الاثنين، 24 يونيو 2013

حوار حول الله والأديان ومدى صحة الإسلام.. الجزء الثاني.



الجزء الثاني من حوار الوراق مع ابنة أبي نواس


ابنة ابي نواس :

الايمان بوعد الجنة أكثر قبولا من الايمان بالنار منطقيا وإنسانيا ايضا


الرد :

كيف يكون اكثر قبولاً ، أمن المؤمنين أم الملحدين ؟ المسلمون يذكرون النار اكثر من ذكرهم للجنة ! وخطبهم و وعظهم ينطق بذلك . أما الملحدين فما شأنهم حتى يختاروا في دينٍ رفضونه من الاساس ؟ وهل هم يأملون بالجنة حتى يختارونها لأنها أنسب إنسانياً ؟

يكفرون بالدين وعيونهم على الجنة ! وكأنها الشيء الوحيد الذي جلب عيونهم الشهوانية على خمر الجنة المجاني ، فنفوا وجود النار وابقوا وجود الجنة في الاسلام !

ابنة ابي نواس :

الايمان بالجنة رافده الأول هو النعمة والتفضل وهو أمر ممكن بل متوقَع من شخص أو كائن كامل
والله كامل كما تصوره الأديان عموما
من هنا يصبح الايمان بالنار بعيد جدا
تحديدا النار الخالدة التي يؤمن بها المسلمون
وخصوصا أن اسباب ودواعي استحقاق هذا العقاب اسلاميا هي اسباب مضحكة للغاية


الرد :

هي مضحكة بالنسبة لك كملحدة ، إن كنت تضحكين حقاً عليها ، ولكنها غير مضحكة عند المسلمين لأنهم يؤمنون بها ، فمالذي يجعلهم كمسلمين يحتقرون النار ولايذكرونها كما تقولين ، بل فقط يذكرون الجنة ؟ اليس الإبتعاد عن الضرر اولى من جلب المنفعة منطقيا وانسانياً ؟ وهم يؤمنون بالجنة والنار ، فلذلك يكون اهتمامهم بالنار اكثر من الجنة . وهل الملاحدة يقومون بخدمة تلطيف للإسلام وتبريد حرارته (النار) حبا في الإسلام ؟ أم ماذا ؟
الحقيقة واحدة ، ولا توجد حقائق متعددة عن الشيء الواحد إلا تفصيلات لتلك الحقيقة بالكامل . فضلا عن ان تكون الحقائق متنافرة . و قتل النفس البريئة وعقوق الوالدين والكفر بالله مع العلم بوجوده ورسله والكذب والغش والخداع والتجسس واكل مال اليتيم .. الخ من الخطايا والذنوب التي في اساسها غير اخلاقية ، هذه كلها توافه في نظرك ، إذا فالأخلاق توافه في نظرك ونظر الملاحدة ايضا . ولتبقى المتعة هي الشيء المهم ، مع انها قصيرة ومليئة بالنكد والغصص ، خصوصا في أواخرها ..هذا هو الاختيار الحكيم (المتعة العاجلة) .. من وجهة نظركم ..بينما الاخلاق مع الخالق والخلق والمخلوقات شيء تافه .

ابنة ابي نواس :

ولذلك ربما لجأ البعض إلى أفكار استعذاب العذاب والتعايش معه كما الصوفية

أما لماذا ابتكرت الأديان الثواب والعقاب فهي منظومة اخلاقية يراد بها تنظيم المجتمع
وليس مجرد تنمية لأماني وأحلام ورغبات
هذه بدهية واضحة لا يختلف عليها اثنان

الرد :

الملاحدة اكثرهم ممن قرأنا لهم ، يرجع امنياتهم للجنة والخمر ، متناسين موضوع النار ، حتى يعزوا انفسهم بأن هؤلاء المؤمنين يحبون المتعة بالدرجة الاولى ولا ميزة لهم ، كل الفرق هو انهم يريدونها في العاجلة والمؤمنون في الآخرة ، ويصفون الجنة بأنها (مصلحة) بالنسبة للمسلمين .

لو كان الإلحاد فيه حلال وحرام ، لتركه الملاحدة ايضاً .

اقتباس من الوراق :

الأنبياء لا يلزمون الناس بدينهم ، {لكم دينكم ولي دين} ، هذا الأساس في التعامل إلا بخصوص المعتدين فيجب قتالهم ،
موضوع قريش مع المؤمنين موضوعاً آخر ، حتى لو لم تكن القضية قضية دين بل اضطهاد ودفاع عن النفس واسترداد حقوق لوجب عليك أن تقفي معهم ويقف مع قضيتهم كل شرفاء العالم، فقريش عذبت وانتهكت حقوقهم وبيوتهم ، وفرقتهم عن عائلاتهم، ولم تكتف بهذا بل لاحقتهم لتقتلهم في المنفى ، أظن هذه الأسباب كافية لحربهم .

وفعلاً حاربهم وانتصر عليهم واسترد بيت الله مرجعه الديني ، وطبيعي حينئذ أن تزال الأصنام من مسجد الله ، أما كفار قريش فلم يجبرهم على الإسلام بل قال لهم : "اذهبوا فأنتم الطلقاء " أي أحرار يفعلون ما يشاؤون ، ولو شاؤوا لأخذوا أصنامهم معهم فلن يمنعهم ، لأنه لم يبق في مكة إلا المؤمنين وطبيعي أن المؤمنين لا يعبدون الأصنام .

فتصوير الوضع بغير صورته لا يجدي كثيراً ، لأنك تقرين بحق الدفاع عن النفس لكل الشعوب في العالم إلا لهؤلاء الذين تعرضوا لاضطهاد لم يتعرض له أحد ، وهنا خلل في عدالة النظرة ، أنت لا شك تؤيدين حركات التحرر من الاستعمار حتى بالعنف ؛ لأنه دفاع عن النفس والحقوق والسيادة ، أما هؤلاء فلا يستحقون بسبب أنهم آمنوا بالله فقط ، فكأن هذا إقرار ضمني بأن ما فعلته قريش كان تصرفاً حكيماً ، بمعنى لو كانت السيادة لكم فماذا ستفعلون بالمؤمنين ؟! هل تفعلون مثلما فعلت قريش بما أنكم تدافعون عن موقفها؟!

ولا تشيرون بتاتاً لانتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها قريش، بل من الملحدين من يدافع عن قريش ويصفونها بالليبرالية وأنه من حقها ما فعلته بالمسلمين ، ناسين أن حق الاعتقاد من حقوق الإنسان التي يدافعون عنها كملحدين إذا طالبهم أحد بالإيمان ، فهو كيل بمكيالين، وهذا التنزيه لقريش يكشف كل الحكاية والنوايا ، وتبرير للاضطهاد بسبب الدين والاعتقاد .

وأتمنى ألا تكوني ممن يضمرون هذا الشيء لمن خالفهم في الدين والاعتقاد ، لأن ما قامت به قريش هو الإرهاب والتسلط الديني الذي تكرهونه ، فما بالكم تؤيدونه الآن ؟!! ينبغي أن يكون للإنسان بمقتضى الأخلاق خطا فكرياً واحداً ، فإما أن يكون مع الاضطهاد الديني أو ضده ، أما أن يكون مرة معه ومرة ضده فهذا تلاعب وتلون بالقيم الأخلاقية على حساب المصالح ، والمصلحة عندكم مقدمة على الأخلاق ، فليس هذا بغريب .

ابنة ابي نواس :

لن أحتكم للتاريخ لأن التاريخ ظني الدلالة دائما ، نسمع به ولا نراه مثل الله تماما
ولن أذكرك بحروب محمد الأخرى التي ليست كلها دفاعية بل استبق ببعضها النوايا ،
محمد كقائد لديه مبرراته في ذلك فالحرب خدعة
لديه مبرراته في ذلك لأنه بشر غير متصل بالسماء
بشر مضطر لاستخدام البطش وسفك الدماء ليحمي نفسه لأن لا سماء ولا إله يمكن أن يحميه

الرد :

من قال لك أن السماء تنزل منها الذهب والفضة ؟ لو كان النبي سياتي ومعه السماء تحارب عنه وهو في عريشه ، فكيف يكون قدوة للناس وكيف يكون امتحانا للناس ؟ الا إذا كانت السماء ستاتي مع الناس في كل مرة ! محمد جعله الله نبيا واقعيا ، ليس معه ولا معجزة مادية ، ومع ذلك آمن معه مليار من البشر . كيف تريدين ان تحارب السماء معه وهي لم تمدّه بمعجزة اثباتية ولم يدعي هو ذلك ؟ و لك ان تتسائلي : نبي و يقر أن ليس معه معجزة ! كيف احترموه الكثير من الناس وصدقوه ؟ هذه هي المعجزة ! وليس عجيبا ان يصدقوه ، الاعجب ان يتعرضوا للسياط والطرد والتهجير بسببه ولم يغيروا رايهم ، تاركين المال والعز والنعيم لاجله ! وهو لا يعدهم بعز دنيوي . ولا تعويض لخسائرهم إلا برضوان الله والجنة بعد الموت لأجله ايضا ولأجل منهجه ، ربما قتلا بيد الاعداء . وهذا ما حصل فعلا لاكثرهم . أي رجال ونساء كانوا هؤلاء ؟ هل يستطيع العالم المادي ان ينجب مثل هؤلاء ؟ ام يستطيع ان ينجب جلاديهم ومصاصي دمائهم ؟ اي مصلحي سيقبل هذه البيعة الخاسرة ؟ هذه معجزة مضاعفة ! لا اظنك ستقولي كارزما ! الكثير لديهم منها ولم يتعرض احد للسياط لاجلها . ان استطعتي ان تحلي هذه المشكلة واللغز فتكوني قد فهمتي كل الحكاية . ما ابعد الفضيلة عن العقل المادي !

هناك عالم آخر يعيش معنا ، لكن الماديين لا يستطيعون رؤيته ، وهو العالم المعنوي ، ومن خلاله نستطيع تفسير مثل هذه الظواهر المحيرة للمادية بسهولة ، ولا يستطيع العقل المادي تفسيرها ، لانه عقل نصفي ولا يرى النصف الآخر من الحقيقة ، ولا يفكر إلا من خلال المادة الجامدة فقط ، كما يفكر البدائيون والهمج من خلال المادة وعلاقتهم المصلحية بها . والإنسان ليس كذلك . الماديون تراثهم البداوة والهمجية ، والمؤمنون تراثهم الحضارة والعلم . هذا هو التاريخ إن شئتي قراءة حقيقية له . ولا ملحد ينكر ان الحضارة اساسها الدين . قارني بين وأد البنات الجاهلي البدوي لعدم الفائدة المادية والتكاليف ، وبين تصفية كبارالسن والعجزة في العصرالنازي النتشوي الالماني في العصر الحديث .

 لا يستطيع المادي تفسير ما حدث بأبعد من تفسير ماركس ، بانهم ثوار اقتصاديون !! وصراع طبقات !! مع ان الطبقات لا تتصارع مع بعضها ، بل الطبقة الواحدة تتصارع مع بعضها ، هذا هو الواقع الذي تجاهله الفكر المادي والماركسي خصوصا .

اما معجزات الانبياء السابقين ان تبادرت الى ذهنك ، فهل تدرين لماذا ارسلت ؟ ارسلت لأنهم لن يؤمنوا حتى ولو جاءتهم معجزة ، وفعلا لن يؤمنوا لانهم يقولون مثلكم : نريد دليلا عقليا ، وإذا جاءهم الدليل قالوا هذا سحر ، وحاولوا قتل النبي طلما وعدوانا ، لأن خط الشر واحد . وانتم ستقولون خداع بصر ! انما يؤمن ايتها العزيزة من احب الايمان ، من احبه سيؤمن ومن لم يحبه فلن يؤمن ، فهي قضية اختياره . بل اخبر الله ان الكاذبين سيكذبون امام الله يوم القيامة ولن يؤمنوا حتى يروا العذاب ، ولو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر ، على اعتبار الواقعية . انتي تطالبين بمعجزة تدافع عنه ، بينما ليست لديه معجزة تثبت وجوده هو كنبي .

(رجل بلا معجزة ، يجعل الناس تؤمن به ويعذبون بل ويقتلون لأجله ، ما الذي فعله وقدمه لهم ؟ وينتشر حتى مع العجم من غير العرب ومن كل اللغات يؤمنون به ! رغم كثرة الاعداء من كل جهة ومع ذلك يسلم بدون اي ذى ويموت على فراشه . وحتى من لم يؤمنوا به فرسالته هي شغلهم الشاغل ، هل تكفي العبقرية ؟ اين هي ؟ إن كنتم تقولون انه عبقري ، فاين تكمن ؟ إذا ليس لكم الا كما قال اسلافكم انه كاهن او شاعر او ساحر ، وساحر أنسب ، وكل ما جاء به هو مثار سخرية عندكم !! فاين عبقريته ؟ لو كان عبقريا لأقنعكم كما اقنعكم بقية العباقرة ! إلا ان كنتم اكثر عبقرية منه ! )

ابنة ابي نواس :

لكنني سأسألك عن لجوء الله - ممثلا برسوله الناطق الحصري باسمه - للحرب مع عباده لكي يثبت دينه .!
والله يستخدم معايير مختلفة بين عباده
فتراه يمهل قوم نوح ألف سنة من الدعوة قبل إنزال العقاب بهم
لكن صدره يضيق بعد 15 سنة من الدعوة في بلاد العرب ويسارع في إعلان الحرب وتكوين دولة تحمي دينه
وكأنه لم يستطع نشر دينه بغير سفك الدم ؟ ثم يأتي المسلمون ليجمعوا الأنفس التي قتلها المسلمون
ليبرروا كم هو ضئيل عدد ضحايا تلك الحروب وكأنها حروب بشرية عادية !
البشر يقتلون بعضهم .. هذا مقبول وهي سنة الطبيعة القذرة
لكن أن يقتل الله عباده ولا يجد طريقة أخرى للتعامل معهم وهو القادر على كل شيء .!
ترى بماذا يمكن تبرير الأمر ؟
لم يكن الأمر واضحا وصريحا كما لو أن الله يقابل الناس فردا فردا ويعرض عليهم دينه ومن أبى يحاربه ويهزمه


الرد :

هنا خلط بين الدين والسياسة , الدين يُحاكم من نصوصه وليس من افعال اتباعه ، لمن اراد الانصاف ، لأن السياسة لها مقتضيات ، ونحن نتكلم عن سياسة في العالم القديم وليست في هذا العالم الذي يضم منظمات دولية ونظام عالمي و تفاهم على الحدود بين الدول ، فالعالم القديم عالم فتوح ، والبقاء للأقوى فعلاً .. فمن الظلم تطبيق مقاييس زماننا على العالم القديم . ولكن من يريد ان يظلم فكريا يقوم بمثل هذه التجاوزات . الاسلام لم يقدم ولا حتى نظام سياسي معين حتى يدان من خلاله ، لأن الظروف السياسية والدولية لها مقتضياتها في كل زمان ومكان . السياسة دائما ليست بيد احد ، هي مثل السوق ، لا يستطيع احد ان يتحكم بالسعر كما يشاء ، فالتاجر والمضارب يتعامل مع واقع السوق وحركاته ، والسياسي يفعل ذلك . فلا تستطيع دولة ان تفرض نظرتها على الدول الاخرى ، فالسياسي من اسمه ، يجاري ويسايس الامور على حسب الواقع ، من المسايسة . والسياسي يلعب على التوازنات ولا يصنعها . وأكثر انتقادكم منصبّ في هذا المجال الذي لا يصلح ابدا مجالا للنقد . ما هي الدولة التي لا تستطيعين انتقادها سياسيا مهما رفعت من الشعارات ؟ هذا بسبب ان السياسة ليست ملكا لأحد يتحكم فيها كما يشاء ، فالسياسة الدولية مثل السوق الدولي ، فلا احد يتحكم بالسعر على مزاجه ، والجميع خاضع لتحركات السوق الاقتصادي او السياسي ، من اكبر الدول لاصغرها ، حتى في هذا الزمن . من الصعب ان تقيّم احد وهو في وضع سياسي ، لان السياسي عليه ضغوط وتوازنات و مخاطر لا تعرفها ، وله عيونه ومخابراته وهو على اطلاع متواصل مع مجريات الاحداث . نشرات الاخبار تقدم اخبار السياسة أولاً والسوق ثانياً والطقس أخيراً لأنها تتغير بسرعة ، وعلى ترتيبها من حيث سرعة التغيير ، أما الباقي فلا يتغير بنفس الدرجة والاهمية ، كالوسط الثقافي مثلاً . والسياسي لا بد ان يعمل بالظنون وبالضربات الاستباقية احيانا ، فالسياسة ليست وسطا اخلاقيا ، فكيف نطالب احدا ان يكون اخلاقيا في وسط سياسي ؟ فالقائد السياسي يُنظر له ويقيَّم مع شعبه واتباعه اكثر مما يُقيَّم مع الدول الاخرى او الجماعات الاخرى . وأخلاقيا يقيّم بالحد الأدنى من الاخلاق ، بحيث لا يطغى ولا يعتدي لغير حاجة ، ومع ذلك فالوفاء بالعهد علامة بارزة في السياسة الاسلامية ، وآداب الحرب وكل حروب الرسول كانت دفاعا عن النفس ، واذا علِمَ ان قوما يتوعّدونه بقتاله ، فمن الحكمة ان يبادرهم ، لا ان يتركهم حتى يحاصروه في عقر داره بعد ان استعدوا وهو لم يستعد ، وحتى لا يتجرأ غيره عليه في هذا الوسط السياسي الذي يشبه قطيع الذئاب الذي يهجم على الضعيف متى ما احس فيه ذلك . في العالم القديم لم تكن توجد دول صغيرة تسلم من ابتلاع الدول الكبيرة ، اما في هذا الزمان فتوجد دول صغيرة على تخوم دول عملاقة ومع ذلك باقية إلى حد كبير بسبب التوازنات وليس الاخلاق . ومن الصعب ايضا محاسبة السياسي من احد بعيد عن الحدث ، ورغم الفرق الشاسع في الزمن والثقافات بيننا وبين عصر صدر الاسلام وعدم دقة الكتابة التاريخية والتوثيق الذي لم يُكتب إلا بعد مرور قرن و اكثر ، لكن القرآن أمامكم كوثيقة ، وارجعوه له أفضل للمحاكمة وأنزه .

موضوع نقد سياسة المسلمين ليس له شأن بنقد الاسلام ، لان السياسة بين البشر ومع البشر ، ويتدخل في صنعها غير المسلمين . فسياسة كل دولة هي تفاعل بين داخل الدولة وخارجها ، وأحيانا يطغى احدهما على الآخر ، وهذا يعني سياسة خارجية . التاريخ والسياسة وواقعهما يجب تنحيتهما في دراسة اي فكر أو دين ، وهذا داخل من باب تقييم الفكرة من حيث هي كفكرة ، لا من تطبيق اتباعها .

ثم : الإسلام مسألة شخصية وليس ايديولوجية اقتصادية او سياسية مثلا حتى نحاكمها من حيث النتائج . المسلم يُحاكَم من حيث هو فرد وتُحاكَم نيّاته من قبل نفسه والله ، وليس من حيث هو جماعة أو أمة . أي هو يصنع نفسه من الداخل وليس المجتمع الذي قد يحابيه ولا يقبل كل شيء منه ، بل حتى الفرد المسلم قد يكون طيبا ويقبل شرا فرضه المجتمع عليه في بعض الحالات . من هنا نعرف هل الاسلام مفيد أو غير مفيد للإنسان . لأننا إذا نظرنا اليه كمجموعات بشرية نجد فشلا ، واذا رايناه كافراد نجد نجاحا اكثر . هذا يشير إلى دور السياسة في الموضوع . الا ترين انك تكرهين المسلمين بشكل عام ، بينما تجدين افرادا ربما يعجبونك حتى لو كانوا مسلمين . لا يعجبك منظر امة من المسلمين ، لكن كأفراد تجدي أن الصورة الاولى عن المجموعة لا تنطبق على الفرد ، ما حل هذا اللغز الثاني ؟

لكن الشيوعية مثلا كايديولوجية نستطيع محاكمتها من خلال الاهداف التي ادعت انها ستحققها ، فهي فكرة لادارة الاقتصاد والشعب واستلمتها حكومة ، وليست فكرة تدخل في ضمير الفرد كما يفعل الدين الاسلامي ، فهو اما يقبل الخضوع للإسلام في داخله كي يفيده ، أو يقبله بشكل خارجي ويستفيد منه ، وهنا يظهر بالصورة السيئة . وهذا المضرب الذي تصوبون عليه سهامكم دائما هو مضرب الدولة او الامة او المجتمع الاسلامي ، لا عن الفرد المسلم ، لأنكم تبحثون عن نقاط الضعف . لا يوجد سياسي واحد يعجبك بالكامل في كل العالم . ولا يوجد سياسي الا وله معارضون ، في القديم والحديث . و انزه سياسي سيضطر لتصرفات لا يحبها تقتضيها الظروف ، فهل ينبغي ان نحاكِم هذا الشخص من واقعه السياسي ؟ ونحن نعلم ان الاوضاع السياسية تفرض عليه تصرفات قاسية ربما لا يحبها . الوسط السياسي قذر بشكل عام ، فنحن لا نبحث عن المثالي في الوسط السياسي ، بل عن الأنزه . ولا شك ان الرسول كسياسي كان في الوضع الأنزه . قياسا على ما يفعله اعداؤه من تمثيل بالقتلى وأكل لأكبادهم وخيانة للعهود والمواثيق وابرام التآمرات والمقاطعة الاقتصادية إلخ . 

كل شبه الملاحدة هي على الاتباع دائما وليست على الفكرة !! وتقولون انكم مفكرون !! انا لا التفت لكل من يتكلمون عن حروب وسياسات قديمة وقال فلان وقال ابن علان ، لا التفت لهم ولا اعتبرهم يفكرون . وطالما انتقدنا اناس لو كنا مكانهم لفعلنا مثلهم . كما فعل زميلي الذي كان ينتقد المدير ، فلما عيّنوه مكانه فعل مثله وأكثر ، وانقلب حتى على زملائه وتغير .

ابنة ابي نواس :

الأمور أكثر ضبابية من ذلك
خصوصا أن الحرب لم تكن دينية بحتة بل قبلية بالدرجة الأولى
فتجد جنود ذلك المعسكر من القبيلة الفلانية التي عقدت تحالفا مع القبيلة الأخرى وهكذا
رأس القبيلة هو من يتخذ القرار وعلى قراره يقسّم الله ضحايا هذا الفريق أنهم في النار وضحايا ذلك الفريق أنهم في الجنة .!
الاختيار الفردي لم يكن موجودا إلا لدى القلة في ذلك الزمن

الرد :

إذا لماذا آمن بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي ؟ ولم يؤمن أبو لهب القرشي عم الرسول ؟؟ اليست المسألة قبليّة ؟ أكثر المسلمين من المدينة وليسوا من مكة ! وما دام الأمر قبليا : لماذا لم تقم قريش مع ابنها محمد ؟ بل هي من حاربته واذته إلى آخر رمق ؟ هذا ينقض كل كلامك عن القبليّة .

ابنة ابي نواس :

شيخ قبيلة مُطاع ، آمن بالنبي او انضم إلى حلفه لسبب أو لآخر ، تحت إمرته ذلك العدد من الأفراد الذين يسيرون خلف شيخ قبيلتهم بلا سؤال ، كل فرد منهم يفعل ذلك بدافع بدائي طبيعي هو التمترس مع الجماعة الصغيرة التي يأوي إليها لو أصابه ضرر (قبيلته)

الرد :

نحن لم ندخل في قلوبهم ، هذا كلام من دخل إلى قلوبهم وعرف نواياهم ، وهذا ينطبق عليكم ، فكاتب مشهور كتب عن الإلحاد وآمن به واتّبعه كل افراد قبيلته من القراء !

لا توجد فردية حقيقية ايتها العزيزة !! كلٌ له من يقوده بطريق او بآخر ! أتراني أصدّق أن كل هذه الافكار انتي من أنتجها أم من تقراين لهم من مشايخ قبيلتك الفكرية ومن مشاهدة أفلامهم ؟ إلا ان قلتي انها افكاري ولن تجدها عند غيري ! ومع ذلك ما ذكرتيه صحيح في بعض الصور وليس صحيح في الصور الاخرى ، وهذا شأن الناس ، فهناك من يلحد باقتناع ولو لم يكن صحيحا ومن يلحد بالتبعية فقط والثقة . أليس هذا صحيحا ؟ إذاً لم تاتي بجديد . وما زلتي تضربين على موضوع الاتباع الذي لا قيمة حقيقية له في بحث فكري . خصوصا في مجال الدين ، فلا يصلح فلسفيا تقييم الدين من تصرفات الاتباع . (قانون)

ابنة ابي نواس :

أحد أولئك الأفراد قـُتل في المعركة .. إسلاميا هو في الجنة بغير حساب وله منزلة الشهادة .!
بينما الفرد الآخر الذي لديه نفس الدافع القبلي كان يقاتل في الجيش المقابل ضد المسلمين ، قـُتل هذا الرجل ..
إسلاميا هو في النار خالدا فيها فهو كافر ومقاتل للرسول والمؤمنين .!
أين العدالة ؟ هل أقام الله الحجة على عباده حقا ؟
مرة أخرى : ضع نفسك مكان أحد هؤلاء الأفراد

الرد :

خطأ ، لم يكن في الجنة ذلك الرجل الذي قاتل مع المسلمين و قُتِل بدافع القبلية كما أعلن هو ! إسلامياً ليس بشهيد . فوصفك هذا عام وليس دقيق ، لأن الإسلام يعتمد على النية وليس على القبيلة كما تريدين . و ابو طالب وقف مع المسلمين وقفة رجولية قبليّة ، وأخبر الرسول انه في النار وليس في الجنة رغم ما قدمه من خدمات لأجل المسلمين ، إذاً فلم يكن توزيعك دقيقا ، لأنك أهملت المقياس الاساسي وهو النية . ولو كان مقياسك دقيقا لأصبح ابو طالب في رأس عليين ! لأن خدماته كانت في وقت حرج .

اقتباس من الوراق :

لفائدتك، ولفائدة الآخرين، ولفائدة الأخلاق، ولرضا لله، ولا مضرة فيها ، فالدين يسر، والتقديس حاصل حاصل، فإن لم تقدسي الله قدست الغرب أو رموزاً منه، وفعلت أشياء لا تقتنعين بها كرمال عيون الغرب ، فما المشكلة أن يكون هناك احترام لله ومحاولة لشكره وإن قلت؟

ابنة ابي نواس :

ههههههههههههه اختلف معك بشدة
فأنا لا أقدس الغرب إطلاقا ولا الشرق
هل تعرف ماهو التقديس ؟
تجارب البشر تصيب وتخطئ وتدرَس وتـُنقـَد ويعاد صياغتها وهي في تطور مستمر
بينما دين الله ثابت لا يجوز مناقشته ونقده أو حتى إعادة تركيبه

الرد :

لماذا لا تجوز مناقشته ولا البحث فيه ؟ لكن المشكلة أنك لم تحاولي إعمال عقلك في الاجتهاد وتصحيح الافكار الخاطئة حتى لو كانت شائعة في الدين . ولا ادري هل هذا حب في الالحاد ام كره في التفكير ؟ وماذا افعل انا الآن غير الاجتهاد والتفكير في الدين ؟ لأني لا انقل كلام احد وقد اكون مخطئ أو مصيب ، وها أنا ذا مثال مسلم أمامك . ولن تجدي كلامي هذا ولا تستطيعي ان ترجعيه إلى مرجع لا في النت ولا في الكتب . لأنه ببساطة اجتهاد ومحاولة تفكير في الدين . ولا أدّعي لها الكمال ، ولا حتى الصواب الكامل . فلماذا تذهبين بعيداً ؟

على الاقل قبل ان يلحد الشخص يجب ان يبذل محاولات في اصلاح الدين ، فما هي محاولاتكم ؟ حتى لو انها فشلت ؟ على الأقل لنعرف انكم تحبون التفكير ! كل ما في الامر ان الالحاد راحة من التفكير : "لا شيء وفقط !!" ولا حلال ولا حرام ولا يحزنون !! إذا فلماذا التفكير ؟ واكثر الهاربين للإلحاد هاربين عن الالتزامات ومن أشدها التفكير لمن ليس هواية له ، لانه فريضة اسلامية . فكل شيء في الالحاد صدفة وافعل ما تشاء ، فلا أخلاق والمصلحة فوق كل اعتبار . هذه ادوات وقف التفكير ، وبهذه الطريقة يتوقف ، فافعل ما يحلو لك ولمصلحتك ولا تفكر في صح أو خطأ ، ولا من أين اتيت ولا اين تمضي ولا في غاية وجودك ، فقط استمتع بيومك ، وهذا مشابه للطفل الذي يعيش يومه ، والطفل ليس مظنة التفكير العميق .

التفكير والفلسفة هما طلب الحقيقة ، والحقيقة هي معرفة الخير و الشر أو الصواب والخطأ ، و هما نفس الشيء ، وهذه الأشياء لا تهمكم ، إذا فلماذا التفكير والفلسفة عند الملحد واللاديني ؟ و كره الفلسفة ورفض نتائجها وتهميشها وتقديم المختبر عليه معروفٌ في الفكر المادي الملحد واللاديني ويُكرَّر دائما بأنه : مات عصر الفلسفة ، لأنهم لا يحبّون التفكير ، ولأن الفلسفة ببساطة : تفكير ، فهي معرفة الحقيقة عن طريق التعليل والتدليل . أما المسلم الحقيقي الذي سيُحاسب على كل صغيرة وكبيرة ، فهو مضطر للنشاط الذهني والبحث عن الحقيقة ومعرفة الخير والشر ، أي مضطر للفلسفة ، إذا فالتفكير فريضة اسلامية كما قال الاستاذ العقاد . أما من لا يؤمن بوجود خير او شر كما تفضلتي ، فلماذا يفكر ؟ لماذا يفكر الملحد ؟ الملحد ليس مفكر ولا فيلسوف ، بل تلك من صفات المسلم الحقيقي والدين بشكل عام ، ولا يوجد دين إلا وقامت حوله فلسفات وعلوم . وإذا نظرتي الموضوع بعمق ، اكتشفتي لماذا قامت الحضارات حول الاديان ، ولماذا البداوة والهمجية ليس لديهم حضارة ، لأن الآخرين ليس لديهم اهتمام بالخير والشر .

ولأن المختبر لا نقوم نحن به ، بل يقوم به مختصين يفكرون فيه ، وما دام المختبر يقوم به مختصون ، فبقية الملاحدة واللادينيين ماذا يفعلون ، طالما يرفضون الفلسفة ؟ كل ما عليهم هو الإنتظار والترديد . وأرجو ألا تردّي من خلال واقع المسلمين ايضاً ، فأنا لا اتكلم عن واقع الملحدين او اللادينيين ولا احب ان اتكلم ، انا احب ان اناقش الفكرة من حيث هي فكرة . وإذا شئتي ان تردي على هذا الاتهام فردّي عليه بنفس المنطق والحجة ، لا ان تقولي : " ههههههه !! لقد امتلأ العالم من افكار المسلمين وموسوعاتهم العلمية !! "

لأنه لو افترضنا ان واقع المسلمين كان مزدهراً ، كيف ستردّين حينئذ ؟ دائما واقع المسلمين غنيمة باردة لمن لا يحب ان يتعب في التفكير . فأنا قدّمت ادعاءً أن الإلحاد دعوة الى وقف التفكير ، واستطيع ان احضر كلام الملحدين بهذا الخصوص : (لا تفكر في الغد ) ، (لا تفكر في الغيبيات) (عش يومك وواقعك) (دعك من الأسئلة الكبيرة ) إلخ .. وعليكِ ان تردي على هذا الادعاء من فكر الاسلام وليس واقع المسلمين . 

 ويبدو لي انك من الفرقة اللادينية ، وهي احدى فرق الالحاد ، حيث النتيجة واحدة ، فسلوك اللاديني نفس سلوك الملحد ، أي متطرف . وحتى لو كان اللاديني لا يجزم بوجود او عدم وجود اله ، فهو يجزم بالنتيجة ، فليس للاديني سلوك يختلف عن سلوك الملحد لكي نقول انه اختلف عنه ، وليس له التزامات إلا ما تقتضيه المصلحة كما يراها ، وهذا يفسّر صعوبة تعرّف المحاور أهو يحاور لاديني ام ملحد . فكأن الجميع سربٌ من الطيور في الجو لا يستطيع ان يميز الشخص جنس كل واحد منها أذكر هو ام انثى ، الا بعد فحص ومشاهدة دقيقتين . وفي الاخير كلاهما طيور . لا يوجد فرق مهم . واللادينية نفسيّة تعويضية لتخفف من صلافة الالحاد عن النفس . مثلما تخفّف الخمر بالماء . 

في الادبيات الالحادية كلمة (لا تفكر) أكثر من كلمة (فكّر) ، وهذا بالاثباتات . أهم سؤال في التفكير وهو اصل المنطق والفلسفة ، وبالتالي العلم : (لماذا؟) مُنحّى بعيدا عن العقل الملحد ، فهو لا يعرف ولا يريد ان يعرف ، فلماذا نشأ الكون ولماذا وُجد الإنسان ومن أوجده وما هو الخير وما هو الشر وهل أنا على طريق صحيح ام لا ، ما غاية وجودي وما غايتي بعد الموت ، وهل لي غاية ، و هل يجوز ان تكون الدنيا دار ظلم فقط وينتهي كل شيء ؟ وكيف يراد مني ان استمتع في وسط هذه الافكار السلبية إلا اذا انتزع مني التفكير ، ويبقى التمتع بمتعة لا يوقفها ضمير او دين ، والمتعة بحد ذاتها خدعة ، مهما اُعطي الإنسان من حرية ، فلن يستمتع إلا بما كتبه الله له ، وكم من متعة انقلبت إلى نقمة وطالما وجد الملحد نفسه يمتنع عن اشياء كثيرة ، ويسأل نفسه لماذا الإمتناع رغم خروجي من الدين ؟ أين المشكلة ؟ هل هي بقايا الدين اللعين في داخلي ؟ أم أنني لم افهم الحياة جيداً ؟

كل هذه الأسئلة وغيرها مطالبٌ أن يفرّغ الشاب الملحد راسه منها وينطلق في متعة اليوم ومصلحة الغد . والمصلحة عندهم هي لذة لم تتحقق بعد . فلماذا يفكّر أكثر ؟ اللهم إلا لمزيد من المصالح ، ولا نرى حتى الان سوى تفكير في الاساءة إلى الاديان ، أو مراوغات فكرية بالمعنى الاصح ، وليس تفكيراً ، القصد منها تشويه الدين و صد الناس عنه . هذا هو النشاط الفكري الوحيد عند الملاحدة واللادينيين .

وهكذا نرى تهافت دعوى التفكير عند الملحدين ، فهم يعيشون الجمود الفكري لأنهم يكررون نفس الافكار التي يرددها جاره الملحد ، فتستطيع التحدث مع ملحد عربي او امريكي او بولندي بنفس الطريقة ، وكل ما لديهم من أفكار يمكن إرجاعها إلى مصادرها المشهورة التي انطلقت منها ابتداء حتى تأخذ رحلتها في التكرار والاعادة . و كل يدعيها لنفسه ، بقصد أو بغير قصد .

 الإلحاد خير وصفة و أحسن علاج لوقف التفكير البناء ، و خير وصفة لبدء التفكير المزعج المرضي الذي يفرض نفسه . ومن هرب من التفكير الاختياري ، وقع في التفكير الاضطراري الملزم والمزعج وغير المنتج (قانون) .

ابنة ابي نواس :

ولا ادري أية اخلاق سأجنيها من الصلاة والحج ؟ ومالفائدة التي سيجنيها الآخرين من صلاتي ؟
وأية أشياء قد أفعلها لعيون الغرب ؟ هههههه من جد ماني فاهمة

الرد :

ترديد افكارهم ، اليس خدمة لعيونهم ؟ ورفضك لافكار ارضك ومجتمعك ، الا يسر عيون الغرب هذا الشيء ؟ تقديمهم على أنهم اصحاب الفكر الصحيح الوحيد في العالم . وحتى الآن لم تستطيعي ان تنتقدي الغرب ، لأني كما قلت لك لن تستطيعي ان تنقدي شيئا وانت تدينين به وتقدسينه . وهذه خدمة جليلة لعيون الغرب . أن ينحّوا عن النقد .

اقتباس من الوراق :

فياما شكرتي أناساً ربما لم يفيدوك كثيراً فما المشكلة إذا قلتي "الحمد لله" فهذه هي العبادة عبارة عن شكر ومحبة وفضائل وعدم تكبر.

ابنة ابي نواس :

العبادة تستهلك الكثير من الوقت والجهد والمال
خذ الحج على سبيل المثال .. واحسب المساجد والكنائس والمعابد في العالم كم استهلكت ؟
على كلٍ لا بأس بالعبادة لمن يؤمن بها ولا يتحقق توازنه النفسي إلا من خلالها
لكنها لي ولغيري مضيعة وقت

الرد :

هذا المجهود الشاق في الردود والكتابة لحرب الدين ، ولا يخلو من ركوع وسجود على الكيبورد لساعات طوال ، مع استقبال القبلة غرباً طبعاً ، ويبدو أنه سيستمر معك طول حياتك بشكل يومي ، أشد وأكلف من تكاليف الصلاة ، التي تستطيعين ان تصليها بجانب فراشك في ظرف خمس دقائق . هل فكرتي في هذا المجهود والطاقة المهدرة ؟ ودور القمار والبارات والمواخير ، اليست تستهلك اموالا وطاقة وجهداً وصحةً ، وعددها أكبر من المساجد والكنائس عبر العالم وأعدادها بالملايين ، واستهلاكها للمال والوقت اكثر؟. لكن الهوى يعمي ويصم . بل ربما فقد الانسان كل ماله في جلسة روليت واحدة ، وليس فيها فضيلة سوى الشهوات التي تعود هماً على مدمنها . بعد ان سلبته ماله وصحته وقيمته عند ذاته وهي الاهم .

واذا كان الحج لا يفيدك ، فهذا لا يعني انه غير مفيد ، فالحج هو التجمع الوحيد في العالم الذي لا تستعرض فيه القوة ، ولا الفخر ، والكل يردد : الله اكبر مني ومنّا . للمرة الاولى . كل تجمّع بشري يقول : نحن اكبر . وهذا ما نراه في الاستعراضات العسكرية والحفلات والاعياد الوطنية ، حيث تبرق السيوف وتدوّي المدافع أو الألعاب النارية التي تشبه الصواريخ والمدافع ، ومن هنا اخذت قيمتها الإحتفالية ، واستعراض الطائرات وقصائد وخطابات الفخر والمدح . أظن أن تجمعاً يحارب التكبر سينفع الجميع ، لأن التكبر هو اساس كل الشرور . وهو الذنب الذي فعله الشيطان واوحى به لأتباعه , وتستطيعين ان تُرجعي كل الشرور إلى هذا الاصل منطقيا .

ابنة ابي نواس :

أما الله بمعنى الخالق فأحيانا أقول له شكرا حينما أرى شيئا جميلا
وأحيانا أقول له تبا حسب الظروف .. مثل ما تقول فشة خلق يعني

الرد :

كيف تقولين له تباً وانتي تعلمين انه خالقك وخالق تبّك ؟ هذا من ناحية أخلاقية مع ربك المجهول ، والذي هو ليس ربنا طبعاً ، فربك أصم ابكم ومتكبر و مديرٌ ظهره للعالم ونرجسي ، ويوحي لأتباعه للتكبر والغرور ، لأنه لا يأبه بالمظلومين ولا يتوعّد لأخذ حقهم من جلاديهم ، ويقول : افعلوا ما تشاؤون . هو رب لا يحب الفضيلة لأنه لايأمر بها ، اذاً فكيف سيحبها اتباعه ؟ فهو يشبه ملكة انجلترا لا يهش ولا ينشّ .

اقتباس من الوراق :

أما موضوع الفقه، فالله أراد لنا به اليسر ، وإن كان بعض الفقهاء يعسرون فلست ملزمة أن تستجيبي لكل من تحذلق ، فاستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ، وتستمر الحياة بالأخلاق والعلم ، ولن تخسري شيئاً ولا حتى برستيجك العصري .
فالموضوع سهل ، فكل ما في الأمر هو دعم لأخلاقنا وإزالة للوحشة من دواخلنا ، والإلحاد على كل حال ليس له رب تخافين منه إذا تركتيه ، وأعتقد أن الموازنة ليست صعبة في هذا الموضوع ، والتوازن أحسن من التطرف دائماً ، والإلحاد تطرف بدون أدلة قطعية ، لأن الطرف ليس بعده شيء، وليس بعد الإلحاد شيء ، وهذا لا يريح شعور الإنسان مهما كان ، فهو يرتاح للتوازن دائماً ، فترك الإلحاد ليس كترك الإسلام .

ابنة ابي نواس :

استفتيت قلبي وقال أن الصلاة لا تنفع ، فتركتها وأثبتت لي تجربة تركها أنها لا تضر
أنصحك بخوض هذه التجربة

الرد :

يبدو انك تكتشفين الضار والنافع بسرعة البرق ! هذه الامور نتائجها متشابكة ومرتبطة بالزمن والمستقبل ، وهذه الطريقة في الحكم القاطع بعدم الفائدة فيها استعجال ، لو فعلتيها حتى مع الناس من حولك لاكتشفتيها تظلم وتضر ، ثم ما الفائدة التي كانت على بالك عندما كنتي تصلين ؟ ماذا كان الشيء الذي سيأتي بسرعة وتنتظريه ولم يأتي ؟

الكسل يعني إراحة الجسم وإشغال البال (تعريف) ، تدليع الجسد قسوة على الشعور ، والعكس بالعكس ، والشعور اهم . أن يكون الشعور مطمئنا سالما من مشاعر الندم مرتاحا من ان صاحبه سيحترمه ويفضله على المادة والمصالح ، فهذا هو التدليع الحقيقي للانسان ، أن يجهد جسده بدرجة لا تضر الشعور في الوقت الذي يدلّع فيه مشاعره ولا يجعلها تتعرض للألم والوحشة والندم والاحساس بالذنب ويربطها بالأخلاق ، والأخلاق بنت الشعور  . وسعادة الإنسان مع العمل وبذل المجهود بشرط أن يكون متوزعا على مجالات كثيرة تخدم مشاعر الإنسان ، هذا هو طريق الصحة النفسية ، والأطباء يجعلون العمل حدا فاصلاً بين الصحة النفسية والمرض النفسي ، لا اقصد أنك مريضة نفسية ، ولكن اريد ان ابين ان الانسان مخلوق ليعمل ، ويجد راحته و سعادته بعد العمل ، ولا أجمل من الراحة بعد العمل ، ولا اقبح من الراحة بعد الراحة . قال تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) . ولا أجمل من العمل بدافع أخلاقي إيماني ، فمهما عملنا لأحد من الناس ، تبقى هناك شبهة في نزاهة هذا العمل الخيّر ، ولكن عندما نعمل لإله لا نراه ونتحمل لأجله ونلتزم بالفضيلة وليس هناك ما يلزمنا لأجله ، فهذا هو قمة الرقي الانساني ، وان كان هناك قمة للرقي الانساني غير هذه فأخبريني عنها . من يحب نفسه حقيقة هو من يهتم بشعوره وعقله قبل جسمه ، وهذا هو الأهم بل هو الإنسان .

وعلى فكرة ، لقد اعترضتي في البداية على أن سبب الإلحاد هو التخلص من الالتزامات الدينية بدافع الكسل وحب المتعة ، وها أنتي تدورين وترجعين لموضوع العبادات والصلاة والصيام والحج ، وانها اشياء مزعجة ولا فائدة منها ، مما يشير إلى انها هي السبب وليس الجدار العلمي . خصوصا عندما قلتي ان المشكلة ليست في الاله بل في الشرائع .

ابنة ابي نواس :

أما التطرف ، فالإيمان بدين معين وترك بقية الأديان هو تطرف برأيي
كما أن الجزم بالإلحاد أي بعدم وجود خالق ومبتديء هو تطرف أيضا

الرد :

الإلحاد أنتي فعلتيه وانتهى الأمر ، اي انتي فيه ، ولو كنتي تؤمنين بوجود إله غافل عن الكون ، لأنه لا قيمة عملية لوجوده على حياتكم ، فهي نفس حياة الملحدين سواء بسواء ، ولا ارى داعي للتفريق بين لادينيين وملحدين ، لأنه لا يوجد فرق على ارض الواقع بينهما . مثل شخص لا يؤمن بوجود لص في المنزل ، وآخر يؤمن بوجود لص ميت في المنزل . وبالنسبة للأديان الأخرى نحن لا نرفضها كاملا ، نحن نتفق معهم بوجود إله فعّال وليس خامل كإلهكم ، إضافة إلى أخلاق كثيرة منها البر بالوالدين وتحريم الزنى وغيرهما كثير ، فمن قال أننا نرفض الأديان الأخرى كاملاً ؟ ولا يوجد دين يرفض الأديان الأخرى بدرجة كاملة . لأنه حتما سيتفق في كثير من الأساسات و الفروع حتى ، يكفيك الإتفاق في الإسم فكلاهما دين . ونختلف في طريقة عبادته ليس إلا . وبالتالي لا يوجد تطرف كالذي ذكرتيه ، وطلب الافضل ليس تطرف . مذاهبكم هي التي ترفض كل شيء وتُنحّي الآخر . 

ابنة ابي نواس :

أفضّل الصدق مع نفسي .. لا أؤمن بالأديان المتناقضة في ذاتها ..
ولا أجزم بوجود خالق أو عدم وجوده
فالمسألة ليست مسالة برستيج .. بل صدق مع الذات
الايمان والعقيدة شيء شخصي .. فـ برستيج إيه اللي انت جاي تئول عليه ؟

الرد :

كيف تتناقض الأديان مع نفسها ؟ وأنت لا تتناقضين مع نفسك وتعيشين انسجاما داخليا وسعادة لا يضارعك فيها أحد ؟؟ فإنسجام إيه اللي إنتي جايّة بتؤولي عليه ؟؟

ألا تتضارب الأفكار في راسك ؟ ولا مرة حدث هذا الشيء ؟ ولا مرة فكرتي أنك ربما تكوني قد ضللتي الطريق ؟ ولا مرة استشعرت الوحشة وانتي كغيرك في طابور الإنتظار للموت ؟ هل إذا اقنعتي نفسك بخطأ الأديان ، تكوني قادرة على اقناع نفسك بصحة الإلحاد أو اللاأدرية ؟ وهذا تابع لصدقك مع نفسك . انا أجزم أنك يوميا تخطر عليك افكار تطردينها لانها متعبة وتواصلي الحياة وتقولي لنفسك انا سعيدة ، ولا أسمح لطيور الهم ان تعشش فوق راسي . هذي قناعة بالنسبة لي حتى لو أنكرتيها ، اعتمادا على ايماني بالقران القائل : ( ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى) .

اقتباس من الوراق :

كيف علمتي أن الدعاء لا يفيد؟ مع أنك تدعين لأشياء في المستقبل ومنها الآخرة، فكيف عرفت أن الدعاء لم يفد ؟؟ والمستقبل لم يتحول إلى ماض! أما إذا كان قصدك تحديد أشياء بعينها وزمنها تطلبيها فهذا ليس أدباً مع الخالق أن نحدد له ما يفعل ، وإن لم يفعل كما طلبنا بالضبط نكفر به ، كأي جهاز لا يعمل ثم نرميه!

والنظرة المادية المصلحية ملازمة لك عندما كنت مسلمة وحتى وأنت على الإلحاد المصلحي ، وهي التي أخرجتك عن الإسلام ، فلو غيرتِ هذه الفكرة – وأنا لا آمرك بشيء - لرأيتِ الأمور بشكل آخر أجمل بكثير .
حتى نرى العالم المعنوي يجب أن نزيل عدسة المصلحة المادية والآنية عن عيوننا أولاً ، حينها نرى جمال الأخلاق والمحبة والإيمان بالله وبالآخرين وبالحياة والطبيعة، فالمصلحة والجمال ضدان متعاكسان ، وعندما أقول (أنتِ) لا أعنيك شخصياً ولكن بموجب الفكر الذي تنطقين به ليس إلا، وعندما أذم المصلحة لا أذمها بحد ذاتها ، وإنما أذم تقديمها على الأخلاق والقيم والجمال ، وأحبها تابعة وأكرهها متبوعة .
وهذا الفكر الغربي المادي هو فكر مصلحي ولا شك في تقديمه المصلحة على المشاعر والأخلاق بل ينفي وجودها .
أما في الدعاء نطلب منه أن يريد بنا اللطف والخير وهو أدرى بصالحنا ولسنا نحن الأدرى، وهناك من يدعون بأشياء لو لُبِّيت لهم لأضرَّتهم ، وزد على هذا أن الدعاء من وجهة نظرك هو تقديم طلبات مادية دنيوية ، برأيي أن الدعاء طلب القرب ، مثلما تدعو من هو بعيد عنك تناديه فيجيبك ويحضر، ولا يعني الدعاء تقديم قائمة الطلبات ، فالدعاء تعامل أخلاقي مع الله ، {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} .
الدعاء مناجاة ، الدعاء علاقة محبة ، على هذا الأساس أنا دعوته فأعطاني أكثر مما كنت أتمنى وما زال يعطيني ، لأني طلبته أن يريني الحقيقة ويخرجني من شكوكي التي كانت بحجم أسئلتك وانتقادك للدين وأكثر ، فأعطاني اليقين الداخلي ونوراً قذفه بقلبي الذي لم تستطع شكوكي وشكوك غيري أن تهزه ، بل تجعله يقوى ويقوى ، حتى امتلأت نفسي به حباً ونقاءً ، وصرت أتمنى لغيري ما أنعم به من طمأنينة ويقين ورضا .
ولو تجربي دعاء الله بعد أن تريحي عقلك قليلاً من هذه الأفكار (التي لن تخسريها وستكون بانتظارك) ، في ساعة نقاء وصفاء ودون طلبات مادية ستجدين أن الله سيجيبك وبسرعة .       

ابنة ابي نواس :

جميل هذا المعنى الصوفي يا صديقي ..
ولكن الله الاسلامي يقدم وعدا مفتوحا (ادعوني استجب لكم) ثم لا يفعل ، لمصالح وحكم وتبريرات تقدمها جميع الآلهة في كل الأديان
بل ويتوعد (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)
بودي لو أفهم نفسية الله الذي خلق الناس لعبادته !

الرد :

عندما تأتيك بطاقة "دعوة" ، فهل هذا يعني طلب حضورك أم تقديم الطلبات لك ؟ بهذا المعنى تفهمين لماذا الله توعد الذين يستكبرون عن دعائه ، أي دعوته ، طلب قربه ، واللجوء إليه ، والحاجة إليه ، ، وهم ضعفاء محتاجين له ، ومع ذلك يستكبرون عليه ، ومن حقه أن يتوعدهم . 

ابنة ابي نواس :

أما استجابته لك فاسمح لي يا عزيزي طلباتك بسيطة .. مجرد أن تطلبها تتحقق
فالطمأنينة واليقين هي أشياء تأتي حينما يريدها الإنسان بشدة وأنت أردتها بدليل أنك طلبتها من الله
ولذلك أتتك
أما أولئك الغلابى المرضى والمشوهين والفقراء والمستضعفين الذين خلقهم الله بدون أن يأخذ رأيهم فيما لو
أرادوا الوجود أم لا وحكم مسبقا على أن إيجادهم بحد ذاته يستحق الشكر والامتنان ، ثم وضعهم في ظروف سيئة يقول بأنها امتحان - ولا أدري لماذا يمتحن البعض بمجرد شكوك عقدية بينما يمتحن آخرين بالمرض والإعاقة والتشويه والعقم والفقد واليتم والجوع والتعذيب .!

الرد :

ما دامت الطمأنينة أمرا سهلا كما تقولين ، فلماذا لا تفتحين موقعا نفسياً ، لأن الآلاف بل الملايين يعانون من الأمراض النفسية !! أنتي تقفزين على الحقائق كحبل اللعب !! هم يتألمون ويبكون ويذهبون للأطباء النفسيين والمشعوذين حتى لطلب بعض من الراحة يعيشون به مما يمنعهم عن الإنتحار ، ولم يحصل لهم ذلك !! وأنتي هنا ؟؟!! عمّاذا تتكلمين أنتي ؟؟ نحن في عصر الكآبة والقلق النفسي الذي يعاني منه الأطباء أنفسهم !!

يبدو أنك مثل الإله الذي تلومينه !!

الطمأنينة ليست شيئاً بسيطاً ، بل و مستحيل إلا لمن عرف الله وآمن به و سلّم نفسه له (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . ومن الواضح أنك لا تعرفين معنى الطمانينة ولا طعمها حتى . هل تصدقي أن ليس لدي مشاكل في داخلي ؟ كل مشاكلي هي من خارجي فقط . وأني أنام قرير العين وراضي عن نفسي إلى حد كبير ، مسامح لكل من أساء إلي . ولا أنام حتى ينام ضميري قبلي مطمئناً . هذه الحالة لا اعتقد انها مشتركة بين كل الناس وأن الوصول إليها امر سهل ، بل سمّوه الناس أنه العنقاء !! ويوميا اتعامل مع الناس وأرى شكاواهم وصراعهم الداخلي ، وهناك من على استعداد ليدفع ثروته كاملة من اجل راحة البال ، فكيف تقولين انه امر سهل ؟ الضمير لا يهدأ إلا بالطمأنينة الصحية أو بالموت الجامد المتخشب الذي يجعل صاحبه لا يحس بالاشياء من حوله ولا تؤثر به لا سلبا ولا ايجاباً ولا يعرف طعما حقيقيا للحياة .

والله يمتحن الجميع بكل شيء (ونبلوكم بالشر والخير) ، فالله يبتلي الجميع ، بالخير والشر ، على السواء . وأنتي على بالك أن المصابين والمشوهين والمرضى ، أن هذا قدرهم المستمر ؟ وقدركِ المستمر هو الصحة والسلامة و "الطمأنينة" ؟ ليس هذا هو الواقع .. فالكل معرّض للمرض ولفقد السعادة ، والجميع تحت نيّر الموت ، والمعاقين والمشوهين ليسوا فقط هم المختبرين والممتحنين والتعساء الوحيدون على ظهر الارض ،  فربما كان معاق أسعد من صحيح ، ورأينا الكثير من هذه الصور . ورأينا صحيحا ينتحر ، ومعاقا يسعى بشغف إلى مصلحته .  والأصحاء مُبْتَلَون بهؤلاء أيضاً ، ليعرفوا قيمة الصحة والعافية ، ويُختَبَرون بها إختبار خير ، هل يشكرون أم يكفرون . والإختبار يتراوح بين الخير والشر ، فتأتي مواقف أليمة نُختَبَر بها اختبار شر ، وتاتي مواقف سليمة نختبر بها اختبار خير ايضاً ، أياً كنّا ، حتى الشحاذين والمعاقين يمرّون باختبار الخير و الشر ، فيأتيهم خير يُختَبرون به ، ويأتيهم شر يختبرون به . فشحاذ أعطي مبالغ كبيرة ، والشحاذ الذي بجانبه لم يعطى شيئا وسينام جائعاً ، الآن الشحاذ الأول يُختَبر اختبار خير . فالأمور نسبية .

هذا بخلاف موضوع الاعتياد الذي يخفف الآلام دائماً ، فأنتي على بالك أنك اسعد إمرأة في العالم ؟ لا ، هناك من هو اسعد منك ، وأنتي بالنسبة لها أو له مثل هؤلاء المساكين بالنسبة لك ، ولكنك لا تدرين عن سوء أوضاعك ، فأنا أقول ومتأكد أنك متعبة من الداخل ، وأنتي تقولين أنك مطمئنة وسعيدة بحكم الإعتياد على هذا الوضع ليس إلا . فما من شك عندي أن سعادتي وانطلاقي بالحياة لا تقارَن بوضعك البتة . مع أنك تصرّين على أنك هانئة وسعيدة وغير عابئة بكل شيء . فاصطناع الطمأنينة ليس مثل الطمأنينة الحقيقية التي تفرض نفسها دون أن تُطلَب . فهي نتيجة وليست غاية .        

اقتباس من الوراق :

ولا أظن أن كل المشكلة في عدم فهم المعاني السامية للتشريعات بقدر ما هي رغبة في التخلص منها كالتزامات أولاً ، وسبق أن قلتُ أن الفقه أخرج الكثيرين من الإسلام، ولو أُصْلِح لأعاد الكثيرين ، فالحضارة المعاصرة لها التزامات كثيراً ما لا ندرك الحكمة والمغزى منها ، ومع ذلك نفعلها مطأطئي الرؤوس . بل نادراً ما يسأل أحد عن الحكمة والفائدة من وجودها . في حين يهتم كل الاهتمام في إجادتها حتى لا ينتقده المجتمع المتحضر .

إذاً ليست القضية الأولى قضية : ما الحكمة ، بل يستحق أن يقول هذا السؤال من لا يعمل أي شيء إلا بعد أن اقتنع بحكمته ، وبالتالي سيوصف بالجنون في بعض الأحيان لأنه يرفض أشياء يفعلها الناس تلقائياً .

ابنة ابي نواس :

غير صحيح
البشر يقومون بأفعالهم لدوافع المصلحة الشخصية أو الجمعية ..
متعة أو اقتناع والتزام
أتكلم عن الأشخاص العقلاء البالغين
وبعيدا عن الإكراه والإجبار
ماهو الشيء الذي يفعله الشخص بلا متعة ولا جلبا للمصلحة ؟
حتى الاعمال التكافلية الخيرية التطوعية مثلا هي أشياء تجلب المتعة الشخصية والجمعية معا
فهي ترضي الضمير وتجبر كسور المجتمع وتصلح أخطاء الله على الأرض !

الرد :

هناك عادات وتقاليد ، واتيكيت وبروتوكول ، كلها الزامية ولا ندرك الفائدة الحقيقية منها . ولسنا نحن من قرر وجودها ، أي مفروضة علينا ما دمنا نعيش في مجتمع مدني . وهذه القيود تزداد يوما عن يوم ، فالمشي له قيوده والتحية لها قيودها ، وعادات الاكل قيود ، والمناسبات الاجتماعية فيها قيود ، وكلها تحسّين بألتزامات لا تحبيها ولكن يجبرك المجتمع على فعلها ، ولا يُعرَف من سنّها ولا الفائدة منها إلا في القليل ، وليس من سنها إلهاً في كل الأحوال . لا بد أنك تضايقت من بعض العادات الاجتماعية او بعض الالتزامات التي لا ترين داعيا لها ، وهذا يقوله كل الناس إلا ان كنتي أنتي كعادتك استثناء من كل البشر ! فكل البشر أيضاً يشتكون من الهموم وصعوبة وصولهم إلى الطمأنينة والسعادة ، إلا أنتي التي ترين ان الوصول إليها سهل جدا .

اقتباس من الوراق :

هو مثل المعلّم الذي لا يساوي بين التلاميذ ، فبعضهم يقبل عذره بسهولة وبعضهم يقدّم له قائمة طويلة من الاسئلة والنقاشات ثم يرفضه ، لن نقول عنه أنه مدرس عادل ، والعدل صفة اخلاقية .

ابنة ابي نواس :

مممم الله يفعل ذلك في امتحاناته وابتلاءاته الغير متساوية للبشر

الرد :

أنتي الآن تردّين الكلام دون ان تثبتي خطأ الفكرة التي قدمتها وشرحتُها بأن الإمتحانات متساوية ! من حقك أن تستمري على رايك بهذا الخصوص ، لكن من حقي ان تبيني خطأ كلامي الذي شرحته عن تساوي الفرص . لأن التخطئة بدون بيان الخطأ خطأ بحد ذاته .

اقتباس من الوراق :

أما أن الرجل والمرأة عبارة عن نمل حقير ، فأنا لا أوافقك على هذا ، وليس تكريماً للإنسان أن يقال عنه هكذا . وهذه الفكرة أيضاً يكيلها الفكر المادي بمكيالين ، فإذا كان الأمر يتعلق بأمر الله قيل بأن الإنسان نملة تافهة ، وإذا كان الكلام عن العلم والقوة ومراكزها ، تحدثوا عن الإنسان ذلك الإله السوبرمان ، بعد أن يكون فَسَخَ عنه قشر النملة ، وتحوّل إلى الإله الحديدي ، الذي سيطوّع الطبيعة ويوقف الموت ، كما في ميثولوجيا الملاحدة !!

ابنة ابي نواس :

هههههه اعجبتني ميثولوجيا الملاحدة 
هي نظرة حمالة أوجه : من جهة .. الانسان لا شيء
ومن جهة أخرى استطاع ان يفرض نفسه وأن يكون كل شيء
يجب أن تتفق معي فهي نظرة دينية أيضا
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ
الخلاف ليس في الحجم ولا الاستطالة
الخلاف حول ما يجعلك تتطاول وتتضخم بحق
هل هي السجود مرتين والطواف سبعا ؟
أم اقتحام الفضاء والقضاء على البكتيريا القاتلة ؟

الرد :

بل السجود سبعاً والتواضع لخالق البكتيريا ، ثم البحث والعلم جنبا إلى جنب مع التواضع ، والتواضع منطقيا هو حق الإنسان ، وليس حقه التكبر ، لأن كل ما يعرفه هو قطرة في بحر ما لا يعرف ، وقوته ضعفٌ شديد أمام القوى الأخرى ، فهو لم يوجد نفسه ولا يستطيع ان يتصرف بهذا العلم والكون ، إذا فحقه التواضع لا التكبر ، وعليه ألا يفرح ببعض ما اكتسبه من قوى و طاقة اخذها من الطبيعة بموجب قوانينها كما كان يفعل قديما في الحضارات السابقة ، ومثلما فرح فرعون بملكه ، وتكبر على خالقه ، ورفض رسوله ، فادّعى الألوهية بدلاً منه لسد الفراغ كما تفعلون ايها الفراعنة الجدد ، وغرّته قوته وقوة جنده ، مثلما تغرّكم قوة الصاروخ والطائرة وهي محكومة مثلكم بقوانين الطبيعة . وقوتها من الطبيعة وليست من الإنسان ، إذا فما القوة التي انتجها الإنسان ؟ وما هو التغيير الذي استطاع أن يجريه الإنسان على قوانين الطبيعة غير ما تسمح به من بدائل ؟ إذاً فالإنسان هو الإنسان في القديم والحديث ، لم يتغير ولم يتبدل شيء ، فخففوا عن أنفسكم ، لأن فكرتكم أن الإنسان تطور وتغير هذه من ضمن الأوهام التي تمرّر على الناس ، فلا تغيّر ولا يحزنون . الإنسان هو الإنسان ، والمادة هي المادة ، والقوانين هي القوانين . لم يتغير شيء .

 أنتم تمجدون التكبر والبقاء للاقوى ، وهذا الأقوى سوف يقاوم القوى الطبيعية كلها ويسيطر عليها ، اي على هذا الكون ، وهذا الخيال الفرعوني الذي يصيب كل من ابتعد عن السجود لخالق الكون . فالكبر فسقٌ وخروج عن الإطار وهو اساس الشر كله ، ولا يعني هذا رفض العلم وتطور الحضارة ، فالحضارة لا تتطور بالكبر ، بل بالتواضع للطبيعة ولقوانين الطبيعة والسير وراءها وليس امامها ، والطبيعة لها رب .

والإعتراض جاء على الكيل بمكيالين . فيجب أن تُقال الفكرة كاملة ، لماذا مرة نملة ومرة إله ؟ مع أنه ليس بنملة وليس بإله !! كل ما في الأمر أن الإنسان ضعيف ومحكوم وله مجال واحد يتقدم به في العلم ، وهو مجال المادة من حيث ظواهرها ، كيف يفهمها وكيف يستغلها ، هذا هو المجال الذي يتقدم فيه الانسان ماديا ، وله مجالٌ يتقدم فيه معنويا من حيث احترام شعوره مسترشداً بوحي السماء ، لأنه لن يستطيع لوحده أن يدل طريق الهدى والصواب .

ثم كيف "فرض" الإنسان نفسه ؟ هل فرض نفسه على قوانين الطبيعة ؟ هل غيّر قانونا واحداً ؟ فكيف اذاً فرض نفسه ؟ بل فرض بعضه على بعضه ، وسيطر بعضه على بعضه . التخريب لا يعني العلم ، فالإنسان خرّب الطبيعة ، هل تعترضين على هذا ؟ هل هذا هو فرض النفس ؟ ان يأتي مجنون ويحرق الغابة ويقول : أنا قوي وفرضت نفسي على الطبيعة وغيّرتها ؟ هذه من الأوهام والأمنيات التي تدور في رؤوس من ابتعد عن السجود لله .

ولو فكرتي فيها بعمق : لماذا تداعب افكاركم فكرة الانسان-الإله ؟ هي محاولة لسدّ الفراغ ، إذا فالإله موجود . إذا وتحاولون سد الفراغ ، وهذه من الخيوط التي تدل على وجوده . "وفيك انطوى العالم الأكبر" لا تعني أنك سيطرت على العالم الأكبرُ ! فالكون مترابط ، وكل ما فينا موجود في الكون ، لأن الخالق واحد ، وليس الكون عشوائيا كما تقولون ، فلو كان عشوائيا لما كان مترابطاً ولما وجد علم ، فالعلم هو دراسة الروابط (تعريف) .

اقتباس من الوراق :
يستطيع الشخص الجاد في قبول الدين بشكل سامٍ وأخلاقي أن يفهم الدين من منطلق الدوافع والمقاصد، حتى لو خالف بعض الاجتهادات الفقهية ، فلا يوجد شخص مقدس في الإسلام ، ولا قيمة لعقل أحد توازن قيمة الفضيلة .

ابنة ابي نواس :

حينما يحاكم الملحد الاسلام فهو لا يحاكم التشريعات من وجهة نظره هو
بل يحاكمه بناء على مصدرها .. وهو الله
بعض التشريعات الإسلامية مقبولة بشريا
لكنها غير مقبولة من الله الخالق القادر مطلقا العادل مطلقا الرحيم مطلقا

الرد :

الله شديد العقاب مطلقاً ايضاً !! عليك أن تذكري كل صفاته بدون انتقاء .
عدنا مرة أخرى للإله الاب وبابا نويل !! كفكرة دخيلة من ثقافة أخرى غير ثقافتك !

اقتباس من الوراق :
هذا كلام عام ، أين هو هذا المعلم الذي يستطيع إصلاح كل التلاميذ بدرجة واحدة ؟ هذا غير ممكن طبعاً

ثم إن الصورة مختلفة . فبالنسبة للأطفال ، فأسلوبك مع الأطفال على أمل أنهم سيتغيرون ، ولكن عقاب الله في الآخرة يكون بعد أن انتهى مجال التغير (بالموت) ، فلا يعود عقاباً إصلاحياً ، أنتِ تحتاجين لإصلاح هؤلاء الأطفال ، والله يختبر الناس وليس محتاجاً لهم ، صلحوا أو فسدوا ، وأعطاهم الفرص الكثيرة والمواقف التي تحرك مشاعرهم ، والأنبياء والمذكّرين .

ابنة ابي نواس :

الله يستطيع أن يكون ذلك المعلم ، لأنه فوق الممكن وهو من وضع قوانين الممكن وغير الممكن
يستطيع الله خلق حياة أخرى .. فهو الذي يضع القوانين
فكيف يضع قانون الموت ثم يقول انتهت المهلة ؟
وإن كان سيعاقب لأنه غير محتاج فهو غير رحيم ..
يستغني بسرعة عن ما لا يحتاج إليه !

الرد :

الله أعطى فرص لا يستطيع أي معلم أو نظام تربوي إعطاء هذه الفرص المتكررة و الكثيرة وفرص التوبة بعد التوبة طول العمر ، اي إصلاحية لا تقدم فرص إصلاح إلى آخر لحظة في العمر . ثم ما الفائدة إذا عرفنا أنهم لو خرجوا من النار وعادوا للدنيا أنهم حتماً سيعودون للتكبر والتكذيب مرة أخرى ؟ مع أن ذكريات جهنم لا تزال في أذهانهم ؟! ما الفائدة من تعليم مثل هؤلاء ؟ متى ما أحسوا بالأمن رجعوا للخبث ! لأنهم لا يفكّرون بما بعد الموت ، كعادتهم عندما كانوا في الحياة الأولى ، ويحبون العاجلة ، ويغرهم طول الامل ، ويقولون سنتوب قبل الموت ، دعنا نستمتع باللذائذ والمحرمات فالعمر طويل .

وهذا ليس أمرا مستغرباً ، بل مشاهد ، فكم من المجرمين يدخلون إلى السجن ويخرجون ويعودون إليه مرة أخرى وأخرى !! وبموجب كلامك ستكون الحياة خلود ، لأنك تريدين فرصاً لا نهائية !! اي خلود ! فلو قلنا مثلاً 100 مليون سنة من الفرص ، لقلتي : لماذا يضع لها حداً وهو يستطيع  كخالق للقوانين أن لا يجعل لها حداً ؟ وهذا الكلام لا يأتي إلا من أحد متشبث بالدنيا ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمّر) ، ولا يرغب بلقاء الآخرة ، ومن يطلب الخلود في قاعة الإمتحانات ، هو يرفض نتيجة الإختبار ، لعلمه المسبق برسوبه . قال المتنبي :

الموت آت والنفوس نفائس ، والمستعز بما لديه الأحمق ..

هذا المثل ينطبق على تشبث الماديين بالدنيا ، مستعزين بما ملكوا وما حوت جيوبهم وأكياسهم من الذهب والعتاد .

أتريديه أن يرحم الخبثاء والمجرمين ؟ إذا سيكون غير عادل .

اقتباس من الوراق :

وحتى العقاب الإصلاحي موجود ويستعمله الله مع الناس ، فهذه الظروف والأمراض والموت والشيخوخة والكوارث ، والهزات العنيفة التي تصيبنا في حياتنا ، هذه كلها تذكّر وتحرّك أي إنسان لا يصرّ على الرفض . وتحرّك مشاعر الإيمان في داخل الإنسان ، ولكن هناك من يستجيب لها وهناك من يقمعها ويعاندها . أي يعاند نفسه .

ابنة ابي نواس :

هذا الرأي إشكالي جدا والمؤمنون أنفسهم منقسمون بشأن الكوارث الطبيعية هل هي عقوبات ام لا
لأنك لو تمعنت قليلا لرأيت أنها لا تفرق بين صالح وطالح
حتى النبي تعرض للمرض فهل يعاقبه الله لبعض ذنوبه ؟
يأتي المسلمون بتبرير آخر لهذه الحالة .. وهكذا تستمر التبريرات والتخريجات لكل حالة تأويلها
حتى لم يعد هنالك قواعد عامة يمكن للبشر أن يتعاملوا بها مع الله غريب الأطوار !
فهل أمرضتني يا ربي عقابا أم حبا ؟
ولماذا تحب غيري ولا تمرضه ؟ أو تكره آخرا ولا تمرضه ؟

الرد :

ليست القضية قضية عقوبات ، بل قضية آيات وتذكير ، تحسّس الإنسان وتقرب الإنسان من إحساسه وينزع عنه لباس الكبر المصطنع ، ويسمع صوته الداخلي . وهكذا كلما ضاقت الحيلة و عجز العقل تحرّك الإحساس ، فانظري طفلا ضاعت منه والدته ، سيتلفت ينادي ، وإذا انتهت الحلول عنده سيجلس ويبكي . وهكذا اي انسان اذا ابلغه الطبيب بانتشار السرطان في جسده ، وأن نهايته وشيكة ، سوف نجده يمحّص في داخله أكثر وتتضح له اخطاؤه وعيوبه وذنوبه بشكل أوضح . هذا ما اقصده من الهزات العنيفة التي تواجه الناس في حياتهم ، والتي لا يمكن لأحد أن يوقفها ، سواء كانت معنوية أو مادية ، ولا تتكرر ولا تقف ، أرجو أن تتوقفي عن القراءة قليلاً وتتأملي هنا .. مما يثبت أن الدنيا دار اختبار وليست عبثاً ، فتلك الهزّات تزيل عنا الكبر وترجعنا إلى حقيقتنا ، ولا اقصد أن الكوارث الطبيعية انتقامات من الله ، لأن الله قال : ( أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) ولم يقل في الزلازل والبراكين . والابتلاء غير العقاب .

هل تستطيعي أن تأتي بكارثة لا تحمل نعمة لأحد ؟ أليست مصائب قوم عند قوم فوائد ؟ على حسب المستفيد تكون نعمة ، وعلى حسب المتضرر تسمى كارثة ، فغرق سفينة من مصلحة شركات انتشال السفن ، وموت عزيز لدي أو لديك من مصلحة حفار القبور ، هذا بخلاف الورثة . فلا يوجد شيء يسمى كارثة بحد ذاتها ، المسألة نسبية ، فأولاً حددي الكارثة حتى نتفاهم !

أما ماذا اراد الله ، اهو حب فيك أم غضب عليك ، هذا شأن الله وليس شأننا ، واذا اشتبك الشأنان مع بعضهما توقف كل شيء ، أي على الله أن يخبرني ببقية أسراره وليس هذا فقط ، وإلا لن أعمل واجبي . وهذا السؤال سؤال متكبر . مثل من يقول لرئيسه أو حاكم بلده : اخبرني بكل سياساتك الخافي منها والظاهر ، وإلا لن أمارس عملي وواجباتي كمواطن . والمتواضع والعاقل دائما يبحث فيما عليه : ما واجبي أن افعل تجاه هذه المصيبة ؟ وما الأليق : هل أصبر ام اتضجر ؟ هل أعمل أم اتوقف ؟ هل اساعد من تضرروا ام اقف لأسب وأشتم الله لماذا خلق المصائب ؟ وهذه بالمناسبة حيلة من حيل المصلحيين الماديين للتخلص من المسؤولية وليتنصلوا من واجب المساعدة ، ويقولون كما قالوا أسلافهم من المنافقين : (انطعِم من لو يشاء الله اطعمه ) ، حتى تسلم جيوبهم وقدورهم ، وهذا شيء عجيب !! ينكرون وجوده ويجعلون اللوم عليه !! لأن الأناني المصلحي دائماً يحب أن يعلّق أخطاؤه وسوء اخلاقه على غيره .

اقتباس من الوراق :

أرأيتِ بالمنطق أن الله نهاهم عن التفرق فتفرّقوا ؟! ماذا كان عليه أن يقول ؟ أيقول لهم : "تفرقوا" لكي لا يتفرقوا ؟ "وكونوا أعداء" حتى يكونوا إخواناً ؟ أنت أدنت الخطاب الإلهي بدون دليل عقلي، الدليل قولك :" ومن المفترض أنه يعرف جيدا هشاشة عقولنا" !

الآن وفي هذه اللحظة أنتي تقرّين بهشاشة العقل ، بعد قليل تعودين وتقولين بأن العقل هو القوة وأنه كل شيء ، وليس بالشيء الهش !! الله يعلم هذه المراوغات : مرة نملة ومرة سوبرمان !! ومرة عقل هش ، ومرة أخرى طريق وحيد للمعرفة ومرجع لا يأتيه الباطل !! هذه تناقضات كثيرة لا يقدم العقل الملحد تبريراً لها ، لأنه عقل مصلحي ، فهو يستخدم الفكرة طالما أنها في مصلحته . ويغيرها ويقلبها على حسب الموقف والمصلحة . مما يعني أن الحقيقة غير مهمة ، فالمصلحة أهم

ابنة ابي نواس :

نحن في مناقشة وجدل أليس كذلك ؟
ثمة قاعدة في الجدال وهي : ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم أو من فمك أدينك
المؤمنون يقولون أن عقل الإنسان أقل من أن يفهم كل شيء عن الله والدين
وأحتج أنا على هذه المقولة عبر تفنيدها من الداخل
ليس الموضوع موضوع مصلحة .. بل شرح وتوضيح
أنا اقر أن عقل الانسان جبار .. لكنه ليس قادرا على كل شيء
وحينما يأت شخص من خارج دائرة العقل فـ يحق له أن يتعامل معه كما يشاء
لكن أن يأتي شخص هو نفسه من أوجد هذا العقل بكل إيجابياته وقصوره
ثم يحتج علينا بأشياء يقول أن قصور عقلنا لا يستطيع التعامل معها
فيحق لنا حينها أن نحتج عليه بأن خلقه سيء وقاصر !
الآن .. أنا لا أؤمن بخالق للعقل .. لكنني ألزمك بما ألزمت به نفسك

الرد :

أنتي الآن واقعة في مشكلة الخلط بين مجال العقل ومجال اللاعقل ، وهذه بالمناسبة أكبر مصيدة للشبهات كلها ، حيث يكون الخالق مخلوق والمخلوق خالق في هذه المصيدة . مجال العقل هو الطبيعة التي أمامنا ، سواء مادية أو معنوية . وهي التي اوجدت العقل اساساً ، فلمّا يأتي الكلام عن إله يختلف الامر ويجب ان يختلف منطقيا ، فهل هو في الطبيعة امامك حتى يدرسه العقل ؟ وهل هو يشبه الموجودات حتى يعمل العقل بموجب قوانين القياس العقلية والتي تُجْرُونها عليه كرئيس دولة فاشل ؟ طبعا لا ، إذاً ليست شؤون الله مجالاً للعقل ، ولا العالم الآخر كلّه  ، ومن هنا خطأ المتكلمين ، لأنهم اقحموا العقل في شؤون الله ، وأنتم وقعتم في نفس الخطأ ، مع فرق النيّة بينكما ، إن عقولنا انبنى منطقها من واقعنا ، ولم ينبني من واقع في عالم الغيب حتى تستطيع ان تفهم ذلك العالم ، وهذه الاشياء ليست في واقعنا ، إذاً لا يفيد فيها عقلٌ نشأ من واقعنا .

هذا ليس قصور في العقل كما يقولون ، فالعقل قوي وجبار في مجاله ، ومتهافت وضعيف إذا أخرجناه عن مجاله ، لأن للعالم الميتافيزيقي قوانين غير قوانيننا . فقوانين السرعة والطرد المركزي وإطلاق الصواريخ والمتفجرات والطفو تصلح في هذا الكوكب فقط ، لكن لو تخيلنا كوكبا أضخم من الأرض 100 مرة ، فهل ستكون القوانين بنفس الارقام التي سُجّلت بها ؟ طبعا سيختلف الوضع . جمعنا حجر مع حجر آخر ، فصار عندنا حجران ، إذا 1 + 1 = 2 ، وهكذا خرج العقل ، من الارض . فليس العقل هبة مثل العين مثلاً ، فالإنسان يولد صفحة بيضاء وصفحة أخرى ممتلئة ومخفية لا تزيد ولا تنقص ، هي صفحة الشعور ، ولو كان اناس يجمعون حجرا مع حجر وينتج ثلاثة ، لقالوا : 1 + 1 = 3 . قوانين العقل والمنطق بناء على التجارب ، والعالم الما ورائي ليس لنا فيه تجارب حتى نحكّم فيه العقل ، مع أن العقل جبّار ، وهو اقوى شيء في الإنسان .

ونستطيع أن نلاحظ أن المنطق البشري لا ينطبق على الكون ، فالمنطق متناهي والكون لا نهائي ، فأخبرنا المنطق الذي بنيناه من تجاربنا على الأرض ، أن لكل شيء سبب ، نحن وهذه الارض ، لنا سبب . وعرفنا أن الله هو السبب ، هنا يجب أن يقف المنطق الأرضي ، لأنه لو اطلقنا له العنان فلن يقف عند حد ، سيقول : من اوجد الله ، ولو اقترح خالق للإله ، فسيقال : من خلق الخالق ؟ وستستمر السلسلة إلى ما لا نهاية ، والما لا نهاية ليست بعقل ، لأن العقل من العقال وهو التقييد ، بينما ذاك إطلاق ممتد ، وبهذا نرى أن المنطق يقف عند حدود حياتنا ، أي حدود مصنعه الذي أوجده ، فهو مفيد على الارض إلى ان نعرف الله ، وبعده يكون غير مفيد ، بل ليس منطقي . فشيءٌ لا يقف عند نهاية هل يسمّى عقل أو منطق ؟ لا ، إذاً سقطت هنا قيمة قانون السببية كمنطق ونجحت في دنيانا وأرضنا ، فكل عقلنا هذا سينتهي بعد الموت ، ليبدأ عقل آخر .

تماما مثل العلم ، فالخبرة الطبية البيطرية لا تناسب الإنسان بالكامل ، مع أنه منطق وعلم . والعقل يعتمد على التاريخ ، أي تجارب الماضي ، وحتى تنبؤاته في المستقبل أو اي شيء جديد ستكون بناء على تجاربه ، وهنا يخطئ العقل في هذه المواضع ، فموقف بدون تجربة أو تجربة مماثلة لا يستطيع ان يطلق حكماً عليه ، وهذا شيء نشاهده بأنفسنا ، فنحن نتعرّض لأشياء ومواقف جديدة لم تمر علينا ولم نقرأ أو نسمع عنها ، حينها نجد أننا نتوقف حتى نسأل أو نطّلع على شيء أو نتعرف عليها لتأخذ طريقها كخبرة ، أو نسأل أحدا مرّ بنفس الظرف .

اقتباس من الوراق :

نعم ، الاختيار منطقة حرة لا تتأثر بالعوامل الخارجية ، أنا أعرف اثنين نشئا في نفس الظروف القاسية كأخوين ، أحدهما كلما زادت عليه الضغوط زاد طيباً ومحبة للناس ، كالبخور كلما أحرِق عطّر الأجواء برائحته الزكية . والآخر كلما قست الظروف عليه زاد حقدا ولعنا وقسوة وظلماً على الناس . لماذا صار هذا المثال الذي تابعته بنفسي ؟ ولا بد أنك تعرفين امثلة من مثل هذا . فردات الأفعال ليست واحدة عند كل الناس لنفس المؤثر .

ابنة ابي نواس :

أنت تقيس مؤثر واحد وتترك البقية
الناس لا تعيش في أنابيب اختبار ، لكل منا مؤثراته الخاصة
حتى الإخوة في البيت الواحد يتعرضون لمؤثرات مختلفة ، بين المؤثرات الوراثية والمكتسبة

أنت قلت :

اقتباس: "فليس هناك تساوٍ مثل هذا التساوي في النيات . النية منطقة صافية ، والعمل منطقة مختلطة . والعمل يعتريه الضعف والنية لا يعتريها الضعف ، فنستطيع أن ننوي كما نشاء ، ولكننا لا نستطيع أن نفعل كل ما نشاء وكما نشاء ".
وأيضا
اقتباس:    "فهي منطقة حرّة لكل شخص ولا تؤثر فيها الظروف أبداً ، ولو تأثرت بالظروف لسقطت فكرة الدين برمّتها."      

وهذا ما أراه وأؤمن به
سقطت فكرة الدين لأن النية ليست منطقة حرة
المؤثرات تصنع منا شخصياتنا
وحكاية رغبة الخير والشر غير حقيقية .. بل هي ردود أفعال دافعها الأول البحث عن المصلحة وتكوين الذات ، والسير خلف الأنا الأعلى المغروس تربويا ، إضافة إلى المؤثرات الوراثية
الحقد ورغبة الانتقام دافع نفسي سيء تخلقه البيئة التربوية السيئة ومواقف الخذلان التي يتعرض لها الاطفال
تخريب البيوت والفتنة هي أمور يقوم بها أشخاص يكرهون رؤية من يضحك لأنهم لا يجدون في حياتهم ما يستدعي الضحك ..
اعرف أشخاصا يكرهون الله لأنهم يكرهون حياتهم السيئة التي اختارها لهم ..
وهم ليسوا ملحدين بالمناسبة

الرد :

نسيتي نقطة : لماذا استمر كلا الأخوين بخط متاقض مع الآخر ؟ اين الظروف ؟ لماذا لا تجعل هذا طيب في مرة ، وسيء في مرة أخرى ؟ الظروف تتغير والاختيار لا يتغير ، وبهذا تسقط فكرة أن الإنسان ردود افعل كما قلتي وأنه ظروف تربوية إذا علمنا أن الأخوين نشآ في ظروف تربوية واحدة . المهم هو : لماذا لزوم الخط ؟ لماذا لم تجعل المصلحة منهما متشابهين في التفاوت بين الخير والشر ؟

ابنة ابي نواس :

وحكاية رغبة الخير والشر غير حقيقية .. بل هي ردود أفعال دافعها الأول البحث عن المصلحة وتكوين الذات ، والسير خلف الأنا الأعلى المغروس تربويا ، إضافة إلى المؤثرات الوراثية
الحقد ورغبة الانتقام دافع نفسي سيء تخلقه البيئة التربوية السيئة ومواقف الخذلان التي يتعرض لها الاطفال
تخريب البيوت والفتنة هي أمور يقوم بها أشخاص يكرهون رؤية من يضحك لأنهم لا يجدون في حياتهم ما يستدعي الضحك ..


الرد :

هذا كله كلام انشائي نابع من اختيار ، وبدون أمثلة وأدلة أما ما سقته أنا فهو مدعّم بالأمثلة والأدلة ، أنا لا أؤمن بالأنا الاعلى ولا بالمؤثرات الوراثية إلا على الجسم بخصوص المؤثرات ، والأنا الأعلى والاسفل فلا اصدق به ، ولا بالعقل الباطن ايضاً . لأنها فذلكة إلحادية تتناسب مع الرغبة وليست أكثر من الواقع .

وكل طفل يتعرض للخذلان سيصبح حقوداً ؟ هل هذا قانون علمي ؟ أنا تعرضت وما زلت أتعرض لخذلان لم يتعرض له أحد ، وليس فقط في طفولتي ، وما حقدت على أحد . كيف اصدق هذا الكلام المؤدلج واكذّب واقعي ؟

وهل يعني هذا أن مخربي البيوت لا يضحكون من وجهة نظرك ؟ إنهم يخربونها بالضحك والسخرية والكلام العابث أكثر من الكلام الجاد . أعرف خرّابة بيوت لا تفوتها نكتة ولا ضحكة ، وهي أهم شيء في حياتها . ولها قدرة على تخريب حارة بكاملها . وبموجب كلامك يجب تغيير قصة سندريلا لأنها خُذِلَت في طفولتها لتصبح سندريلا شريرة . وكل القصص عن الابطال والبطلات الطيبين والخيّرين تحكي عن خذلانهم وعذابهم ممن حولهم ، فمن نصدّق ؟ فرويد الملحد أم الواقع ؟

نعم ، خبيث الإختيار كلما اوذي يزداد سوءا ، ولكن محب الخير يعالج مشاكله بالخير لأنه لا يحب الشر إلا اضطراراً ، الانسان ليس آلة أو قطعة مادة نستطيع ان نحسب ونقيس ردة فعلها آلياً .     

اقتباس من الوراق :

الفرص المتكافئة موجودة ، و كلٌ حر في مشيئته ، فكم نشأ أناس في بيئات دينية واختاروا الشر و الانحراف ، والعكس . من الممكن أن يكسب الشخص من بيئته (مظاهر) أخلاقية وتربوية ، ولكن لا تعني أنها هي الأخلاق .

ألا ترين أن الخير والشر والايمان والكفر متاحات للجميع ؟ أليس هذا تساوياً في الفرص ؟ مع الغني والفقير ، ومع المتعلم والجاهل ؟ فكل إنسان تمر به فرصة في كل موقف وكل لحظة ، تصلح لأن يستخدمها في الخير أو الشر . و كل حياتنا وقراراتنا ولحظاتنا هي اختيار بين اثنين دائماً ، ألا يرمز هذا لتجذّر فكرة الخير والشر في أعماقنا ؟ ففي حالات التردد يتضح ويبرز موضوع الاختيار بين الموقفين ، ويختفي في الأشياء الصغيرة والعادية مع وجوده .
الأخلاق محكّات ومواقف تتعارض فيها المصلحة مع الفضيلة ، وهنا يأتي الاختيار ، حتى لمن كان ناشئاً في بيئة مهذبة ، فربما اختار المصلحة إذا تعارضت مع الفضيلة . وربما شخص لا يعرف الإتيكيت العصري والآداب العامة ، وينجح في هذا الاختبار .
مهما ربينا الناس فلن نصنع منهم أناساً متسامحين و مضحّين بالمصلحة من أجل الفضيلة، إلا من يصنعون أنفسهم . أما الآداب العامة فهي أخلاق خادمة لأنها تخدم المصلحة ، فلا قيمة لها أمام الأخلاق الحقيقية لأن تلك الآداب تتبدل بتبدّل المصلحة .

ابنة ابي نواس :

واضح انني لا اتفق معك
لكن إن كان الأمر يرجع إلى نفس الانسان وأنه مهما وضعته في أي بيئة فهو باق على جوهره
خيره أو شره
فلماذا إذن مشوار الحياة الدنيا والامتحانات والابتلاءات والموت والبعث ؟
لماذا لا يختصر الله المشوار ويأخذ كل منا إلى حيث ينتمي مباشرة .. الجنة أوالنار

الرد :

تعقيباً على ردي السابق : من الممكن أن يتكلم برقة شخص طيب من خلال الآداب العامة ، وكذلك النصّاب . ولكن النصّاب لا يمكن أن يكون وافياً ، وإلا لما كان نصّاباً .

وأرد فأقول : لا ، حتى يرى بنفسه ولا يكون له حجة بأنه لم يُختَبَر ، ولا يكفي اختبار واحد ، بل قد مر بآلاف الإختبارات وأكثر ، وآلاف الفرص واكثر . ومن وجهة نظري أنتي تمرّين بفرصة واختبار الآن ، من ضمن ما تمرين به في الحياة

اقتباس من الوراق :

نفس الفرصة .. الفرص متساوية ، المهم هو هل أراد أن يجد الله أم لم يرد ، وهل يهمّه موضوع الأفضل أم لم يهمه ، وهل فكّر في الله أم لم يفكّر ، وهل أحب الخير أم أحب المصلحة الذاتية .. وهي طريق الشر إذا عارضت الفضيلة ، وهي كثيراً ما تعارضها ، لأنه لا يوجد من يحب طريق الشر الخالص من المصلحة ، واكتفى بالتفكير بأنانيته ومصلحيته .

ابنة ابي نواس :

ههههه يا رجل !
اقولك ما عنده ياكل تقول لي هل فكر في الله ؟ 
المشكلة منطلقاتنا مختلفة كليا
سؤال الله بالنسبة لك شي يولد مع الطفل
وليس أي "الله" بل "الله الاسلامي" تحديدا
بينما أرى انا سؤال الله تطور منهجي عقلي تبنيه اللغة والمجتمع بشكله التراتبي وحضور الوالدين والخيرات والموت ووو...الخ

الرد :

غير صحيح ، هل اصبح الدين عقلاً بنظرك أم عاطفة ؟ مرة تقولون انه عاطفي المنشأ وغير عقلاني ، ومرة العكس ! كما تصفينه الآن بأنه تطور عقلي .

سؤال الله ينشأ مع الطفولة ، ألا ترين الطفل يريد ان يعرف ماذا وراء سور بيته ؟ وعقله يريد أن يعرف نهاية الاشياء ؟ وماذا فوق السماء وهل هي اعلى شيء ام يوجد ما هو اعلى منها ؟ و كل طفل قد تخيّل أين نهاية العالم ، وربما عبّر عنها بعضهم ببساطة مضحكة ، مثلما يسأل الطفل أمه أسئلة من مثل : كيف جئت أنا للدنيا ؟ وأين كنت ؟

هذه الاسئلة الفلسفية والطفولية في نفس الوقت هي لب الفلسفة وتبدأ منذ الطفولة ، وتلازم الشخص حتى آخر لحظة في العمر ولا يوجد فيلسوف يتجاوز هذه الاسئلة ، ومن الغريب ان تفوتك هذه . ولكنكم تقمعون الفلسفة عند الطفل وتقولون له : كن واقعيا وكل ما امامك وتحفّظونه موس اوكام التي تحتز العقل والخيال بالموس ، لأن الواقعية عدوة الفلسفة ، وأنتي لستي فيلسوفة الآن ، فانت تحاربين دين ، وهذا عمل عدائي وليس فلسفي ، أي حملة تشويه ، وتضطرون احيانا لاستخدام المنطق والحجج ، ليس لذاتها بل لمحاربة عدو مشترك ، واستخدام ضحايا المجاعات بادعاء الرحمة ليس صادقا ، ولكن لقصد حرب الدين ، لان من يرحمهم فعلا لا يضيع الوقت ويهب لنجدتهم ويجمع التبرعات لهم . ولهذا جعل الله النار ، لأن المكذب لا يمكن ان يقر بالحقيقة أبداً إلا بعد أن يرى عذاب الله ، فهي حتمية لا بد منها للإقرار بالحقيقة ، وليس لأن الله يريد التعذيب (وما يفعل الله بعذابكم .. ) . ولكن لتتم كلمة الحق فيقولها الجميع ، و كما قالها المؤمن سيقولها الكافر ، والكافر لا يقولها ببساطة ، بل يتحايل ويظل يتحايل حتى بعد البعث . ولن يقولها إلا اذا دخل النار . الحقيقة التي تهمكم وتطلبون ايرادها تبذلون كل شيء لاجلها حتى لدرجة التعذيب في التحقيق لينطق المتهم بالحقيقة ، اما الحقائق الخاصة بالله فلا قيمة لها ولا تستحق الاعتراف . ويمكن التملص منها باي حجة ، حسناً ، الله يريد ايضا ان تُقال الحقيقة كما يريد المحقق . وعلى هذا فالمؤمن الصادق هو الوحيد الذي يقر بالحقيقة كل الحقيقة ، ومن يرفض الايمان بالله ويكذّب وجود الدوافع للايمان به والتي يحسها بداخله ، فهو يكذّب نفسه ، اي كذاب ، فهنا نعرف انه لا يوجد انسان فاضل كما تتصورون بدون ايمان بالله ، لأنه يكذب ، ويقول : لا احس بشيء ، وهو يحس ، لأن لديه شعور مشترك مثل بقية البشر فلا يستطيع انكاره وادعاء انه مختلف ، مثلما ادعيتي ان الطمأنينة امر سهل ويستطيع ان يصل اليها من ارادها بسهولة ، فقط يقول انا مطمئن فيطمئن اوتوماتيكيا ، مع انك تعرفين معاناة البشر في هذه الناحية ، خصوصا في هذا الزمان الذي ضعف تأثير الإيمان فيه ، ولو دخلتي المواقع النفسية لعرفتي كيف يتألمون ، فهل هم لم يطلبوا الطمأنينة ؟

التحايل على الحقائق و ردّها بكلمة ، لا ينفي وجودها ولا تأثيرها ، خصوصا وانكم لم تكلفوا انفسكم ولم تأخذوا  الموضوع بجدية ، وللحقائق رب سوف يحاسب عليها ، هذا الوضع مثله مثل اي حق من الحقوق ، فلو سرقنا من بستان لجاءنا صاحب البستان ، ولو قطعنا الاشارة لجاءنا شرطي المرور ، وان حذفنا منزلا لجاءنا صاحبه ، حتى ولو لم يكونوا موجودين ساعتها ، إذا فهذه الحقوق المهدرة التي لله ، اليس لها صاحب ؟ وغياب اصحاب الحقوق المؤقت لا يعني عدم وجودهم ، وما ينطبق عليهم ينطبق على الله ، صاحب المنزل الذي سكنّا فيه واستمتعنا بنعمه وكفرناه .

تلك الأسئلة التي اسميها الاسئلة الوجودية المزمنة ، هي نفسها التي تشغل بال العلماء ، في محاولة معرفة أصل الحياة ونهايتها وماذا وراء الغلاف الجوي ، وهل يوجد أناس مثلنا . هي نفس الاسئلة الطفولية .

شدة الواقعية في تفكيركم ، جعلتكم تنسون أننا كبشر في وضع غريب ، وضع من لا يعرف من اين جاء ولا أين يذهب ، وهل توجد أرض غير أرضنا ، وهل نبتنا نباتاً أم نحن مخلوقون ، وان كنا مخلوقين فمن خلقنا ، مشكلة الانسان هي مشكلة هوية ، ولكن واقعيتكم المادية وحياة المدن الصاخبة جعلتكم تغفلون عن مثل هذه الاسئلة من اجل امتصاص طعم المتعة قبل الموت . وما بكى الطفل ساعة الولادة إلا فزعاً لهذا التغير المفاجئ ، وسيظل مستغرباً لهذا الوجود إلى آخر حياته وقد بدأ هذا الاستغراب من اول حياته .

البشر مثل من فتح عينيه واذا به راكب في قطار يمشي ، و لا يعرف من اين انطلق ولا اين اتجه و متى نهاية الرحلة ، وهل هي إلى نعيم أو جحيم ، ومعه ركاب مثله ، و يُطلَب منه ان يكون واقعيا ولا ينظر من النافذة ، ويستفيد فقط من خدمات الكافيتريا . و كلما طرح الراكب اسئلة ، وبّخوه وقالوا له ، لا تسأل عن ذلك و عش واقعك بين العربات المتحركة . هذا ما يقوله الفكر الملحد المادي الواقعي ببساطة .

ومن هنا نفهم تفاهة فكرة الواقعية و سطحيتها ، لأن ليس لها اساس تعتمد عليه . يُراد منا أن نطمئن لهذا الواقع وان لا نقلق وان نستمتع به الى اخر لحظة بغباء كالانعام التي ستكون قدوتنا في هذا ، و نعم القدوة المناسبة ،  ولا نسأل عن سبب وجودنا وهل نحن في طريق صائب او خاطئ ، و اين الخير و اين الشر ، وهل هما مهمان ام لا ، إلخ .. من الاسئلة الانسانية التي لا تسألها عادةً الاغنام (إن هم إلا كالأنعام بل هم اضل سبيلاً) ، مطلوب منا أن نكون تماما كالمشهد الغبي في فيلم التايتنك للموسيقيين الذي يعزفون والسفينة تغرق . وبالطبع هذا المشهد يمثل فكركم الذي يحمل مرضه في داخله وغرقه ومصرٌ على الاستمتاع بالحياة الى اخر لحظة و مواصلة العزف ، أتراهم كانوا يستمتعون بالموسيقى فعلاً ؟  (رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها ) ،

ومن سوف يقتل بعد ساعة هل سيستمتع بوجبة شهية ؟ اين شعور الانسان الذي يحلي الاشياء ويمرّرها ؟ ويعطيها قيمتها ؟ ان المادة ليس لها قيمة في حد ذاتها الا من خلال شعور الانسان ، و منظر المائدة جميل للجائع الصحيح ، وقبيح للمريض ، مع ان المائدة هي المائدة . وكيف لعاقل ان يطمئن لمثل هذا الواقع المتحرك ؟ والمنطلق من المجهول إلى المجهول ؟ ومن صعوبة هذا الواقع ان الانسان لا يعرف حتى نفسه ، وليس هناك اطمئنان الا بمعرفة ، ولا توجد معرفة ، فكيف يراد أن نكون واقعيين ؟ حتى تستهلكنا الايام والسنين ، ونحن في غفلة ، يراد منا ان نكون مغفلين ،

الواقعية هي عملية تغفيل وتقسية قلب ، وتصلح للانعام وليس للبشر الذين يملكون تفكيرا واحساسا وخيالاً .

ولأنه لا يلقى ياكل فسيفكر بالله ليساعده !!  كيف فاتتك هذه ؟ الله اكثر ما يبحث عنه وقت الحاجة ، خصوصا من النفعيين ، (اذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، واذا نجاهم الى البر اذا هم يشركون ) ، وكم من ملحد صرخ في وقت الخطر مستنجداً ربه لعله ان كان موجودا يسعفه . عندما انتهت حلوله . فهو مو قادر يطلع من ورطته ، فكيف فكر في وجود اله من عدمه في هذه اللحظة الخانقة ؟

هناك تعليقان (2) :

  1. محمد العجي4 أغسطس 2013 6:20 ص

    كلما قرأت لك حوارا مع أحد.. تذكرت (منتخب البرازيل) حينما يلعب مع أحد الفرق الضعيفة!! أنت تهاجم.. وهم يستبسلون في الدفاع.. وتشتيت الكرة!!
    أي إنسان أنت؟!
    وأي عقل أنت؟! فلله درك.
    محمد العجي

    ردحذف
    الردود

    1. أشكرك صديقي محمد على هذه القراءات الرائعة ومتابعتك لكأس العالم!! :)

      وتأكد أن القرآن هو القوي وليس أنا, وقديما قالوا : " إن لصاحب الحق مقالا" كن مع الحق تكن قويا, لأنه ليس بعد الحق إلا الباطل, والباطل من عمل الشيطان {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}..

      شكرا لك وأتمنى أن نلتقي على مباراة جديدة..!

      حذف