السبت، 21 مارس، 2015

ردود وتعليقات على المذهب القرآني ( رد على مقال د.أحمد صبحي منصور)


تعليقات على مقال (لمجرد التذكرة : كيف نفهم القرآن الكريم) للقرآني د.أحمد صبحي منصور:

اقتباس:
1" ـ ( إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ) 

القرآن الكريم كتاب الهداية.
القرآن الكريم ليس كتابا متخصصا فى العلم أو التاريخ أوالتشريع. ولكنه أساسا كتاب فى الهداية. ومن خلال دعوته للهداية يأتى القصص القرآنى لا يهتم بتفصيلات الحدث من الزمان والمكان وأسماء الأشخاص ، ولكن يركز على العبرة طلبا للهداية. ومن خلال الهداية تأتى بعض الاشارات العلمية لتؤكد سبق القرآن الكريم لعصره وكل عصر ، واستحالة أن يكون من تأليف بشر،ثم تتحدث هذه الاشارات العلمية القرآنية عن عظمة آلاء الخالق جل وعلا واستحالة أن يكون معه مثيل أو نظير أو شريك.وهناك نظام تشريعى فريد فى القرآن الكريم ولكنه موصول بالتقوى وهى أعظم دلائل الهداية. وبالتقوى يتميز التشريع القرآنى ويعلو عن كل تشريع بشرى. لأن التقوى فى آيات القرآن التشريعية تجعل الانسان حكما على نفسه ورقيبا عليها يخشى الله تعالى بالغيب ويحاسب نفسه قبل ان يحاسبه القانون.
وهداية القرآن الكريم جاءت فى آخر رسالة سماوية أصبح بها خاتم النبيين محمد عليه السلام نذيرا للعالمين ورحمة للعالمين. أى إنه مع موته ـ كأى بشر ـ إلا إن القرآن الكريم الذى أبلغه والذى يتولى الله تعالى حفظه سيظل رسالة الهداية الى قيام الساعة؛لذا يقول تعالى عن القرآن الكريم (إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) الاسراء 9 )وإذن لماذا لا يهتدى البشر ؟ الاجابة فى القرآن الكريم نفسه.
فالهداية لها طرفان: الانسان والقرآن. وهذه الهداية تبدأ باختيار الإنسان وهو الطرف الأول هنا،فالانسان يفكر بعقله مهتديا بفطرته السليمة يحاول الوصول الي الحق بموضوعية ،وعلي اساس هذا الاختيار الانساني للهداية يرشده الله تعالي الي الهداية ،أي تأتي مشيئة الله للهداية تالية ومؤكدة لمشيئة الانسان واختياره طريق الهداية ،وفي ذلك يقول الله تعالى ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى :مريم 76)ويقول(والذين اهتدوا زادهم هدي وآتاهم تقواهم :محمد 17)وفي المقابل فأن الذي يختار الضلال تأتي مشيئة الله تؤكد علي الذي اختاره من ضلال (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا : مريم 75)(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا :البقرة 10)وفي الحالتين فان من يشاء الهداية يشاء الله هدايته ،ومن يشاء الضلالة يشاء الله ضلالته ،يقول الله تعالي (فان الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات :فاطر 8)(قل ان الله يضل من يشاء ويهدي اليه من اناب :الرعد 27 ).
باختصار فان الهداية تتوقف علي مشيئة الانسان وارادته الحرة .الانسان هو الذي يقرر ويشاء الهداية وتأتي مشيئة الله لتؤكد علي هذا القرار.وقد يستلزم هذا الاختيار جهادا ونضالا ،وتكون هداية الله قريبة من هذا الجهاد ،يقول تعالي ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين :العنكبوت69). لذا فإن من يشأ الهداية فأمامه القرآن الكريم شريطة أن يكون مخلصا فى أن يهتدى بالقرآن. أى يبدأ هو بالاستعداد المخلص والمطلق لاتباع ما يرضى الله تعالى ، عندها يكون القرآن الكريم هداية له، أو كما قال تعالى ( يهدى به الله من اتبع رضوانه )أى عليك اولا أن تنوى مخلصا رضى الله تعالى وتتوجه للقرآن ، عندها تأتيك الهداية من القرآن.
2 ـ ( يهدى به الله من اتبع رضوانه )
شرط الهداية القرآنية.
الهداية ليست سهلة فى عصر سيطرت عليه الغواية ولبس فيه الباطل ثوب الحق وأصبح الحق فيه خفيا مطاردا ، لذا ارتبط التواصى بالحق مع التواصى بالصبر فى سورة العصر ، وهى أصغر سورة قرآنية ومع ذلك أوجزت الاسلام والجهاد فى سبيله وجزاء من جاهد ومن عاند. قد يكون الوصول للحق صعبا ولكن التمسك به هو الأصعب الذى لا بد فيه من الصبر، والوصول للحق القرآنى والتمسك به هو الهداية.
هناك جزءمن الهداية يقع تحت سيطرة الانسان إن أراد. واذا توفر هذا الجزء فقد ضمن أن تأتى هداية الله تعالى مؤكدة لمن ملأ قلبه رغبة مخلصة فى الهداية. أى إن المشكلة داخلنا. هل نقبل التضحية بمعتقدات موروثة تخالف القرآن أم أن نقوم بتحريف معانى القرآن والتلاعب بآياته وتجاهل بعضها تمسكا بتلك الموروثات والعقائد ؟ 
البحث فى القرآن العزيز لا بد له من التأهل علميا وايمانيا. .التأهل ايمانيا بالاعتقاد الجازم بأنه القرآن وكفى فى مجال الاسلام وما يختص به عقيدة وشريعة. لا يمكن أن ينفع فى البحث القرآنى من يجعل بينه وبين القرآن حجابا من كلام ما يسمى بالتفسير وأحكام الفقه والنسخ والتأويل وسائر التراث الذى اكتسب قداسة على حساب القرآن الكريم."

التعليق:
سائر التراث يشمل حتى اللغة، فما هو التأهيل العلمي الذي يطلبه الكاتب إذاً إذا كان كل شيء سيُنسف؟ هل هو الفكر والعلم الغربي بدل التراثي ؟ على الأقل التراثي دار حول الوحي، ومنطقيا ان يكون فيه وفيه، لكن الفكر الغربي لم ينطلق من القرآن ولم يدر حوله اصلا. بل دار حول ضده. فالقرآن يدعو للدار الآخرة، والفكر الغربي يدعو للدار الدنيا (علماني من العالَم، أي العالم الحاضر) .

نسف التراث بالكامل عمل راديكالي ومتطرف. المفروض بدل النسف : تنقية وعرض على القرآن، وهذا التصرف المنطقي الراشد. لا أن ننسف لمجرد وجود أخطاء. ولو عممنا فكرة النسف لوجود أخطاء، فعلينا نسف التراث الغربي والحاضر الفكري الغربي لأنه توجد فيه أخطاء بشهادة أهله. ولا يبقى شيء لا يُنسف حينئذ. فالعاقل لا ينسف منزلاً لأن فيه ثعباناً.

التاهل ايمانيا لدراسة القرآن يعنى أن تكون مستعدا لتغيير كل حياتك وفكرك ومعتقداتك وعلاقاتك إذا تعارضت مع آية قرآنية واحدة. وأن تضحى بكل المتوارث من العقائد والأفكار والثوابت طالما تعارض آية واحدة فى القرآن ، وأن تقبل على القرآن تطلب الهداية بدون أى فكرة مسبقة ودون أى نية إلا معرفة ما يقوله رب العزة فى القرآن طالبا الهداية به وحده. ما عدا ذلك فأنت فى ضلال. وأشد الضلال أن تستخدم القرآن نفسه فى إضلال الناس. وأنت حرّ بين أن تختار بين هذا وذاك. والآخرة تنتظرك.

هنا الكلام ظاهره حسن، لكنه يحمل نية بإغلاق القرآن، واجتثاثه من البيئة اللغوية والثقافية والعقلية التي أنزل فيها، و أي شجرة تجتث من تربتها سوف تضعف وتنكمش، هذا ليس منهجا راشدا، لأنه يقطع القرآن عن امتداداته، وحينها ستُقيم قاموسا للقرآن من القرآن، يدخل فيه الإجتهاد والتأويل بعد كسر حاجز اللغة، بتهمة أخطاء المفسرين والتشكيك بالتراث، ويصبح القرآن كأن له لغة خاصة مختلفة عن اللغة العربية التي أنزل بها، والتي يعرفه العرب من خلالها. فلا يمكن أن يكون للقرآن لغة خاصة، لأنه ما ذنب من لم يعرفها ؟

القرآن لم ينزل ومعه قاموس او كتلوج لغويا له، تدرسه أولا ثم تُفهم القرآن ، حتى تقول ذلك .. (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) ، هذا النص يشير إلى ارتباط القرآن باللغة العربية، التي سيُفهم من خلالها، فالله يُدينهم كعرب أن أنزل كتابه بلغتهم، فلا عذر لهم بحاجز اللغة، ليتوّلوا إيصاله للعالم وحمل الكتاب. مثلما انزل الكتب الأخرى بلغات اقوامهم. وهذا هو الهدف من ذكر "عربيا" في الآية، أي بلغتكم التي تعقلون من خلالها، وليس معنى عربيا : مبينا، بل إن الإبانة أُشتقت من كلمة عربي، ومنه أُخذت كلمة إعراب، أي إبانة وتفصيل، لأن العربي يفهم إذا خاطبته باللغة العربية، والكلام بغير العربية يكون غامضا بالنسبة له.  


3 ـ ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ) 
الباحث فى القرآن بين الهداية والضلال.
نحن ـ المسلمين ـ ندعو الله تعالى سبع عشرة مرة يوميا فى الصلاة قائلين ( اهدنا الصراط المستقيم ) ومعظمنا يعبد الأضرحة ويعتبر ذلك الصراط المستقيم ، وبعضنا يقدس البشر والحجر والأسفار التراثية ويعتبر ذلك تمام الهداية. واذا قرأ ما جاء فى هذا الكتاب من آيات قرآنية تخالف ما وجدنا عليه آباءنا ثار وتمسك بالتراث المخالف لكتاب الله تعالى . وأكثرية السابقين واللاحقين دخلوا على القرآن الكريم باهوائهم ينتقون منه ما يوافق أهواءهم ومذاهبهم ،


ليس كل تمسك بالتراث خطأ، وليس كل تخلي عنه صحيح، يجب ان يكون هناك منهج، لا ردة فعل عنيفة ناسفة، منهج مسترشد. أنت تعظّم القرآن، وهذا حسن، الله وصف القرآن بالنور وتبيينا لكل شيء، والتراث شيء، لماذا لا نضيئه على التراث ونسترشد به بدل ان نحكم على التراث بعقولنا المتأثرة بالعصرنة الغربية؟ لنطبّق الآية، بدلا من الاحتفاظ بها كأيقونة .. هكذا تكون خالفت القرآن وأنت تعظّمه ! لأنك لم تجعله نوراً على التراث ! وهذا إهمال للقرآن وليس تعظيما .. (إن الحكم إلا لله) ، وهذا ما يجب أن يكون. والقرآن لم يقل أن كل التراث الذي سيأتي حوله باطل. إذن هي ردة فعل واجتهاد شخصي تم به القضاء على تراث أمة بكامله، وهذا بحد ذاته عمل غير حضاري وغير قرآني، لأن الله يقول عن المؤمنين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولم يقل ينسفونه بالكامل. ولا توجد أمة راشدة تنسف كل ماضيها وتحكم عليه بالخبث والفساد الكاملين . ليست المسألة انسلاخ من جلود بقدر ما هي انسلاخ من الخطأ. بل كل صواب في تراثنا هو مصدر فخر لنا، إذا كنا نحب أمتنا وديننا ، مثلما نفخر بعلماء المسلمين في الطب والصيدلة والكيمياء والهندسة وغيرها ، و حب القرآن يدعو إلى حب المؤمنين والذين سبقونا بالإيمان وألا يكون في قلوبنا غل للذين آمنوا ، و وصم كل علماء الأمة من ألف سنة بالخبث والفساد هذا نوع من الغل الذي لم يسلم منه ولا علماء اللغة على نزاهتهم وحياديتهم .. و ليس من الإنصاف ولا من الأخلاق احتقار مجهودات هائلة عبر مئات السنين ساهمت في التراكم الحضاري العالمي، لمجرد وجود أخطاء. هذا ليس دفاعا عن الأخطاء بل أطالب بتعريتها وتخليص الدين منها، ولكن ليس كل شيء جاء من الماضي باطل، القرآن نفسه جاءنا من الماضي أيضا. واللغة العربية جائتنا من الماضي. لا يستطيع أن يعيش أحد بلا ماضي، إلا من يريد التنكر لهويته، وابدالها بهوية اخرى، وانا لا اقصد احد . ولكن هكذا تقول الفكرة، فكرة نسف التراث بالكامل، بل لا نجد من الأمم الاخرى من يطالب بنسف كل تراثه الا عند القرآنيين. 

لهذا أتسائل : ما هو الدافع الحقيقي لنسف التراث بالكامل ؟ والأدهى والأمرّ هو التشكيك بثبوتية اللغة عن القرآنيين ! ماذا بقي للقرآن بعد أن قصِّصَت أجنحته وفُصل عن إرتباطاته وفُصل عن الارضية التي يقف عليها، وكيف سيستفاد منه ؟ أي شيء يُفصل عن ارتباطاته تقل الفائدة منه، فما فائدة غصن او ورقة مفصولة عن الشجرة؟ او قطعة فكّكت من جهاز؟ حتى لو كانت هي الاساس! قال تعالى (الذين جعلوا القرآن عضين) ، والتعضية نوعين : تعضية من الخارج ، بقطعه عن ارتباطاته اللغوية والثقافية والبيئة التي أنزل فيها والروايات التي اجتهد المجتهدون بتوثيقها وعن تواتر الأمة وكتاباتها، وتعضية من الداخل بقطع الايات عن بعضها او بقطع اجزاء من الاية عن بقيتها.

لا يوجد نص يُفهم من داخله فقط، ومنهج التعضية اقرب الى منهج الكاباليّة التي استوحتها الحداثة التي تغلق النص على نفسه بعد أن تفجّر اللغة وتفقدها قيمتها، ليقول الشاعر كما يشاء ويأوّل الناقد والشارح كما يشاء بحرية ليبرالية، واصبح الناقد شاعراً آخر، لأنه يشرح ايضا بحريّة، والكل حر ، الشاعر حر والناقد حر والشارح حر والمتلقي حر، كل هذا ليُفسح المجال لتأويلات لا يحتملها المنطق ولا اللغة، وكأنها عملية تخلُّص من القيود تحدوها الروح الليبرالية الغربية الكارهة للقيود دائما.

معروف ان كلمة "عربي" تعني النسبة إلى العرب، ليس كنسب، بل كلغة. ولو كان القصد قرآنا واضحا وبيّنا في هذه الآية، لقيل "قرآنا مُعرِباً" أو "معرَّبا" أي موضَّحا، وليس "عربيا" . فكلمة عربي مثل كلمة فارسي او انجليزي، تشير إلى لغة، ويؤكد ذلك قوله تعالى (بلسان عربي) أي بلغة عربية .. ومع ذلك يأتي القرآنيون يقولون أن المقصود هو الوضوح وليس اللغة العربية ! مع ذكر كلمة "لسان" و "عربي"! ماذا بعد هذا ؟ اذن كيف للقرآن ان يدل على هذا المعنى ما دام أنه لا يُراد أن يكون ؟ فإذا قلت "فلان يتكلم بلسان عربي" ، ماذا يُفهم ؟ هل يفهم أن لغته عربية ؟ أم أن كلامه بيّن و واضح دون أن تُعرف أي لغة يتكلم بها ؟ هذا ما يفعله التشكيك في اللغة : ضياع واضمحلال للمعاني وتركها كقطع عائمة على البحر يمكن حرفها إلى أي اتجاه يُراد .

قد لا يعلم القرآنيون خطورة منهجهم، منشغلين عنه بفظاعة الاخطاء الموجودة في التراث، وهكذا لُبّس عليهم .. الخطأ لا يصلّح بخطأ، والتطرف لا يُصلحه تطرّف من جهة مضادة. التطرف في الروايات لا يصلحه التطرّف في الآيات، والتلمودية التراثية لا تُصلحها الكابالية القرآنية، ولا العكس. قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الصحيح هو التوسط بينهما، بإسقاط القرآن على التراث، فلا يُترك كله ، ولا يؤخذ كله، ويبقى الحكم المهيمن للقرآن، دون نسخ أو إغلاق أو تأويل.    

وبدلا من أن يضعوا القرآن إماما لهم أخضعوه لآراء مسبقة ولأحاديث بشرية ملفقة ، وما لم يوافقهم فى القرآن تجاهلوه أو حرفوا معناه بزعم التفسير والتأويل أو قالوا إنه منسوخ بمعنى باطل الحكم ملغى العمل به ،

هذا الكلام ينطبق على منهج القرآنيين ايضا، لأنهم جردوه من التراث ومن لغته وكل ارتباطاته، لدرجة ان كلماته صار لها معاني جديدة وغريبة لا يستعملها العربي. عزل القرآن خطأ، وهيمنة التراث على القرآن خطأ أيضا.

وجعلوا من القرآن ما يلغى بعضه بعضا ، ثم جعلوا من كلامهم الذى نسبوه ظلما لخاتم النبيين محمد عليه السلام ما يلغى أحكام القرآن الكريم فزعموا أن السنة تنسخ القرآن !!. 

اذن فالقرآن الكريم معنا ، ومع ذلك فلم نزدد به الا ضلالا. تلاعبنا بآياته طبقا لأهوائنا فازددنا ضلالا بالقرآن الذى ما قدرناه حق قدره.


منهج الكابالية القرآني ايضا يفسح المجال للتلاعب بالقرآن، التطرف المضاد ليس حلا.


أنزل الله تعالى القرآن ليهدى للتى هى أقوم، ولم ينزل معه ملائكة ترغم الناس على الايمان به والعمل بمقتضاه ، بل تركهم أحرارا فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر به ، وهناك من يلحد به ، ومن يتخذ آياته هزوا . والله تعالى تحدث عن كل أولئك سلفا ، وأوضح ما ينتظرهم من عذاب الاخرة. إلا إن أفظع ظلم للقرآن هو استخدمه ـ وهو كتاب الهداية ـ فى الاضلال. لا يكتفى الضال بأن يكون ضالا بل يستخدم آيات الله تعالى فىاضلال الغير ، مستخدما براعته فى التاليف وفى التلاعب بالآيات وخلط الأوراق ـ ويضل الناس قائلا ( قال الله تعالى )!!


ينطبق هذا أيضا على القرآنيين، لأنهم بدلوا المشرب فقط، بدلا من التراث اتجهوا الى الغرب.


هذا الصنف الظالم يزداد بالقرآن خسارة ، يقول تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ) ( الاسراء 82 ) أى فهم فى الأصل والبداية ظالمون ، ودخلوا على القرآن الكريم وهم يحتفظون فى قلوبهم بهذا الظلم، وبهذا الظلم قرءوا آياته ، وبه أخرجوا دراساتهم وأبحاثهم وكتبوا أسفارهم لكى ينشئوا مشروعية لعقائدهم و موروثاتهم باسم الاسلام وباستخدام القرآن . وأفظع انواع الظلم هو الظلم لله تعالى ، ( إن الشرك لظلم عظيم ) ( لقمان 13 ) وهكذا بينما يدخل المؤمن على القرآن طالبا الهداية حريصا عليها فيكون القرآن له شفاء وهدى فان الآخر يظل محتفظا بحجاب سميك بينه وبين القرآن ، يتمثل فى تلك الأكاذيب المتوارثة وما وجدنا عليه آباءنا، والتى من أجلها يلوى عنق الآيات و يتلاعب بها بين نسخ وتأويل وتفسير وحديث . لا ننتظر منه الا ما قاله رب العزة جل وعلا ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) ( فصلت 44 ). 
يدخل ظالما على القرآن فيزداد به ظلما وخسارة.
ولا يزيد الظالمين الا خسارا 
هذا الصنف الظالم لله تعالى الذى يحترف إضلال الناس لا يمكن أن يهتدى مطلقا لأن له تاريخا فى الاضلال ومكانة اكتسبها من سعيه فى اضلال الناس وصده عن سبيل الله ، وهو يستنكف أن يغير رأيه أو أن يتوب أو أن يعترف بجهله، بل على العكس يحسب أنه يحسن صنعا ، فقد زين له الشيطان سوء عمله فرآه حسنا. وهذا الصنف ممن يسعى فى آيات الله تعالى ويريدها عوجا كان موجودا فى عصر النبى محمد عليه السلام ، وقد نهى الله تعالى النبى محمدا عن التحسر عليهم والحرص على هدايتهم لأنهم اختاروا الضلالة فلا بد أن يمدد لهم الرحمن فى الضلال مدا ( مريم 75 ). يقول تعالى للنبى محمد عليه السلام ( إن تحرص على هداهم فان الله لا يهدى من يضل ) ( النحل 37 ) فالذى يتخصص فى إضلال الناس لا يمكن أن يهديه الله تعالى ، مهما كان حرص النبى محمد على هدايته ، ويقول له (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) ( فاطر 8 ) وقد كان عليه السلام يتحسر على هذا الصنف من المضلّين المضللين فأكّد رب العزة أنه لا سبيل لهدايتهم فقد زين الشيطان لهم سوء عملهم فانقلبت المعايير لديهم فرءوا الباطل حقا و الحق باطلا، ومن يصل الى تلك المرحلة لا سبيل الى إصلاحه.
لكى ينجو الباحث فى القرآن من هذا المصير عليه أن يبدأ مخلصا بالهداية مستعدا لتبعاتها والجهاد فى سبيلها باعلان الحق القرآنى والتمسك به مهما ناله من أذى ، وإلاّ فلعنة الله تلاحقه إن كتم الحق الذى وصل اليه بهداية القرآن وآياته البينات، ( إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا ) ( البقرة 159 ـ ) أى أن مجرد كتم الحق وعدم اعلانه يستحق اللعنة ، فما بالك بالذى يقوم بتحريف معانى القرآن والتلاعب بآياته ليضل الناس بغير علم ؟


تحريفها عن ماذا وأنتم أسقطتم اللغة كمعيار أنزل القرآن فيه ليُفهم من خلاله؟ لدينا قرآن ولدينا لغة، لابد ان يرتبط احدهما بالآخر، وإلا حصل التحريف. 


إن الأسوأ حالا هو من احترف الاضلال مستخدما كتاب الله تعالى يشترى بآياته جل وعلا ثمنا قليلا. أولئك يأتون يوم القيامة يحملون أوزرارهم وأوزار الذين أضلوهم بغير علم ( النحل 25 ) ويلعنهم فى جهنم أتباعهم الذين ضلوا بهم، ( يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا, وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) ( الأحزاب 66 ـ )
هؤلاء الذين يشترون بآيات الله تعالى ثمنا قليلا ويضلون الناس بالقرآن ، يكون الله تعالى ـ وهو القاضى الأعظم يوم القيامة ـ خصما لهم، ويعجب الله تعالى من صبرهم على أشد العذاب . يقول تعالى فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) هذه هى أفظع أنواع الخسارة. ثم تاتى الآية التالية باعجاز يستشرف المستقبل وينبىء بما سيحدث حين يتمخض التلاعب بآيات الله تعالى عن شقاق بعيد واختلاف فى النسخ وفى الأحاديث وفى الفقه أنتج مذاهب وطوائف ومللا ونحلا ، كل منها يستخدم آيات الله تعالى فى الدفاع عن مذهبه وفى الهجوم على الآخرين ، يقول تعالى ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) ( البقرة 174 ـ ) 
كل منهم يدخل على القرآن لينتقى منه ما يوافق هواه وما يستطيع أن يشترى به ثمنا قليلا من متاع الدنيا الزائل. ومنذ فترة وصف بعض العلمانيين القرآن الكريم بأنه ( سوبر ماركت) فهاجوا عليه. ومع سوء أدبه فى التهكم بكتاب الله تعالى فان المسئول الأول هم أولئك الذين جعلوا القرآن عضين ( الحجر 91) يتلاعبون بآياته حسب اهوائهم ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله تعالى بغير علم ( لقمان 6 ).
ومع أنهم جميعا ينسبون أحاديثهم ظلما وزرا للنبى محمد عليه السلام ويزعمون اتّباعه إلا إن الله تعالى فى لمحة إعجازية أخرى أمر رسوله عليه السلام أن يتبرأ منهم مقدما ، فبعد أن جعل الله تعالى الوصية الأخيرة من الوصايا العشر فى التمسك بالقرآن الصراط المستقيم دون غيره (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أمر النبى محمدا بالابتعاد عمن يضل عن القرآن ويتبع السبل والطرق الأخرى فيقع فى التفرق والاختلاف والهوى (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ( الأنعام 153 ، 159 ) وجاء للمؤمنين نفس النهى عن التفرق فى الدين لأنه أبرز علامات الشرك العقيدى (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( الروم 31 ـ ) وينطبق هذا الاعجاز القرآنى على مسلمى اليوم فليس هناك أكثر منهم فى اختلافهم واقتتالهم ، وتحت رايات تترصع بآيات القرآن الكريم يقتتلون ، وتحمل وكالات الأنباء ما يفعلونه بأنفسهم وبما يفعلونه بالاسلام العظيم وبالقرآن الكريم. أى ضلوا بالقرآن وازدادوا به خسارا فى الدنيا والآخرة.. والسبب أنهم اخضعوا القرآن الكريم لأهوائهم بدلا من أن يجعلوه نبراسا لعقولهم وإماما لقلوبهم واصلاحا لعقائدهم وسلوكهم. 
وإذن كيف المخرج ؟ وكيف نتعامل مع كتاب الله تعالى ؟ ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ


الكلام السابق عبارة عن موعظة حسنة اجدى بالكاتب ان يستفيد منها ايضا، لأنه يحمل لواء فرقة من الفرق الجديدة، "وكأننا بحاجة الى مزيد من الفرق" .. وبدلا من التشنيع على كل علماء الأمة ومحدثيها منذ وجدت وفقهائها ولغوييّها وأدباءها واتهامهم جميعا بالخيانة والكفر، فالأجدى أن تنتقد منهجهم وتقدّم المنهج الافضل دون اتهام الاشخاص، فأنت لم تستثن منهم ولا حتى من جاء بحسن نية. مشكلتنا مشكلة منهج، وليست مشكلة صادقين وخونة، مادمت تتكلم عن العلم.

انت انتقدت نياتهم كثيرا وكررت أخطائهم، فلماذا لا تقدم منهجك البديل الوسط لا المتطرف؟ أليس القرآن يأمرنا ان نكون أمة وسطا بين الطرفين؟ وما دام القرآن مهم فلماذا لا يهيمن ؟ لماذا لا تجعل القرآن هو من ينتقي الافضل ويحذف الاسوأ؟ اليس احترام القرآن أن نجعه سراجا لنا ؟ أنتم نسفتم التراث بدون استعمال هذا السراج، وهكذا نسفتم التراث والسراج، فعطلتم القرآن عن دوره. ومن يستغني عن القرآن مرة يستطيع الاستغناء عنه في كل مرة.

أين اتباع امر الله باتباع الاحسن من كل قول ؟ التراث مليء بالاف الاقوال ، لماذا لا تنقي الاقوال بكلام الله ؟ هل لا يوجد فيها خير ابدا ؟ لماذا تمارس العقاب الجماعي على تراث امة بكاملها بعد ان عطلت القرآن عن العرض ؟ منهجك خاطئ ومتطرف، ومن حقك علي أن أنصحك مثلما تقدم للناس هذه النصائح.

لماذا هذه النظرة السوداوية للتراث والاحاديث ولكل الروايات والتاريخ والسيرة ؟ لو كانت امثالا وحكماً لقلت ان فيها الحسن وفيها الرديء. النسف الكامل يدل على موضوعية ناقصة، وراديكالية متطرفة. وهو احتقار لأمة بكاملها، وهو احتقار خاص بأمة الاسلام فقط التي يراد تجريدها من تراثها وهويتها، بل حتى اماكنها المقدسة، وهذا نجده مع الاسف عند كثير من القرآنيين، فمنهم من يطالب بهدم الكعبة وإلغاء الحج، ومنهم من ينادي بنسف كتب الغة والادب،ومنهم من ينادي بإحراق كل كتب المسلمين، لصالح من ان تُقطع أمة من جذورها؟ وهل امة لا يُراد قطع جذورها لا امتنا؟ اليس هذا ما ينادي به اعداء الامة ويقر عيونهم؟ لماذا جعل القرآنيين انفسهم بهذا المكان؟ هل هم يعرفون او جاءت عن حسن نية. ولو كانت تراثا فرعونيا او اشوريا لقبله كما ورد دون تشكيك, والا لن يعدّه الغرب متحضراً.

هذا يذكرنا بحالة الاسلاموفوبيا، فيراد أن يُنزل العقاب الجماعي على المسلمين والإسلام اذا اخطأ واحد منهم أو مجموعة. اما غير المسلمين فهي اخطاء فردية تعاني من مشاكل نفسية! لماذا تطبق الاسلامفوبيا والعقاب الجماعي على تراث أمة الإسلام؟   

لا توجد أمة يُطلب نسف كل تراثها، لو طُلب هذا النسف للتراث اليهودي مثلا  لضج العالم الغربي, مع أنه مليء بالتحريف وبالعنصرية والسادية واحتقار الشعوب.


4 ـ الهداية بين القرآن الكريم والبحث العلمى
البحث العلمى واحد فى أساسياته ، سواء كان فى القرآن أم فى العلوم الانسانية أو الطبيعية. فالهدف واحد هو الوصول للحقيقة. والوصول للحقيقة يستلزم أن يكون الباحث محايدا ـ أى ليست لديه أحكام مسبقة أو رؤى يريد إثباتها. ثم عليه أن يلتزم بالوسائل التى تعينه على البحث من مناهج وأدوات. مثلا فى البحث فى العلوم الانسانية والفلسفية لا بد من الالتزام بالمصطلحات المستعملة، فاذا كنت تبحث عصرا تاريخيا معينا لا بد ات تتعرف على مصطلحاته اللغوية ومفرداته الحضارية ، واذا كنت تقرأ كتابا لمؤلف وقد وضع المؤلف مصطلحات يدور عليها كتابه لا بد لك من التقيد بتلك المصطلحات كى تفهم كتابه و كى تحكم عليه.

يبدو أن هذا تمهيد لعزل القرآن عن اللغة العربية, والله المستعان. وهو خطأ من ناحيتين: الأولى أنه مخالفة لنص القرآن, الثانية أنه لا يمكن تطبيق مثل هذا المنهج إلا بالرجوع للغة بطريقة انتقائية.

القرآن لم ينزل معه قاموس لألفاظه و مصطلحاته كما يفعل بعض الكتّاب في الموضوعات المتخصصة, القرآن بنفسه أحال فهمه إلى اللغة العربية, واللغة العربية ثابتة لا يستطيع أحد أن يزورها.

ثم هذا الكتاب الذي تتعرف عليه من خلال مصطلحاته, أليست المصطلحات لغة؟ هل ستستغني عن اللغة بمصطلحاته؟ هل تفهمه مع مصطلحاته بدون اللغة التي كُتب فيها؟ طبعا لا, إذن أنت تنتقي من اللغة, والانتقاء ليس منهجا علميا. احذف اللغة بكاملها وافهمه بمصطلحاته فقط حتى تكون منهجيا! وهذا ما لن تفعله مع الكتاب, إذن لماذا تنسب إلى القرآن ما لا تستطيع أن تفعله مع غيره؟

وتوجد عندكم أحكام مسبقة, بل المنهج القرآني عبارة عن حكم مسبق بفساد كل علماء الأمة و ما ورد عنهم وما كتبوه! بل وبفساد اللغة العربية! ورغبة في بتر القرآن عن ارتباطاته وجعله ينكفئ على نفسه فيصبح مبهما, مما يفح المجال للتأويلات بعد أن ماتت اللغة التي ستحاسبنا على الأخطاء. القرآني يدخل على القرآن ومعه منهج مسبق مستعمَل في الأدب الغربي, وهو منهج حداثي مشتق من الكابالا هدفه كسر حواجز اللغة ليُفسح المجال للتأويل, ولكي يحذف من الدين كل ما لم يُذكر في القرآن حتى لو كان مفصِّلا لمجمله وحتى لو كان متماشيا مع ما يطلبه القرآن.

أنتم تعتبرون بعض الأخلاقيات العصرية جزءا من الدين - مثل حماية البيئة وعقوبة التحرش ورفض العنصرية- على أساس أنها تتماشى مع القرآن مع أنها من بشر, أما ما ورد في تراثنا فكله مرفوض حتى لو تماشى مع القرآن! هذا كيل بمكيالين وفقدان للموضوعية العلمية يتمتع بها المنهج القرآني. و إن قلنا أن في التراث حسن قلتم القرآن يغني عنه, لكننا لا نجده يغني عن الأخلاقيات الغربية, بل تُذكر كما وردت عند القوم!

أصول البحث العلمى ومناهجه هى جزء اصيل من قيمة أخلاقية عليا هى الأمانة العلمية والعدل فى التقدير والحكم والتحليل. 

ومن هنا تاتى صلة القرآن بأخلاقيات البحث العلمى النزيه والموضوعى العادل. فتلك القيم هى أبز ملامح الهداية القرآنية القائمة على التقوى. فالباحث الذى يتقى الله تعالى لا بد أن يحسن عمله ولا بد أن يتحرى الموضوعية فى التحليل أو العدل فى الأحكام. 
حقيقة الأمر إن الهداية القرآنية هى جوهر البحث العلمى و أساس فهم القرآن الكريم.


5 ـ نوعا الهداية كأساس لفهم القرآن الكريم:

هداية معرفية وهداية ايمانية.
طبقا للقرآن الكريم فالهداية نوعان : هداية طبيعية لكل الكاتنات تأتى مرتبطة بالخلق واستمرارية الحياة، مثل هداية الرضيع الى كيفية الرضاعة ، وهداية الحيوانات المنوية الى البويضة ، وهداية كل الكائنات البرية والبحرية لما يؤهلها للبقاء والغذاء والحماية. وفى هذه الهداية الطبيعية يقول تعالى ( قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ) ( طه 50) ( سبح اسم ربك الأعلى الذى خلق فسوى والذى قدّر فهدى ) النوع الآخر هو هداية الايمان التى تستلزم من الباحث القرآنى تصحيح عقيدته إذا تعارضت مع القرآن وأن يضحى بها وبكل متاع دنيوى فى سبيل نصرة القرآن ، ويبدأ صفحة جديدة من التقوى فى التعامل مع الناس ورب الناس جل وعلا ،عندها يصبح القرآن له فرقانا يكشف له الحق من الباطل ( الأنفال 29 ) ونورا يمشى به بين الناس ( الأنعام 122 ).
ونتتبع بالتفصيل عناصر الهداية الايمانية والهداية المعرفية فى البحث القرآنى وفهم الكتاب العزيز. لنرى كيف ظلم السابقون القرآن العظيم حين قالوا بتعطيل شرائعه تحت دعوى النسخ.
عناصر الهداية الايمانية بالقرآن الكريم والنبى والرسول تتمثل فى الاكتفاء بالقرآن كتابا وحديثا ، وهنا ننصح بالرجوع الى كتابنا ( القرآن وكفى مصدرا للتشريع ). وندخل بعدها فى :
الهداية المعرفية شرط لفهم القرآن الكريم:

المنهج السائد فى الدراسات الأصولية هو فهم القرآن من خلال مصطلحات التراث ورواياته وفتاويه، وبسبب الاختلاف الشديد فى مصطلحات التراث ورواياته وفتاويه وأحاديثه فإن فهم أصحاب هذا المنهج للقرآن يقع فريسة للاختلاف والاضطراب،


هذا تعميم غير موضوعي, الأصل هو الفهم من خلال اللغة حتى عندهم, لكن تدخل الاجتهادات والآراء والروايات على بعض منه وليس كله, حتى نكون موضوعيين. والتعريف عادة يقدمونه لغة واصطلاحا, وأنتم تريدون نسفه لغة واصطلاحا! ماذا بقي؟ لم يبق إلا آراءكم, فكأنكم أشخاص يصارعون أشخاصا وآراء خاصة تصارع أراء خاصة وتريد أن تحل محلها, أي تريدون صنع تراث جديد وتأخذوا نفس مكانتهم! هم يقصونكم بالكامل وأنتم تقصونهم بالكامل! وأتساءل: أين موقع القرآن من هذا الصراع؟ "وكل يدعي وصلا بليلى ** وليلي لا تقر لهم بذاك".

 ومن هنا يبررون هذا الاختلاف بمقولة منسوبة كذباًَ للأمام على بن أبى طالب، وهى أن "القرآن حمَّال أوجه"، وعليه فالباحث الأصولى المتمسك بهذا المنهج ينتقى الرأى الذى يهواه سلفاً، وينتقى له الدلالة من التراث، وينتقى له ما يشاء من الآيات القرآنية ويتجاهل سواها، وهو مطمئن لمقولة أن "القرآن حمَّال أوجه".
وأنتم بالمقابل تفعلون ذلك مثلهم! لكنكم تنتقون من الغرب وهم ينتقون من التراث. المشكلة في غياب المنهجية السليمة حينها لا يبقى إلا الآراء الخاصة. هم يرفعون ِشأن علاقات القرآن وبعضهم يطغيها على القرآن ويعطل بها آياته بل ويسميها وحيا له نفس المكانة والحفظ ويجعل السنة قاضية على القرآن, وأنتم بالعكس تماما تقطعون أواصر القرآن و كأنه نزل لوحده على رسول لا يتكلم ولا يفعل شيئا ولا يعلم حكمة, فقط يشير إلى المصحف. المسألة تطرف من الفئتين.

القرآن هو أصل الرسالة وكان يجب أن يحكَّم لا أن يحكمه غيره ولا أن يُقطع عن غيره. هكذا الرشد والاعتدال والتوسط, لا أن يطغى التراث على القرآن فينسخه ويغير معانيه ولا أن يجرَّد القرآن من التراث واللغة فيُغلِق على نفسه ويؤوًّل على المزاج و العصرنة باختلاق لغة تتناسب مع المطلوب, مع أن اللغة لا تُحرَّف لكن القرآنيين يحرفون اللغة وتحريف اللغة يؤدي إلى تحريف القرآن لأن القرآن كلام بالعربي, إذا تحرف العربي تحرف القرآن العربي.   

ولكن هل القرآن فعلاً "حمَّال أوجه"؟ أى ترى فيه الرأى ونقيضه؟ وترى فيه الاختلاف فى الرأى الواحد؟ وبحيث تنتقى الرأى الذى تختار ويكون لمن يخالفك فى الرأى أن ينتقى هو الآخر من آيات القرآن ما يؤيد وجه نظره؟ وهل فعلاً قال الإمام "على" هذا الكلام عن القرآن؟

إن ما نتصوره عن الإمام على بن أبى طالب وملازمته للنبى محمدعليه السلام يجعلنا ننكر نسبة هذه المقالة له، لأنه لا يمكن له أن يسىء للقرآن بمثل تلك المقالة الخطيرة التى تخالف ما قاله رب العزة جل وعلا عن كتابه العزيز.

كيف عرفت أخلاق علي وإمامته ملازمته لرسول الله بل حتى وجوده وأنت تنسف كل التراث؟ القرآن لم يذكر شيئا عن علي. هل لاحظت الانتقاء من التراث الذي تقوم به؟ من ينسف عليه أن ينسف بالكامل لا أن ينتقي حتى من نسفه! أو يعترف بأن ليس عنده منهجية علمية, على طريقة "لا أريكم إلا ما أرى".

لقد جاءت نصوص القرآن الكريم "محكمة " أى دقيقة الدلالة (هود 1).وهو كتاب لا مجال فيه للعوج بل جاء مستقيما مباشرا (الزمر 28).(الكهف 1)( الأنعام 126 ، 153 ).وهو كتاب لا مجال فيه للاختلاف (النساء 82).

ولكن إذا كان القرآن لا تتناقض آياته ولا تتصادم حقائقه وليس كما يقولون "حمَّال أوجه" فلماذا يتبارزون فى اختلافاتهم بالآيات؟ ولماذا ينتقى كل فريق ما يؤيد وجهة نظره فى مواجهة الفريق الآخر؟
والإجابة تكمن فى المنهج الذى يعتمدونه، وهو فهم القرآن حسب مصطلحات المذهب الذى ينتمى اليه الباحث ووفق تراث مذهبه ورواياته وفتاويه. والمذاهب الأخرى لها مصطلحاتها التراثية ورواياتها وفتاويها، وبالتالى تختار من الآيات ما تراه يتمشى مع مذهبهم، ويغطون عورة هذا الاختلاف بمقولة أن القرآن حمَّال أوجه ويستسهلون اتهام القرآن بهذه التهمة.


هذا كلام صحيح لكنه ينطبق عليكم أيضا, لطالما حملتموه أوجها لا تخطر على البال ولا تحتمله اللغة ولا العقل! لأنكم مذهب منافس لتلك المذاهب، والمذهب فيه الصواب وفيه الخطأ, وكلامك السابق فيه الصواب وفيه الخطأ, فالقرآن فعلا لا يناقض نفسه ولا يحمل أوجها متناقضة ولا ينسخه شيء, لكن نسف لغة وتراث كاملين يؤدي إلى التخبط والافتراضات والقول على القرآن بالرأي والمزاج, ومعرفة نص تقتضي معرفة اللغة التي نزل بها، لا أن تُنسّف تلك اللغة! لأن نسفها يعني نسف وسيلة الفهم. وهكذا اصبح عندنا أعداء جدد للغة العربية غير دعاة العامية والمستشرقين الذين ظهروا في القرن العشرين.

فريضة التدبر ومنهج البحث القرآنى ـ 

إذن، فما هو المنهج العلمى الذى نفهم به القرآن ونتأكد به من أن القرآن فعلاً لا مجال فيه للتناقض والاختلاف؟
إن المنهج العلمى يفرض على الباحث ألا يبدأ بحثه بأحكام مسبقة، وإذا كان يبحث فى كتاب ما فإن عليه أن يلتزم بمصطلحات هذا الكتاب ومفاهيمه، لأن المفاهيم التى يعتمدها المؤلف فى كتابه تكون بمثابة عقد بين المؤلف والقارئ أو الباحث، فإذا التزم القارئ أو الباحث بتلك المفاهيم والمصطلحات التى يقوم على أساسها نسق الكتاب أمكن للقارئ أو الباحث بسهولة أن يستوعب كل حقائق الكتاب المبحوث. وهذه هى أصول المنهج العلمى التى نراعيها فى بحث المصادر والكتب البشرية. وهى نفسها أصول المنهج العلمى التى يطالبنا رب العزة باتباعها فى تدبرنا للقرآن.
إن الله تعالى يأمرنا فى القرآن بالتدبر لآياته (محمد 24) ( النساء 82) ( المؤمنون 68)والمنهج العلمى للتدبر يكمن فى بنية الكلمة نفسها. فالتدبر يعنى أن تكون فى دبر الآية، أو خلفها، أى أن تكون الآية القرآنية أمامك (بفتح الهمزة) وأن تكون إمامك (بكسر الهمزة) والمعنى أن تبدأ بآيات القرآن، وليس بفكرة مسبقة، وأن تتبع كل الآيات فى الموضوع المراد بحثه فى القرآن، و أن يخلو ذهنك تماماً من كل أحكام ومفاهيم أخرى خارج القرآن، طالما تريد أن تتعرف على الرأى القرآنى المجرد ومخلصاً. وحينئذ ستجد أمامك كل الآيات المحكمة والآيات المتشابهة تقول نفس الرأى وتؤكد نفس الحقيقة، غاية ما هناك أن الآيات المحكمة تؤكدها بإيجاز وصرامة، أما الآيات المتشابهة فهى تعطى تفصيلات تؤكد عليه الآيات المحكمة. وفى النهاية تجد كل الآيات المحكمة والمتشابهة تؤكد نفس المعنى وتؤكد لك أيضاً أن القرآن الكريم كتاب أحكم الله تعالى آياته بعد أن فصلها على علم وحكمة. ( الأعراف 52 ) سبحانه جل وعلا.
وعليه، فإن اتبع الباحث المنهج التراثى فى فهم القرآن فسيقع فى الانتقاء والابتعاد عن حقائق القرآن، والتناقض مع القرآن ومع المنهج العلمى أيضاً. ولن يضيف إلا المزيد من الشقاق والاختلاف الذى عرفته المذاهب والفرق "الإسلامية".


واضح أن الكلام السابق هو منهج القرآنيين كما يشرحه الكاتب أحمد صبحي منصور، نلاحظ انه لم يشر للغة العربية التي انزل بها القرآن لا من بعيد ولا من قريب، ولم يجعلها جزءا من المنهج، بينما القرآن ربط نفسه بها، ويقول أنه يتدبر القرآن! هذا خلل واضح في منهج القرآنيين. بل و في علمية منهجهم، اذ ليس من المنهج العلمي ان تجرّد نصاً من لغته. المفترض أن تقول بموجب الثابت من اللغة. هل كل كلمة في القرآن لها قاموس ؟ وهل كل كلمة لها مرادف في القرآن أو استعمال آخر؟ ليس شرطا. اذن قاموس المصطلحات الذي تقدّمه ناقص لا يستطيع أن يشمل القرآن، وستحتاج إلى اللغة، ولكنك لم تذكرها في المنهج. وهذا الخلل إما في صياغة المنهج أو في روح المنهج.

أيضا كل كلمة تعطي معنى مختلفا في سياق آخر، ومنهجهم أن ينزعوا الكلمة من سياقاتها ويعطوها معنى واحد! وهذا خطأ لغوي وأدبي، مثلما فعل بعضهم مع كلمة "سوءة" اذ فهمها انها العورة او الجسد عموما، وهذا ناقص او خاطئ، فالسوءة هي ما يسوء الإنسان أن يُرى من جسده، على حسب الأوضاع. وبالتالي لا يمكن أن تعطى معنى واحدا في كل سياق. هذا نسميه انتزاع للمصطلح انتزاعا من بين السياقات. وهذه فكرة غربية اصلا لا تنطبق على القرآن، بسبب الارتباط السياقي الذي تهمله هذه الطريقة. فإذا قلت مصطلحات قرآنية، فهذا يعني أنك أنت من حددها وليس القرآن، لأنه لم يقل ان هذه هي مصطلحاتي، وهذا تقوّل على القرآن بما لم يقل، وجذور هذا الفعل من الطريقة الكابالية في تفسير التوراة. حيث تنظر الى ورود الكلمة في موضع كذا وكذا، اذن يصلح ان يكون كذا، وبما أنها اقرب الى المعنى كذا، اذن هي تقترب من المعنى الفلاني، وهكذا ترحل الكلمة عن اصلها السياقي واللغوي الى معنى يريده الشارح، ما دام ان قيود اللغة لا قيمة لها.

ولو اعترض احد وقال : هذا معنى بعيد عن اللغة، لقال القرآني والكابالي : دعك من اللغة فقد عبث بها التراثيون، وأنا ادلك على المعنى الحقيقي للكلمة. سيقول له : لكن اللغة لا تزال مستعملة وتقيد الناس ! سيقول : ما دخل الحياة في الشؤون المقدسة ؟ وهنا دخلت العلمانية. سيقول له : اذن لماذا نزل القرآن بلغة العرب ما دام انه لا قيمة لها ؟ سيقول له القرآني : اللغة تتغير وتتطور ، والزمن الذي نزلت به ليس زماننا وفهمهم اللغوي غير فهمنا.

مع أن اساسات اللغة العربية لم تتغير، ولا يمكن ان تتغير، وهناك كلمات تخرج عن الاستعمال وكلمات تعود للاستعمال ليس الا ..

حتى المصطلحات تُصاغ بموجب اللغة، لا أحد يخترع لغة جديدة مختلفة عن اللغة الام. كبعض المصطلحات العصرية، أغلبها يرجع الى اللغة العربية. مثل الأمن القومي ، او التعامل بالمثل بين الدول، او حقوق الانسان، او التعددية الحزبية .. كلها تُفهم من خلال اللغة، ولولا اللغة لم تُفهم المصطلحات حتى. المصطلحات هي اختصار لكلام او معاني في اللغة، وليست خلق شيء جديد لا يُفهم باللغة. مثلما أن الجبر مصطلح مختصر للرياضيات، وبالتالي الجبر محتاج للرياضيات حتى يُفهم هو، كذلك المصطلحات معتمدة على اللغة ومحتاجة للغة حتى تُفهم. ولو أسقطنا اللغة لسقط فهم المصطلحات. اذن اللغة هي الأس الذي يبنى عليه أي فهم لكلام. وإسقاط اللغة هو إسقاط الفهم المحدد وفتح المجال للتلاعب بالالفاظ. فاللغة العربية حارسة للقرآن، مثلما القرآن حارس لها. ولا يصح الفصل بينهما. وهذا ما حاوله المستشرقون من قبل وفشلوا، أن يميتوا اللغة العربية ويبعدوها عن الاستعمال، ليبقى القرآن طلسما يأول بالمزاج وروح العصر.

اذن منهج القرآنيين ينسف الأرضية التي من خلالها تُفهم حتى المصطلحات ، وهي اللغة، ويشكك في مرجعيتها. ولا يجعلها معيارا للفهم. وهنا خلل كبير. لأنه يُبعد عن الانضباطية التي تقدّمها اللغة، ويترك المجال للإدعاءات والتأويلات، والنتيجة منهج ضيق يحتاج الى توسعة من الخيال. حتى أخطاء التراث ممكن معالجتها وإصلاحها بموجب اللغة، لأنهم هم ايضا تجاوزوا اللغة. مثل تفسيرهم الفلق بأنه غرفة في جهنم، وأن العقبة جبل في جهنم، وأن الغي في قوله تعالى (فسوف يلقون غيا) بأنه وادي في جهنم، و تفسير قوله تعالى (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أي الكفن، كل هذه تجاوزات للغة .. بعبارة أخرى : هم يقعون في نفس الخطأ الذي وقع فيه التراثيون، وهو عدم اعتماد اللغة كمرجعية ومعيار. مع أن القرآن ربط إبانته باللسان العربي. اذن الخطأ يتكرر ولكن بطريقة أخرى ليس الا . وبالتالي لا ميزة للقرآنيين على التراثيين في شيء، لأنهم يتبعون نفس المنهج الذي يُذيب معيارية اللغة.

الكاتب نفسه يوضح معنى التدبر معتمدا على اللغة، وسوف يحتاج للغة كثيرا، ولكنه يرفض معياريتها ، وهنا المشكلة. وعدم المعيارية ينتج الانفلات في الفهم، ويقدّم معاني لا يحتملها النص لغويا، مثلما رأينا في تحرر بعض المفسرين من قيود اللغة، كذلك القرآني يتحرر بشكل أشد من قيود اللغة. 

أما إذا اتبع المنهج العلمى القرآنى وقام بفهم القرآن من خلال القرآن نفسه، واتجه لكتاب الله تعالى طالباً الحق والهداية دون رأى مسبق وبتصميم على أن يعرف الحقيقة مهما خالفت الشائع بين الناس، فإن من اليسير عليه أن يعرف رأى القرآن، وسيفاجأ بأن مفاهيم القرآن ومصطلحاته تخالف بل وتتناقض أحياناً مع مفاهيم التراث ومصطلحاته، وأنه من الظلم للقرآن والمنهج العلمى أيضاً أن تقرأ القرآن وتفهمه بمفاهيم ومصطلحات تخالف وتناقض مفاهيم القرآن ومصطلحاته.

معرفة مصطلحات القرآن بالقرآن:
اللغة العربية كائن حى مثقل بالمصطلحات 
لكى تفهم القرآن لابد أن تتدبره وتتعقله من خلاله هو ، وبمفاهيمه هو ، وخصوصا أن القرآن لم ترد فيه إحالة إلى شروح أخرى تعين على فهمه .

لا ، بل وردت الإحالة على اللغة والعقل ، قال تعالى (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) ، وأنتم تتآمرون على هذه الإحالة الواضحة. لأنها ضد منهجكم الذي لا يريد أن يُلزَم بشيء. والتآمر على كلمة "عربي" يكشف أنه منهج تأويلي بالمزاج، فالله يقول (قرآنا عربيا) ، وأنتم تقولون : أي واضحا، وليس بلسان عربي ! وكأنه لا يوجد عرب ولا لغة عربية في مقابلها أعاجم ! مع أنه يقولها بلسان عربي ! ومع ذلك تصرون على هذا الإختزال. لأن القرآن لم يستخدم كلمة "عربي" بمعنى واضح ، بل استخدم غيرها ، استخدم كلمة "مبين" وقارنه بالأعجمي ، قال (لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ، وقال (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) ، وبضدها تتميز الاشياء، هذا هو المصطلح القرآني اللغوي ! لماذا زُوِّر ؟ أنظر الى كلمة أعجمي مقابل عربي، مع ذكر كلمة "لسان" ، ثم ذكر كلمة "مبين" التي بمعنى "واضح" ، وأنتم ترفضون الترادف في القرآن، فكيف يقول عربي ومبين وهما بنفس المعنى ؟

قضية عربية القرآن وربطه باللغة شيء لا يرفضه الا صاحب هوى أو قضية، لأنه تكرر في القرآن هذا الرد، وذكر معه كلمة "مبين"، وذكر معها المقابل وهو الاعجمي، ماذا بقي ؟ إلا أن نخلق لغة من أنفسنا حتى نحمّلها المعنى الذي نريد ! وهذه الزاوية تسقط المنهج القرآني كله .. لأنه ليس تآمر على اللغة فقط بل على القرآن، لأنه حرّف معاني القرآن التي كررها القرآن وأكد عليها. والسؤال : لماذا كثير من التراثيين والقرآنيين لا يريدون الارتباط باللغة ؟ السبب لأنها قيد، ويعرفها الجميع. و هم يريدون معاني أخرى، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل ما معنى مواضع الكلم واين نجد مواضعه إلا في اللغة أو في السياقات ! وكلها يكسرها القرآنيون .اذن هي فرقة المحرّفة الجدد التي تحرّف الكلم عن مواضعه .. إن التراثيين اكثر التزاما باللغة من القرآنيين  وإن كانوا اخف إلتزاما بالقرآن بسبب تغليب الروايات عند بعضهم على الايات وجعلها قاضية على القرآن. 

ولماذا ترفضون أن يكون بلغة عربية ؟ اذن بأي لغة تريدونه ان يكون ؟ ما دامت اللغة كلها من صنع التراثيين ومشكوك فيها ؟ هذا الكتاب إلى أي لغة يحيله أو يريد ان يحيله القرآنيون ؟ أم أنه كتاب بلا لغة ؟ و لغته مخلوقة معه ؟ هل يؤمنون بخلق القرآن وخلق لغة خاصة به أم ماذا؟

لولا القرآن الكريم لاندثرت اللغة العربية كما أندثرت الآرامية قبلها ، وكما اندثرت السريانية واللاتينية بعدها حيث تحولت اللهجات الناتجة عنها الى لغات مكتلمة لها معاجمها وشخصياتها.

وللغة العربية معاجمها المتميزة، و قد تم تدوينها بعد القرآن بقرون ، وهى خير دليل على أن اللغة العربية كائن متحرك تختلف فيها معانى الألفاظ من عصر لأخر ، ومن مكان لأخر. إلا إنه لا يجوز أشتراط فهم القرآن بمعاجم لغوية كانت ترصد حركة اللغة حتى عصرها ، ولذلك فإننا اليوم نجد عجبا حين نرجع إليها ،فمعظم مفرداتها اندثرت من الاستعمال فى عصرنا الذى جاء بمصطلحات جديدة من الغرب يتضاعف عددها باضطراد. وحتى فى لغتنا المستعملة المتوارثة تجد بعض المفردات قد اختلفت عما سبق، فكلمة(عميد ) ظلت حتى العصر العباسى تعنى(المريض حبا )، وفى ذلك يقول الشاعر :" وإنى من حبها لعميد.." ، ويقول الفيروز آبادى ، فى معنى كلمة عميد " هدّه العشق" اى أمرضه العشق. فأصبحت كلمة ( عميد ) اليوم تعنى مرتبة عالية فى الجيش أو فى رئاسة الكليات الجامعية.


أنت لم تقرأ شرح الكلمة بالكامل بالقاموس .. ألم تقرأ عميد القوم ؟ واصلها مأخوذ من العماد وهو عمود الخيمة ؟ ما قصة الاختزال عند القرآنيين ؟ كل شيء مختزل ! والقواميس ليست ترصد حركة اللغة في زمانها كما توقع الكاتب، بل انها ترصد اللغة القديمة، معتمدة على الشعر الجاهلي ومخالطة البدو الفصحاء والرواية عنهم، والهدف منها الجمع خوفاً من ضياع اللغة العربية بسبب الاختلاط بالاعاجم، مثلما فعلوا في النحو العربي والأدب الجاهلي القديم بسبب الاختلاط بالاعاجم.

هذا جهل وضعف بالثقافة اللغوية .. ما هذه الثقافة اللغوية البسيطة والغير متوقعة من كاتب مثل كاتبنا ؟ لم يجد رابطا بين "عميد" بمعنى مريض يحتاج الى سند، وبين "عميد" في الجيش والكليات ؟ وهو واحد من اثنين : اما جاهل او كاذب على القاموس .. هل الفيروز آبادي لم يقل عن معنى الكلمة إلا "هدّه العشق" .. ماذا عن أول معنى اورده الفيروز آبادي في قاموسه المحيط ؟ هذا ما قال : 
"العَمودُ: م، ج: أعْمِدَةٌ وعَمَدٌ وعُمُدٌ، والسَّيِّدُ،كالعَميدِ،و~ من السَّيفِ: شَطِيبَتُهُ التي في مَتْنِه، ورَئيسُ العَسْكَرِ،كالعِمادِ، بالكسر،"

لماذا تجاهلته ؟ لو كان في الآخر لعذرناك بأنك لم تكمل القراءة، ولكن ان يكون أول سطر ؟ عميد بمعنى سيد على قومه، مثل الضابط على فرقته، وتتجاوزه للمعنى الثاني للكلمة؟ بل قالها نصا بمعنى رئيس العسكر !! لماذا مثل هذه الحركات؟ اين الموضوعية والبحث العلمي الذي تكلمت عنهما طويلا في شرحك لهداية للقرآن والتقوى والتثبت والتدبر؟ هذه نتيجة مؤسفة ..

اين هو تغير اللغة الجذري المزعوم ؟ ظلم لغة القرآن ظلم غير مباشر للقرآن، والقرآنيون يظلمون اللغة العربية بلا شك ويشككون في مرجعيتها وبارتباط القرآن بها وبالعرب ، بل بعضهم ينكر وجود شعب يدعى العرب ، طمعاً منه ربما لإحالة القرآن إلى باقة أهل الكتاب. 

زاد فى تطور اللغة العربية وازدياد وتعقد مصطلحاتها أن صار لكل طائفة دينية مصطلحاتها الدينية الخاصة بها ، فالشيعة لهم مصطلحاتهم ، وعلى سبيل المثال فان مصطلح النواصب لدى الشيعة يطلقونه على السنة الذين ( يناصبون أهل البيت العداء ) ونفس المصطلح ( النواصب ) له معنى مختلف فى علم النحو إذ يعنى أدوات النصب التى تنصب الفعل أو الاسم 


أين المشكلة ؟ تريد صنع مشكلة من لا شيء ؟ حتى الأسرة داخلها لها مصطلحات فيما بين افرادها، قد يسأل عنها افراد الاسرة الأخرى، أو أية مجموعة أصدقاء لهم مصلطحاتهم، فهل يعني هذا ان اللغة تدمرت ولم تعد مرجعا لشيء وحصل فيها تخبط ؟ هذا موجود في كل اللغات، أن الكلمة لها اكثر من معنى. مثل Blues الانجليزية ، فهي تعني فن موسيقي ، و Blue بمعنى أزرق وايضا بمعنى حزين ، والباب مفتوح على غيرها من معاني جديدة.. اذن لنحزن على الانجليزية ، فلا توجد لغة امتلئت بالمصطلحات مثلها ..

كل المصطلحات يمكن الربط بينها، من خلال الاصل في القاموس. كثرة المصطلحات لا يعني انها مفرقعات وان اللغة انفجرت كما ينفجر إطار السيارة ! بل هذا حياة ونشاط للغة. كل شيء يعاد إلى أصله. و إذا قيلت كلمة "نواصب" تفهم من السياق أصلا، مثلها مثل بقية الكلمات ذات المشترك اللفظي التي لها اكثر من معنى، ولم يعاني احد من اشكالية تعدد استعمال الكلمة ولا حتى الاطفال، ولا يعتبر تغيرا في اللغة. هذه مشكلة مختلقة ، لأنها موجودة في طبيعة كل اللغات ، فهل كل اللغات تآمر عليها سلفيون وتراثيون وفجروها تفجيرا ؟

كلمة "عين" مثلا تعني مقلة الانسان، وتعني ماء يخرج من الارض، فهل هذه مشكلة ايضا وانفجار لغوي؟ الكل يعرف ماذا تقصد، اذا قلت : سقيت من العين أو قلت : رأيت بالعين .. والجذر اللغوي واحد، لأن العين تشبه عين الماء. كل مصطلح مختلف عبارة عن جذر لغوي + سياق + رابط ، كالتشابه مثلا، ومنه الاستعارة، قائمة كلها على التشابه، فإذا قلت : رأيت أسدا في الكلية يشرح الدروس، لا يعني أنك رأيت حيوانا أكاديميا،  بل رجلا شجاعا ..

بل ان كلمة ( النصب ) تعنى التحايل على الناس و( النصب) عليهم، ولا علاقة لهذا ( النصب) على الناس بعلم النحو. بل إن كلمة ( النحو ) فى حد ذاتها مصطلح جديد ، ومثله مصطلحات جديدة تضيق وتتسع كالصرف والعروض والبحور الشعرية بمصطلحاتها المختلفة والفقه ومصطلحاته و التفسير والحديث والجرح والتعديل و وعلم الكلام و التوحيد و المعتزلة و المرجئة والشيعة والسنة و الصوفية و البلاغة من استعارة وكناية وتشبيه و محسنات بديعية و معنوية و طباق وجناس و شتى مصطلحات الفنون والأداب.. أى انتجت الحضارة العربية الاسلامية كما هائلا من المصطلحات الدينية والعلمية والأدبية والفنية لم تكن فى عهد النبى محمد عليه السلام، بعضها تمت صياغته لأول مرة وبعضها تبدل معناه واكتسب مدلولا جديدا.

ولو دخلنا فى إطار أى فرقة دينية أو علم من العلوم لوجدنا كمّا هائلا من المصطلحات ـ وهذا باب واسع يخرج عن موضوعنا ، ولكن نعرض لمثلين بايجاز: 
فقد أدخل التصوف مصطلحات دينية مستحدثة فى الحياة الدينية للمسلمين لم يعرفها المسلمون الأوائل فى عصر النبوة .ومن المصطلحات الدينية الجديدة التى استحدثها دين التصوف : الكرامة ، المريد، المقام ،الوقت الحال ، القبض ، الصحو والسكر ، الذوق الشرب ، المحو والإثبات ، الستر والتجلي، المحاضرة والمكاشفة ، الحقيقة والطريقة ، الوارد، الشاهد، السر، المجاهدة ، الخلوة ، الزهد، الولاية ، .. إلخ ، ولكل منها مدلول فى دين التصوف ، وسطرت فى ذلك الكتب ، وبالطبع هم مختلفون فى معناها وعددها.
وبعض هذ الألفاظ كان مستعملا فى الإسلام بغير ما يقصده الصوفية ، إلا أنهم أولوها وأستحدثوا لها مدلولات جديدة تخرج عن الإسلام مثل (الولى والولاية ).
ومصطلح السنة يأتي في القرآن بمعي المنهاج والطريقة أو الشرع ،وبمعني الشرع يأتي منسوبا لله تعالي (33 / 38) . وفي العصر الاموى استعمل مصطلح السّنة في معرض الاعتراض علي السياسة الاموية واهمية ان ترجع الي ما كانت عليه سنة النبي ،أي طريقته العادلة فى الحكم .وبها بدأ الاستعمال السياسي لكلمة السنة وقتها .
وحين نجح الشيعة الكيسانية في الدعوة للرضى من آل محمد ـ الامام المختفى غير المعلوم ـ وكان مفترضا أنه من ذرية علىّ بن أبى طالب، كان من ادبياتهم نفس الاستعمال السياسي لمصطلح السنة مع الاستعمال لمصطلح الشيعة الذى يدل على المعتقدين بأحقية ذرية على بن أبى طالب فى الحكم.وحين ظهر ان الخليفة الموعود ليس من ذرية علي وانما من ذرية ابن عباس حدث الشقاق بين انصار العباسيين القائمين مع الخليفة العباسي والمطالبين بأحقية ذرية علي بالخلافة دون العباسيين .وظلت كلمة شيعة أوالصحابه تطلق علي انصار العباسيين حتي تولي ابو جعفر المنصور الخلافة وتقاتل مع العلويين فىالحجاز والعراق فى ثورة محمد النفس الزكية واخيه ابراهيم . عندها استبقي الخلفاء العباسيون لأنفسهم مصطلح السنة ،وأهملوا لقب الشيعة، فاصبح خاصا بخصوم الدولة العباسية والخارجين عليها ،و اضيفت للشيعة اوصاف اخري سياسية وعقيدية اهمها الرافضة .وهكذا تقلب مفهوم السنة من الشرع كما جاء في القرآن الكريم الي معني سياسي منسوب للنبي في اطار الخطاب السياسي المعارض للأمويين ،ثم احتكرته الخلافة العباسية ليدل علي مدلولها السياسي في مقابل خصومها الشيعة. ليس هذا فقط ، بل تحول مصطلح السنة في العصر العباسي الثانى ليدل علي نوعية التدين السائد المعترف به من الدولة العباسية . والمعتزلة والفلاسفة والمثقفون ثقافة عقلية بالفلسفة اليونانية والهلينية كانوا يطلقون على خصومهم من الفقهاء السنيين المحافظين مصطلح الحشوية ، يتهمونهم بأنهم كانوا يحشون عقولهم بروايات منسوبة للنبى يؤمنون بها ويجادلون بها الآخرين بدون عقل أو منطق متمسحين بالدين. ثم مالبث أولئك الفقهاء الحشويون أن دخلوا فى جدال مع المعتزلة ، فأصبحت السنة تعني من ناحية العقائد والفلسفات ذلك الاتجاه الفكرى العقائدى المحافظ الذي يمثله أبو الحسن الأشعري بعد ان ترك المعتزله ،وأصبحت السنة من ناحية الفقه والفروع تعنى المذاهب الفقهية الاربعة المنسوبة للأئمة ابي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل ،هذا في عصر الاجتهاد الفقهي . وفي كتب الفقه السنى اصبح مصطلح السنة يشيرالي درجة اقل من درجات الواجب ،فيقال هذا فرض واجب ،وهذا سنة .اويقال "يسنّ"بمعني يستحسن.
ومع كل هذا التطور والتعقد فى المصطلحات التراثية لا يجوز فى المنهج العلمى أن نستعملها فى فهم القرآن الكريم ، ليس فقط لأنها تمت ولادتها بعد عصر القرآن متأثرة بظروف سياسية واجتماعية وفكرية ، ولكن أيضا لأن للقرآن مفاهيمه الخاصة ومصطلحاته الخاصة التى تعارض بل وأحيانا تناقض تلك المصطلحات التراثية المستحدثة.


مشكلة من لا مشكلة .. كل علم يحتاج الى مصطلحات، حتى لو تغير مدلول المصطلح وانتقل من فئة الى فئة، ما المشكلة ؟ وما مشكلة مصطلحات العروض والموسيقى مع القرآن ؟ هذه ليست حجة لنسف التراث الحضاري لأمة، والقرآن ليس له مصطلحات خاصة به لا علاقة لها باللغة العربية، ومن يعارض عليه أن يقدم مثالا. هذه ظاهرة طبيعية لكل امة حية، وتتجدد علومها وآدابها وفنونها، لأن المصطلح ضرورة، فاللغة بحد ذاتها كجذور لا يمكن أن تعبّر عن كل حاجات الانسان، ومن هنا يأتي اجتثاث واختلاق وتصنيع مصطلحات تجمع بين الاشارة للأصل وبين الدلالة على معنى جديد اضافي. انت تعارض التيار الحضاري لكل اللغات ! وتعتبره عيباً يوجب النسف .. هذه المصطلحات لا تؤثر على اللغة العربية نفسها، فكلمة (سن يسنّ) باقية على حالها، تعدُّد الإستعمال لا يضر اللغة ولا يغير جذورها، بل هو تغير مرتبط بالجذور، مثلما كثرة اغصان الشجرة لا يضر جذورها بل يقويها ..

وعلاج المشكلة التي تعاني منها -ان كانت مشكلة- هو بالرجوع الى اصل اللغة واساساتها، لا بنسف الجمل بما حمل، ما تقوم به هو المشكلة الحقيقية وليس وجود مصطلحات في العلوم والفنون والسياسة، فهذا ناتج طبيعي، ولا يعني هذا تغير اللغة بسبب وجود مصطلحات جديدة أو دخول كلمات معرّبة. هذا لا يضر اللغةز ولا القرآن وفهمه، اللغة اوسع واقوى مما تتصور. العاميات ما هي الا مصطلحات جديدة وتغيُّر للغة الاصلية، فهل هذا جعل اللغة العربية تموت ؟ وهل جعل العاميات غير عربية ؟ انها تسمى عاميات عربية، رغم اختلافاتها الكثيرة عن الفصيح.

كل تغير في اللغة معتمد على اصولها لا يضرها، ولا يسمى تغيرا في اللغة أصلا، بل يسمى توسعا في اللغة وامتداد. ها نحن عرب في القرن الواحد والعشرين نستطيع ان نفهم القرآن والقواميس بل وشعر الجاهليين قبل اكثر من الف وخمسمائة سنة، لو ان لغتنا تغيرت لحق لك ان تقول ، لكن لا زال العرب عربا رغم عامياتهم واختلاطهم. لأنها قائمة على الاصل ، وحتى ما دخل العربية من غير العربية هو دخل بموجب نظامها واصبح جزءا منها.

مصطلحات الصوفية ماذا تفعل لألفاظ القرآن ؟ اريد أن افهم مثلا ؟ كيف تدمرها ؟ تستطيع أن تأتي فرقة وتسمي الشيطان الله ، فهل هذا يجعل فهم الدين مرتبكا واصبحنا لا نستطيع التمييز بين الله والشيطان، اذن لننسف الاثنين ونكون ملاحدة ؟! أريد أن اعرف كيف ضرت المصطلحات العقائدية والنحوية والعروضية والهندسية والميكانيكية بالقرآن وباللغة العربية ؟ في بحث مستقل، حتى يتبين ان القضية مختلقة وليست حقيقية ..

لا مشاحة في الاصطلاح ولا التسمية، كل يسمى ما يشاء بما يشاء، لكن اللغة لها اساساتها، ألا ترى الكذابين يسمون السيء والشرير بالطيب الخلوق ؟ هل تغيرت اذن اللغة والقيم الآن ؟ هذا مصطلحهم يفعلون به ما يشاءون . لكن صفات الشخص الطيب معروفة ويعرفها الاخلاقيون والناس .. هل اذا انا وشلة اصدقائي سمّينا الرجل الطويل بالأزرق ، غيرنا اللغة ؟ هذا مصطلح خاص بنا فقط، ولهذا أنت تسميها مصطلحات الفرقة الفلانية، هي لم تمتزج بالفهم العام، بل محددة فئويا ، والعجيب أنك أنت توردها محددة ! اذن هي لم تتماهى في الفهم اللغوي العام، وبقيت محددة بطوائف وعلوم ومذاهب ، اذن بينها وبين الجذور اللغوية حاجز، وهو حاجز المصطلح الفئوي، مثلما بين تسميتنا للطويل بالأزرق حاجز الاصطلاح الخاص .

هناك اسماء مدن ومواضع تتكرر، ولم تحصل الكارثة التي توجب نسف الجغرافيا.


ونعطى نماذج سريعة للاختلاف والتناقض بيم مفاهيم القرآن ومفاهيم التراث :
1- الدين فى مفهوم القرآن يعنى الطريق، والسبيل، والصراط، والطريق قد يكون مستقيماً وقد يكون معوجاً. وقد يكون الدين أو الطريق معنوياً، أى العلاقة بالله تعالى. وقد يكون الدين أو الطريق حسياً مادياً كقوله تعالى عن أهل المدينة فى عصر النبى يعلمهم فن القتال ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة 122) فالآية سبقتها وتلتها آيات فى سياق القتال وتتحدث هذه الاية الكريمة عن النفرة للقتال، وضرورة إرسال فرقة استطلاع تتعرف على الدين أو الطريق ثم تنذر الناس وتحذرهم. ومن الخبل أن نفهمها على أن يترك المؤمنون رسول الله عليه السلام فى المدينة ثم يذهبوا للتعليم خارج المدينة، وهى موطن العلم بالإسلام، وكان غيرها مواطن الشرك فى ذلك الوقت.

لا يمكن ذلك لغوياً ، الدين جذر والطريق جذر لغوي آخر، يجمع بينهما التشابه .. فهل مالك يوم الدين أي مالك يوم السكّة والطريق ؟ الاية التي قبلها تحذر من التخلف عن الرسول، فجاءت هذه الاية لتستدرك حتى لا ينفروا كلهم مع الرسول ويتركوا المدينة، ولا يخرجون عشوائيا، بل من يخرجون معه يجب ان يكونوا من كل فئة من فئات المجتمع، لكي يتعلموا معه اثناء رحلة السفر، وهي طويلة، وفيها مواقف واحداث وتنزل فيها ايات، وهذا يدل على ان الرسول قدوة وسنته قدوة، ثم اذا رجعوا يخبرون من وراءهم من اهلهم وجماعتهم بما تعلموه من هذه الرحلة. فيكون التعليم متناسب الانتشار.

ثم كيف عرفت ان الدين تعني السبيل والطريق ؟ مع ان القرآن لم ينص على ذلك ؟ اذن انت استعنت بالعقل. وهذا لا اساس لغوي له ..  لكن عندما نعتمد على اللغة نستطيع ان نفهم معنى كلمة دين وسبيل ونفهم العلاقة بينهما، فالدين مأخوذ من الإدانة والدينونة، فالدين هو ما تدين به لربك، كما قال تعالى (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي على نظام الملك الذي تدين به الدولة ويُدينهم به. مع أن هذا نظام، لا علاقة له بالديانة الفرعونية، لهذا قال دين الملك ولم يقل دين القوم. فالدين مأخوذ من الدَيْن، والدَّين فيه دائن ومدين. لهذا سمى الله يوم القيامة بيوم الدين، أي يوم الادانة ، لأنه لا طريق في الآخرة ليسلكوه ، قال تعالى (وقفوهم انهم مسؤولون) وقال (كل أمة جاثية) . وسمى الله الدين الصحيح بالصراط المستقيم، أي المتجه إلى الله بدون التفافات او انحرافات بدافع الهوى والمصالح. وهكذا نجمع بينهما دون أن "نعجنهما" في كلمة واحدة. معتمدين على اللغة والعقل كما أحالنا الله. أنت تصنع قاموسا لغويا من عندك، فيه كلمة دين تعني طريق ! وهذه لغة مختلقة وليست عربية، ولا أحد يمكن أن يسمي طريقا او شارعا بالدين ، فيقال دين صلاح الدين ودين فؤاد او الدين السريع الخ ، لكن لو سمي الشارع سبيلا او منهجا او حتى اسلوبا لجاز، لأن له اصلا لغويا، فالشارع المشجر يسمى اسلوبا في اللغة .. ما تخافون منه أنتم تقومون به وتفعلونه ! تخافون من تغير اللغة وانتم تقومون بذلك بأيديكم وتغيرونها ! مع أنها لم تتغير الا على ايديكم ..

مصطلح دين يعني اعتقادات وافكار شمولية لم تتحقق نتائجها كاملة بعد، ولها اسلوب وتشريعات واخلاقيات .. وبالتالي فالملحد رجل دين، لأن له نفس نظرة الدين في الكليات، والظنيات، وله نفس الشيء في اسلوب معين للحياة قائم على البرجماتية واللذة وتقديم المصالح على الأخلاق، منكرا ظناً أنه لا يوجد اله، مثلما يظن المؤمن خيرا بوجود الاخرة والله، مع أن كلاهما لم يروه ..

2- ولكن مصطلحات التراث جعلت التفقه قصراً على العلم بالشرع، مع أن مفهوم التفقه فى القرآن يعنى العلم والبحث العقلى والمادى فى كل شىء.


بل توجد كتب تراثية في فقه اللغة وهو علم غير شرعي .. وإذا كان قصد الآية ليس أن يتفقهوا في دينهم، فبرأيك يتفقهوا في معرفة الطرق و القيافة وقص الأثر ؟ وهل الطرق لها فقه يأمر به الله ؟ الله ليس وزير مواصلات. وعلى ماذا ينذرونهم ؟ عن وعورة الطرق ؟!

3- والسنة فى اللغة العربية تعنى الشرع، تقول "سن قانوناً" أى شرع قانوناً.


غير صحيح, في الاصطلاح تعني الشرع لكن في اللغة تعني الطريق والطريقة, في المادي طريق  وفي المعنوي طريقة. (ها أنت تعتمد على التراثيين في فهمك للمصطلح!).

من لسان العرب: " فلان من أَهل السُّنَّة؛ معناه من أَهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأْخوذة من السَّنَنِ وهو الطريق... وللطريق سَنَنٌ أَيضاً، وسَنَنُ الطريق وسُنَنُه وسِنَنُه وسُنُنُه: نَهْجُه. يقال: خَدَعَك سَنَنُ الطريق وسُنَّتُه."

وفى القرآن تأتى فى التشريع بمعنى الشرع حتى فيما يخص النبى (الأحزاب 38) وتكون حينئذ منسوبة لله تعالى، أما النبى فهو صاحب القدوة والأسوة (الأحزاب 21) فالسنة لله تعالى، ولنا فى النبى أسوة حسنة، وتأتى السنة منسوبة لله تعالى أيضاً فيما يخص تعامله جل وعلا مع المشركين، وتكون هنا بمعنى المنهاج والطريقة (الأحزاب 62، فاطر 43، الفتح 23) ولكن السنة فى التراث تعنى شيئاً مختلفاً سياسياً ومذهباً فقهياً.

كما تعني التشريع أيضا في التراث. مشكلة من لا مشكلة!


4- و"الصحابة" فى التراث هم أصحاب النبى وأصدقاؤه ممن أسلموا. ولكن فى مفهوم القرآن فالصاحب هو الذى يصحب فى الزمان والمكان، وذلك تكرر فى القرآن وصف النبى عليه السلام بأنه صاحب المشركين (النجم 2، سبأ 46، التكوير 22).

أين المشكلة؟ هل أخطأوا عندما سموهم صحابة وخالفوا القرآن؟ القرآن أيضا يقول :{إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}. كلمة صاحب لها معنى خاص ولها معنى عام, المعنى العام هو كل ما تصاحبه برغبتك أو بعدمها - مثل أصحاب الكهف-, والخاص ما تصاحبه باتفاق أو رغبة. والأساس هو الخاص, لأنها أكثر ما تستعمل في اللغة في هذا المعنى الخاص لكن يجوز تعميمها على كل صحبة حتى لو كانت بلا رغبة. والرسول صاحب لهم ومخلص إضافة لصحبة المكان والزمان, ولم يسم القرآن الكفار أصحاب له.  

المصطلحات أنواع - من وجهة نظري-: هناك مصطلح تخصيصي يخصص كلمة بفئة مثل مصطلح الصحابة. وهناك مصطلح تلصيقي مثل "ديموقراطية" تعني حكمة الشعب. وهناك مصطلح اختصاري مثل منظمة "أونوروا" أو وكالات الأنباء العربية مثل "واف" أو "واس". وهناك مصطلح إضافي مثل "حزب الله" أو "حزب العدالة". وهناك مصطلح تصنيفي مثل "دواجن" "خضروات" "ثمار" "أصولي وأصوليين" "مرْكبات" "دواب"... .

5- والنسخ فى القرآن يعنى الإثبات والكتابة والتدوين، ويعنى فى التراث العكس تماماً، أى الإلغاء. وسنعرض لذلك بالتفصيل فى موضعه.

في اللغة النسخ هو الإثبات, و منه: نسخت الكتاب نسخةً أي كتبته. لكن إذا أردت أن تثبت كلاما جديدا على كلام قديم, هنا تطور المعنى, لأن الجديد يقتضي إلغاء القديم, فتقول "نسخته" أي ألغيت الأول وأثبت الجديد. وكلا المعنيين –الإثبات والإلغاء- صحيح وتحتمله اللغة والعقل. مشكلة من لا مشكلة. 


6- ومفهوم الحكم فى القرآن يعنى التحاكم القضائى، وليس مقصوداً به على الإطلاق ما يتردد فى التراث من أنه الحكم السياسى أو الحاكمية.


كيف فصلت بين الحكم السياسي والقضائي وكلها تحتاج إلى وجهة نظر القرآن؟ القرآن قال حكمه في أمور تدخل في نطاق السياسة, كالتعامل مع غير المسلمين والتعامل مع الفئة الباغية والشورى وأسباب الحروب والحكم فيها وفي الأسرى...إلخ, وهذه ليست أحكام قضائية. 


7- وكذلك الحال مع "أولوا الأمر"، فالمقصود بهم فى القرآن هم أصحاب الشأن وأصحاب الخبرة والاختصاص فى الموضوع المطروح (النساء 59، 83) وليس المقصود هم الحكام كما يتردد فى التراث.


تقصد هيئات استشارية؟ هو لم يقل ولي الأمر بل قال "أولو الأمر", اربطها مع قوله {وأمرهم شورى بينهم}.


8- و"الحدود" فى القرآن تعنى الشرع والحق، ولا تعنى العقوبات 

.
العقوبات داخلة في الشرع والحق لأنها من الله أيضا! الخطأ هو في اقتصار الحدود على العقوبات, لكنه يبقى مصطلحا فقهيا لا يقضي على المفهوم اللغوي. وكل مسلم يعرف أن كل مخالفة لما يريده الله تعني تجاوزا لحدوده التي حددها لنا.  


9- و"المكروه" فى مفهوم القرآن هو أفظع المحرمات وأكبر الكبائر كالقتل والزنا والكفر والفسوق (الإسراء 38، الحجرات 7) ولكن المكروه فى الفقه التراثى هو الحلال الذى يفضل الابتعاد عنه.

هذا معروف أنه مصطلح فقهي - لم يوفق-, وإلا فكل مسلم يعرف أن ما كرهه الله أمر فظيع. وهم لم يغيروا المعنى القرآني, فلم يقولوا أن ما كرهه الله في القرآن شيء حلال الأفضل الابتعاد عنه! بل فظعوا كثيرا منها. هم يقصدون في السنة وليس القرآن, ليعبروا به عن الشيء الذي يوجد أفضل منه أو كرهه الرسول, مثلما كره أكل الضب ولم ينه من أكلوه.

10- وكذلك المستحب أو المندوب فى التراث يعنى الحلال المباح، ولكن المستحب فى مفهوم القرآن هو الفرض الواجب (الحجرات).
هذا كسابقه.

11- والتعزير عند الفقهاء هو الإهانة والعقوبة، ولكن التعزير فى القرآن يعنى التكريم والتمجيد والتقديس والإعزاز والنصرة لله تعالى ورسوله (المائدة 12، الأعراف 157، الفتح 9).

هذا من الأضداد اللغوية, مثل "القسط" فيستعمل أحيانا بمعنى العدل وأحيانا بمعنى الظلم {أصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا} {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}.
وفي لسان العرب: " أَصل التَّعْزير: التأْديب، ولهذا يسمى الضربُ دون الحد تَعْزيراً إِنما هو أَدَبٌ. قال: عَزَرْتُه وعَزَّرْتُه، فهو من الأَضداد، وعَزَّرَه: فخَّمه وعظَّمه، فهو نحْوُ الضد. والعَزْرُ النَّصْرُ بالسيف.


وعَزَرَه عَزْراً وعَزَّرَه: أَعانَه وقوَّاه ونصره. قال الله تعالى: لِتُعَزِّرُوه وتُوَقِّرُوه". 


دائما مشكلتكم مع اللغة وليس مع الفقهاء, فتظنون أن الفقهاء صنعوا لغة مختلفة! بما أنهم منافسون لكم تفترضون أنهم فعلوا مثلكم في اصطناع لغة غير العربية! الفقهاء لم يفرطوا في الأًصل اللغوي مثلما تفعلون!

من وجهة نظري, "تعزير" مثل كلمة "تأديب", تقول أدبته أي عاقبته وتقول مؤدب أي محترَم, فعزرته ليتعزر أي عاقبته ليكون موقرا ومحترما. على عكس ما افترض ابن منظور أن الأصل هو التأديب والعقوبة في كلمة تعزير, بل الأصل الاحترام – من وجهة نظري- .

والأمثلة كثيرة أهمها على الاطلاق تناقض القرآن مع تراث الفكر السنى فى مفاهيم الاسلام والايمان والشرك والكفر وما يخص المسيحيين واليهود والمرأة والشورى وحقوق الانسان الخ.... 

كما رأينا ليست بمعنى التناقض بل أكثرها اصطلاحات مذهبية لا تؤثر على فهم القرآن, لأن القرآن مربوط باللغة, واللغة لا يستطيع أحد أن يغيرها لا فقهاء ولا غيرهم لأن الجميع محتاج لها. 

)تلك آيات الكتاب المبين ):

البيان القرآنى :
بيان القرآن فى داخل القرآن، القرآن كتاب مبين فى ذاته


كلمة "مبين" تنصب على غير القران ، أي أنه يبين غيره ، عندما تقول عن الشيء أنه منير أو موضح أو مبين فكلامك منصب على ما يُعرض عليه وليس عليه هو بذاته ، فالقران بيّن بذاته (آيات بينات) و مبين لغيره ، أنت ركزت على الأولى وتركت الثانية ، وحتى يبين لابد أن يوضع أمامه غيره لكي يبينه، إذا جردناه من غيره وعزلناه لا يعود مبينا.
أنت تريد أنه مبين لنفسه فقط وليس لغيره وهذا تعطيل، أنت تجعل القران مثل النجمة مبينة لنفسها لكن لا تبين غيرها ، فالقران وجد لكي تعرض عليه الأمور كلها فهو سراج ينير الطريق ولا فائدة للسراج بدون أن يٌخرج به للطريق أو المكان ، مثلما الشمس مبينة لنفسها ومبينه لغيرها. فهمك يجعل القران نجمة مبينة لنفسها لا تبيّن غيرها،والفهم الذي أقوله تقتضيه اللغة في الفرق بين بيّن  ومٌبين، مثل مٌدحْرَج (اسم مفعول) و مُدحْرِج (اسم فاعل).

يقول تعالى ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾ (البقرة 159).

كتاب الله هو الكتاب المبين بذاته، وآياته موصوفة بالبينات أى التى لا تحتاج فى تبيينها إلا لمجرد القراءة والتلاوة والتفكر والتدبر فيها. والذى جعل الكتاب مبيناً وجعل آياته بينات هو رب العزة القائل ﴿بعد ما بيناه للناس فى الكتاب﴾ والقائل عن كتابه ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (القمر 22). ﴿فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدا﴾ (مريم 97). ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ (الدخان 58).
وكل المطلوب منا أن نتلوا القرآن وإذا تلوناه نطقت آياته البينات بنفسها والتى لا تحتاج منا إلا لمجرد النطق وعدم الكتمان. لذا فإن الله تعالى يجعل الكتمان- كتمان الآيات- هو عكس التبيين لذا فإن الله تعالى يهدد من يكتم آيات الله البينات التى بينها فى كتابه ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله..


هو بيّن للذكرى والهدى ، لكن في الأمور الأخرى كالتاريخية والعلمية والفقهية وغيرها تحتاج الى مٌساعِدات من لغة وانثربولوجيا وتاريخ وأسباب نزول وسيرة وغزوات واجتهاد (لعلمه الذين يستبنطونه منكم) مع أن الجميع يعرف القران، وقال عن الخارجين مع الرسول (ليتفقهوا في الدين) مع أنهم يعرفون القران ،وأيضا وأحاديث متوافقة وأحاديث شارحة لمجمله، لكن للذكرى والهداية (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) والهدف الأساسي له هو الذكرى ويقوم بها بنفسه، لكن كيف نعرف كيفية الصلاة والزكاة ، بل كيف نحدد البيت الحرام والمشعر الحرام بدون الرجوع الى سنن الرسول وتواتر الأمة والتعارف والجغرافيا..الخ ، ولاحظ آيات تيسير القران ووضوحه تنصب على المتوسمين ومن يطلبون الهداية والذكر ومن يخشون الله ( ولقد يسرنا القران للذكر ) والذكر لا يعني الفهم التفصيلي ، فالذكر هو ذكر القلب وإنابته وخشوعه لله وهذا هو الأساس الذي تبنى عليه التفصيلات ، أنت ركزت على التبيين ولم تركز على الذكر مع أنهما مرتبطتان في القران ، فمجرد الهذ والقراءة لا يعني الذكر، والكتمان لا يعني محو من المصحف ، الانتقائية بحد ذاتها تعني كتمان ، نسخ بعض الآيات وإلغائها يعني كتمان ، تفعيل روايات متناقضة مع القران يعني كتمان إذ لا قيمة لإظهار ما تحكم أنه ملغى، تغيير لغة بعض الآيات وحرفها الى معاني لا تقتضيها اللغة يعني كتمان ، اخراج الآيات عن سياقها يعني كتمان ، رفض السنة والتراث المتعلق ببعض الآيات يعني تعطيل يشبه الكتمان ، حصر الإبانة على نفسه يعني كتمان وتعطيل لدوره الخارجي وهو التبيين وهكذا .


ويقول تعالى عن أهل الكتاب ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ (آل عمران 187). فشرح تعالى تبيين البشر للكتاب بأنه عدم كتمانه، أى تلاوته وقراءته، ومتى تلونا الكتاب المبين نطقت آياته البينات لمن يريد تدبرها .


كانوا يبدون بعض ويخفون بعض ( انتقائية ) ، وكانوا يحرفون الكلم عن مواضعه (كابالا تقفز على اللغة)، وكانوا يكتبون فيه ماليس منه وإلا فأنهم يعلنون أنهم أهل الكتاب ويفخرون بذلك ، لكن يركزون على مايشاؤون ويهملون وينسخون ويغلبون كلام أحبارهم ورهبانهم على مالا يناسبهم ، والله شبههم بالحمار يحمل أسفارا أي لم يكونوا يخفونه بالكامل ولا يتلونه ، بل ينقّلونه معهم ويتلونه (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) أي تلاوة ، والتلاوة عكس الكتمان الذي تقصده بعدم التلاوة.


والآيات التى تتحدث عن بيان القرآن ووصفه بالكتاب المبين والبينات أكثر من أن تستقصى ومع ذلك فإن منا من يعتقد أن كتاب الله غامض مبهم يحتاج إلى من يفسره.. هذا مع أن الله تعالى يقول عن كتابه ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ (الفرقان 33). فأحسن تفسير للقرآن هو فى داخل القرآن. وابن كثير يعترف فى بداية تفسيره أن أحسن التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن..
ويقول تعالى ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء﴾ والتبيان هو التوضيح لما يستلزم البيان والتوضيح . والشىء الواضح بذاته لا يحتاج لما يبينه ويوضحه وإلا كان فضولاً فى الكلام وثرثرة لا حاجة إليها..
والله سبحانه وتعالى أنزل كتابه محكماً لا مجال فيه للغو والتزيد لذا كان البيان فيه لما يتطلب البيان، وكل شىء يستلزم البيان والتوضيح جاء فى القرآن بيانه وتوضيحه. وما ليس محتاجاً لبيان فلا مجال فيه للتفصيل والبيان فى كتاب فُصّلت آياته ثم أحكمت من لدن حكيم خبير.
لذا يرتبط "البيان فى القرآن" بالهدى والرحمة والبشرى للمسلمين ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ فبيان القرآن ﴿هدى﴾ للباحث عن الهدى وسط ركامات من الغموض والحيرة، وبيان القرآن ﴿رحمة﴾ به حين يبين له ما خفى ويصل به إلى شاطئ الأمان والرحمة الإلهية وهناك ﴿البشرى﴾ بعد الهدى والرحمة..


هذا الاستشهاد يؤيد كلامي حيث الربط بين البيان والهدى وليس بين البيان والتفصيلات أو المعلومات، يعني القرآنيون وسعوا فكرة البيان المرتبطة بالهدى والرحمة الى بيان كل تفصيلات الدين والتاريخ والغزوات والجغرافيا والفقه والعبادات ..الخ من القران وحده فوقعوا في عسر الفهم واضطروا لتأويلات بعيدة، وهذا غير منطقي ويفتح المجال للتقوّل بعد إغلاق القران على نفسه .


تفصيلات القرآن الكريم 
وأيضاً ترتبط (تفصيلات القرآن) بالهدى والرحمة، يقول تعالى ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (الأعراف 52). فالتفصيلات القرآنية التى شملت كل شىء جاءت هدى وحمة لأولئك الذين يحتاجون إلى هذه التفصيلات. وإذا كانت الأمور واضحة لا تحتاج إلى تفصيل وإيضاح فمن العبث توضيح ما هو واضح، وتعالى الله عن العبث.
والبشر قد تتحول التفصيلات فى كلامهم إلى لغو وثرثرة فيما لا حاجة إليه ولا طائل من ورائه، وهذا ما تنزهت عنه تفصيلات الكتاب العزيز التى جاءت فيما يحتاج إلى تفصيل، لذا ارتبطت تفصيلات القرآن الكريم بالعلم المحكم وفى ذلك يقول تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (هود 1).
ويقول تعالى عن العلم الإلهى الذى يحكم التفصيلات القرآنية لتكون هدى ورحمة للمؤمنين ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.
ولذا فإن العلماء المحققين المؤمنين بتمام القرآن والمكتفين به هم فقط الذين يفهمون تفصيلات القرآن. وفى ذلك يقول تعالى ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ (الأعراف 32).. ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾ (يونس 24).. ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) (الروم 28). ويقول تعالى ﴿كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون﴾ (فصلت 3).


هذا يعني ارتباط التفصيل والخشية بالعلم، أي ينفع الذين يعلمون ، أي عندهم علم من قبل القران أي بحثوا عن الحقيقة كما كان الرسول يبحث عن الحقيقة ويعتزل ضوضاء المجتمع المادي ولا يهتم بمعلوماته لأنها إما تافهة أو مضللة بالنسبة للحقائق الكبرى، فيأتي القران ليكمل علمهم ويتوجه كما قال تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) يعني العلماء الحقيقيون الذين يبحثون عن المعرفة الحقيقية ولا يهملونها، ليس شرطا أن يكونوا متخصصين أو مشاهير لكي يوصفوا بالعلماء وإلا لأسلم كل عالم وصاحب شهادة عليا، لذلك دائما يستجيب للقران الذين فيهم خير وعقلانية وحب للفضيلة من أساسهم واختيارهم، لماذا استجاب حمزة ولم يستجب أبو لهب وكلاهما عم الرسول؟؟، لماذا آمن بلال ولم يؤمن سيده أبي بن خلف مع أنه ربما أكثر ثقافة منه.
 ليس المهم هو كثرة الثقافة بقدر ما هو الحرص على الحقيقة وتعطش للحقائق الهامة والمصيرية وليس فقط ملاحقة الإعلام الزماني الدنيوي، القران لا ينفع لوحده ، فلابد من أرض خصبة يسقيها المطر ، والله يقول ( واعرض عن الجاهلين) ، وقال ( لأولي الألباب) ( لقوم يعلمون ) ( لقوم يعقلون ) ، لابد من استعداد الطرف الثاني ، والقران دائما يربط جدواه بحال المُستقبِل أو الطرف الثاني .

المنهج القرآني يريد من الإنسان أن يتجرد من كل معارفه وهذا عكس مطلب القران الذي يريد قوما يعلمون كي ينفعهم ويريد عقلانيين ، فالجاهلون لا ينفع معهم القران ولا السفهاء .


المحكم والمتشابه فى القرآن الكريم
فى القرآن الكريم آيات محكمة المعنى موجزة اللفظ ولكن قاطعة الدلالة لا مجال فيها لأكثر من رأى. تلك هى الآيات المحكمات. هذه الآيات المحكمة تشرحها وتفصلها آيات أخرى هى الآيات المتشابهة.

وبذلك فان الآيات المتشابهات هى التى تفصل وتشرح الآيات المحكمات ، والباحث المسلم عليه أن يتتبع الآيات المحكمة فى موضوعه البحثى فى القرآن ، ثم يأتى بكل ما يتصل بها من آيات متشابهة ، وسيجد الآيات المتشابهة تشرح المحكمات ، ويجد موضوعه قد توضح بالقرآن بعد أن قام بواجب ( التدبر ) أى السعى ( دبر ) أو خلف الآيات المحكمة ثم خلف الآيات المتشابهة وربط هذا بذاك 

كيف تكون آيات محكمة وبحاجة الى شرح!! ، أين احكامها إذا؟؟ ، وكيف يشرح المتشابه المحكم مع أنه متشابه، وكيف يشرح الواضح غير الواضح ؟؟! ، وكيف يشرح القطعي غير القطعي؟؟! والمحكم مثل ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فهي ليست بحاجة لغيرها من الآيات لتحددها، والمتشابه مثل( وقاتلوا الذين كفروا) لأنها بحاجة لآيات القتال الأخرى لتوضح وتحدد من المقصود،مثل آية (ولا تعتدوا) وآية ( لا اكراه في الدين) وآية (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ) وآية ( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)...الخ، وآية ( ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلم لست مؤمنا تريدون عرض الحياة الدنيا ) وآية ( لست عليهم بمسيطر) ، والتشابه يعني أكثر من احتمال .

المحكم هو مالا يحتمل وجوهاً ، والمتشابه ما يمكن أن يحتمل وهذا ليس نقص في بيان القران ، بل طبيعة الموضوعات هي التي تقتضي ذلك مثل (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) لعدم امكانية جمع كل الطيبات وكل الخبائث ، لهذا قد يأتي من يلبس خبائثا بلباس الطيبات أو العكس على طريقة تأويل ، والتشابه والمحكم موجود في كل الكلام سواء بقران أو غير قران ، لهذا الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه ( المفتوح والعام ) ليؤوله على اهوائهم .

وهذا ما يشير اليه قوله تعالى (( هو الذى انزل عليك الكتاب ، منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات ، فاما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله . والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا : آل عمران 7)


من المتشابه ما لم يحدد ، مثل سد يأجوج ومأجوج وعدد أصحاب الكهف ... الخ

 وكالعادة فان الله تعالى يوضح منهج الباحثين المؤمنين بالقرآن أو ( الراسخون فى العلم ) الذين يؤمنون بكل ما فى القرآن وأنه لا عوج فيه و لا اختلاف و لا تناقض، لذلك يتتبعون كل الآيات ويضعونها فى اطار أنها يفسر بعضها بعضا و يفصل بعضها بعضا و يكمل بعضها بعضا . اما الصنف الآخر فينتقى المتشابه يلوى عنقه ليصد عن سبيل الله تعالى ويتخذها عوجا. 

ونأخذ قضية الشفاعة فى النسق القرآنى مثالا للتوضيح.
1 ـ القرآن يؤكد على أن النبى لا يعلم الغيب وليس له أن يتكلم عن السعة وما يحدث فيها ولذلك فإن كل أحاديث الشفاعة لم يقلها النبى ولا يمكن أن يجتمع الإيمان بالقرآن والرسول مع الإيمان بتلك الأحاديث الكاذبة التى تخالف كتاب الله..
والله تعالى هو وحده "مالك يوم الدين" وهو وحده تعالى الذى يملك الأمر كله يوم القيامة، والنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (الإنفطار 19). لذا قال تعالى للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128). وإذا أصدر مالك يوم الدين قراراً يوم القيامة فلا مجال لتبديل كلمته، وسيقول تعالى حينئذ ﴿مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ﴾ (ق 29). ومن التكذيب بآيات الله تعالى أن يؤمن بعضنا بأن الله تعالى يصدر قراراً بأن يدخل بعض الناس النار فيتشفع فيهم النبى ويتراجع الله تعالى عن قراره، لأنه ليس فى إمكان النبى أن يتدخل فى إخراج أحد من النار، فالله تعالى يقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19).
والإيمان بأحاديث الشفاعة تلك ليس فقط تكذيباً لآيات الله تعالى الصريحة الواضحة ولكنه أيضاً تأليه للنبى محمد عليه السلام بل وتطرف فى تأليهه إلى درجة الادعاء بأنه هو صاحب الأمر يوم القيامة وأنه مالك يوم الدين، وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو أرحم الراحمين لأنه ينقذ الناس من النار بعد أن يحكم الله تعالى بدخولهم فيها.. وهو الادعاء ضمناً بأن النبى هو الأعلم بحال البشر من الله ولذلك فهو يتدخل لدى الله لإنقاذ بعضهم، ولا يملك الله تعالى إلا الموافقة.. فهل ذلك يتفق عقلاً مع الإيمان بالله تعالى مالك يوم الدين الذى لا شريك له فى ملكه وحكمه؟
والإيمان بالحديث الكاذب الذى يدعى أن النبى يشفع فى البشر جميعاً شفاعة عظمى معناه التكذيب الصريح بالقرآن الذى لا يجعل للنبى أى ميزة يوم القيامة، بل يؤكد أنه مثل كل نفس بشرية يتعرض للحساب والمساءلة ويحاول أن ينجو بنفسه من هول الموقف.. فالنبى نفس بشرية ينطبق عليها قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ. لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس 34: 37) أى سيفر الجميع فى ذلك الوقت ولن يجد النبى أو غيره وقتاً لكى يفكر فى غيره، فكيف سيتصدر للشفاعة فى البشر جميعاً؟
ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ليتوسط فى إدخال بعضهم الجنة، والله تعالى يقول للبشر جميعاً قال تعالى﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ. إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (لقمان 33،34). وصدق الله العظيم. فالله تعالى هو وحده الذى عنده علم الساعة، وقد أخبرنا ببعض غيب الساعة فى القرآن، ومنه أن النبى وهو والد ومولود لا يملك أن ينفع والده ولا يستطيع أن ينفع ابنه.. وإذا كان لا ينفع ابنته فاطمة فكيف سينفع الآخرين؟
ثم كيف سيتدخل النبى فى حساب البشر ويشفع فيهم وهو نفسه يتعرض للحساب والمساءلة.. إن الله تعالى يؤكد على حساب الأنبياء يوم القيامة حين يجعل الحديث عن حسابهم وهم أفراد مساوياً للحديث عن باقى البشر، والبشر ملايين البلايين، يقول تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف 6) وبالنسبة لخاتم النبيين فإن الله تعالى يتحدث عن حسابه وهو شخص واحد ويقرن ذلك بحساب الذين معه وهم آلاف الناس، يقول تعالى ﴿وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف 44).
وفى حساب النبى فلن يستطيع أن ينفع أحداً من أصحابه، وليس بإمكان أحد من أصحابه أن يغنى عنه شيئاً، يقول الله تعالى للنبى ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ.. مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ﴾ (الأنعام 52). أى فلن يتحمل النبى شيئاً من حسابهم ولن يتحمل أحدهم شيئاً من حساب النبى.
ومن الغريب أن يقول الله تعالى له نفس الكلام عن المشركين، يقول تعالى للنبى عنهم ﴿وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ. إِنّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً﴾ (الجاثية 18،19) أى أنهم لن ينفعوا النبى بشىء يوم القيامة، وفى ذلك تمام العدالة.. فالقيامة هى العدالة المطلقة التى لا نظير لها، يقول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء 47).
ولكن تلك العدالة فى اليوم الآخر تحولت فى عقائدنا إلى ظلم وشفاعات ووساطات وتزكية لنا نحن دون باقى الأمم، وأصبح من العقائد الثابتة لدينا أن الجنة من نصيبنا نحن من دون البشر جميعاً، وأن أحداً لن يدخل الجنة إلا بعد أن نرضى عنه، وبذلك سلبنا الله تعالى حقوقه علينا وجعلنا أنفسنا مالكين ليوم الدين، وبعد أن ترسب فى اعتقادنا أننا نجحنا فى اختبار يوم القيامة قبل أن تقوم القيامة فعلنا كل الموبقات و لا نزال.
2 ـ :من يؤمن بشفاعة النبى يستدل عليها بالأحاديث وبتأويل لآيات القرآن الكريم.
وقد قرر علماء الأصول أن أحاديث الأحاد- ومنها أحاديث الشفاعة- لا تؤخذ منها العقائد والسمعيات والغيبيات، لأن العقائد لا تؤخذ إلا من الحق القرآنى اليقينى، وقبل علماء الأصول فإن القرآن نفسه يؤكد على أن النبى لا يعلم الغيب وليس له أن يتحدث فى الغيبيات، ومنها علامات الساعة والشفاعة، أى أن تلك الأحاديث لم يقلها النبى، وبالتالى فإن الاستشهاد بها فى إثبات شفاعة النبى أمر باطل.
نأتى بعدها لمحاولتهم تأويل آيات القرآن لإثبات شفاعة مزعومة للنبى عليه السلام.. وفى البداية نقول أن محاولة التأويل فى آيات القرآن معناه أن تحصل بالتأويل على معنى يأتى مناقضاً لآيات عديدة فى القرآن الكريم، وعلى سبيل المثال فإنك إن استطعت بالتأويل والتحريف أن تثبت شفاعة للنبى فإنك ستأتى بمعنى يخالف القرآن الذى يقول للنبى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران 128) ويقول له ﴿أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ﴾ (الزمر 19).
أما الذى يبحث عن الحق فى القرآن يبغى وجه الله تعالى ويرجو الهداية فإنه يترك نفسه بين آيات القرآن ولا يفرض عليها أهواءه وأمنياته، وحيثما تصل به الآيات الكريمة إلى معنى فإنه يتمسك به ويضحى فى سبيله بكل ما توارثه من عقائد وأفكار.
والقرآن الكريم كتاب مثانى متشابه، والمعانى فيه تتكرر، والمتشابه من الآيات يتكرر فيها المعنى الواحد بصور مختلفة، وفى نفس الوقت تؤكد الآيات المتشابهة المعنى الذى تأتى به الآيات المحكمة، ومعنى ذلك أن الباحث عن الحق فى القرآن لن يلجأ إلى تأويل بعض الآيات لكى يؤكد ما توارثه من عقائد، ثم يأتى فى النهاية بما يخالف آيات القرآن، لن يفعل ذلك الباحث عن الحق، ولكه سيراجع القرآن الكريم كله، ويأتى بالآيات الخاصة بموضوعه، ما كان منها محكماً وما كان منها متشابهاً، وكل الآيات معاً ستعطى حقيقة قرآنية واحدة.
وبالنسبة لقضية الشفاعة سيجد الآيات تؤكد على أن النبى ليس له من الأمر شىء وأنه فى حياته كان يخاف أن عصى ربه عذاب يوم عظيم، وأنه كان يعلن أنه لن يجيره من الله أحد ولن يجد من دون الله ناصراً إلا إذا بلغ الرسالة.. وطالما أن هذه الآيات وهى كثيرة- تؤكد على نفى شفاعة النبى إذن يبدأ الباحث عن الحق فى تتبع آيات الشفاعة بعد أن تأكد منها أنها لا شأن لها بالنبى، خصوصاً قوله تعالى عن الشفاعة ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة 255) لأن الآية التى قبلها تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى أى التوسط، فالآية تقول ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 254). فإذا كان فى هذه الدنيا بيع وخلة أى صداقة وإذا كان فى هذه الدنيا وساطة وشفاعة ومحسوبية، فليس فى الآخرة شىء من ذلك.
والقرآن ذكر الشفاعة فى آيات محكمات وآيات متشابهات..والمتشابهات تشرح المحكمات. 
من الآيات المحكمات فى الشفاعة قوله تعالى :﴿أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ وهى تنفى الشفاعة بمفهومها البشرى الذى نمارسه فى الدنيا والذى على أساسه نتمنى أن يكون يوم الدين سوقاً لشفاعة الأنبياء والأولياء.. 
ولذلك تأتى آيات محكمة كثيرة تنفى هذه الشفاعة وتؤكد على أنه ليس بإمكان نفس بشرية أن تنفع نفساً بشرية، ومنها قوله تعالى ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.. ﴿وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة 48،123). وقوله تعالى ﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ (لقمان 33).
أما الآيات المتشابهة فهى تفسر بعضها بعضاً:
فقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. وقوله تعالى ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (يونس 3) يشير إلى أن هناك من المخلوقات- غير البشر- من يشفع ولكن بعد إذن الرحمن. ولكى تعرف هذه المخلوقات نرجع إلى باقى الآيات المتشابهة:
فالله تعالى يقول ﴿يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَـَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (طه 109). فالآية هنا أضافت الرضى من الرحمن بعد الإذن، وتأتى آية أخرى تقول عن الجاهلين وعبادتهم للملائكة ﴿وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمَـَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء 26: 28). إذن يتضح لنا أن الملائكة هى التى تشفع ولكن بعد رضى الله تعالى وإذنه وأمره، ثم تأتى آية أخرى تقول بصراحة ﴿وَكَمْ مّن مّلَكٍ فِي السّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىَ﴾ (النجم 26). إذن الملائكة هم المقصودون بقوله تعالى ﴿مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾. 
ولأنهم ملائكة فإن لهم دوراً فى الحساب، وهذا الدور قد حدده رب العزة بأمره وإذنه ورضاه، ولا اختيار للملائكة فى ذلك، وعليه فالشفاعة مصدرها الله تعالى، بأمره وإذنه ورضاه، أما أولئك البشر الذين أصدروا من عندهم قراراً بأن بعض البشر سيشفع فيهم عند الله، فالله تعالى هو الذى رد على أولئك الذين أخذوا من عندهم شفعاء من البشر لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، يقول تعالى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر 43،44).
فالبشر هم الذين يتخذون الأولياء والشفعاء، وهم الذين يؤلفون الأساطير والأحاديث والأكاذيب، وهم الذين يعبدون أولئك الشفعاء وينتظرون منهم المدد فى الدنيا والجاه فى الآخرة، وينسون أن الله تعالى هو وحده الولى ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيّ﴾ (الشورى 9) وينسون أن الله وحده هو الشفيع ﴿أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ.. قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾.ومن عجب أن القرآن يؤكد على أن النبى لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، ومع ذلك يجعلونه مالكاً ليوم الدين وشفيعاً يوم القيامة بالمخالفة لكتاب الله العزيز.
والأعجب أنهم يتلاعبون بالآيات الكريمة المحكمة والمتشابهة لاثبات مزاعمهم ثم يزيفون أحاديث ينسبونها للنبى محمد عليه السلام وهو الذى كان لا يعرف الغيب وليس له أن يتكلم فيه. وهكذا بالتحريف و الكذب والتلاعب بآيات الله تعالى أعادوا عقائد شركية تناقض عقيدة الاسلام فى أن الله تعالى هو مالك يوم الدين ، وأنه وحده الولى والشفيع وأنه ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا..
المحصلة الختامية لما سبق أنه كان يجب على المسلم الاكتفاء بالقرآن الكريم ويجب على العالم المسلم الاجتهاد من خلاله فى مجالين : الأول : الاجتهاد فى تنظيم المباح فى ضوء المقاصد الكبرى للتشريع الاسلامى القرآنى كما سبق ، والثانى الاجتهاد فى تطبيق الأحكام التشريعية القرآنية فى ضوء العرف أو المعروف أو ما يتعارف عليه الناس أنه خير وعدل وتيسير والأكثر ملاءمةللظروف ، وقد يستدعى هذا التطبيق اصدار قوانين أو قواعد تفسيرية أو تنظيمية. كل ذلك بدون تحليل حرام أو تحريم حلال ، وبدون خرق لقيم الاسلام العليا من العدل و حرية البشر فى الفكر والمعتقد و السلام والرحمة والاحسان أو بمفهوم عصرنا التسامح. أى اجتهاد فى ضوء النصوص القرآنية يكون به القرآن هو الأعلى وهو المهيمن . وهذا ما لم يحدث فى تاريخ المسلمين فى العصور الوسطى.
لقد ساد بين السابقين أن القرآن معجز فى فصاحته فقط فتحول الاهتمام الى ناحية اللغة والبيان الأدبى وتحول القرآن الى نصّ أدبى عند البعض. بينما لم يحظ الاعجاز التشريعى فى القرآنى باى اهتمام . بل على العكس ؛ نظروا اليه من خلال ما صنعوه من احاديث منسوبة للنبى محمد عليه السلام ، وحاولوا التوفيق بينه وبين تلك الأحاديث لصالح أحاديثهم و رؤاهم ، وعالجوا التناقض بين القرآن الكريم وتلك الرؤى البشرية التى اكتسبت صفة الحديث والسنة بتجاهل آيات القرآن أو القول بنسخها أى الغاء حكمها ، أو بتاويل المعنى القرآنى وتحريفه. ولولا أن القرآن الكريم محفوظ بقدرته جل وعلا لتم الغاء معظم آياته ليس بالمعنى ولكن باللفظ والنصّ . ولأنه محفوظ من لدن الله تعالى فقد ظلت نصوصه حجة على كل ما فعلوه بالقرآن الكريم مما يسمى بالتفسير والتاويل والحديث والسنة و النسخ. 
القرآن الكريم لا تنتهى إعجازاته . وفى عصرنا يكتشف العالم جوانب من الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم ، وفى العصور القادمة سيكتشف العالم المزيد والمزيد حيث سيظل القرآن الكريم معجزا لكل عصر الى قيام الساعة. واليوم يهلل المسلمون عندما تتوافق حقيقة علمية مكتشفة حديثا مع القرآن الكريم . المفجع أنهم لا يسألون أنفسهم السؤال المؤلم : اذا كانت هذه الاشارات العلمية موجودة فى القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرنا فلماذا غفل عنها علماء السلف وأئمتهم ؟ لماذا ظلت مجهولة فى القرآن الكريم الذى اعتادوا قراءته و حفظه فى الصدور؟ الاجابة لأنهم انشغلوا عن القرآن الكريم بكل ما يخالف القرآن الكريم من النسخ والحديث والسنة و التأويل و التفسير؛ انشغلوا بما ابتدعوه لأنهم اختلفوا فيه فازدادوا انشغالا عن القرآن الكريم. لا يزال حتى الان الاختلاف فى نسخ آياته والاختلاف فى تاويلها وفى رواة الأحاديث و السند والمتن و الاستواء على العرش و ومرتكب الكبيرة و .. ولا يزالون فى اختلافاتهم الهائلة فى توافه الأمور من الحجاب والنقاب ودماء المسلمين تسيل أنهارا تنذر بحروب أهلية عامة قادمة . نرجو الله تعالى منها السلامة...


الكاتب الغى الشفاعة البشرية حتى للأنبياء واثبت شفاعة الملائكة بدون دليل يثبت ذلك، فلم يأتي بدليل من القرآن يقول أن البشر سواء كانوا أنبياء او غيرهم لن يشفعوا .. الكاتب اعتقد ان شفاعة النبي تلغي كون الله مالكا ليوم الدين، ولم يقلها عن الملائكة ! مع أنهم سوف يشفعون ! موقف الكاتب من الشفاعة ليس واحداً، فإذا كانت للنبي فهي تدخل في شؤون الله وملكٌ ليوم الدين بدلا من الله ! وإذا كانت للملائكة تغير الأمر ! مع أن الشفاعة شيء واحد !

الله يقول (إلا بإذنه) ، (إلا لمن ارتضى) .. القرآن اثبت شفاعة الملائكة لكنه لم يقدمها على سبيل الحصر، فالقرآن لم يحصر الشفاعة على الملائكة، بل الكاتب قام بذلك العمل من نفسه .. فمن الممكن ان يشفع النبي بنفس الشروط التي تنطبق على الملائكة ، والملائكة انفس ايضا، فلماذا لا تنطبق آية (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) على الملائكة ؟

النتيجة أنه لا شفاعة لأحد في الدنيا، فالشفاعة في الآخرة، وآية (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) ، أي خلتكم وشفاعتكم في الدنيا لمن تعتقدون انهم يقربونكم الى الله زلفى .. ولا يعني هذا الغاء الشفاعة في الآخرة كما أعتقد الكاتب انها هي الاية المحكمة لأنها تنفي الشفاعة، والايات الاخرى التي تثبتها اعتبرها متشابهة! فكأن الآيات المحكمة والمتشابهة متناقضة ! والقرآن ينص على وجود الشفاعة ولكنها بغير مفهومنا الدنيوي عن الشفاعة او الواسطة .

الشفاعة تكون يوم القيامة بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، من باب التكريم لهم. اذن الذي رحم في الشفاعة هو الله وليس الشافع، يؤيده قوله تعالى (بل لله الشفاعة جميعا). فالذي ينفع في الشفاعة هو الله وليس الشافعون ، قال تعالى (فما تنفعهم شفاعة الشافعين).

وقوله تعالى (لمن يشاء) تشمل الشافع والمشفوع له، اذ يرتضيهما الله تعالى .. أي ان الله هو من يحدد لنا من يشفع لنا، وليس لنا ان نحدده في الدنيا .. اذن الشفاعة بالنسبة لنا كبشر لا قيمة كبيرة لها، بل رضا الله هو ذو القيمة، لأنه تعالى سيحدد من سيُشفع له، وسيحدد شافعه، وهذا من باب التكريم للشافعين والمشفوع لهم والتأليف بينهم كما قال تعالى (ونزعنا ما في قلوبهم من غل) ..

اذن الشفاعة ليست كما نفهمها على طريقة الواسطة وهي أن تحدد من يتوسط لك وتكرمه وتمدحه لكي يضغط على صاحب القرار فيغير قراره، هذا غير موجود في الآخرة، بل الشفاعة لله، وبدل ان تقول : يا فلان اشفع لي ، قل : يا رب شفّع بي .. فإذا كنا نحدد الشفعاء فهذا اجتراء على امر هو من امور الله، وهو تحديد الشفعاء ..

لاحظ قوله تعالى على طريق التغليظ : (من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه) أي من الشفعاء الذين تفترضونهم لأنفسكم، وأسلوب تحديد شفيع في الدنيا هو قلة ادب مع الله وكأنه قابل للضغط عليه لتغيير رأيه ! ربما تختار من تحب وتعظمه ليشفع لك، فيشفّع الله فيك احدا كنت تبغضه وتسيء الظن فيه او تحتقر مكانته .. الله يقول (من ذا الذي يشفع عنده الا بأذنه) وأنت ايها البشر تصنع لك شفيعا من دون اذنه !

الشفاعة كلها من شؤون الله ، وهي من خصائص يوم القيامة لا وجود لها في الدنيا. المؤمن لا يحتاج ان يتوسط له احد، ولم يأمرنا الله ان نبحث عن شفعاء، بل نهانا، ألا يكفينا وعد الله الذي قال ( الا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ؟ .. لماذا لا نوليه امرنا ونوكله ؟ أليس هو نعم الوكيل؟

والبحث عن شفعاء هو عدم ثقة بوعد الله، وايضا اجتراء على تحديد مكانة احد عند الله، هذا غير ان الله لا يضغط عليه احد مهما كانت مكانته. وهي أساسها حيلة نفسية تجعلك تستفيد من عمل الصالحين وتجيّره لك. مع أن الله يقول (كل نفس بما كسيت رهينة) (وأن ليس للإنسان الا ما سعى) .. ومثله التوسل والتبرك للاستفادة من عمل لم نعمله بحجة أن هؤلاء غالين عند الله ولن يرد كلمتهم ، أي سيغير رأيه بسبب محبته لهم .. هذه نظرة بشرية لأحكم الحاكمين، وما قدروا الله حق قدره، جعلوه مثل والي او امير ..

اذن الشفاعة موجودة، ولا نستطيع ان نحددها فقط في الملائكة، وان الشفاعة من شؤون يوم القيامة، و انها بيد الله ، وان الله هو الشفيع .

اذن علينا الا نهتم بهذا الموضوع اصلا، لأن الله لم يأمرنا ان نبحث عن شفعاء، بل انما أشرك المشركون بسبب هذه الفكرة .. علينا ان نُرضي صاحب الشفاعة، وهو الله وليس الرسول أو غيره، لأن جميع الشفاعة لله. الشفاعة الدنيوية تكون لمن لا يعلم بعض الحقائق او بعض ظروف المتهم، أو لتقديم ضمانة عليه الا يعود لخطئه، أما مع الله فالله يعلم السر وأخفى، ولا احد يزيد علم الله شيئا جديدا اذا شفع. ولن يكون احدٌ ارحم من الله ، لانه ارحم الراحمين .. فكيف نترك رحمة ارحم الراحمين ونبحث عن رحمة بشر يشفع لنا عند ارحم الراحمين واعلم العالمين؟ هذا غير ان الشفيع نفسه مثلنا في امسّ الحاجة لرحمة الله ، وسوف يحاسب، حتى لو كان نبيا .

البحث عن شفعاء اذن هو مدخل من مداخل الشيطان يؤدي الى الاتكالية والتطفل على اعمال الغير والكسل عن مواجهة الذات واصلاح عيوبها، واذا زاد يدخل في الشرك، وفيه قلة أدب مع الله وتدخل في شؤونه. وهو المسلك الذي وقعت فيه الامم بالشرك، فكفار قريش يسمون الهتهم بالشفعاء عند الله . قال تعالى (وما نرى معكم شفعائكم ..) .. 

لابد من تصفية العلاقة بين العبد و ربه ولا يدخل فيها احد، كائنا من كان، الا من ارتضاه الله يوم القيامة من الشفعاء و قال صوابا. البشر لا يمكن ان يعرف من هو شفيعه، ولا يحق له ان يحدد.

وما الفائدة من اختبار الانسان في الدنيا اذا كان سيتكل على عمل غيره ومكانته عند الله ؟ هذا يزيد الاهتمام بالشفعاء على حساب حق الله . بحجة أننا كلما احببناهم وعظمناهم توسطوا لنا ! مع أن الله هو السميع البصير.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق