الثلاثاء، 17 مارس، 2015

عالَم الصلاح وعالَم الفساد وفصل التداخل بينهما..

جوابا على سؤال زائر في سجل زوار المدونة:

"ماهو العمل الصالح في الإسلام او بالقرآن؟"

الجواب:
العمل الصالح هو صالح بذاته, أي دون تأويل أو ثقة بأحد, لابد أن تعرف صلاح العمل بنفسك وتتثبت من صلاحه -إما أصيلا أو مكتسبا- قبل أن تعمله, والله أمرنا بالبصيرة والتثبت, والثقة بالآخرين لوحدها لا تكفي تثبتا, وهذا حتى لا نقع في قوله تعالى {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. لهذا نص الله على كلمة الصالح والصالحات أي مطلوب صلاح العمل بذاته حتى يسمى صالحا.

والعمل الصالح ليس فقط العبادات المفروضة, لا يكفي التقيد بالعبادات لأن لها وقت فماذا عن بقية الأوقات؟ إذا لم تُملأ بالصالحات ستملأ بالخبائث, لا توجد منطقة فراغ أو فسحة, إن لم تفعل خيرا فأنت تفعل شرا إن لم تقل خيرا أنت تقول شرا, والدنيا دار اختبار وليس فيها وقت ضائع, فالله لم يخلق الناس عبثا أو يعطهم الوقت والحياة للعبث: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}, {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين}.

والله لم يحدد الصالحات لأنها لا تُحدَّد ولا تُقيد, أحيانا يكون الكذب نفسه من الصالحات (صلاح مكتسَب) وأحيانا الصدق يكون من الخبائث (خبث مكتسَب), النميمة قد تكون صادقة لكنها من الخبائث, وإشاعة أسرار الناس لمن سأل عنها من الصدق لكنه خبيث. والكذب على الأعداء كذب محمود, وكتم أسرار الناس كذب لكنه محمود, لأن الكذب نفسه أنواع, فهناك كذب اجتزاء وكذب اخفاء وكذب افتراء.

العمل الصالح يشترط فيه نية الخير+خيرية العمل, فلا تكفي نية الخير ولا تكفي خيرية العمل, لأن هناك من يفعلون الشر بنية حسنة, وهناك يعمل عملا خيرا لكنه بنية الشر.

العمل نفسه إما أن يكون خيّرا بذاته (خير أصيل) مثل الصدق والكرم ومساعدة المحتاج والعفو والتسامح ..إلخ. أو يكون العمل شرا بذاته (شر أصيل), مثل القتل وكل ما يؤذي الناس والكذب والبخل والمنع والعقوبة..إلخ.

الأساس أن هناك عالمين: عالم الخير والصلاح وعالم الشر و الفساد, وقد يكون العمل خيرا لكنه مكتسَب من عالم الشر أو الإفساد (خيْر مكتسَب) ويكون دافعه الاضطرار, مثل العقوبة بالقصاص إذا استلزم الأمر والحرب الدفاعية أو الاستباقية إذا عًلمت نية الشر والاعتداء عند الأعداء, و فعل القتل في أساسه إفساد لأن الإفساد معناه الإتلاف والفاسد تالف, والقتل إتلاف, {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}, لكن إذا كان هذا الإتلاف لرفع ظلم وأمنا للناس من المعتدي يكتسب هذا العمل الخيرية, لأن الشر يُردَع بجنسه, {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} فالقاتل قتل أي أتلف حياة بريئة إذن تُتلف حياته, حتى لا يتلف حياة آخرين. و مثل من يكذب لدفع ظلم واضح, ففعله خير لكن الكذب بأساسه مأخوذ من عالم الشر. 

و قد يكون العمل شرا لكنه مكتسَب من عالم الخير (شر مكتسَب) وهو بلا شك شر حتى لو استغَل الخير, مثل النفاق ومثل قول الصدق في موضع فيه كشف لأسرار الناس, فالصدق في أساسه من عالم الخير والصلاح لكن إذا كان في غير موضعه يتحول إلى شر كالنميمة والغيبة وإفشاء الأسرار للأعداء.

وعليه تكون الأعمال على أربعة أًصناف: خير أصيل وخير مكتسَب (وكلاهما خير), وشر أصيل وشر مكتسَب (وكلاهما شر). الإنسان المنصب على الخير المكتسَب مهملا الخير الأساسي من الصعب نسبته لعالم الخير لأن الخير الصافي أسهل وأكثر وأجمل, قال تعالى {ونيسره لليسرى}. و من ينصب على الخير الخالص فقط دون الخير المكتسب يقع في السذاجة واستغلال الأشرار له, وفعله هذا ينتهي في صالح الشر لأنه لا يردعه.

الأًصل هو الخير الصافي والأصيل, فكيف يكون الإنسان خيّرا و لا يتميز بالخير الصافي؟ المفترض أن يكون متميزا بفعل الخير الأصيل ويضطر اضطرارا للخير المكتسب من القسوة أو المنع, لكن يعود لأصله من الرحمة والتسامح والخير الصافي. و علامة الخير الصافي الحب فالإنسان الخيّر يحبه الناس.

الإحسان قرين الحكمة, فالمحسن حكيم, والمحسن ميال للخير وللأفضل في الخير, فيختار من الخير أحسنه, وميالٌ للعطاء أكثر من المنع, لكن إذا كان المنع أفضل في بعض المواضع يمنع, فالمحسن يتابع الأحسن والأجمل والأكمل من الأعمال. والمحسن خيره الأصيل أكثر من خيره المكتسب, فلا يكون فقط حريصا على ما فيه منع أو عقوبة أو اتهام لكنه بطيء في الرحمة والتعاون والبر, هذا لا يكون محسنا -بل يكون محسنا للشر!-, لأن آيات الإحسان في القرآن أكثرها يدور حول الخير الخالص مثل قوله {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}. والبعض يفهم أن الإحسان هو العطاء, بينما الاعطاء من الإحسان وليس كل الإحسان, و الله يقول :{وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان} فهل هم أعطوا الله؟!

قال تعالى: {اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} فهو مثلا أنزل العقوبة وأنزل العفو أيضا إذن العفو أحسن, لأنه مدح العافين والمتسامحين. و الحسن من الجمال, وانتقاء الخير المؤوَّل من الشر والاكتفاء به لا ينتج جمالا. العفو والتسامح والعطاء والصبر تكسِب الإنسان جمالا, ومن هنا سمي محسن أي مجمل لنفسه. إن كثرة ملامسة الإنسان للشر محاولة لاحتلاب خيرٍ منه تكسبه قبحا لا جمالا وتُدخل في سوء الظن دون أن يدري, و تجعل النفوس تنفر منه وإن لم تستطع أن تثبت الشر فيه. وهؤلاء تجدهم أيضا يحتلبون من عالم الخير شرا ويشككون في فضائله, فيسمون مثلا الرحمة أو الصبر ضعف وخور وقلة إيمان, والعفو إضاعة حقوق, وقول الحق جنون, والتثبت ترك للواجب. 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق