الخميس، 27 ديسمبر 2012

حول العقل والإيمان ..


العقل يقوّي الإيمان و يثبته ، و ليس عدواً له ، فإذا فهمت فكرة عن اقتناع ، ليس هذا مثل التلقي الجامد ، ولا يفيد الدين أحد حتى يعي ماذا يفعل وماذا يقول وماذا يعتقد بعقله و إحساسه .. قال تعالى {على بصيرة أنا ومن اتبعن} والبصيرة هي العقل .


أما استعمال العقل للشر والإساءة إلى الدين فهذا موضوع آخر ، لأن العقل وسيلة ستعمل للخير أو للشر ، فاستعماله للخير يدعم الخير و يثبته في النفس ، مثلما طالب إبراهيم ربه كيف يحيي الموتى حتى يدخل العقل عن طريق الحواس مع الإيمان ، ولهذا قال {ليطمئن قلبي} .. إذن العقل يطمئن القلب ، و ليس العقل عدواً دائما للإيمان كما يتصور الكثير من المتورعين .. العقل نعم القرين للإيمان والخير و نعم الحامي .. وكل معلومة اتفق عليها الحس والعقل ستكون ثابتة و راسخة ، لهذا قال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ، أي من يجمعون بين الإيمان والعقل ، فالعلم وسيلته العقل ، وإذا اجتمعا أنتجا الخشية والتقوى ..

و قال تعالى {يؤمنون بالغيب} ، أي أن الإيمان مجاله الغيب فقط ، أما عالم الشهادة والواقع فلا يصلح الإيمان و الثقة والتلقي فيه ، بل يجب التثبت بالعقل ، لينجو كل إنسان بنفسه ، لأنه سيحاسب لوحده ، ولن يحاسب على ذمة من اتبعه ..

التلقي يجعل مجالات العقل مثل مجالات الغيب .. و يحوّل عالم الشهادة إلى عالم غيب من ناحية الإيمان به دون إدراك ، وتعطيل العقل عن مجاله تعطيل للفطرة ومخالفة للنص .. و كلما غاب العقل عن عالم الشهادة والواقع فالنتيجة تخلف و ضعف و جنون واستغلال ، وكلما دخل العقل في مجال الغيب فالنتيجة شبهات وانحرافات و خرافات واستغلال وادعاء غيب كما يفعل المشعوذون ..

الإيمان المطلوب خصصه الله بالغيب ، والتلقي والتبعية عبارة عن إيمان و ثقة بالمتبوع دون وعي عقلي ، و الوعي والبصيرة يكونان بالعقل ..  

أما الهروب ممن يستعملون العقل و اللجوء إلى الإيمان من خلال التلقي النقلي فقط فهذا لا يليق بالمسلم ، لماذا ؟ لأن المنطق والعقل مع الإيمان و مع دين الله ، فلماذا يهرب المسلم من العقل و العقل معه مؤيدٌ له أساسا و ليس مع خصوم الإيمان ؟! فدينه الحق ، و العقل يعتمد على الحق والحقائق ، والله حث المؤمنين و مدح فيهم العقل مع الإيمان .. وطلبُ الإيمان بالله ورسوله و اليوم الآخر موجه لقوم يعقلون ، ليجمعوا بين الإيمان والعقل دون تناقض ، كلٌ في مجاله ..

ولن تنهض هذه الأمة إلا إذا تحسنت العلاقة وازدادت وتطابقت بين العقل و الإيمان .. فالعقل وحده لا ينفع ، والإيمان وحده ضعيف وغير محمي ، لأنه حالة شعورية قد تتبدل إذا لم يثبتها العقل ، و العقل من اسمه كعقال البعير الذي يثبته ويحميه من الضياع .. فهما مثل الماء والإناء أو القنوات، فالإيمان الماء ، والعقل الإناء أو القنوات ..

يجب أن تزول المخاوف من التفكير و الفلسفة والتأمل ، لأن ديننا هو الذي طالبنا بها ، فالله أمرنا بجدال المخالفين و المناوئين للدين ولم يأمرنا بدس الرؤوس .. و الجدال  وسيلة العقل و ليس الإيمان ، فأنت لا تقنع أحداً بمجرد قولك : أحبُّ كذا .. فسوف يسألك لماذا؟! هنا يأتي دور العقل بعد أن قال الشعور رأيه ..

القرآن يأمرنا بالتدبر والتفكر في الكون والآيات والأمم السابقة و جدال المخالفين ، والدعوة تحتاج إلى المنطق ، لأنه يقنع ، وكل هذه تحتاج إلى عقل ، فمن الذي خوّف المسلم من العقل ؟ و لمصلحة من ؟  هذا إذا تجاوزنا عن النيات الحسنة للبعض بسبب التورع الشديد والخوف من الخوض في مسائل غير واضحة ، والذي غالباً ما يوقع في الخطأ دون أن ندري ..

التخوف الشديد لا يعني الحماية ، و الاحتياط لا يحمي دائماً  ، و سد الذرائع لا يلغي الذرائع ، و وسائله لا تكفي لسدها .. كثير من الأمور تحتاج إلى المواجهة حتى نحمي أنفسنا منها .. بل الحياة كلها هكذا : نحمي أنفسنا بمواجهة مخاوفنا فيها ، وإلا لسحقتنا الحياة ونحن نرتجف خوفا في مخابئنا .. والعقل عزة ، و الله يقول {ولله العزة و لرسوله وللمؤمنين} ..

إذا التغى العقل يقلّ الإيمان ويصبح عرضة للشبهات والكمون والضعف والانكفاء والانطواء على الذات ودس الرأس في الرمل ، وعقل لا يعمل : حقـّه ألا يرتفع .. بينما الله يقول {فلا تهنوا وأنتم الأعلون} ، وهذا العلو ليس علو تكبر وتجبر على الناس ، لان من صفات المؤمنين المشي على الأرض هوناً ، و عدم طلب العلو والفساد ، وهذا ما يجعلهم الأعلون ، أي علو أخلاقي ومنطقي ، وهما أجمل ما في الإنسان : المنطق والأخلاق ، وبدونهما يقترب من الحيوان أكثر ..

الإيمان يزيد بالعقل و يثبت ، ويضعف وينكفئ بالجهل والتقييد والتبعية غير الواعية ..

إن من يجنّب عقله في الدين ويأتي ليجادل ، سيكون ضعيفاً ، لأنه استغنى عن أقوى سلاح في المعركة .. إذن لا يليق أن نقول : لا عقل مع الدين ، أو : النقل مقدم على العقل ، ونحن مأمورون بالمجادلة بالتي هي أحسن ، و من يجادلك يجادلك بالعقل ، فكيف تجادله و أنت مجنـّب للعقل في تدينك ؟

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق