الأربعاء، 12 يونيو، 2013

فكرة وتعليق: العلم الظاهر والعلم الباطن.




فكرة العلم الظاهر والعلم والباطن, هل هي منطقية؟ هل لعلم الكهرباء مثلا ظاهر وباطن؟ هل لعلم الرياضيات ظاهر وباطن؟ فكيف يكون في العلوم الدينية ظاهر وباطن؟

إن كان المقصود بالباطن هو التعمق أكثر لمعرفة الأصول والأهداف.. فهذا لا يسمى علم باطن بل علم متعمق ويسمى فلسفة دينية, ويتحول إذا دُرِس إلى علم ظاهر, ويجب ألا يتناقض مع علم الظاهر لأنه امتداد له.

أن يقال علم السطح وعلم العمق فهذا منطقي , لكن علم ظاهر وعلم باطن هذا غير منطقي, ودائماً تجد أن علم الباطن يختص به أفراد ولا يستطيع الناس معرفته, ويهولون على الناس إمكانية معرفته, مع أن كلمة علم تعني قابلية النقل عن طريق العقل واللغة وإلا هو ليس علم.

 وفكرة العلم الباطن والظاهر أساسها جاء من اليهودية من خلال علوم "الكابالا" وهي علوم باطنة, التي هي في حقيقتها علوم تحريف الكلم عن مواضعه عندهم! بحيث أن الأسماء في التوراة لا يقصد بها مسمياتها اللغوية المتعارف عليها, وكأن الله يرسل ألغازاً إلى الناس ولا يعرفها إلا خواص الخواص ثم يأتي ليحاسبهم على تلك الألغاز! فالأسماء في التوراة لها معاني يفهمها الكابالي ويوجهها كما يحب على أنها علم باطن, فنوح عند الكابالا يعني الصبر، وإبراهيم يعني العلم..وهكذا ، مثل تفسير الأحلام, ولديهم أيضاً تبديل الكلمات بأرقام, ومنه جاء حساب الجمّل, والسحر يعتمد على الأرقام الرمزية المأخوذة من الكابالا أصلاً.

الحقائق هي هي, لا تتبدل إذا قلبناها على بطنها, إذا قلنا أن هناك علم باطن وعلم ظاهر هل يعني هذا أن علم الظاهر خطأ والباطن هو الصحيح؟ وإذا كان علم الظاهر هو الناقص لماذا هو الذي يُقدّم ولا يُقدّم الكامل؟ وتهويل صعوبة علم الباطن لأنه ليس علماً وإلا لقدم, مثله مثل السحر لو كان علماً لقُدم ودُرّس, وكسب معلموه الأموال الطائلة, لكن لأنها توهيم للناس تسمى بعلوم خفية.

نحن في عصر العلم فلماذا تستحي علوم الباطن ولا تظهر إلى السطح؟ هذا زمن العلم فلماذا لا تظهر إلى السطح مادمت علوماً؟ أما أن تكون هناك علوم لا تدرك بالعقل فلماذا يطلق عليها علوم؟ كلمة علم يطلقها العقل, أعلى طاقة إدراكية في الإنسان هي عقله وإحساسه فهل هناك علوم فوقها؟ بأي جهاز سيستقبلها الإنسان؟ والخواص مثل العوام في البشرية, وليس لهم طبيعة مختلفة. أما العلم اللدني فكل العلم من لدن الله أصلاً {علّم الإنسان ما لم يعلم}.

منطقياً لا يمكن أن يكون للشيء عِلمان بل علم واحد. أما قصة موسى والخضر على اعتبار موسى علمه ظاهر والخضر علمه باطن فهذا غير صحيح, الصحيح أن الخضر عنده معلومات ليس عند موسى منها أي شيء, وهي كلها من علوم الظاهر, ولو أُخبر بها موسى لعلم, ولو أُخبر بها موسى ولم يخبر بها الخضر لعلم موسى وجهل الخضر, الخضر يعلم أن هناك ملك يأخذ كل سفينة غصباً وموسى لا يعرف هذه المعلومة, الصورة تشبه من يعرف خبراً والآخر لا يعرفه, أنت مثلاً تعرف أن فلاناً توفي وتتصرف بهذا الموجب والآخر لا يدري أنه متوفى, فهل أنت عندك علم باطن وهو علم ظاهر؟ أم أن عندك علم في ناحية الوفاة وهو خالي الذهن منها؟

كل علم البشر ظاهر أصلاً, قال تعالى: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}, نحن نعرف الذرة والإلكترون لكن لا نعرف كيف جاءت ولا من أين جاءت ولا نستطيع أن نوجد مثلها, نعرف طبيعتها ولا نعرف ماهيتها, نعرف أنفسنا ولا نعرف أنفسنا, نحن نعرف أن 1+1=2 لكن لماذا هذا يمكن أن نعرفه, سواء كنا خواصاً أو عواماً؟ وليخبرنا من يعرفون الباطن, ولو عرف أحد بواطن كل شيء لما كان بشراً بل إلهاً, ولا إله مع الله, {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول}, هذا غير أن البشر لن يحتمل العلم الكامل.

مثلاً أنت تعرف أن طول فلان 170 سنتيمتر, فهل يمكن أن يكون هناك معلومة أخرى عن طوله غير هذه المعلومة؟ وإلا لكانت الطبيعة طبيعتان في كل شيء! والعلم علمان في كل شيء واللغة لغتان في كل شيء والعقل عقلان في كل شيء! فالعلم واحد أصلاً, والله سمى العلم واحداً {والذين أوتوا العلم} ولم يقل العلمين, لأن الكون واحد والخالق واحد, فعلمه واحد, لكن هناك ما وصلنا إلى علمه وهناك ما لن نصل إليه..

فمشكلة العلم ليست في التنوع بل في محدودية الوصول, الله قال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}, ولم يقل ما أوتيتم إلا نوعاً واحداً, مثلاً وزن علبة ما 1 كيلو جرام, هل يمكن أن يكون هناك معلومة أخرى عن وزن هذه العلبة بالجرامات غير هذه المعلومة؟ وهل يمكن أن  تفهم  العبارة السابقة بأي فهم آخر مهما كنا من الخواص؟ ولا أدري حتى الآن ما معنى خواص!

القول بعلم الباطن يدعو إلى الخصوصية في المعرفة وأنه ليس كل الناس يستطيعون أن يعرفوا تمام المعرفة, وتؤدي إلى احتكار العلم, وحق العلم نشره,, مع أنه لو كان هناك علم حقيقةً لظهر, ولا يسمى الشيء علماً حتى يظهر ويعرفه العقل ويمكن دراسته وتجربته, لأن كلمة علم تعني دراسة العقل, والعلم للعقل أصلاً.

مثلاً الدين أخبرنا بوجود حياة آخرة, أخبرنا بوجوب الوفاء بالعهد, وأخبرنا بوجوب الصدقة على الفقراء, أين ظاهر هذه المعلومات وأين باطنها؟ هل يمكن أن تحتمل معنى آخر؟ سيكون القرآن غير مبين, هذا يعني أن اللغة لا قيمة لها ويسقط الاحتجاج باللغة بسبب علم الباطن اللغوي, وبالتالي عندما أقول لك "تعال" فهل يكون باطنها "اذهب" ؟!

إذن علينا ألا ندين أحداً بكلمة قالها لأن كل كلمة لها معنى باطني, هذا يعني تفجير اللغة وبالتالي تكون غير مفيدة بفقدها لقيمتها الدلالية التي وضعت لأجلها أصلاً. إذن لا يصح لأن يكون للنص معنى باطن خصوصاً النصوص الإلهية التي سيحاسب عليها الناس.

هناك تعليق واحد :