقب بمثل ما عوقب به ، وان عفى فاجره على الله ، فمن يفعل افعال العلمانيين هو علماني مثلهم، ومن يعمل اعمال المؤمنين فهو مؤمن مثلهم . والمسلم اذا فكر بطريقة علمانية صار مسلما علمانيا ، مهما ادعى تمسكه بالدين .

الأمن عند العلماني هو اهم من العدالة والقيم و كل شيء ، بل انهم يفسرون وجود الاخلاق من اجل الامن والرفاهية ، فالمصالح هي الغاية ويعتبرون أن القيم كلها تابعة وخادمة لها ، اما المؤمن الحقيقي فيعتبر ان القيم الاخلاقية هي الاساس ، والمصالح تابعة .

المؤمن خوفه من الاخرة اكبر من خوفه على الدنيا، بعكس العلماني فكل همه وخوفه على الدنيا التي تتجسد من خلال المصالح ، وطبيعي ان يكون الاكثر حرصا وخوفا على الدنيا اقرب لردة الفعل العنيفة التي من مقتضياتها الاعمال الارهابية ضد الابرياء .  والارهاب عنف .

العلمانية هي التي تريد جنة ارضية ومكان صافي وخالص من الشوائب ، مثلما تريد سبيكة الذهب تبعها صافية خالصة من الشوائب. اين هي فكرة التطهير من المخالف في القرآن ؟ لا توجد . والرسول كان يعيش في المدينة ومعه يهود ومنافقون ، لم يطالب بتطهيرهم ، ولما تمكن من قريش عفا عنهم ولم يطهرهم دينيا ويملأ بطاح مكة بدمائهم، بل لم يلزمهم بالإسلام، بل قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ، لكن السلطوية المادية والعلمانية لا تحتمل المخالفين لأفكارها، وتحاربهم بشتى الوسائل حتى تصنع التطهير العلماني ، التطهير له صور عند العلمانية ، مثل تطهير المدارس في فرنسا من أي شعار ديني ، حتى لو كان بروشا تضعه الفتاة على شعرها ، أي صافي من المخالفين .

التطهيرية اذا دخلت في الدين - وقد دخلت كثيرا - فاسبابها علمانية وليست دينية ، وان كانت تلبس لباس الدين . و الا فكيف لمسلم يتبع القران الذي يقول (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ان يقوم بالتطهير بالسيف لكل مخالف ؟ واضح أنه خالف قرآنه .. ما الذي دفعه لتلك التأويلات واللف والدوران ؟ إنها العلمانية التي تقوم على التطهير ، وليس دينه الذي يقوم على القرآن واحترام النفس، العلمانية هي من تريد الفرض الكامل لما تريد .. انظر ماذا فعلته اسرائيل العلمانية الدينية في مخططها للتطهير ، ومذابح دير ياسين وغيرها تشهد بذلك ، انظر الى ما فعلته علمانية هتلر النتشوية من تطهير غير الالمان بما في ذلك اليهود والغجر . انظر الى العلمانية اليمينية الغربية وهي تطهر الارض من الخصوم والمخالفين وذوي الميول اليسارية وتقلم اظافرهم تدريجيا وتخلع انيابهم . لا شر اذن الا بدافع مصلحي مادي علماني  في العالم كله والتاريخ كله . انا لا اقدم شواهد من التاريخ بل كل التاريخ ، فهل يستطيع الكاتب أن يقدم كل التاريخ شاهدا على كلامه ؟

اذا كان هدف الدين هو المصالح الأخروية كما يقول العلمانيون متهمين بذلك الدين، فهذا يعني انهم نقلوا موضوع المصالح الى الاخرة، وبالتالي ستخف شراستهم في صراع المصالح على الدنيا، لكن العلمانيين على العكس، مبدأهم أكون أو لا أكون . اذن المؤمن الحقيقي الخالي من العلمانية – ادعاء أو تبنيا ، مقرا بذلك أو لم يقر - هو الاقرب للسلام وليس العلماني . إن المسلم قد يكون علمانيا مع انه يرفض ان يوصف بذلك، إنما الفعل والاهتمامات هي ما يحدد، وليس الاعلان والادعاء.

العلمانية قامت على تطهير الدولة بالكامل من الدين ، لا تريد ولا القليل من الدين في السياسة والادارة، بما تسميه فصل الدين عن الدولة (العلمانية الجزئية) ، والعلمانية الشاملة تفصل الحياة كلها عن الدين، مع انه لا يوجد فرق حقيقي بين الاثنتين ، فالأولى تؤدي الى الثانية تدريجيا ، وهي تسير في مخططها المبني على امنيات العلمانيين المتعصبين في أن تطهّر حتى البيوت من التعليم الديني والاخلاقي  للاطفال وليس فقط في المدارس، بحيث لا يبقى الا المصالح المادية كإله وحيد مقدس على الارض لا شريك له ، ويُعاقب قانونيا أي أب يعلم ابنه ان ربه الله ، بإسم استغلال الطفولة !

هذه طموحات العلمانية : التطهير الكامل من الدين ، بعد ان طهرت السياسة والعلم بالكمال من الدين تريد تطهير المجتمع بالكامل ، حتى من يصلي في غرفة نومه تريد ان تصل اليه ..  وكذلك يُطرد من الجامعة أو يهدد بالفصل أي استاذ يشكك في تطور داروين ، بحجة أن فيه لوثة من دين ! حتى لو لم يذكر الدين ! مثلما فعلت علمانية فرنسا وهي رائدة و منعت أي حجاب ترتديه أي مسلمة ، انظر الى التطهير الكامل ! اذن التطهير أعيده الى منبعه الأصلي وهو العلمانية وليس الدين ..

العلماني مشغول بتغيير غيره ، والديني - غير المتعلمن - مشغول بتغيير نفسه ، فكل مشغولٍ بإصلاح غيره محسوبٌ على العلمانية اكثر من الدين، لان القرآن يقول (عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) ، هذا يثبت امرين : ان المسلم الحق مشغول باصلاح نفسه ، وان فساد غيره لا يضره ، وأن الدين ليس قائما على فكرة التطهير الشامل ..

المشغول باصلاح نفسه هو الاكثر تسامحا مع الاخر .. والمشغول بإصلاح غيره هو الاقل تسامحا مع الاخر، والإسلام يقول (عليكم انفسكم) ، والعلمانية تقول عليكم غيركم ، خوفا على مصالحكم . العلماني يقول الاخلاق لمصلحة المجتمع ، والاسلام يقول الاخلاق لأنفسكم (ان احسنتم احسنتم لأنفسكم)، ولم يقل لمجتمعكم ، لهذا العلمانية لا تنفك عن الاهتمام بالمجتمع، ولا عن الراسمالية . و من اهتمامُه منصبٌ على المجتمع هو المحتاج للتطهير والتنقية والتدخل والالزام والمخاوف على تغير المجتمع وعدم التساهل واستتباب الامن والخوف المرضيّ من عدم تحققه او الخوف عليه والتضحية بكل القيم من اجله اذا اقتضى الامر ، بما فيها العدالة .. لهذا قال تعالى عن المؤمنين حقا (اولئك لهم الامن و هم مهتدون)، لأن شدة الخوف تفسد لذة الأمن . والخوف المفرط على الامن يشبه حالة انعدام الامن، مثل الخوف الشديد على الفقر ينتج البخل الذي هو الفقر، كما قال المتنبي :

ومن ينفق الساعات في جمع ماله ،، مخافة فقرٍ ، فالذي فعلَ الفقرُ ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق