الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

الكفاف بين الزهد والإسراف



ليس هناك أفضل من الشيء الذي يكون على قدر الحاجة ويأتي في وقته , فالناس يتساءلون كثيرا بعد تغيّر أسلوب الحياة ودخول التكنولوجيا في حياتهم , لماذا الأكل قديما كان ألذ ؟ ورائحة الشواء أشهى ورائحة القهوة تشمها من بيوت الجيران والآن لم تعد تشمها ؟

ثم يفسرونه بتفسيرات أخرى كدخول الأسمدة الكيماوية أوالهندسة الوراثية في الزراعة أو نوع العلف التي تأكله حيوانات اللحوم .. الخ , ناسين أنهم أيضا تعجبهم بيوت القدماء رغم بساطتها وضيقها وبيوتهم وأدواتهم لم يدخلها أسمدة كيماوية ولا هندسة وراثية , لهذا يحبون التحف القديمة وزيارة المتاحف بل وترتفع أسعار القطع الجيدة  من الماضي أعلى من ثمنها في وقتها بكثير , لاحظ أن أدوات الماضين تحمل روح الكفاف فالسيارات القديمة غير مكيفة وغير مريحة مثل السيارات الحديثة لكنها تكفي للحاجة , والسر هو أن الشعور يستلذ من الماديات بما يكفي الحاجة فقط وفي الوقت المناسب , وكلما زاد عن الحاجة أو الوقت المناسب كلما زاد الشعور بالنفور , وهذا يدلك على أن الإنسان مثل المسافر تضايقه كثرة الأحمال , وأن الإنسان لم يخلق من أجل أن يجمع المادة ويحوي الذهب وتحتويه القصور ولأن هناك من يحتاجها أكثر منك كحاجة أساسية بينما حاجتك كمالية من أجل المفاخرة , إذاً الشعور الفطري الأعلى هو الميزان الذي قلما أن يسمع وهو الفطرة التي فطر الله الإنسان عليه .

وهذا يفسر الذكريات السعيدة حول الأوقات العصيبة والتي يقل فيها توفر الحاجيات من مأكل ومسكن ومركب .. الخ , دائما ننظر إليها ببهجة وتذكر ما كان فيها من ابتكارات وتسديد وتعويض شيء بدل شيء لكن لا نريد أن نعيشها في الحاضر , وهذا يفسر لماذا نحب الأشياء التي عملناها بأيدينا ولماذا هي ألذ وأمتع من التي عملها غيرنا والتي نشتريها من السوق , وهذا يدل على أن الإنسان مخلوق ليعمل مثلما الحيوانات والحشرات كلها تعمل وليس فيها من يجلس بلا عمل ويعيش على كد غيره فهذا لا يوجد إلا في عالم الإنسان .

كلما زادت الحاجات المادية أكثر من اللازم أو جاءت في غير وقتها سببت لنا ألما شعوريا , وكما قال الشاعر البدوي عن حبة القمح :
كأن الشق الذي في وسطها .. قائل نصفي الآخر لأخيك .
فحياة الكفاف دائما هي الأمتع , وبعض الناس فهموا أن الزهد ورفض الدنيا هو الذي يخلص النفس , بينما الكفاف هو الذي يخلص النفس دون أن يحرمها حاجاتها الأساسية كما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه حياة الكفاف . فلا زهد ورفض للحياة ولا إسراف وبطر وبذخ , ألذ ما يكون كأس الماء عندما تكون عطشانا , لكن إذا زادت الكمية عن الحاجة تصاب بالبشامة والتخمة الكريهة , فما زاد أو نقص عن الحاجة يسبب ألما شعوريا , وألم النقص يحسه الجميع لكن ألم الزيادة يحسه ويفهمه من يتحسس شعوره الراقي ويحترمه .

الكفاف هو طلب سد الحاجة الضرورية , وهذا لا يعني رفض الزيادة إذا تيسرت , لكن لا تكون الزيادة هدفك الذي تعيش لأجله وكأنك مثل من ليس عنده حاجات أساسية , وأحسِن كما أحسَن الله إليك (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) فالكفاف بين الزهد والإسراف , حتى لو أتتك زيادة في شيء تبقى ملتزما بالكفاف لأنك تبتغي بما آتاك الله الدار الآخرة (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) , وإذا كان هناك استثمار في الدنيا فإنه هناك استثمار في الآخرة وهو استثمار المؤمن العاقل .


عالم الحيوان الطبيعي أو الفطري يعطيك مقياس لحياة الكفاف , فالحيوان لا يبحث عن الظل إلا عندما تحرقه الشمس , ولا يبحث عن الماء إلا عندما يذوق العطش ولا يبحث عن الطعام إلا بدافع من قرصات الجوع ولا يمتلك ولا يخزّن , ومن يخزن كالحشرات يكون التخزين على قدر حاجة الجميع وليس عندهم أحد يجلس ليأكل إنتاجهم , وبهذا يبدو أن حياة الحيوان والحشرات أسعد من حياة الإنسان لأنها تسير على الفطرة والإنسان كثيرا ما يخالف الفطرة , والفطرة تبينها قوانين الشعور التي من بينها رفض الزائد عن الحاجة ورفض الشيء بغير وقته (قانون) , وما حب التملك والسيطرة والبطر إلا نواتج من تفكير عقلي منفصل عن الشعور الفطري ومرتبط بالمادة أكثر من الإنسان , فالعقل عقلان عقل مرتبط بالمادة وعقل مرتبط بالإنسان فإذا اكتفيت بالعقل المادي تتحول إلى مادي من عالم المادة , فالإنسان ضل عندما استقل عقله عن شعوره .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق