السبت، 6 يونيو، 2015

المطالبة بالدليل المادي تُسقط العقل

المطالبة بالدليل المادي تـُخرج الإنسان عن بقية مقوماته التي يـَعرف بها, فنحن لا نعرف بالعقل المجرد فقط ,عندنا شعور اقوى من العقل المجرد، هو الذي أقام الحضارة و ليس العقل المجرد. نحن لا نستطيع ان نعيش بالعقل المجرد وحده و المادي والملحد يعرفان هذا جيدا. هما يعيشان بالثقة وليس بالتأكد القطعي الثبوت ذو الادلة الكاملة ، وما الثقة إلا إيمان,

الإيمان هو الذي صنع العبقرية .. لو لم يؤمن المفكر أو العالم أو المخترع لم يفعل شيئا ، لأنه سيكون تحت رحمة العقل المجرد, الإيمان هو الذي صنع العظماء والشجعان والكرام, فعلوا أمورا لم يقم الدليل القطعي ليأكدها ، ولهذا تميزوا, أما أبو المادة فيقعد مع المادة, و يفقد شعوره الأنساني تدريجيا ويتحول الى التخشب والمادية .

هو يتصور انه عرف المادة, حتى المادة قائمة على الميتافيزيقا !! فأين المفر؟! حتى العقل نفسه ما هو؟ إنه ميتافيزيقا! صفات المادة (أو قوانينها) ماهي ؟ إنها غيبيات, فأين المفر ؟! الإنسان أكبر من أن يُحصَر بالتصرف بموجب العقل المجرد.

العقل ، الانسان ، الاخلاق ، المشاعر ، الله ، كلها ذات حكم واحد ، إما ان ينفيها المادي الملحد مجتمعة لافتقارها للدليل المادي ، او ان يقبلها مجتمعة بعد سقوط أهلية الدليل المادي ، لأن العقل الذي سيعالج الدليل هو غير مادي .

وهكذا يسقط طلب الدليل المادي و يكون ترديده مجرد عبث ، سيقال للمادي بكل سهولة : اثبت مادية العقل حتى نقدم لك دليلا على وجود الله والمشاعر والفضيلة والاخلاق والعقل ، لانها كلها لا تثبت بالدليل المادي . 

اذن نحن بانتظار اثبات مادية العقل حتى نقدم لك الدليل المادي على وجود الله ، لان الدليل سيـُقدم له .. و ما يؤكد هذا هو ان هذه الامور الخمسة تسقط مع بعضها او تبقى مع بعضها ، فالمادية التي اسقطت وجود الله ، اسقطت معها وجود الانسان ، واسقطت معه وجود العقل ، و اكتفت بنُتَفٍ من العلم بطريقة متناقضة و سطحية جدا .. ومما يثبت ذلك بأن هذه الامور الخمسة غير مادية ، و من يتحول الى المادية سوف يسقطها بالحتمية .

الفلسفة المادية اسقطت وجود الاخلاق و اعتبرتها وسيلة مصالح مادية ليس الا ، كما اسقطت وجود الخير والشر على اعتبار انها لا تقر الا بوجود المادة وعلاقتنا بها وهي المصلحة ..

التلويح بالدليل المادي يعني اسقاط كل شيء غير مادي ، و اولها الانسان و عقله ، و لا تبقى الا المادة فقط .

حتى نطبق كلام الماديين والملاحدة و طريقتهم العجيبة في الفلسفة ، يجب ان يُزال الانسان نهائيا و لا يبق الا المادة والعلم المادي ! ترى من سيقيّمها حينئذ ؟ من سيحكم لمّا غابت غير الماديات ؟

و هكذا تقع الفلسفة المادية في اشكالية كبيرة ، فتكون مثل الحيّة التي تقتات من ذيلها ، و تـُحرق فكرها بفكرها . باعتماد الدليل المادي كحجة وحيدة ، هو بحد ذاته مُسقطٌ للعقل بعد ان اسقط الانسان .

لا احد يريد ان يخسر كل هذه الخسائر حتى يقتنع بما اقتنعوا به اقتناعا خارج عالم المنطق وعلى هامش العقل والانسان و مردود عليه بكل سهولة .. وعلى هذا فكل دعاوي الملحدين تغرد خارج نطاق العقل .

إن مسايرة الفكر المادي تعني الا نكون موجودين ، و نتحول الى حيوانات ، بل آلات ، ونحن و الحيوانات آلات ـ آلات بلا غاية ، مثلما تكلم داوكينز عن آلة الخفاش .

ان الفلسفة المادية لا تستحق ان تسمى فلسفة ؛ لانها متعثرة باثوابها . نحن نريد فلسفة للانسان ، و هم يقدمون فلسفة ما بعد ازالة الانسان ، هذا هو الفرق ، فلسفتهم صحيحة اذا ازلنا الانسان عن البشر ، و حينها لن تصح ايضا ؛ لانه لا يوجد عقل حتى يحكم . 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق